- البعد الإنساني وملامح خلق الإنسان في القرآن الكريم
- مراحل عمر الإنسان وطبيعة صفاته
- الدور المنوط بالإنسان وقضية التسيير والتخيير
- أشكال هدر الإنسان لطاقاته وقدراته

 عثمان عثمان
 أحمد العبادي
عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام ورحمة الله وبركاته. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا}[الإنسان:1] ويقول عز من قائل{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة..}[البقرة: 30] ذكر لفظ الإنسان في النص القرآني مرات قليلة لا تتجاوز 58 مرة فهو قليل بالنسبة للفظ الجلالة التي تعد أشد الألفاظ تواترا لكن الإنسان هو مركز حديث القرآن فالقرآن يهدي الإنسان للتي هي أقوم وهو رحمة للعالمين، والدين هو في حقيقته إيمان بمصير الإنسان مما يجعل حقيقة الحياة الدينية هي اكتشاف المؤمن رتبته في سلم الموجودات. وسياق ذكر الإنسان في القرآن يأتي على محاور متعددة فمحور يتحدث عن صفات سلبية للإنسان وآخر يتحدث عن تكريم الله للإنسان وتسخير الكون له وثالث يتحدث عن استعدادات متنوعة تم تزويد الإنسان بها ورابع يتحدث عن هدر قدرات الإنسان ووجوده إلى غير ذلك. ففي زمن الإنسان المهدور كيف نعيد بناء دور الإنسان؟ وأي صورة يرسمها القرآن الكريم لهذا المخلوق؟ الله والإنسان موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور أحمد العبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء في المغرب ينضم إلينا عبر الأقمار الاصطناعية، مرحبا بكم دكتور؟

أحمد العبادي: مرحبا أخي عثمان.

البعد الإنساني وملامح خلق الإنسان في القرآن الكريم

عثمان عثمان: القرآن الكريم خطاب الله تعالى للإنسان وهو من أجل الإنسان، كيف يتجلى البعد الإنساني في الخطاب القرآني؟

أحمد العبادي: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، البعد الإنساني يتجلى في القرآن المجيد باعتبار هذا الكائن كائنا مسؤولا كائنا رفع إلى أعلى مصاف الكرامة من أجل أن تتيسر له هذه المسؤولية، أسجد له الله عز وجل له الملائكة وبين له أنه قادر على القيام بكل الأمور من خلال ذلكم الحوار الفريد الموجود في غير ما موضع من القرآن الكريم حيث قال الله عز وجل للملائكة حين قالوا {..قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء..}[البقرة: 30] لأنهم كانوا يعلمون أن النسق الكوني نسق مركب وأن هذا الإنسان الذي كان في بدايته عديم التجربة قد يعثر عليه أن يتحمل هذه المسؤولية، مسؤولية الإصلاح في هذا النسق المعقد، كما لو أطلقت رضيعا طفلا في بيت إلكتروني معقد قد يفسد فيه {..أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها..}[البقرة:30، 31] هذا التعليم للأسماء هو أول قدرة كبيرة عظيمة قد زود بها الإنسان أي أنه قادر على تفكيك المجملات قادر على التفصيل قادر على الدخول في الوقوف على مكونات التركيبات مهما تعقدت، وهذه القدرة حين شفعت بالوحي علم تلقى آدم من ربه كلمات فإن هذا الإنسان قد أصبح قادرا على جمع المعطيات من الكون، الكتاب المنظور، كما أصبح قادرا على جمعها وتلقيها من القرآن المجيد الكتاب المسطور، كل ذا في تقويم حسن {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}[التين:4] سوي بيدي الرحمن الكريمتين سبحانه وتعالى فجمعت كل هذه الأمور لكي تصبح في هذا الإنسان مُقدرة إياه لحمل هذه الأمانة التي أشفقت السموات والأرض والجبال من حملها وأبين أن يحملنها..

عثمان عثمان (مقاطعا): على كل فضيلة الدكتور سنتحدث ربما بتفصيل أكثر عن هذه التكريمات الربانية للإنسان من حيث هو إنسان لكن طبعا هناك البعض يرى في الثقافة العربية معنى سلبيا للإنسان قبل القرآن الكريم وربما في لسان العرب ما يؤيد ذلك من أن هذا المعنى يحيل إلى الضآلة إلى الانقطاع إلى العزوف عن الجماعة، بالعودة إلى القرآن الكريم دكتور، البعض يرى أن هذا القرآن الكريم نزل بلغة إنسانية مع أنه مضمون إلهي، يتعامل مع القرآن كنص لغوي فقط لا غير، كيف يكون هذا النص القرآن الذي هو بلغة بشرية وبنفس الوقت يحتفظ بأن له مضمونا إلهيا؟

أحمد العبادي: دعني أخ عثمان قبل أن أدخل في لغة القرآن ألاحظ بعض الملاحظات حول قضية أن الإنسان ضئيل في لغة العرب، وأنه إنسان نفور، كائن نفور من الجماعة، قضية الضآلة هذه عولجت بإسجاد الله عز وجل للملائكة للإنسان وهذا الإسجاد للملائكة وكما سلف تكريم أيما تكريم والتكريم شرط في تحمل المسؤولية. أما بالنسبة لقضية العزوف والنفور والنشوز عن الجماعة فإن هؤلاء كانوا في المجتمعات العربية معروفين بأسمائهم وهم الذين سموا بالصعاليك أي أنهم قد نشزوا من جماعاتهم وقد استهجن منهم هذا السلوك وسموا هذا الاسم الذي سرى عليهم إلى يوم..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا دكتور نحن تحدثنا في سياق الكلام أن هذا المعنى كان موجودا قبل نزول القرآن الكريم وأن القرآن جاء ربما بمنطق جديد وبفكرة جديدة عن هذا الإنسان.

القرآن المجيد ثورة معرفية عارمة قد أفضت بكل الفساد الذي كان منهجيا ومعرفيا إلى سراديب النسيان والإنكار من قبل العقول السليمة
أحمد العبادي:
لا شك أن القرآن المجيد ثورة معرفية عارمة قد أفضت بكل الفساد الذي كان منهجيا ومعرفيا إلى سراديب النسيان وسراديب ربما الإنكار من قبل الفطر السليمة والعقول السليمة دونما تقليل من شأن الاعتبار، الاعتبار من هذا التراث الذي يبقى على كل حال تجربة بشرية. بالنسبة للغة القرآن حين تتصل إرادة الله عز وجل بالحرف فإنها تصيره قرآنا كما أن هذه الإرادة ذاتها العلية حين اتصلت بالطين صيرته إنسانا، إرادة الإنسان حين تتصل بالحرف تصيره كلاما شعرا أو نثرا كما أنها حين تتصل بالطين تصيره تماثيل، مجرد تماثيل، الذي يستعمل المادة سواء كانت لغوية أو طينية هو الذي يعطي لهذا الاستعمال روحه ويعطيه شخصيته، المستعمل ها هنا هو من أحاط بكل شيء علما ولذلك فحين يقول الله عز وجل {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن..}[يوسف:3] أو حين يقول {..أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني..}[الزمر:23] فإن هذه الأفضلية أفضلية مطلقة بمطلقية الله سبحانه وتعالى، {..أحاط بكل شيء علما}[الطلاق:12]، لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وفي الآن ذاته رحيم بهذا الإنسان، ومن أسمائه الرب، أنه يربّ هذا الإنسان يربيه يرعى شؤونه باطنيا وظاهريا فرديا واجتماعيا. فلغة القرآن لأنه قد اتصلت بها إرادة الله تعالى قد أصبحت لغة فريدة وإن كانت بالحروف ذاتها {ألم}، {كهيعص}، {حم}، الحروف نفسها الأبجد الذي نستعمله جميعا، الكلمات التي نستعملها لكن هذا الاستعمال حين اتصلت به إرادة الله العلية فقد أصبح هذا الكلام قرآنا، قد تُحدي الإنس والجن أن يأتوا بسورة من ممثله {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله..}[البقرة:23] {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}[البقرة:24]

عثمان عثمان: إذاً هذا الإنسان الذي نتحدث عنه فضيلة الدكتور، الآيات القرآنية الأولى التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم تحدثت عن خلق القرآن وهناك آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل تتحدث عن هذا الخلق، لو أردنا الآن أن نسأل وطبعا دون الوقوف على تفاصيل ذلك، كيف يمكن توضيح ملامح خلق الإنسان في القرآن الكريم؟

أحمد العبادي: خلق الإنسان قد اقترنت به وكما سلف إرادة الله عز وجل الكمال المطلق فهذا الخلق أيضا جاء على الكمال المطلق الممكن تخيله في شأن مخلوق قد ذرئ في هذا البعد من أبعاد الوجود وقد نص الله تعالى على هذا حرفا وكلماته حين قال{..ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي..}[ص:75] أي أن هذا الخلق بيد الله تعالى وأن هذا الإنسان قد قوم في أحسن تقويم والتقويم أي التجهيز بكل ما يمكّن هذا الإنسان من القيام والاضطلاع بمهامه التي قد ذرئ في هذه الأرض في هذا الكون من أجل القيام بها، إذاً الخلق هو خلق غائي أي أن هذا الإنسان قد خلق لغاية، أن يُستخلف {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني قبل الدخول إلى الدور المنوط بهذا الإنسان في وجوده على الأرض، يعني دعنا نتحدث في موضوع الخلق بالذات دكتور يعني هناك آيات كثيرة ربما تتكرر بألفاظها وتتكرر بمعانيها، هل لهذا التكرار في موضوع خلق الإنسان في القرآن الكريم من مغزى أو من غرض ما؟

أحمد العبادي: طبعا هناك مغازي لأنه وكما سلف أنا كنت أتحدث عن الدور في علاقته بالخلق، أن هذا الخلق خلق غائي، خلق هذا الإنسان وقوم بهذا التقويم الأحسن من أجل أن يقوم بأدوار معينة أي أن هذا الخلق كان مستجيبا لهذه الأدوار التي يراد للإنسان أن يقوم بها التي قد حمل أمانة القيام بها. فمن حيث التعدد للآيات التي قد وردت في القرآن بهذا الشأن فإنها يسري عليها ما سماه الله عز وجل التصريف، أي أن هناك تصريف للآيات، كل مرة، كل مرة يمكن الإنسان أن ينظر إلى حقيقة من الحقائق إلى مركب مفاهيمي إلى مجموعة من المعطيات من زاوية معينة، فورود هذه الآيات ضمن أسيقتها هو الذي يعطيها شخصيتها المعنوية فكل مرة ترد هذه الآية في سياق يكون الإنسان قادرا على النظر إلى هذه الحقائق من زوايا متعددة بتكاملها يتمكن الإنسان من بناء رؤيته لذاته وبناء رؤيته لدوره في هذا الكون وفي هذا الوجود.

عثمان عثمان: في موضوع خلق الإنسان فضيلة الدكتور، القرآن أشار إلى هذا الخلق وأشار إلى الصفات الجسدية يعني كما جاء في القرآن الكريم {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}، {الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك}[الانفطار:7، 8]، {..وصوركم فأحسن صوركم..}[التغابن:3] إلى آخر هذه الآيات، هل ترون في ذلك ردا على النظرية التي تقول بأن الإنسان خلق بشكل ما ثم تطور هذا الخلق حتى أصبح الإنسان على هيئته التي هو عليها الآن؟

أحمد العبادي: الإنسان قد زود بخصيصة من أعظم الخصائص وهي الفضول المعرفي، هذا التعطش إلى العلم وإلى المعرفة، فهو يستنطق يسائل ولكن الذي حذر منه هذا الإنسان في ذات القرآن المجيد نفسه هو أن يقف ما ليس له به علم، حين يحاول هذا الإنسان بناء نظرية من النظريات فإن القرآن الكريم قد حذره من أن يملأ الفراغات بقطن الخرافة أي أن هذه الفراغات لا حق للإنسان أن يملأها إلا بالحقائق {..هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}[النمل:64] {..أو أثارة من علم..}[الأحقاف:4] الافتراض من الناحية القرآنية جائز، يجوز للإنسان أن يفترض ولكن لا يجوز له أن يجزم بشيء. النظرية التطورية نظرية قد شكلت من مجموعة من الحلقات وكثير من هذه الحلقات بقيت فارغة ولم تملأ بالوثائق ولا بالبراهين ولا بالأثارات العلمية {..أو أثارة من علم..} مما يحيل الجزم بهذه الأمور وعلى كل حال فإنها تبقى إنجازا معرفيا رائعا يترجم هذا الفضول المعرفي الإنساني، بالنسبة للمنظومة القرآنية فإن هذا الخلق الذي كان للإنسان قد كان بإرادة الله عز وجل وقد كان ابتداء وقد خلق هذا الإنسان وعرض على الملائكة وأثار ذلكم حفيظة مخلوق آخر كان يتوق، كان يرنو إلى مقامات معينة وهو إبليس كما في القرآن المجيد {..أنا خير منه..}[ص:76] إلى غير ذلكم من المواقع التي فيها ظهور لهذه الحفيظة التي أثيرت وبعد ذلك أنزل هذا الإنسان إلى هذا البعد من أبعاد الوجود. ما هي التفاصيل العلمية التي نتمكن بها من أن نؤثت هذه الإدراكات حتى تصبح مدركة بتفاصيلها وبجزئياتها أو بمفرداتها؟ هذا جهد ينبغي على علمائنا في هذه المجالات البيولوجية أن يرفعوا تحديه ببذل كل ما في مكنتهم من أجل أن يصبح هذا الإدراك لحقيقة خلق الإنسان إدراكا بعد أنه قرآني أيضا له بعده في استجماع الآيات الكونية حتى يلتقي الماء على أمر قد قدر، الأنوار العلمية الكونية والقرآنية تلتقي حتى يصبح إدراك الإنسان لذاته في هذا المجال أيضا أكمل إن شاء الله.



مراحل عمر الإنسان وطبيعة صفاته

عثمان عثمان: إذاً {..قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين..}[النمل:64] القرآن الكريم أيضا دكتور تحدث عن مراحل عمر الإنسان من الطفولة إلى الشباب إلى الشيخوخة، {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير}[الروم:54] ما المغزى من كل هذا؟

أحمد العبادي: هناك مغازي، أولها أن هذا الإنسان مشروع يتكامل عبر الزمن أي أن هذا الإنسان لا يولد كاملا منذ الوهلة الأولى فكما أنه بيولوجيا يتكامل عبر الزمن يستكمل قدراته يستكمل مؤهلاته تجاربه عبر الزمن فإنه كذلك جماعيا مشروع يتحقق عبر الزمن، يمكننا أن ننظر فيما كان الإنسان يرومه من طيران، محاولات الطيران في مطلع القرن الماضي وكيف أن هذه التجارب تبدو لنا في القرن الحادي والعشرين مضحكة لكن هذه القدرة على التكامل عبر الزمن جعلتنا نطير بسرعة هي أسرع من الصوت، أستطعنا الآن أن نقارب سرعة الضوء نظريا بقي علينا أن ننجز ذلك عمليا وفي مجالات أخرى في المجالات المعرفية في المجالات الصناعية في المجالات التي تتعلق بضبط الجماعات وآليات ومراكز وسلط هذه الجماعات، في أمور تتعلق بالأبعاد المالية والاقتصادية وحسابات ذلك، حتى في الأمور التي تتعلق في استشراف المستقبل ما هو جزئي منه لأن الغيب جزآن، هناك غيب مطلق وهناك غيب جزئي أي أن الإنسان يتكامل عبر الزمن ونحن نرى هذا التكامل ظاهرا للعيان في كل هذه المجالات، كون الإنسان يولد ثم بعد ذلك ينمو ثم تعسو عظامه ويصبح قادرا على الانفطام ويصبح قادرا على أن يقوم بأموره بعد أن يكون قد تلقى من التجارب ما تلقى على الصعيد الفردي يجعل منه مشروعا متكاملا في ذاته عبر الزمن وكذلك جماعيا هو مشروع قابل لأن يتكامل عبر الزمن. بقيت قضية أخرى هي من أعظم التحديات اليوم فوق هذا الكويكب أي أن نتكامل شعوبا وأمما أي أن ننجز هذا التعارف، أن نحاول مقاربة هذا النضج الذي به نكف عن إيذاء أمنا الحنواء كوكبنا هذا وإيذاء أنفسنا بهذه الحروب الطاحنة والمدمرة أي مطلوب منا بنفس منهج التكامل أن نصل إلى مرحلة التعارف حيث نستفيد من بعضنا البعض وننضج لكي نجتنب الدمار الذاتي والجماعي.

عثمان عثمان: إذاً ربما هناك مغازي كما ذكرتم فضيلة الدكتور حول ذكر القرآن لمراحل عمر الإنسان. بالعودة إلى خلق الإنسان بالأصل خلقه الله تعالى في أحسن تقويم وهناك الآيات الكثيرة التي ذكرنا بعضها فيما سبق ولكن السؤال الآن دكتور هناك بعض من يولد يولد غير سوي، بعاهات معينة أو أن الإنسان يصاب بعد الولادة أيضا بعاهات معينة، هل يتعارض ذلك أو هل يستقيم مع {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}؟

أحمد العبادي: بدن الإنسان ما هو إلا بعد قليل من هذه القدرات ومن هذه المؤهلات ومن هذا التقويم الأكمل الأحسن الذي أعطيه الإنسان، هناك جوانب أخرى وجدانية وهناك جوانب فكرية وهناك جوانب روحية نفسية نحن لا نستعمل منها اليوم أزيد بالنسبة للنابغين أزيد من 10% أي أن هذا الجثمان، هذا الجسد الذي نتحدث عنه ما هو إلا كالجزء الظاهر من جبل الجليد Iceberg الذي يطفو فوق السطح بيد أن الأمور الأخرى كلها هي في حالة كمون لكن تجلياتها عظيمة جدا، هناك أناس قد ينقص شيء من قدراتهم الجسدية فيعوضون وجدانيا بأضعاف أضعاف ذلك، هناك من ينقص وجدانيا فيعوض جسديا، هناك من ينقص جسديا ويعوض عقليا فكريا وهكذا وتكليف الإنسان هو بحسب هذه القدرات التي أعطيها، {..ولا يظلم ربك أحدا}[الكهف:49] حين يستحيل الإنسان إلى كائن شاكر مستعمل لهذه المقومات التي أعطيها في إطار الابتلاء {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا..}[الملك:2] فذالك هو المطلوب منه والله عز وجل يزيد الشاكرين.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا نتابع إن شاء الله بعد الفاصل كيف تحدث القرآن عن الصفات النفسية والخلقية لهذا الإنسان. فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الله والإنسان مع فضيلة الدكتور أحمد العبادي والذي ينضم إلينا مجددا من المغرب عبر الأقمار الصناعية. فضيلة الدكتور، الله عز وجل وصف الإنسان بصفات سلبية عدة، وصفه بأنه لا يلتجئ إليه إلا عند الشدة والضرورة، وصفه بأنه ضعيف، وصفه بأنه جحود وصفه بأنه كنود إلى آخر الصفات السلبية التي وردت في ذكر هذا الإنسان، هل هذه الصفات هي خلقية أم كسبية؟ يعني هل هي من طبع الإنسان أم أنه يكتسبها في حياته؟

أحمد العبادي: هذه الصفات حين نرى تعامل نبغاء المفسرين معها نجدهم دائما يقولون عقبها لا ليبقى كذلك، خلق الإنسان عجولا لا ليبقى كذلك، قتورا لا ليبقى كذلك، أي أنها بمثابة التحذيرات والتنبيهات إلى مكامن الضعف فيك أيها الإنسان وأن هذه الأمور وجب أن تنتبه إليها لكي تقوم بحسب مفهوم المخالفة بقلبها نحو الإيجابي، حين يحذرك الله عز وجل من هذه الأمور فإنه يبين أن تلكم الغرائز التي تنطلق منها هذه الصفات السلبية، قتور أي أن الإنسان يحب التملك وحب التملك يمكنه من اللبث بأمان فوق هذا الكويكب، حين يقول الله عز وجل عجول فإن هذا يأتي من غريزة الإنجاز وأن الإنسان يريد أن ينجز الأمور بطريقة عجلى وبطريقة فعالة قدر ما استطاع، إلى غير ذلكم من الصفات السلبية كلها تنبني على غرائز تمكن الإنسان من العيش، أي أن الله عز وجل حين ينبه إلى هذه الصفات السلبية فإنه يزودك أيها الإنسان بالكوابح بالفرامل التي تجعلك تستعمل هذه الغرائز برشادة وحكامة تمنعان السلبي وتحتفظان بالإيجابي.

عثمان عثمان: طبعا في بداية هذه الحلقة تحدثتم دكتور عن المنح والعطايا الربانية لهذا الإنسان، أنه خلقه بيده، أنه نفخ فيه من روحه أسجد له ملائكة قدسه إلى آخر هذه الصفات الإيجابية، إذاً هناك صفات سلبية ذكرناها وهناك صفات إيجابية، كيف يمكن أن نفهم الصورة المكتملة للإنسان إزاء هذه الصفات المتضادة والمتناقضة؟

أحمد العبادي: قلنا آنفا إن هذه الصفات التي نسميها سلبية هي تحذيرات وتنبيهات لكي يتمكن الإنسان من أن يضبط هذه الغرائز التي تجعله قادرا على العيش في هذا الكوكب أن يضبط هذه الأمور بطريقة يستفيد فيها من الإيجابي من هذه الغرائز فحين وكما سلف يقول الله عز وجل الإنسان عجول الإنسان قتور إلى غير ذلك من الأمور فإن هذا يعني أنه عليك أن تربي نفسك وهذا بعد غائب في حياة المسلمين اليوم، بعد تربية النفس، جل الناس اليوم فوق هذا الكويكب يعيشون خصومات مع أنفسهم يربون أجسادهم، يعتنون بأجسادهم قد يربون عقولهم ويعتنون بعقولهم ولكن هذا الجانب النفساني يهملونه ولا يذهبون إلى الأمور وإلى الأماكن ولا إلى الأشخاص ولا إلى المؤسسات التي تمكنهم من تطبيب هذه الجوانب ومن تربيتها وتنشئتها وتزكيتها، والله عز وجل يقول {قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها}[الأعلى:9، 10] إذاً هذه الصفات التي نسميها سلبية ما هي إلا ضوابط لهذه الغرائز التي هي في أصلها إيجابية لكي يعيش الإنسان وكما سلف برشادة وحكامة إيجابيين، حين ينبه الإنسان إلى كل هذه الأمور التي يمكن أن تستحيل إلى ضرر فإنه قادر على تجاوز ذلك، وهذا هو الأمر الجميل في هذا الوحي الخاتم لأنه عبارة عن ترتيل أي بناء كما أن الكون بناء، أي أنه قابل للتعقل قابل للتفهم وهو عبارة أيضا عن آيات علامات {وعلامات وبالنجم هم يهتدون}[النحل:16] {..آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم..}[البقرة:248] أي علامة، وهذه العلامات التي في القرآن المجيد وتمكن الإنسان من الإبصار ومن الاهتداء إلى الصراط المستقيم تجعله قادرا على اكتساب ثلاث مهارات أساسية، الأولى أن يكون مكتسبا للفرقان الذي يفرق به عبر هذه الآيات بين الحق والباطل بين الخير والشر بين الصلاح والفساد بين الحسن والقبح هذه الأولى، الثانية أن هذا الإنسان عن طريق هذه الآيات يصبح قادرا على الهداية وقادرا على أن يسترشد هذه الآيات لكي يصل إلى وجه الله تعالى، {..يريدون وجهه..}[الأنعام:52] {كلا لا تطعه واسجد واقترب}[العلق:19] {وأن إلى ربك المنتهى}[النجم:42] الوصول إلى هذه القبلة النهائية هذا المنتهى وجه الله تعالى يحتاج إلى علامات والقرآن المجيد بآياته يمنحك أيها الإنسان من هذه العلامات، ثالثا، هذا القرآن يمكنك..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور طبعا من الخلق..

أحمد العبادي (متابعا): يمكنك من المعرفة بذاتك عبر هذه الآيات.



الدور المنوط بالإنسان وقضية التسيير والتخيير

عثمان عثمان: طيب، نعم من الخلق إلى الدور المنوط بهذا الإنسان على ظهر هذه الأرض الآيات القرآنية تحدثت ربما بكثافة عن دور هذا الإنسان وأنه لم يخلق عبثا ولم يخلق سدى يعني كما يقول الله عز وجل {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}[المؤمنون:115] وقوله عز وجل {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}[الذاريات:56] ما هو الدور المنوط بهذا الإنسان هل خلق ليشرب وينام ويتناكح ويتكاثر أم أن هناك غاية أكبر من ذلك؟

من الأمور الأساس التي على الإنسان أن ينتبه إليها أن عليه أن يعانق مراد الله عز وجل وأن يخيب ظن إبليس
أحمد العبادي:
الغاية الأساس هي أن يقوم هذا الإنسان بعبادة الله عز وجل بكل أضرب العبادة، العبادة الاجتماعية العبادة الكونية العبادة الشعائرية وهذه الأضرب الثلاثة من العبادات هي أضرب نجد أنها تلبي كل حاجيات الإنسان فوق هذا الكوكب، الحاجيات البيولوجية حين يعبد الإنسان ربه كونيا فإنه يستخلص من هذا الكون الخيرات التي قد قدرت فيها والأقوات، حين يعبده اجتماعيا فإنه يتعايش لكي يقوم أجزاء هذا النوع بحاجة الأجزاء الأخرى، البعض للبعض سخري، ثم العبادة الشعائرية تمكنك أيها الإنسان من تزكية ذاتك ولكن فيها تربية على النظام في الجانب الاجتماعي وفي الجانب الكوني كذلك. من الأمور الأساس التي على الإنسان أن ينتبه إليها هي أن عليه أن يعانق مراد الله عز وجل وأن يخيب ظن إبليس لأن الله تعالى يقول {..ولقد صَدَقَ عليهم..} في قراءة {..صَدَّقَ عليهم إبليس ظنه..}[سبأ: 20] ولا ينجو من هذا الظن إلا القليل، أي أن هذا الإنسان عليه أن يشتغل لكي يكمل ذاته فردا ويكمل ذاته اجتماعا. هذا لا يكون إلا إذا استطاع أن يستنطق عبر الحوار الذي تمكنه منه الأسماء وتمكنه منه الآيات أن يستنطق الكون فيستخلص الآيات من هذا الكون لكي يسير برشد ولكي يلبي كل الحاجات بحلم وأن  يستخلص أيضا عبر الحوار مع القرآن المجيد الكتاب المسطور الآيات والعلامات التي تمكنه من الأمور الثلاثة التي أشرنا إليها آنفا. ها هنا أمر في غاية الأهمية محوري وهو أن الأمانة التي قد أنيطت بالإنسان والتي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها هي أمانة -من جانبها الكبير- أمانة إدخال الآيات وإدخال الوحي إلى المحيط البشري، الوحي في الجانب الكوني يعمل طوعا وتقديرا وهداية {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين}[فصلت:11] وكذلكم الله عز وجل يقول إنه وفق هذا التقدير والهداية {سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى}[الأعلى:1- 3] فإن الكائنات كلها تسجد لله {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب..}[الحج:18] حين يصل السياق إلى الإنسان {..وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب..}[الحج:18] أي أن الوحي يعمل في الكائنات طوعا وتقديرا وهداية. ولكن في الموقف الآن..

عثمان عثمان (مقاطعا): ربما فضيلة الدكتور سنبسط هذه المعاني..

أحمد العبادي (متابعا): عفوا، أكمل هذه القضية، في الإنسان يعمل بالكدح وبالمكابدة لأن الإنسان مطلوب منه هو أن يستخلص هاديات الوحي وأن يدخلها إلى جانبه وها هنا مكابدة الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس في كل الأزمنة وفي كل الأمكنة.

عثمان عثمان: لنشرك فضيلة الدكتور معنا بعض السادة المشاهدين، الأخ هشام جبر فلسطين.

هشام جبر/ فلسطين: مساء الخير. {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}، هلق لما بيكون الإنسان لما بيجوا هؤلاء الأطفال مثلا بطبيعتهم مرضاء ويمتحنوا في الدنيا، اللي عمى، اللي سرطان اللي كذا، هذا بدي يفسره لي الدكتور بالله.

عثمان عثمان: الدكتور أجاب عن هذا السؤال لا أدري إن كنت معنا على الهواء عن الإجابة على هذا السؤال، هل هناك سؤال آخر؟

هشام جبر: لا والله ما في شيء.

عثمان عثمان: الأخ خالد الشميلي السعودية، الأخ خالد هل تسمعني؟ الأخ بسام العولقي من السعودية.

بسام العولقي: مساك بالخير أخ عثمان، قال الله عز وجل خلق الإنسان في كبد..

عثمان عثمان (مقاطعا): {لقد خلقنا الإنسان في كبدٍ}[البلد:4].

بسام العولقي: عفوا، {لقد خلقنا الإنسان في كبد} قال الله عز وجل، فما معنى تفسيرها وجزاك الله خيرا؟

عثمان عثمان: نعم، إن شاء الله خير، شكرا لك، دكتور، {..خلقنا الإنسان في كبد} ما معنى الكبد هنا؟

أحمد العبادي: يعني من الجميل الموافقات أن هذا كان ما ختمنا به حديثنا أن الإنسان حين طولب بمقتضى هذه الأمانة بأن يدخل هذه الآيات إلى مجاله، رأينا كيف أن الأنبياء كابدوا لأنهم كانوا يقاومون كل السوابق المعرفية، كل العادات التي كانت مستقرة والتي لم تكن بالضرورة نتيجة استنطاق صواب للكون ونتيجة بقاء محفوظ لما كان قد أوحي به قبلا لأن النبوات قد حصل فيها الاندراس ولا سيما في الفترات التي تسمى بأهل الفترة أو يسمى أهلها بأهل الفترة، إذاً فالأنبياء كانوا يكابدون، المكابدة تأتي من المكابدة في زرع الآيات في الذوات، لكي تغرس المعايير وتغرس القيم ويغرس الإبصار ويكتسب الفرقان وتكتسب كل المهارات وكل المعارف التي تجعل الإنسان عارفا بما هو منوط به من دور وقادرا على أن يحاور أن يجري الحوار {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه..}[البقرة:37] أي أن هذه الكلمات تمكن الإنسان من معطيات لا قبل له بها ولا منفذ له إليها بمجرد البحث العقلي والذهني. ثم بعد ذلك مكابدة أخرى، مكابدة تنزيل وإدخال هذه القيم وهذه المعايير إلى واقعه مع كل المقاومات التي تواجه ذلك وتهب في وجهه من شهوات من غرائز وكما سلف من أعراف من مؤسسات مستقرة لا تؤمن بالضرورة بهذه القيم ذاتها..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور دعني أسأل سؤالا ربما يبسط القضية بعض الشيء، يعني ذكرتم ظلم الإنسان، {إنا عرضنا الآمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}[الأحزاب:72] هل هذا الظلم والجهالة عند الإنسان نابعة لأنه حمل هذه الأمانة أم أنه لم يقم بدور هذه الأمانة في هذه الحياة؟

أحمد العبادي: مرة أخرى هذ الصفات السلبية المراد من إيرادها هو التحذير من هذ الأمور أي أن من عوائق اضطلاع الإنسان بالأمانة وقيامه بها ميله إلى الظلم أي وضع الأشياء في غير مواضعها، وجهول فيها أمران الأمر الأول عدم اكتساب المعارف والمعطيات التي تمكن الإنسان من السير برشد وبحكامة وبرشادة وثانيا أنه سريع الانفعال ولا يقدر الأمور تقديرها، أن هاتان الصفتان السلبيتان هما عوائق في مقابل هذا الحمل المطلوب من الإنسان وأن على الإنسان الانتباه إلى هاتين الصفتين السلبيتين وهذه هدية ربانية عظيمة جدا، عين إيراد هذه الصفات السلبية في هذا السياق في هذا المقام أعطية وهبة ربانية كبيرة جدا لأن الإنسان سوف يكابد سوف يكدح لكي يتجاوزهما معا وينتبه دوما إلى أن هاتين الصفتين عائقان وجب أن يقاوما.

عثمان عثمان: دكتور نأخذ بعض المشاركات على الإنترنت، الأخ مصطفى من اليمن يسأل هل الإنسان مسير في حياته أو مخير؟ سؤال عقدي.

أحمد العبادي: نعم، التسيير والتخيير قضية قديمة ورغم وضوحها فإنها تبدو كأنها لا تزال عالقة، الإنسان قد أعطي إرادة، أعطي قدرات معينة وهناك أمور لا خيار له فيها، متى يولد، أين يولد، كيف يولد، من أبواه، ما هو طوله، ما هو إلى غير ذلك من الأمور، هذا وهب وهو داخل في مسؤوليته وداخل في الابتلاء، {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا}[الكهف:7] ولكن الإنسان وهو يسير حين يبلغ الحلم حين يصبح مكلفا يجد أن حياته عبارة عن مفترقات طرق دائمة وأن عددا من علامات الاستفهام يواكبه ويسير حوله أي أنه في كل مرة وجب أن يتساءل ولذلك فإن الله عز وجل يرشد هذه القدرة الجبارة التي عند الإنسان، قدرة التساؤل في مثل قوله تعالى {عم يتساءلون، عن النبأ العظيم، الذي هم فيه مختلفون}[النبأ:1- 3] ثم تأتي علامات استفهام لكي تبين المواطن التي ينبغي أن يوجه إليها الإنسان قدرته على التساؤل، مفترقات طرق دائما يشعر الإنسان أن عليه أن ينتبه أن عليه أن يركز لكي يختار أي طريق سوف يذهب إليه في هذا المفترق وما يلبث بعد أن يتجاوز هذا المفترق حتى يصل إلى مفترق آخر، وهكذا فإن الآيات مرة أخرى يكون عندها هذا الدور لكي يمارس الإنسان تخييره بمسؤولية ويجتهد الاجتهاد الذي يطيقه فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد وهذا مناط التكليف، ولو لم يكن الإنسان مخيرا في جزء كبير من حياته لما كان للتكليف أصلا معنى مع الملاحظة أن القلب الذي هو منبثق النيات يبقى أمرا أساسيا ومحوريا في هذا الأمر لأن الله عز وجل ينبه إلى أن القلوب يجب أن تطهر ويجب أن يعمل الإنسان على أن يملأها بما ينبغي وهو قول الله في سورة ق { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}[ق:37] وفقه البخاري يتجلى من تراجمه كما يقال أول حديث صدر به حديث أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب إنما الأعمال بالنية، وفي رواية إنما الأعمال بالنيات.



أشكال هدر الإنسان لطاقاته وقدراته

عثمان عثمان: بالانتقال فضيلة الدكتور إلى هذا الإنسان الموجود على الأرض، نريد أن نتحدث عن هذا الإنسان المهدور الذي تحدث القرآن عنه أيضا عندما قال الله تعالى {..لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها..}[الأعراف:179] متى يهدر الإنسان طاقاته العقلية وقدراته؟

أحمد العبادي: هناك ثلاثة مستويات للهدر، المستوى الأول في علاقة مع هذه المؤهلات والقدرات التي أعطي هذا الإنسان حين لا يستعملها، وكما تفضلت الآية من سورة الأعراف حين لا يستعمل قلبه، عقله، فؤاده بالطريقة المثلى، حين لا يستعمل موارد المعطيات السمع والبصر لكي يستدمج لكي يستبطن المعطيات التي تمكنه من السير الراشد في جنبات هذا الكون وفي حياته فإنه يهدر ذاته. الهدر أيضا في مستواه الثاني يكون حين لا يعلم هذا الإنسان أي أن هذه المسؤولية تكون مقتسمة ولا أقول تكون على الذين عليهم أن يعلموا لأن الإنسان قد زود بقدرة الفضول والإشرئباب والتطلع إلى المعارف فعنده هذه المسؤولية وهو قادر بهذه المؤهلات التي عنده أن يتجاوز شيئا من هذا التفريط الذي يكون عند المؤسسات الجماعية ما نسميه بلغة العصر الدولة. ثم المستوى الثالث حين ينسى هذا الإنسان دوره حين تطمس فطرته حين تطمر تحت طبقات الران كالطبقات الجيولوجية فإنه يكون قد أهدر. تحتوش وتحيط بكل هذه الأمور كل الأمور المتعلقة بالحقوق حقوق الناس في حياتهم وكل الأمور المتعلقة بالعدالة وكل الأمور المتعلقة بالواجبات وكل الأمور المتعلقة بهندسة العيش الجماعي الذي وجب أن يكون مناط استثمار للجهد وللزمن في مجتمعاتنا نرى في آفاق أخرى كيف أن هذا الاستثمار للجهد وللزمن في مجال هندسة العيش الجماعي يحل كثيرا من هذه المشاكل ويجنبنا كثيرا من هذه الأضرب من الإهدار فعلى المسلمين اليوم السعي لاستدراك هذه الأمور بالالتفات إلى هذه القضايا..

عثمان عثمان (مقاطعا): نفصل، نفصل أكثر من خلال الآيات القرآنية، فضيلة الدكتور عندما يقول الله عز وجل {..ما أريكم إلا ما أرى..}[غافر:29] على لسان فرعون، نتحدث هنا عن الاستبداد، هل في ذلك أيضا هدر لكرامة الإنسان؟

أحمد العبادي: {..ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}[غافر:29] هذه دعوة عظيمة وكبيرة وجبارة تريد أن تحيل المجتمع البشري إلى تسلسل خيطي كله يقف وراء إنسان قد طغى أي فقد توازنه وادعى أنه رب الناس الأعلى {..أنا ربكم الأعلى}[النازعات:24] أي أنه يريد أن يصير الناس كلهم كائنات تنفيذية لا ترى إلا ما يراه ويفقد هذا التكامل الذي قد بين الله عز وجل أنه قدرة الإنسان من خلال قوله سبحانه في سورة الحجرات{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..}[الحجرات:13] كما حول الكعبة الناس كل ينظر إلى الحقيقة من زاوية ولا بد من التكامل عبر الطواف لكي نرى ما كان يراه الآخرون وكذلك عبر التواصل والتعارف في عرفة من أجل الإفاضة، فتذليل العقبات فإذاً هذه الدعوة {..ما أريكم إلا ما أرى..} قد فندها الله عز وجل حينما قال {وأضل فرعون قومه وما هدى}[طه:79] ثم قال سبحانه في موطن آخر {..وما أمر فرعون برشيد}[هود:97]، إلى غير ذلكم من الأمور التي تبين أن ثراء الإنسان وقوة الإنسان في هذا التكامل أي أن فضاءات الإغناء المتبادل لا بد أن تكون قائمة على هذا الحوار، على القدرة على الاستماع والتي فقدنا منها جزءا كبيرا وجانبناها مجانبة قصية في بلداننا وفي أوطاننا مما وجب أيضا الاشتغال على استدراكها.

عثمان عثمان: ليس بعيدا عن ذلك دكتور لدي سؤال من الأخ أبو الولاء يقول إن تكريم الله للإنسان أمر محسوم من لدن الباري جل جلاله لكن الإنسان يأبى ذلك التكريم بممارسة البعض لأمور تجعله في منظورهم ليس كريما والأمثلة شاهدة على ذلك فبالإمكان أخذ ما يمارس على الفلسطينيين والعراقيين وما يمارس على الأمتين الإسلامية والعربية أمثلة على ذلك، فهل يجعل هذا الإنسان غير كريم أم أن هذا يختلقه البعض للدس على كرامة من كرم رب العالمين؟

أحمد العبادي: الإصرار على جعل الإنسان في مقام المفعول به أمر ليس صحيحا كليا، لا بد أن نتذكر دائما أن الإنسان في مقام الفاعل أيضا والذنب ليس ذنب المستبد -كما يقال- يقال إن استبدد فله أن يستبد وعليك أن ترددا -كما قيل- أي أن هذه الأمور التي تقع هي نتائج لترسبات متراكمة قد أهدرت وكما تفضلت فيها كرامة الإنسان وطمست قدرات الإنسان وأوهم هذا الإنسان الذي هو غضنفر هيزبر في طبيعته أنه حمل أو أنه دون ذلك هذا الإنسان الذي عنده قدرة النصر على الطيران واكتشاف الحقائق أوهم أنه من الديدان رغم أنه ليس كذلك ولذلك فإن التذكير بكل هذه المعاني التي في التكريم كما هو في القرآن المجيد وإن قلنا إنها محسومة فإن التذكير المرة تلو المرة بهذه الأمور هو الذي يجعل الإنسان بالفعل مرة أخرى في مسار السجود والاقتراب سيرا نحو القبلة التي وجه الله عز وجل {وأن إلى ربك المنتهى}[النجم:42] استدراجا للآيات..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور لم يتبق معي إلا أقل من دقيقة وأريد الإجابة على هذا السؤال في موضوع الاستنساخ هذا الاستنساخ إذا كان يخدم مصلحة البشر هل فيه يعني إهانة لكرامة الإنسان؟

أحمد العبادي: الاستنساخ يكون على النبات ويكون على الحيوان ويكون على الإنسان والأمور ينبغي أن تقدر بقدرها، الفتية لا يجوز إصدارها إلا بعد أن يتم تمثل هذه القضية المطروحة أن تدرس من كل جوانبها وأن يكن هناك أهل الاختصاص، وليس هناك فتية دائمة مستقرة فالفتية تتجدد بحسب المحتوجات والظروف والمقتضيات ولذلك فإن الأمور ينبغي أن تطرح في كل مرة للدراسة من قبل المجامع التي ينبغي أن يكون فيها التكامل للوقوف على جديد الأمور..

عثمان عثمان (مقاطعا): إذاً ربما كان هذا السؤال في نهاية هذه الحلقة وهو يحتاج إلى شرح طويل وربما إلى حلقة حول موضوع الاستنساخ. في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكركم فضيلة الدكتور أحمد العبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء في المغرب على حضوركم معنا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور طلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله. إلى اللقاء في الأسبوع القادم بإذن الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.