إعلامنا العربي مصاب بمتلازمة الثقافي و"الثقفي".. فهناك وراء كل ثقافي متميز، "ثقفي" من نوع خاص، يريد أن يوجهه أو يجذبه إن حاد، حجاج لا يحب الحجاج.. اصطنع لنفسه منجنيقا يصب به جام ساديته على المشاهدين.

لهذا الحجاج عصا اللامبالاة، وصولجان المهرجان، وسيف ديموكليس وكلب بافلوف، وله أيضا جدانوفية السلطة وأموال الدعاية، وله النجوم وأفول النجوم.

يؤكد هذا الثقفي المعاصر للجميع أنه يعرف ما ينبغي للجميع ويسخَّر استطلاعات الرأي على مقاساته، ويبذل الغالي والرخيص.. بما يغرق الجمهور بالمبتذل الرخيص.

استغناء
يقول مقدم البرامج الثقافية والكاتب المغربي ياسين عدنان "نحن نشعر كما لو أننا فاعلون ثقافيون في فضاء يحرص على ألا يبدي أي تسامح مع الثقافة".

ويرى أن التلفزيون في العالم العربي يبدو وكأنه مستغن عن الثقافة بالكامل، ولديه وهم القدرة على صناعة كل أنواع الإنتاجات التلفزيونية، في استغناء تام عن الثقافة وانفصال عنها، "لهذا نجد أنفسنا في حالة ترافع دائم من أجل إقناع إدارات التلفزيون بأننا نحتاج الثقافة أيضا، كرؤية ناظمة للإنتاج التلفزيوني من الأساس".

ويؤكد عدنان أن المسؤولين لا يتصورون إلى أي حد أن البرنامج الثقافي أساسي ومفصلي في البرمجة التلفزيونية العربية، فنحن في مجتمعات غير قارئة مرت مباشرة من الشفاهة إلى التلفزيون دون أن تترسخ لديها عادة الذهاب اليومي والدؤوب إلى المجلة والجريدة والكتاب.

ويتابع "نحن أمام مجتمعات تكاد تكون غوغائية مستغنية عن الثقافة، ويمكن أن يخدرها أي شعار، ويتلاعب بها أي خطاب سطحي، وفي الوقت نفسه أمام بلدان المفروض أنها معنية بهؤلاء المواطنين تحميهم من التطرف والانزلاق وراء الخطابات السهلة وغيرها".

ويرى أننا بحاجة ماسة إلى برامج ثقافية جدية، لأن مجتمعات لا تذهب إلى الكتاب مباشرة تحتاج إلى الأفكار الكائنة في الكتاب، مستغربا من وجود نوع من التلفزيونات التي تعادي حتى مشاريع دولها، فمثلا الدول تريد محاربة الإرهاب، وهذا لن يكون بالشعارات بل بالتثقيف.

ويذهب عدنان إلى أن الناس لديها حس نقدي، وعلى الأقل بقراءة الأدب يتغذى الوجدان وتخرج من حالة الإيمان المطلق بالخطابات العمياء إلى قليل من الرهافة والمساءلة والنقد والشك، وكل ما يكرسه الأدب والفكر في وجدان الجمهور العام.

استهداف الثقافة
بدوره، اعتبر مقدم البرامج الثقافية والكاتب التونسي كمال الرياحي أن مسألة الثقافة جوهرية جدا ومفصلية في الإعلام العربي، ورغم ذلك هي تقريبا النقطة الأضعف في الإعلام العربي.

ويضيف أن البرامج الثقافية بشكل عام هي المستهدفة دائما، مثلها مثل صفحات الثقافة بالصحف، مستهدفة من الإشهار ويتم تغييبها، ولا أحد تقريبا ينتصر لها أو يشعر بغيابها رغم خطورة ذلك، ونخوض مع زملائنا هذه الحرب الحالمة الشريفة.

ويفرق الإعلامي والكاتب التونسي بين نوعين من التلفزيونات، فهناك الخاصة والعمومية، وتوجهات التلفزيونات العمومية يفترض أن تكون مختلفة تماما، والذي سقطت فيه الكثير منها هو محاولاتها منافسة القنوات الخاصة، التي تحكمها أهداف أخرى وميكانزيمات أخرى ونسبة المشاهدة وغير ذلك.

فالتلفزيون العمومي من أهدافه أولا أن تكون هناك رسالة تربوية وثقافية، وأساسه البناء، ومع الأسف في تلفزيوناتنا الوطنية نرى أن البرامج الثقافية تحاسب ليس على قيمتها وجودتها، وما يمكن أن تبنيه على امتداد برمجتها، وإنما على نسبة المشاهدة تلك التي تربت عند التلفزيونات الخاصة.