مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: مفكر وداعية إسلامي

تاريخ الحلقة:

19/09/1999

- تعريف الاجتهاد والمقصود بإغلاق أو فتح باب الاجتهاد.
- الفرق بين المفتي والمجتهد والفقيه.

- شروط المجتهد.

- أهمية علم الأصول للمجتهد.

- ضرورة تجديد علم أصول الفقه.

- الحاجة لفتح باب الاجتهاد لمواكبة التطور العالمي.

- ضوابط الاجتهاد.

يوسف القرضاوي
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

في هذه الحلقة سنتحاور مع ضيفنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حول موضوع الاجتهاد، فقد كثر اللغط -خصوصاً في هذا القرن من عمر الأمة- حول الاجتهاد، إقفال باب الاجتهاد، ضرورة إعادة فتح باب الاجتهاد، من هو المجتهد؟ وللأسف في النصف الثاني من هذا القرن شهدنا الكثيرين من أدعياء العلم يتطاولون، ويفتون، ويؤسسون الجماعات، ويعين كل منهم نفسه أميراً بناء على اجتهاد ارتآه أو اجتهده.

يسعدني باسمكم أن استضيف العلامة الدكتور يوسف القرضاوي صاحب برنامج (الشريعة والحياة)، لنتحاور معه في موضوع الاجتهاد.. دكتور يوسف سلام الله عليك.

تعريف الاجتهاد والمقصود بإغلاق أو فتح باب الاجتهاد

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

ماهر عبد الله: لو بدأنا بمدخل تعريفي، يعني ما هو الاجتهاد؟ وما هو المقصود بإقفال أو فتح باب الاجتهاد؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه، وبعد..

فالاجتهاد مصدر مأخوذ من كلمة جَهِدَ، وجهد في اللغة العربية تعني بذل الجُهد أو تحمل الجَهد.. الجُهد اللي هو الطاقة، بذل طاقته، أو تحمل الجَهد اللي هو المشقة، ولكن كلمة الاجتهاد اجتهد أبلغ من كلمة جَهِد لأن زيادة المبنى في اللغة العربية تدل على زيادة المعنى، ولذلك الاكتساب أقوى من الكسب (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، الإنسان لا يعاقب إلا إذا بالغ في الكسب، وأدنى شيء في الطاعة محسوب له، ولذلك في اللغة العربية يقال: اجتهد في حمل الصخرة الثقيلة، ولا يقال: اجتهد في حمل الورقة يعني هذه لا تحتاج إلى..

والاجتهاد في المصطلح الشرعي الأصولي هو يعني له يعني تعريفات كثيرة، لعل يعني أكثرها قبولاً ما ذكره الإمام الشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول) أنه بذل الوسع لنيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط، وبعض الأصوليين لا يكتفي بكلمة بذل الوسع، إنما يقول: استفراغ الوسع، وبعضهم يقول: بحيث يعني يحس بالعجز عن مزيد من هذا البذل، يعني أقصى طاقته.

ولكن أنا أرى أن كلمة بذل يعني الإنسان يجب أن يبذل (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) فهو يبذل وسعه، يبذل كل ما عنده لنيل حكم شرعي عملي، لأنه في الجانب الفقهي لا يبحث عن النواحي الاعتقادية، ويركز على الجوانب العملية، الأحكام الشرعية العملية، ولكن بطريق الاستنباط.

الفرق بين المفتي والمجتهد والفقيه

ماهر عبد الله: طب خليني أسألك هنا سؤال بسيط، يعني نحن لا نتحدث عن علماء، لكن واضح إنه بالطريقة التي وصفتها هذا يجعله متميزا عن المفتي، عن إمام المسجد، عن عامة العلماء الذين يذهب لهم الناس في صغائر الأمور، يعني هل هناك فرق بين المفتي والمجتهد؟

د. يوسف القرضاوي: المفتي ينبغي أن يكون مجتهداً، إنما فرق بين المفتي، والمجتهد، والفقيه، دي كلها أسماء على مسمى واحد، الفقيه هو المجتهد، والمفتي هو المجتهد، الأصل كدا يعني، لكن هذا غير الإمام، والخطيب، والواعظ، يعني ممكن أن يكون الإنسان خطيباً مفوهاً وواعظاً بليغاً مؤثراً، يحرك المشاعر، ويهز القلوب، ولكنه ليس من أهل الفقه والاستنباط، فهذا علم غير ذاك، ولذلك بعضهم يقول: هذا كان محدثاً، مفسراً، متصوفاً كذا، ولكن ليس من أهل الفقه، وهو دا الناس يخلطون في الحقيقة.

بعض الناس يظن الخطيب المفقه يظن إنه عالم في الفقه، فيذهبون إليه يسألونه في أعوص المشكلات، وهو لا شأن له بهذا، وهذا هو الذي يأتي بالخلط والخبط، كثير من الناس الذين يحسنون الوعظ والخطابة يظنون أنفسهم أهلاً للفتوى، والناس يظنوهم كذلك، أو بعض مثلاً رجال الفلسفة والعقيدة يعني يمكن أن يكون أستاذ في الفلسفة ثم يأتي إليه وهو ليس، أو أستاذ في التاريخ الإسلامي، أو في التصوف الإسلامي، أو حتى في التفسير أو الحديث، ولكنه ليس أهلاً للفتوى.

[فاصل إعلاني]

شروط المجتهد

ماهر عبد الله: سألت فضيلة الدكتور القرضاوي عن الفرق بين أنواع الفقهاء، بين الخطباء الذين يؤمهم الناس في المساجد سائلين عن بعض الفتاوى، وبين المجتهد الذي هو مؤهل للحكم في قضايا -كما وصفتها- بالعويصة، وغير التقليدية، وغير الدارجة، بس مزيد من الإيضاح.

د. يوسف القرضاوي: بعض العلماء قال في تعريف الاجتهاد: بذل الفقيه وسعه، وبعضهم قال: إذا لم يكن فقيهاً فهو بذل الممارس للفقه، المتهيئ له، يعني ليس أي واحد يعني يبذل جهده يصل إلى.. لأ، لابد أن يكون عنده من التهيؤ والأسباب ما يجعله أهلاً للاستنباط، لأن الاستنباط عملية عقلية، أنت تستنبط من النص حكماً، فهذا يعني ليس كل إنسان قادراً عليه (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ).

ماهر عبد الله: طب أنا عايز أسألك عن الذين يستنبطونه، لن ندخل في تفاصيل شروط فهذه يعني معروفة عند أهل العلم، علم باللغة، وعلم بالقرآن ، والناسخ والمنسوخ، والحديث وكذا، أنا هأسألك عن جانب يبدو أنه مفتقد، يعني قد تنطبق هذه الشروط الموجودة في كتب الفقه وكتب الأصول على الكثيرين، لكن ما يغيب في بعض الأحيان هو هذه الملكة، التي تمكن الإنسان من التفاعل والتعامل مع النصوص بعقلية المستنبط، يعني دور المَلَكَة -هذه- في عملية الاجتهاد؟

د. يوسف القرضاوي: أولاً يعني ليس الكثيرون يملكون الأدوات أو الشروط التي ذكرها الأصوليون، لأنه العلم بالقرآن خصوصاً ما يتعلق بالأحكام منه، والعلم بالسنة رواية ودراية، وخصوصاً ما يتعلق أيضاً بالأحكام من الأحاديث، معرفة الصحيح من الضعيف، ومعرفة الناسخ من المنسوخ.. إلى آخره.

والعلم باللغة العربية وتذوقها، بحيث يصبح له مَلَكَة فيها، يعني حتى يصبح كالعربي الذي هو بالسليقة كما قال الشاعر قديماً:

لست بنحوي يلوك لسانه ولكن سليقي أقول فأعرب

لابد أن تتكون عنده مَلَكَة العربية، وأن يعرف مواضع الإجماع والخلاف حتى لا يخرج على المواضع الإجماعية، وأن يعرف أصول الفقه والقياس، وشروط القياس، وهذه الأشياء و.. لأن بعض الناس بيدخل على هذه الأشياء ولم يقرأ كتاباً في الأصول في حياته.

ماهر عبد الله: أنا.. الأصول خليني هأسألك سؤال منفصل عن الأصول، لأنه هو فعلاً علم ، واضح إن كثير من الناس لا.. يعني أصلاً لا تقدر قيمته في العملية الاجتهادية، خلينا في الشروط والملكة، ونعود إلى الأصول تفصيلياً.

د. يوسف القرضاوي: فأنا أقول يعني لأنه أصل الملكة تأتي بعد هذه الأشياء، يعني الملكة مابتجيش كده هبة سماوية كده، لابد أنه يعني يتعلم القرآن والسنة والعربية، ويعرف مواضع الإجماع، ويعرف مقاصد الشريعة من الأشياء التي يعني العلم بمقاصد الشريعة، لا يعرف فقط النصوص والظواهر، ولا يغوص في المقاصد والعلل، يعني لابد من هذا، حتى الإمام الشاطبي لم يجعل هذا شرطاً، جعله سبب للاجتهاد، إن لا يمكن أن يصل إلى الاجتهاد إلا إذا علم مقاصد الشريعة، وبعدين يمارس الفقه فروع الفقه يمارسها ويعيش فيها، حتى تتكون عنده الملكة، فالملكة لا تحدث من فراغ، إنما تحدث بالممارسة والمعايشة للفقه، والمدارس الفقهية المختلفة، ومشارب الفقهاء، ومنازعهم المتعددة، وتعليلاتهم، وتخريجاتهم.

تتكون عنده من هذه الممارسة الملكة، لازم يكون عنده هذه الموهبة، يعني عنده هذا الحس، وفيه واحد ممكن يعيش طول عمره يقرأ، ولكن ليس عنده الملكة، غريب عن هذا الأمر، هذا ما يصلح لكش، جايز يكون مهندس كويس، أوطبيب كويس إنما ما يصلحش فقيه كويس يعني فلابد إن يكون عنده..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: ذكرت أنت المقاصد العامة للتشريع، الحقيقة فيه ظاهرة.. يعني ما يمكن تسميتهم بأهل الحديث الجدد.. في العادة يتوقف عند حديث، حديث صحيح لا غبار على قطعية ثبوته..

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: أنا بأسميهم الظاهرية الجدد، يعني يقف عند الظواهر، عند الحرفية..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: وعند ظاهر حديث أو اثنين.

د. يوسف القرصاوي: آه.. نعم.

ماهر عبد الله: في حين أنه يغفل أن.. أن الإسلام شريعة متكاملة، منظومة حياة جاءت بمقاصد عامة، قد يعني يخالفها هذا الحديث أو ذاك في هذه الجزئية أو تلك عندما يقع هذا التصادم الظاهري ما بين الروح العامة للإسلام، والمقاصد العامة للتشريع الإسلامي، وبين حديث أو حديثين حتى مع ثبوت صحة هذا الحديث، كيف يتصرف المجتهد؟

د. يوسف القرضاوي: ما هو المجتهد الحق الذي جمع شروط الاجتهاد، لا يكوِّن اجتهاده بناء على حديث أو حديثين، بيتكون يعني فيه موازنة.. موازنة بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، وأنا ذكرت في بعض كتبي، إن هناك مدارس ثلاث: مدرسة تهتم بالمقصد الكلي، وتغفل النصوص الجزئية، ودا كثير من الناس الدخلاء على الشريعة يقول لك يا أخي المهم الروح العامة والكذا.. وطب هذه النصوص في القرآن والسنة لا يعطي لها بالاً، وفيه ناس تانيين يهتم بالنصوص الجزئية دية، ولا يهتم بمقاصد الشريعة، يعني واحد يقول لك: لا زكاة في أموال التجارة، الثروة التجارية، عروض التجارة -كما يسميها الفقهاء- ليس فيها زكاة.

التجار الذين يملكون الملايين، وعشرات الملايين، ومئات الملايين، هؤلاء يقول لك: لأ لا يجب عليهم الزكاة إلا عندما يأتي عندهم سيولة نقدية، ويحول عليها الحول، وفى عصرنا قل من يوجد من يأتي عليه سيولة نقدية ويحول عليها.. فمعنى هذا أن..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: الشركات الكبرى تتحاشى السيولة.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: الشركات الكبرى، والتجار الذين يعيشون في الدوحة، والكويت، والمنامة، والرياض، وجدة، ودبي، وأبو ظبي، ومعظم الحواضر، هؤلاء الذين يملكون معظم ثروة الأمة، الأمة ماعدش عندها يعني.. إبل، وبقر، وغنم والأشياء دي.

في البلاد الخليج فيه حد بيملك إبل، وبقر، وغنم، أو محاصيل زراعية ذات قيمة؟! هذه هي الأموال.. فيقول لك لأ، لأنه لم يصح عنده حديث في القضية دي.. طب يا أخي فيه أقوال الصحابة! فيه النصوص العامة (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ)، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) أدوا زكاة أموالكم يعني.. فيه المقاصد..

إنه ربنا يقول (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) يعني هل صاحب الإبل والغنم هو اللي في حاجة إلى تطهر، أو صاحب الذرة والشعير هو اللي في حاجة إلى أن تزكو نفسه وتتطهر، ويزكو ماله ويتطهر، والتاجر صاحب الملايين ليس في حاجة إلى هذا؟! وهؤلاء عليهم حقوق للفقراء والمساكين، وأبناء السبيل والغارمين، وهؤلاء التجار ليس عليهم حقوق لهؤلاء؟! يعني لابد..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب هذه المدرسة الثانية، المدرسة الأولى مع المقاصد وتهمل التفاصيل.

د. يوسف القرضاوي: هذه تهمل المقاصد.

ماهر عبد الله: المقاصد.

د. يوسف القرضاوي: المدرسة التي أتبناها وأرى إن هي الجديرة بأنها تقود المسلمين، وهي التي كان يمثلها الأئمة الكبار الذين قادوا الأمة بالفقه الصحيح، هي التي توازن بين الأمرين، تجمع بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، ولا تقيم معركة بينهما، لأنه إذا فهمت النصوص حقاً في ضوء المقاصد لابد أن تثمر الفهم الصحيح، والحكم الصحيح الذي يريده الإسلام.

أهمية علم الأصول للمجتهد

ماهر عبد الله: طيب أنا وعدتك بالعودة إلى موضوع الأصول، يعني.. هناك بعض العلماء كأنهم يشككون بعلم الأصول كونه استقرائي يعني لم يرد في القرآن أو في السنة ما يشير -صراحة أو يعبر صراحة- عن الدعوة إلى علم أصول، قواعد اتفق عليها الأئمة، أهمية علم الأصول للمجتهد.

د. يوسف القرضاوي: أولاً: قضية إنه لم يرد في القرآن ولا في السنة، كل العلوم لم تجيء في القرآن والسنة بهذه الصورة، مافيش علم فقه يعني جه في القرآن والسنة، اسمه علم الفقه وباب الصلاة، وباب الطهارة، والقواعد اللي استنبطت في الفقه لأ دي كلها أمور مستنبطة، وعلم التفسير، وعلم الحديث، وعلم اللغة، وعلم النحو، وعلم الصرف، دي كلها علوم ابتكرها المسلمون، وهي من مفاخر التراث الإسلامي.

وعلم أصول الفقه هو في الحقيقة من أعظم مفاخر التراث الإسلامي، ولا يوجد عند أمة مثل هذا العلم الذي يضبط الاستدلال.. الاستدلال، لم يدع الاستدلال كده..الاستدلال عجينة لينة يشكلها من يشاء كما يشاء وبما يشاء، لأ، إنما وضع قواعد وضوابط، كيف نستدل بالنص؟ وكيف نستدل بما لا نص فيه؟

لأنه الله -سبحانه وتعالى- أنزل هذا الدين نصوصاً، ونصوصاً قابلة -في غالبها- لأكثر من فهم، النصوص القطعية الثبوت والدلالة يعني قليلة جداً، القرآن كله قطعي الثبوت، والسنة معظمها ظني الثبوت، وكلا المصدرين -من القرآن و السنة- أغلبه ظني الدلالة.

الأشياء القطعية الدلالة معدودة جداً، ولكنها مهمة جداً، لأنها تمثل الثوابت، إنما معظم النصوص قابلة لأكثر من فهم، وأكثر من تفسير، وهذا من رحمة الله -سبحانه تعالى- ليتسع الدين للمتشدد كابن عمر، ومترخص كابن عباس، لأثري كأحمد، لقياسي كأبي حنيفة، لظاهري كداود، يتسع.. هذا من رحمة الله بهذا الدين.

النبي -عليه الصلاة والسلام- إحنا شوفناه أقر أهل الظاهر في قرية بني قريظة، وأهل المقاصد، لأن هؤلاء موجودون، وهؤلاء.. حتى في القانون يقول لك فيه المدرسة الحرفية التي بتعنى.. تعنى بحرفية نص القانون، وفيه مدرسة الفحوى يعني حتى عند القانونيين، فهذا الحياة موجود.. لم نلغي.

فالأصول جاء علم يضبط الاستدلال، ويضع القواعد، ويحدد الأدلة، هناك أدلة متفق عليها، وأدلة مختلف فيها، ويضع لكل دليل من هذا.. من هذه الأدلة قواعده وضوابطه، لم يعد شيئاً سائباً، فالظن بأن دا علم يعني كأنه علم وضعي، يعني لأ.. دا علم شرعي، العلوم شرعية لأنها تستند.. لأن كل حاجة بيقولها.. لما يقولك ما هو الدليل على إنه القياس حجة؟ لازم يجيب لك أدلة من القرآن، وأدلة من السنة (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ) وإن الرسول قال كذا، ومَثَّل كذا بكذا، وعمل كذا بكذا يعني..

ضرورة تجديد علم أصول الفقه

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: إلى أي مدى.. يعني هناك دعوات خصوصاً منذ مطلع القرن -الحقيقة- تغيب ثم تظهر، دعوات لتجديد الأصول، مع اتفاقنا على أن السلف قدم وقدم الكثير، لكن يعني الحياة تتجدد، اللغة طبيعة تعامل الناس معها، وبالتالي فهمنا للنصوص يختلف، هذه الآلية التي تحكم عملية الاستدلال أصول الفقه، إلى أي مدى هي قابلة نفسها لأن تتجدد؟

د. يوسف القرضاوي: أولاً: أنا أحب أن أقول: فكرة التجديد نفسها ليست مرفوضة في الإسلام يعني إذا كان النبي –صلى الله عليه وسلم- قد قال في الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم وغيرهما والبيهقي: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، هذا صححه العراقي وغيره من الأئمة.

من يجدد..؟ إذا كان الدين يتجدد، فيبقى كيف لا يتجدد الفقه؟ كيف لا يتجدد أصول الفقه؟ كل هذه الأشياء قابلة للتجديد، إنما كل ما يعني ينبغي قوله هنا إنه من الذي يجدد؟ لا نفتح الباب للأدعياء، المشكل هو: لماذا زعم بعض الفقهاء في بعض العصور إن باب الاجتهاد أغلق؟! أرادوا أن يسدوا الباب على المتطفلين، والدخلاء، والأدعياء الذين يدخلون هذا المعترك وليسوا من أهله، فقال لك لأ دا الباب، ولكن هذا ليس حلاً، وليس علاجاً، لأن هؤلاء لن يعني يحول دونهم شيء، طب نغلق الباب على أهله ونترك هؤلاء!! إنما إحنا نقول التجديد مطلوب في الدين، ومطلوب في الفقه، ومطلوب في أصول الفقه، ليس معنى التجديد.. ما معنى التجديد؟

لما.. إذا أردت أن تجدد يعني بناءً أثرياً، فهل معناه أنك تزيله، وتهدمه، وتبني مكانه عمارة على أحدث طراز، هذا ليس تجديداً، التجديد إنك تبقي على جوهره، تبقي البناء كما هو، ترمم ما بلي منه، تحسن بعض الأشياء، تعمل له مداخل جيدة، ولكن يبقى الجوهر يعني كحاله يوم نشأ، فتجديد الدين إعادته إلى الصورة الأولى يوم نشأ، تجديد أصول الفقه، نحن في حاجة إلى أن نجدد الفقه وأصول الفقه، كما جاء الإمام الشافعي قديماً..

[موجز الأخبار]

الحاجة لفتح باب الاجتهاد لمواكبة التطور العالمي

ماهر عبد الله: سألنا عن علم الأصول ومكانة علم الأصول وذكر في حيثيات الكلام أن البعض أشار بإغلاق باب الاجتهاد كان لكثرة أدعياء العلم الذين يزعمون أنهم مؤهلون، وهم في الحقيقة غير ذلك، أنا بس يعني لفت كلامي أو لفت نظري كلامك أن بعضهم أقفل، من يحق له أصلاً أن يقفل باب الاجتهاد؟

د. يوسف القرضاوي: ليس.. لا.. بسم الله الرحمن الرحيم، لا يحق لأحد أن يغلق باباً فتحه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بل فتحه الله –تبارك وتعالى- لا يملك أحد هذا، والواقع إن باب الاجتهاد لم يغلق، يعني لو نظرنا في تاريخ الفقه وتراثنا الفقهي نجد في كل عصر أناساً وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد، وربما لم يدَّعِ أنه مجتهد، ولكنهم وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد، واجتهدوا في أشياء وهم في داخل مذاهبهم، يعني حتى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم هم ظلوا حنابلة، ولكن خرجوا نفعهم إن المذهب الحنابلي.. المذهب الحنبلي يكاد يكون في كل مسألة عدة روايات عن الإمام أحمد قد تكون خمسة، سبعة، عشرة، 12، يعني.

فلذلك كان عندهم متسع للترجيح والاختيار وهم داخل المذهب، لم يخرجوا عن المذهب إلا في أشياء بسيطة، ولم يخرجوا عن المذاهب الأربعة إلا في مسائل محدودة، إنما الذين وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد كثيرون جداً، بل الحنابلة قالوا: إنه لا يخلو العصر.. لا يجوز أن يخلو العصر من مجتهد.

وقد رأينا في القرن العاشر الهجري الحافظ السيوطي المتوفى سنة 911 يعني، أدَّعى الاجتهاد وقال: الناس يدعون اجتهاداً واحداً وأنا أدعي اجتهادات ثلاثة، أدعى الاجتهاد في علم الفقه، وأدعى الاجتهاد في علم الحديث، وأدعى الاجتهاد في علم اللغة، وألف رسالته للذين اعترضوا عليه التي سماها (الرد على من أخلد إلى الأرض، وزعم وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض)، الذي أخلد إلى الأرض فالاجتهاد كان موجوداً.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: كيف.. كيف.. شاعت كيف شاعت مقولة .. الأخ محمد راجح بعت فاكس، شارك في الفضائية على موضوع (مواريث الكلالة) فقيل له -العلماء الذين كانوا-: أن باب الاجتهاد في المواريث أقفل، يعني كيف شاعت هذه المقولة في أن؟!

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: المواريث يعني بالذات، لأن القرآن فصل أحكامها، معظم أحكام المواريث حُسم بأحكام قرآنية، بنصوص قرآنية، يعني باب الميراث بالذات، لأن الله –سبحانه وتعالى- هو لو ننظر في تراثنا نجد إنه الأشياء التي تتغير كثيراً بتغير الزمان، والمكان، والإنسان لم يُفَصِّل فيها الإسلام، لم يأتي فيها.. إما لم تأتِ فيها النصوص قط، أو تأتي فيها نصوص قليلة وكلية، ومجملة، لأن مثلاً باب الإجراءات، أو كذا في القانون، أو كذا لا تكاد تجد فيها إلا أشياء بسيطة.

إنما الأشياء التي لا تكاد تتغير مثل شؤون العبادات، وشؤون الأسرة يعني الزواج والطلاق، خصوصاً الطلاق لأن الطلاق يأتي في حالة الغضب، والناس عندما يغضبون قد يجور بعضهم على بعض، ففصل بأحكام في القرآن غير أحكام السنة.

مسألة المواريث دي جاءت في ثلاث آيات من القرآن فصلت معظم أحكامها، ولكن بقيت أحكام يعني فيها خلاف بين الفقهاء بعضهم وبعض، مثل مسألة (المشرَّكة) يعني اللي سيدنا عمر أفتى فيها برأي في عام، وفى العام الذي بعده جم وقالوا له: يا أمير المؤمنين، بقى تعطي الإخوة لأم، والإخوة لأم وأب تحرمهم؟! يعني هب أن أبانا كان حماراً، ألسنا من أم واحدة؟ سيدنا عمر نظر وبتاع وشرَّكهم، قال: اشتركوا، سموها سميت المسألة الحمَّارية من أجل هذا ففيه.. فأنا أقول إنه الاجتهاد لا يملك أحد إغلاقه، وكان موجود على طول يعني في القرن الثاني عشر الهجري ظهر الإمام الدهلوي في الهند، وظهر الإمام الصنعاني في اليمن، في القرن الثالث عشر ظهر الإمام الشوكاني 1250 هجرية، وفي كل قرن كان فيه آه..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: أنا لو.. لو.. حبيت.. حبيت أسألك سؤال..

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: يعني ماكملناش قضية تجديد أصول الأيه؟

ماهر عبد الله: الفقه.

د. يوسف القرضاوي: أصول الفقة، يعني أنا أقول ما المراد بتجديد أصول الفقه، يعني إننا نلغي الأصول القديمة ونأتي بأصول جديدة؟ لأ، ليس هذا هو المقصود، إنما فيه بعض أشياء تحتاج إلى تعميق، وبعض أشياء تحتاج إلى توسيع وتحقيق، وبعض أشياء تحتاج إلى تطبيق، نطبقها يعني لأن بعض الأشياء كلام نظري غير مربوط بالعمل.

مثل الإمام مثلاً ابن القيم أنه كان يربط الأصول بالفروع، وبالأشياء العملية، يعني.. هناك مثلاً نجد إن قضية المقاصد في أصول الفقه، الأقدمون ذكرها الإمام الغزالي ووضع لبنتها الأولى، ثم جاء الإمام الشاطبي، ووسع فيها النطاق في كتابه الفريد (الموافقات في أصول الشريعة)، وفى عصرنا جاء واحد مثل العلامة الطاهر بن عاشور واستكملها بأشياء أخرى عن مقاصد الشريعة، وأنا لي ملاحظات على هذا وذاك، إضافات لم أكتبها بعد.. وآخرون يعني كتبوا عن.. هناك بعض أشياء، مثلاً السنة التشريعية وغير التشريعية، هذه أيضاً يعني لم تأخذ حقها من البحث، موضوع الإجماع، وشروطه، وضوابطه، وما أُدعى فيه الإجماع وليس بإجماع.

كل هذه أمور ممكن إنها يعني قابلة للتجديد، وإعادة البحث، والإمام الشوكاني سمى كتابه (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول)، وقال في مقدمة الكتاب: إنه وجد إن الخلاف منتشر في أكثر مسائل أصول الفقه، فهو يريد أن يرجح رأياً منها، وطبعاً رجح رأيه، ولكن رأيه ليس نهائياً، ممكن إحنا نرجح غير ما أيه؟ ما رجحه، ففيه قضايا في أصول الفقه تقبل إنه يعاد فيها النظر، ويعاد فيها الكلام والترجيح.

ماهر عبد الله: اسمح لي بس نقطع النقاش قليلاً، عندي مكالمة من أخ على الهاتف منذ فترة، معانا الأخ صالح الجزيري من السعودية، تفضل أخ.. اتفضل أخ صالح.

صالح الجزيري: السلام عيكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام، معذرة على التأخير عليك.

صالح الجزيري: مساء الخير جميعاً.

ماهر عبد الله: حيَّاك الله.

صالح الجزيري: فضيلة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي.

د. يوسف القرضاوي: مرحباً يا أخي.

صالح الجزيري: أريد أن أخاطبك بهذا الكلام.

د. يوسف القرضاوي: اتفضل.

صالح الجزيري: إليك أيها النور الذي ملأ أجواء الكون فحاول تطهيره من المزاج الصحراوي، الذي نفث فينا فهم الإسلام وفقهه الصحيح، بعد أن اغتالتنا أرواح التشدد، فضيقنا واسعاً وحرمنا حلالاً، وامتلكنا الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش أو الجدل.

إنني من هذا المنبر المبارك أربت على يدك، وأقول لك ألا تعبأ بأصوات الذين يدعون فهم الإسلام، والذين لا يهنأ لهم عيش أو بال إلا بالتضييق على الناس، وحصارهم بالحرج والمشقة، ضاربين بنصوص الشرع عرض الحائط، ومع كل ذلك نحن لا نقدسك، فرأيك مثل رأي الأئمة،أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وابن تيمية، وابن باز -رحمة الله على الجميع-، فهؤلاء اجتهادهم قابل للرد كما هو اجتهادك، وأبشرك أن المتابعين لطرحك في هذا البرنامج، وفي موقعك في الإنترنت يعدون بمئات الآلاف والحمد لله.

أقول لك يا فضيلة الشيخ: إن المجتمع المسلم اليوم بحاجة إلى علماء ربانيين ذوي فهم عميق للشريعة، وسعة أفق وإدراك لإيقاع الحياة الصاخب، وذوي شجاعة في مواجهة ضجيج العوام الذين تحكمهم العوائد، والأعراف، والتقاليد البعيدة من الدين، فلك كل شكري وتقديري ودعائي.

ماهر عبد الله: طيب أخ صالح شكر الله لك يا أخ صالح، شكر الله لك يا سيدي، طيب يعني.

د. يوسف القرضاوي: أنا الحقيقة أريد أن أعلق على كلام الأخ صالح، أولاً: أشكره على حسن ظنه بي، وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن أكون عند حسن الظن، وأن يغفر لي ما لا يعلم الأخ، وما لا يعلم الكثيرون، ولكن أنكر في كلامه يعني بعض العبارات التي فيها غمز للآخرين.

وأنا في الحقيقة لا أسيء الظن بأي مسلم، ولا.. وخصوصاً أهل العلم، وإذا كان بعض الناس يتشدد فهذه طبيعة كما قلنا في الحلقة الماضية، فيه المشدد كابن عمر والميسر كابن عباس، لا تستطيع أن تجعل ابن عمر ابن عباس، ولا ابن عباس ابن عمر، هذه طبيعة، وبعدين الإنسان ابن زمانه، ومكانه وأعرافه، وأحواله.

كثير من المتشددين لو أنهم ذهبوا إلى الخارج، وعايشوا الناس والأقليات الإسلامية، والمسلمين ومشكلاتهم، والتيارات التي يعيشون فيها، لغيروا كثيراً من آرائهم، فيجب أن نعذر الناس، وأنا والله أنا لا أريد إرضاء بشر، أنا كل ما أريده أن أحبب الدين إلى هذا الناس، وأن أيسر عليهم ما يسر الله عليهم، فلا لا قصدي لا إرضاء زيد ولا إرضاء عمرو، أرجو أن أكون في ذلك صادقاً.

ماهر عبد الله: طيب نسمع من الأخ صادق الحق من السعودية، الأخ صادق تفضل.

صادق الحق: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

صادق الحق: مساك الله بالخير يا دكتور ماهر.

ماهر عبد الله: حيَّاك الله، أنا مش دكتور.. أنا مش دكتور بس.

صادق الحق: وإن شاء الله ربي يوفقك، وإن شاء الله تكون دكتور.

ماهر عبد الله: الله يبارك فيك.. اتفضل يا أخي.

صادق الحق: كيف حالك يا شيخ يوسف؟

د. يوسف القرضاوي:: الله يبارك فيك يا أخي.

صادق الحق: أقول والله عندي أسئلة، بس سؤال أنت ما ضروري تجاوب عليه، وعندي ثلاثة أسئلة.

ماهر عبد الله: اتفضل باختصار.

صادق الحق: السؤال بس محيرني الله -يبارك فيك- هو: هل حدث في عهد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- أن توارثوا الحكم أو ورَّثوا أبناءهم أو استولوا واستنزفوا على ثروات المسلمين؟

د. يوسف القرضاوي: مش سامع صوتك.

ماهر عبد الله: صوتك بس يا أخويا هل اتفضل أنا سمعت السؤال حأعيده للشيخ.

صادق الحق: طيب هل حدث في عهد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام -أن توارثوا الحكم وورثوا أبناءهم أو استولوا واستنزفوا على ثروات المسلمين لحسابهم ولحساب أسرهم؟ وهل كانوا يضللون أو يذلون المسلمين؟ وهل كانوا يسيؤون للإسلام؟

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب هذا السؤال..

صادق الحق [مستأنفاً]: يا أخي، اسمع دقيقة الله يسعدك..

ماهر عبد الله: هذا السؤال الأول يا أخويا واضح.. واضح تمام الوضوح، اتفضل.

صادق الحق: طيب، الله يبارك فيك رجائي عندك، أسألك بالله لا تقاطعني، وهل كانوا يضللون ويذلون المسلمين؟ وهل كانوا يسيؤون للإسلام ويسمحون بفتح باب الفساد وبيع الخمور مثلما يحدث في دبي وكثير من البلاد الإسلامية؟

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: يا أخ صادق، الله يخليك خلينا باختصار، خلينا باختصار شديد يعني، أنا ما عندي مشكلة لو..

صادق الحق [مستأنفاً]: وهل كانوا يمنعون أبواب الجهاد ضد مستهدفي الإسلام والمسلمين وهل..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: السؤال الثاني يا أخ صادق.

صادق الحق [مستأنفاً]: خليني أكمل الله يسعدك يا أخي.

ماهر عبد الله: يا أخي الكريم.

صادق الحق: الله يوفقك.. أسألك بالله عليك لا تقاطعني.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب ممكن أتمنى عليك إن ما تذكر حد بالاسم، الله يخليك.

صادق الحق [مستأنفاً]: طيب وهل كانوا شركاء لبني إسرائيل الذين يحتلون القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين؟ وهل كانوا يأمرون بسلب حرية عباد الله الأبرياء داخل السجون؟ وهل كانوا يسيؤون للمحجبات مثلما.. ما ضروري نذكر الاسم؟ وهل كانوا يعترضون على شرع الله، ولا يؤمنون به من ناحية حقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير بما يرضى الله؟ وهل كانوا يطبقون شرع الله على المسلمين ولا يطبقونه على المشركين؟ هذا السؤال الأول، هذا السؤال الأول السؤال الثاني..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: اتفضل، وأرجو إنه يكون أكثر اختصاراً، الله يخليك.

صادق الحق [مستأنفاً]: طيب هو باختصار، ما حكم الذين يضللون عباد الله، ويتخذون الصليبيين أولياء لهم من دون الله على حساب مصالح شعوبهم؟ هذا السؤال الثاني..

ماهر عبد الله: اتفضل.

صادق الحق: السؤال الثالث: ما حكم الذين يفتحون سفارات لإسرائيل التي تحتل القدس؟ السؤال الأخير –الله يبارك فيك- يا شيخ هل آخر وصية الرسول عليه الصلاة والسلام إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب؟

وأخيراً أقول: الساكت عن الحق، والفساد، والظلم شيطان أخرس، لا بارك الله فيه، ولعنة الله عليه.

ماهر عبد الله: طيب شكراً.. شكراً يا أخ صادق، سيدنا الشيخ أنا ما بأعرف إحنا طبعاً موضوعنا هو الاجتهاد، أنت في مطلق الحرية أن تعلق أو لا تعلق.

د. يوسف القرضاوي: أنا يعني الحقيقة أنا أرى إن إنت اللي تتصرف في هذا يعني.

ماهر عبد الله: أنا قناعتي إن هذا غير.. خارج عن الموضوع.

د. يوسف القرضاوي: يعني.. يعني بعض الإخوة يريد أن يدخلنا في موضوعات خارج إطار ما نتحدث عنه، يعني هو بيسألنا عن أشياء ليست في موضوعنا، والحكم فيها واضح، والأمر فيها ظاهر، كل واحد يريد أن ينفث عن نفسه، أو يريد أن يشتم الآخرين، أو يريد أن يفرغ غضبه.. فييجي هذا ليس -في الحقيقة- لا من العقل، ولا من المنطق، ولا من المقبول، وليس من شأن هذه القناة أنها تفتح النار على كل الجهات.

هذا كلام يعني أرجو من إخوانَّا الذين يتصلون بنا أن يقدروا هذه الأمور، إحنا مش فاتحين جبهة علشان نطلق الرصاص على العالمين، إحنا نريد أن نناقش موضوعات نعلم فيها المسلمين، ونرد على الشبهات، ونبطل المفتريات، ونصحح المفاهيم، فلا تأكلوا الوقت بهذه الأمور يعني.

ضوابط الاجتهاد

ماهر عبد الله: أنا عايز أسألك سؤال لم يكتمل فيه النقاش، وهو ضوابط العملية الاجتهادية، يعني لو خرجنا من هذا الجو قليلاً، ويسمحوا لي الإخوة اللي على الهاتف، هل هناك ضوابط تضبط العملية الاجتهادية بحيث لا يقع المجتهدون في مزالق، قد تكون عنده الملكة، قد يمتلك المؤهلات والشروط، لكن يعني في بعض الأحيان نرى هفوات مضحكة من كبار علماء، هل هناك ضوابط؟

د.يوسف القرضاوي: هو يمكن قبل أن نتحدث عن الضوابط، نتحدث عن بعض المزالق التي يقع فيها، يعني.. هناك مزالق للذين يدخلون في الاجتهاد، وكثيراً ما لا يكونون مؤهلين له، فأحياناً يغفلون عن النصوص، يعني يبقى المسألة فيها نص واضح ولكن لم يستحضروا هذا النص، وقد يكون من القرآن، وقد يكون من السنن، والغالب وكثيراً ما يقولون..لم يحفظوا أن في هذا أحاديث صحيحة صريحة بينة في الموضوع، وهم لم يقرؤوها أولم يعرفوها، وأحياناً يعني يدعون الإجماع وليس هناك إجماع، أو يخرجون على الإجماع، يبقى الموضوع فيه إجماع، يقوم ييجي يعني يخرج عن خط الأمة، فمن المهم.. ولذلك لماذا قال الأصوليون: إن من شروط المجتهد أن يعرف مواضع الإجماع؟ حتى لا يخرقها.

إذا أمر فرغت منه الأمة، فما يجيش بحكم الأمة أحلت هذا الأمر ييجي يحرمه هو أو العكس، أيضاً القياس في غير موضعه، يعني واحد كتب في الصحف يقول: إنه الربا بين الحكومة والشعب جائز!! ليه؟ قال: لأنه -كما قيل- لا ربا بين الوالد وولده لا ربا بين الحكومة.. أولاً: لا ربا بين الوالد وولده ليس نصاً، ولا إجماعاً حتى نقيس عليه، وحتى لو كان يعني نصاً.. الحكومة مع الشعب ليست كالوالد مع والده، لأن الحديث قال له (أنت ومالك لأبيك)، إنما ماقالش: أنت ومالك للحكومة يعني، فالقياس.. اعتبار -أحياناً- المصالح.. يعني مصالح أحضرها الشرع، فييجي واحد يقول لك: مصلحة الناس في كذا..

وإحنا أذكر كنا في ملتقى الفكر الإسلامي في الجزائر، وكان هذا الملتقى

سنة 1983م وحول الاجتهاد، وبعدين واحد جه باجتهاد قال أيه؟ إن أنا كنت في أميركا، وبعض الإخوة عملوا مسجد، وجينا يوم الجمعة ولم يحضر إلا عدد قليل، فأنا أفتيتهم إن هم يصلوا الجمعة يوم الأحد، وإنه لو كان الأئمة السابقون حاضرون لأفتوا بمثله.. يا أخي كيف هذا يا أخي!! الجمعة طب.. حنسميها صلاة الجمعة بقى ولا صلاة الأحد؟! وربنا يقول (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ) حنغيرها ونسميها: إذا نودي للصلاة من يوم الأحد!!

إحنا المسلمين بالعكس اللي يستطيع منهم يصلى يوم الجمعة بيصلى، وبعدين بيجتمعوا يوم السبت والأحد في شكل محاضرات، وندوات، وأنشطة إسلامية، فأحياناً هذه هي المزالق، ولذلك لابد أن نضع الضوابط والمعالم الهادية للاجتهاد الصحيح.

من هذه الضوابط الأساسية هو: أن نستحضر النصوص في الموضوع، يعني الواحد قبل ما يدخل في موضوع يشوف ماذا فيه من قرآن، وماذا فيه من سنة، ويعني يستحضرها أمامه، إنه لا يدخل في مخالفة القطعيات.

يعني وإحنا دايماً نقول إيه: الاجتهاد من أهله في محله، من أهله يعني من يجمع شرائط الاجتهاد وأدواته، في محله.. محل الاجتهاد اللي هو الظنيات، القطعيات لا مجال فيها للاجتهاد، الخطر إننا نحول القطعيات إلى محتملات، ونجعلها.. لأ فيه أمور إحنا اللي بنسميها الثوابت اللي تتجسد فيها الوحدة الاعتقادية، والشعورية، والسلوكية، والعملية للأمة، هي أشياء قليلة ولكنها مهمة جداً، فهذه الثوابت والقطعيات لا مجال فيها، دي منطقة مغلقة، لا يدخلها اجتهاد، ولا تطور ولا.. ولا تغيير، ولا تجديد، إنما معظم الأحكام قابلة، فلابد إننا نفرق بين ما يقبل الاجتهاد، ومالا يقبل الاجتهاد.

ماهر عبد الله: طيب اسمح لي -عند هذه النقطة- نسمح للإخوة المشاهدين، لكن يعني أنا لي رجاء من الذين.. الإخوة الذين يشاركون، إحنا مضطرين أي سؤال خارج عن إطار الحلقة، يعني أعتقد (الجزيرة) ما بحاجة تعرف نفسها، ولا الشيخ يوسف بحاجة إلى تعريف نفسه،لم يخشَ يعني في شبابه، فلن يخشى أحداً وهو كبير ، وأعتقد أنه لا يستطيع أحد أن يزايد عليه في موضوع الخوف وموالاة السلاطين.

أنا مضطر أقطع أية مكالمة لا علاقة لها بموضوع هذه الحلقة، وأيضاً نرجو ألا نقع في ما وقعنا فيه الأسبوع الماضي، بعض الإخوة -الحقيقة- تطاولوا -وللأسف الشديد- أن الذي يتسمى باسم العالم -فعلى الأقل- يعني ألا يهين العلماء في الأماكن العامة، يعني إذا اختلى بعالم آخر فله أن يقول بينه وبينه ما شاء، لكن يعني في الأماكن العامة، حتى يبقى للعلماء هيبة، وحتى يبقى للعلم نفسه هيبة، اسمحوا لي عند هذه اللحظة أن أطلب من الأخ عبد الستار، دكتور عبد الستار الهيتي من عمان، دكتور عبد الستار اتفضل.

د. عبد الستار الهيتي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

د. عبد الستار الهيتي: شكراً لقناة (الجزيرة) على عروضها الطيبة والمباركة، وشكراً لأستاذنا الدكتور القرضاوي -حقيقة- على أطروحاته.. في الحقيقة.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

ماهر عبد الله: حياك الله.

د. عبد الستار الهيتي: لدي مداخلة تأكيد لما قاله الدكتور القرضاوي.

ماهر عبد الله: اتفضل يا سيدي باختصار.

د. عبد الستار الهيتي: أن مجموعة كبيرة من فقهاء الأمة قالوا بأن باب الاجتهاد مفتوح لا يغلق، ولا يجوز لأحد أن ينادي بإغلاق باب الاجتهاد لعدة أمور-حقيقة- الأمر الأول: أن الاجتهاد أمر شرعه الله سبحانه تعالى، وأرشد إليه، وجعله رابع مصادر الشريعة، فلا يجوز لأحد أن يغلق باباً فتحه الله تعالى.

الأمر الثاني: أن الدعوة إلى إغلاق باب الاجتهاد بحجة أنه لا يوجد من يصلح لهذا المنصب، قول بالظن، وحجر لرحمة الله تعالى، وتحجير لواسع، فما أدراهم أن الله تعالى لن يوجد مجتهداً بعد الفترة الذهبية للفقه الإسلامي، وعلى الأقل الاجتهاد المقيد إن لم نقل الاجتهاد المطلق؟!

ثم أن الأمر الثالث: أن الاجتهاد ضروري جداً –حقيقة- لبقاء الشريعة الإسلامية وأحكامها، وحياتها، واستمرارها، ذلك لأن الحوادث متجددة غير محصورة، وأستاذنا الدكتور الفاضل أفضل من يمثل –حقيقة- هذا التوجه في الدعوة إلى الاجتهاد، على الأقل –كما قلت- هو الاجتهاد المقيد.

إن تجديد.. إن التجديد -حقيقة- الذي يذهب إليه أنصار التقليد في إقفال باب الاجتهاد، وحظره، وإقامة الحواجز المنيعة دون تلمسه، أمر يضر بالشريعة الإسلامية، ويؤدي إلى ضرر محسوس يؤَّذي المسلمين، ثم إننا نعلم القاعدة التي تقول أن المجتهد مأجور سواء أخطأ أو أصاب، وهذا في معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر ابن عبد البر في كتابه الجامع (بيان العلم) قوله: لا أعلم خلافاً بين الحذاق من شيوخ الفقهاء في اجتهاد المجتهدين والقائسين إذا اختلفوا فيما يجوز فيه التأويل من نوازل الأحكام، مما يدلل على أن القول بعدم غلق باب الاجتهاد أمر يكاد أجمعت عليه الأمة متى ما توفرت الضوابط التي أشار إليها أستاذنا الدكتور القرضاوي -حقيقة- أنا أؤيد ما جاء في طروحاته، وأدعو الله له بالتوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

ماهر عبد الله: مشكور جداً مشكور جداً، الشيخ محمد منير الزين من ألمانيا، شيخ محمد، اتفضل.

محمد منير الزين: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

محمد منير الزين: إذا بتريد ممكن أخوض معكم بالموضوع إذا أمكن.

ماهر عبد الله: اتفضل، بس باختصار شديد، الله يخليك اتفضل.

محمد منير الزين: نعم.. الله تعالى يقول في القرآن الكريم: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً).

هذه الآية فيها دليل واضح على أن من اتبع غير سبيل المؤمنين -أي العلماء -بالعقيدة أو بالأحكام أنه من الذين يصليهم الله جهنم كما بينت الآية، كمن خالف إجماع العلماء باستحلال ما حرموا كبيع لحم الخنزير ولو لغير المسلم، وبيع الخمرة ولو لغير المسلم أو العمل بهما، أو أجاز أكل الأشياء الطاهرة إذا خالطها شيء من دهن الخنزير وهذا لم يجزه الشرع.

وكذلك الذي يفتي الناس أن الطلاق بالثلاث في مجلس واحد يعد طلاقاً بالواحدة، وهذا يخالف الإجماع الذي نقله ابن المنذر و ابن رجب الحنبلي أنه يقع ثلاثاً بالإجماع، وكذلك الذي يفتي أن الغضبان لا يقع طلاقه، والصحيح أنه يقع طلاقه.. يقع طلاقه إذا كان يعي ما يقول، والذي يحرم أمر مجمعاً على جوازه بين العلماء مثل تحريم التبرك بالكعبة، أو بآثار الأنبياء والصالحين..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب أنا أعتقد ذكرت.. ذكرت مجموعة من الشواهد يا أخي الكريم، اللي عاوز توصل له إيش؟

د. محمد منير الزين: وكل هذه الأشياء وكل هذه الأشياء المخالفة للإجماع ذكرها الدكتور القرضاوي في حلقاته السابقة، نحن من باب النصح للمسلمين نقول: بأن يوسف القرضاوي ليس مجتهداً حتى يفتي الناس بالحلال والحرام مما يخالف الإجماع..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب شكر الله لك يا أستاذي.. أستاذي.

د. محمد منير الزين [مستأنفاً]: لأن هذه الفتاوي.. لأن هذه الفتاوي تخالف ما جاءت به.. تخالف ما جاء به المسلمون.

ماهر عبد الله: أستاذي محمد منير شكر الله لك، أعزائي المشاهدين يعني أعتقد سيدنا الشيخ.. أنت يعني سمعت ما تفضل به الشيخ.

د. يوسف القرضاوي: أنا أعرف.

ماهر عبد الله: بس اسمح لي أنا بتعليق بسيط، يعني أنا مش عارف مَنْ الذي يعطي نفسه تأهيل أن يحكم أن هذا مجتهد، وهذا غير مجتهد.

يعني أحد أهداف النقاش في هذه الحلقة هو أن نبين من الذي يحكم على الناس، يعني اتصل بنا أكثر من أخ، وقال: لماذا لا تستدعون من أجمعت الأمة على قبوله؟ يعني ما هي الشواهد على أن فلان أو علان أجمعت الأمة على القبول به؟ تسعة أعشار الأمة لا تسمع بفلان ولا تسمع بعلان ثم نضطر إلى أن نقبل أنه أجمعت الأمة، ثم يأتي فلان فيقول إنه خرج على الإجماع، يعني أي إجماع؟!

وفي الأصول جدل طويل منذ فجر التاريخ الإسلامي، أن الإجماع وقع أم لم يقع، فكيف يأتي من يقول: أنه وقع الإجماع على حل هذا، أنا أعتقد أن الشيخ مجتهد، وهو خرج بحكم على ما هو مألوف، انكسر الإجماع، أي عالم في الثقة يخرج.. يعني هذا الكلام يا إخواني..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: أنا أقول لك إن هذا.. هؤلاء فئة من الناس، يعني هذا الأخ والأخ الذي تحدث في الأسبوع الماضي، هؤلاء يمثلون فئة من الناس خرجت على إجماع الأمة، وكفَّروا علماء المسلمين، هذه الفئة التي تسمى (الأحباش)، وهذه الفئة لها اجتهادات في غاية الضلالة، هم يقولون بأن النقود الشرعية هي الذهب والفضة، فلا يجري الربا في النقود الورقية هذه التي يتعامل بها الناس، الواحد بيدفعها مهر يتزوج بها، ويدفعها يعني ثمناً يستحل بها البضاعة، ويدفعها أجراً، ويأخذ الأجر من الحكومة بها، وهم يقول لك لا ديه.. لا تجري فيها الربا.. لا يجري فيها الربا، ولا تجب فيها الزكاة.

هؤلاء الناس..هذا الشخص منهم، والشخص اللي تحدث في الأسبوع الماضي، وأنا سكَّت عنهم، ولكن يبدو إن هم أنهم مرتبين نفسهم إن في كل حلقة يأتي واحد منهم عشان يتكلم هذا الكلام الفارغ، وأنا طبعاً يعني سكَّت في المرة الماضية عملاً بقول الله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ) إنما إذا سكت مرة ليس معناه أن أنا سأسكت يعني أبد الدهر، يعني الشاعر يقول:

وإذا الأسود استنعجت لك مرة فحذار منها أن تعود أسودَ

هؤلاء خرجوا على إجماع الأمة، كفروا ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وابن باز، وابن عبد الوهاب، وسيد قطب، والغزالي، ولم يدعوا أحداً، وبعدين هم جهلة لا.. يعني، والمشكل أن هؤلاء يجهلون.. ويجهلون أنهم يجهلون اسمه "الجهل المركب" كما قال الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) مشكلتهم يعني.

الأخ اللي تحدث المرة اللي فاتت ذكر قال إنه المنكر هو.. لا يعتبر منكراً إلا ما أجمع عليه، ثم ناقض نفسه، وذكر أشياء هي مختلف فيها وأنكرها عليَّ، وهي أشياء معروفة وإن مختلف مثل ما ذكر مثلاً إن قضية استحالة الخنزير.. إذا استحال الخنزير وصار ملحاً جاز أكله، هذا مجمع عليه، أو يكاد يكون ما عدا الشافعية، الشافعية هم.. إنما كل الفقهاء حتى الظاهرية قالوا: إذا استحالت النجاسة طهرت، وهذا هو المنطقي المعقول.

لأن إحنا ما بننظرش إلى أصل الشيء طب ما هي الخمر أصلها عنب، ما بننظرش إلى الأصل، فهؤلاء ودا اللي جاي يقول كلام كل أمر مختلف فيه، طلاق الغضبان أو طلاق الثلاث طلقة واحدة هذا.. هذا هو الذي أنقذ الأسرة المسلمة، يعني فتاوى ابن تيمية، وابن القيم، وتلاميذهم.. هذه هي الفتاوى التي تعبر عن مقصد الشريعة، والأخ بيستدل بالآية وهو أجهل الناس بهذه الآية، لأن الآية تقول: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى) وهذا لا تنطبق على مؤمن ولا مسلم، فهو جعل علماء المسلمين الذين يخالفونه في بعض الأشياء أنهم شاقوا الرسول يعني عادوا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، من بعد ما تبين لهم الهدى، واتبعوا غير سبيل المؤمنين.

يعني انظر هل هذا إنسان عنده مسكة من عقل يفهم نص القرآن، هؤلاء أناس لا أدري ماذا أقول لهم، كل ما في الأمر أنني فضحتهم في بعض كتبي، فهاج هائجهم، وثار ثائرهم، وجايين يريدون أن..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: فيه عندهم.. فيه عندهم بلوى أخرى، أنا أعتقد هو موضوع سؤالي التالي لك، أنه للأسف الشديد -وأنا على صلة ببعضهم- أنهم يؤمنون بالتقليد إيماناً غريباً، يعني هذه آراء مصدرها واحد، ثم تتوزع.. للأسف وكأن.. يعني أصلاً هم يخشون من استخدام عقولهم في مواجهة مشايخهم، هذا بيرجعني لموضوع كنت حأطرحه عليك..

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: هم يؤمنون بالتقليد،ولكن يجتهدون في أشياء، مثل اجتهادهم في إن النقود هذه.. هذا كلام لم يقله الأئمة، إنما هو اجتهاد منهم إن النقود هذه.. هم يقولون إن الواحد لو وضع إذا أراد أن يعني أن يعفي نفسه من صلاة الجمعة يعني ياكل بصل، أو يحط حتى في جيبه بصلة من البصل، فيعتزل الناس، هم يفتون فتاوى في غاية الغرابة، وهي لم يقل بها الأئمة، فحتى رغم إنهم قالوا بالتقليد، ونحن أنا.. أنا حينما أدعو للاجتهاد لا أمس المذاهب، ولا أئمة المذاهب، بعض الناس الذين يدعون الاجتهاد.. الاجتهادات، يقولون كلاماً فيه مساس بالأئمة العظام، لأ، نحن ندعو إلى الاجتهاد لأهله، ولكن تقليد المذاهب لمن ليس أهلاً للاجتهاد، العامي يعني من حقه أن يجتهد، العامي مذهبه مذهب من يفتيه.

ماهر عبد الله: بعد.. بعد الحلقة الماضية كلمني أحد الأخوة، أنا لم يعني لم أرد أن أذكر هذه الطائفة تحديداً، لكن كلمني أحد الأخوة وقال: أنا منذ وعيت على هذه الصحوة الإسلامية وهو يسير على نهج الأحباش، وكانت أول مرة له يستمع للدكتور يوسف القرضاوي فقال: أنني وجدته غير ما كان قيل لي عنه، واكتشفت أنه عالم يعي ما يقول، وما يقوله مفيد.

يعني أنا بأعتقد أنها بالنسبة لي كانت شافية جداً على التطاول الذي سمعناه في الحلقة الماضية، يعني فيه عقلية حصار لا تسمع للقرضاوي، لا تسمع لسيد قطب، لا تسمع للشيخ الفلاني، وهذا جوهر عملية التقليد التي هي التي أحطت بالأمة وانحدرت بها.

د. يوسف القرضاوي: هذا التحجير تحجير على العقول، هو الذي نخاف منه، إن الناس تريد أن تجعل الناس عبيداً لهم، نحن ندعو إلى التحرر الفكري، إنه لا تكن عبداً لأحد إلا لله وحده، ولا تأخذ إلا من كتاب الله وسنة رسول الله، واسمع للعلماء، واقرأ،وحكِّم عقلك فيه، إنما لا نريد للإنسان أن يكون أسيراً لأحد.

الإمام ابن الجوزي يقول: "قبيح بمن أعطى شمعة أن يطفئها ويمشي في الظلمة"، والشمعة يقصد بها العقل، ربنا أعطانا فأنا.. أنا ليس بيني وبين (الأحباش) ولا أحد عداوة، أنا لا أعادي مسلماً، إنما أنا أقول الحق وأبطل الباطل، إذا رأيتهم قد خرجوا في بعض الأشياء فأنا ضد هذا، ضد تكفير المسلمين بالجملة، ضد الاجتهادات التي لا أصل لها ولا اعتبار إنما إذا رأى مسلم..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: وضد التطاول على العلماء..

د. يوسف القرضاوي[مستأنفاً]: تطاولوا على الأئمة، كفروا الأئمة.

ماهر عبد الله: طيب لنأخذ مكالمة الأخ أحمد خليفة من السنغال، تفضل يا أخ أحمد، وأرجو أن يكون في صلب الموضوع، لو سمحت.

أحمد خليفة: السلام عليكم، طبعاً في صلب الموضوع.

ماهر عبد الله: حياك الله، تفضل.

أحمد خليفة: طبعاً في صلب الموضوع، إذا كان الموضوع هو الاجتهاد، لأني أنا شخصياً مؤلف كتاب (الاجتهاد).. المهم إنه الاجتهاد هو شيء مطلوب، خصوصاً أنه هنالك مادة للاجتهاد، لأنه مثلاً في الكتاب اللي أنا كتبت عنه، فيه الطهارة والصلاة مثلاً في الفضاء، الناس اللي بيسكنوا الفضاء، مثلاً المحطة الفضائية العالمية وغير هذا، ومثل موضوع.. مواضيع مثل مثلاً مؤجرة الرحم أو غيره يعني هنالك مادة دسمة للاجتهاد ما حداً يتكلم عنها.

ماهر عبد الله: قضايا مستجدة.. نعم.

أحمد خليفة: إذن نحن نقول: أن الاجتهاد هو صار واجب.

الناحية الثانية: ما.. يعني لا يوجد من يرشح شخصاً ما للاجتهاد دون غيره إذا أحس شخص معين أنه يستطيع أن يجتهد، ليجتهد، بعد أن يجتهد، يعني.. الناس تثمنه.. مثل الجرائد، عندك الجرائد يعني ما حد يشتريها، عندك جرائد لو تزيد في ثمنها.. لو تزيد ثمنها عشر مرات الناس بيشتروها، لأنه لما يؤثر عن المسلمين هذا الاجتهاد إنه يفتح لهم أبواب كانت مغلقة، أو يخبرهم بأشياء كانوا يجهلوها.. فهذا هو يعني إحنا نطرق بين الأئمة وبين المجتهد ونترك الباب وهو على كل حال لم يقفل أبداً وسيظل..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: شكر الله لك.

أحمد خليفة[مستأنفاً]: لا، من جهة تانية، الله يخليك، لأننا -نحن الأفارقة- نحس وكأنه يعني كأننا منسيين مغيبين عن.. الأمة..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: الشيخ إفريقي ما الشيخ أفريقي.

أحمد خليفة[مستأنفاً]: أقول.. أقول هذا شعور قد يكون غلط، فأنا كنت أريد من إخوانا اللي في (الجزيرة) بعد طبعاً .. أثمن عالياً هذا (الشريعة والحياة) وغيرها، أن خلوا الشيخ القرضاوي يجلس كرقيب أو مراقب، وخلوا ناس تانية يشاركوا إياه مباشرة على الطاولة، يا يخلوها عبر العالم، علماء يعني بتحطوا إنتوا موضوع.. علماء من عدة جهات من العالم يتصلوا، يعطوا آراءهم، وخلوا الآراء تتضارب، يخرج الحق، يعني هذا رأي، حتى ما يكون نفس الشخص على الشاشة كل يوم، كل ليلة، كل أسبوع.. لا حتى، هذه تضر في الآخر، الله يخليك، مع تقديري للشيخ القرضاوي ومعرفتنا به، وبكتاباته، ومقامته.. لكن يعني يجب أننا نتطور من..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: شكر الله لك يا أخ أحمد.. أخ أحمد شكر الله لك يا سيدي.

أحمد خليفة: تحياتي.

ماهر عبد الله: مكالمة أخرى من الدكتور محمد شمسان من بريطانيا، اتفضل يا أخ محمد.

د. محمد شمسان: ألو، السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

د. محمد شمسان: تحياتي للأستاذ القدير الدكتور يوسف القرضاوي.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

د. محمد شمسان: والله أنا أخشى أن الدكتور القرضاوي أنه يميل إلى بعض الآراء التي قيلت، ويحرمنا من آرائه.. من آرائه الثورية -أنا أعتبرها- والتي والمجددة.. وأنا أريده أن يستمر معنا ولا يخضع لهذه الآراء.. لأنه هو من القلة التي يجمع الكثيرين من المثقفين ومن الواعين على المفهوم الراقي للإسلام.

أريد في موضوع الاجتهاد أن أقول: أن.. أن دائماً ما نلوم السلاطين والحكام، ونلوم المجتهدين من الصغار.. من حفظ المعوذتين وأفتى، ولكن لم نتطرق إلى اللوم لأولئك العلماء الذين أسميهم فقهاء السلاطين الذين يفتون أحياناً بما يعجب الحاكم أو السلطان، في موضوع السلام مع إسرائيل مثلاً.. ظهروا من أفتى بأنه يجوز السلام إرضاءً للسادات، وقبلها أفتوا لعبد الناصر بأنه يجوز حرب إسرائيل لأنها.. ولذلك ألا يجب أن نوجه اللوم.

ماهر عبد الله: إحنا اتفقنا ما نذكر أسماء يا أخ.

د. محمد شمسان: هؤلاء زعماء وكانوا راحلين.. أنا لم أهين أحد.. ولكني..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: يا سيدي، رحمة الله على الجميع، لكن أرجوك، أرجوك وأرجو كل أخ متصل أن يعني يتحاشى الأسماء ما أمكن.. تفضل يا أخ.

د. محمد شمسان [مستأنفاً]: أنا لن.. أنا لن.. أنا لن أطعن في أحد، وإنما أقول أنه بعض العلماء الذين أفتوا للسلاطين بما يرضيهم، دفعوا بهؤلاء الشباب الصغير بأن يفتي لأشياء.. لأنه كفَّر هذا العالِم الذي عمل والذي جامل والذي مالأ السلطان فاضطر هو هذا الشاب الصغير أن يفتي بمعرفته ظناً منه بأن هؤلاء العلماء الكبار قد أصبحوا في جعبة السلطان.. فما رأي أستاذنا القرضاوي في هذا الموضوع، وشكراً.

ماهر عبد الله: طيب شكراً لك.. اسمح لي نأخذ مكالمة، بس اسمح لي ها المكالمة من ألمانيا، ثم بعدها نعطي الفرصة للشيخ.. أخ محمود محمد من ألمانيا اتفضل يا أخ محمود.

محمود محمد: سلام الله عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

محمود محمد: يا أخي في الإسلام، أريدك أن لا تزعل من .. من الإخوان الأحباش.. ها دولي كل إنسان لا يتبعهم فهو كافر بالنسبة لهم.. حتى عندنا بالجامع ببرلين، كل إنسان بيتركهم بيضربوه عمالين، فها دول أناس الله أعلم وراءهم الصهيونية.

ماهر عبد الله: طب يعني إحنا مش حنروح لهاديك الدرجة يا أخ محمد.

محمود محمد: أرجو يا سيدي الشيخ أن لا تزعل ولا يهمك، وأرجو لك التوفيق في الله.. والسلام عليكم.

ماهر عبد الله: شكر الله لك.. شكر الله.. طب مشكور يا سيدي، وأنا أعتقد إخوانا يعني الناس كأنها خايفه على الشيخ.. يعني الشيخ إحنا قلنا الحلقة الماضية إنه عاد.. أسد عاد إلى عرينه، يعني هو أعتقد سمع من هذا الكلام كثير وسمع من هذا النقد كثير، أنا من الشباب الذين وعوا على كتب الشيخ منذ بضعة وعشرين سنة، وكنا نسمع ما قيل اليوم عن الحلال والحرام، منذ ذلك التاريخ ومازال الحلال والحرام يعاد طبعه.. والأمة تختار، والأمة لا تجمع على ضلالة.

يعني نحن نقول لهؤلاء الناس يعني هذه شهادة الأمة، رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جنازة ذات يوم، فالناس تهامست أنه من أهل الجنة قال: وجبت، ومرت جنازة أخرى فتهامس الناس أنه من أهل النار، قال: وجبت.. يعني هذه الأمة لن تجمع ولن تقبل بعالم على كل هذه السنين ثم يأتي صغار القوم ليتطاولوا.

د. يوسف القرضاوي: أولاً: أنا أحمد الله -عز وجل- يعني أنه رزقني حب الناس، يعني بالعكس أنا يعني هؤلاء لا يمثلون شيئاً، وأنا حيثما ذهبت مشرقاً أو مغرباً يعني أجد القبول عند الناس، وأجد يعني هذا البرنامج مشاهداً ومسموعاً في كل أصقاع الدنيا، شمال أفريقيا، أوروبا كلها، في أميركا الآن في، فأنا وأنا.. على كل حال، والله رضا الناس غاية لا تدرك.

ماهر عبد الله: غاية لا تدرك.

د. يوسف القرضاوي: ومن في الناس يرضى كل نفس وبين هوى النفوس مدى بعيد، وكما قال الشاعر:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلازال غضبان عليَّ لئامها

فلذلك أنا لا أطمع في إرضاء الخلق على كل حال..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: بس لو سمحت لي.. أنا ما يسوؤني إنه ليس إنه أن يأخذ بالفتوى أو لا يأخذ، إحنا.. التأدب مع العلماء، من حق أي أخ أن لا يأخذ بالفتوى، لكن ليس من حقه..

د. يوسف القرضاوي[مستأنفاً]: هؤلاء الناس يعني مش فقدوا العلم فقط، فقدوا الخلق، يعني ليس عندهم لا عقل ولا أدب، فهم في حاجة إلى أن يؤدبوا من جديد، ونسأل الله لهم الهداية، كل ما أقوله تعليق على بعض الإخوة هنا: أن الاجتهاد في عصرنا أصبح كما أقول دائماً فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع.. الواقع الذي نعيش فيه، يعني يوجب علينا أن نجتهد لأنفسنا، كما اجتهد الأئمة السابقون لأنفسهم، لأنه جدت في عصرنا أشياء لم تكن في عصرهم.

وأنا أقول: نحن في حاجة إلى أنواع من الاجتهاد، الفقهاء قديماً قسموا الاجتهاد إلى اجتهاد مطلق، وإلى اجتهاد جزئي، والمحققون منهم قالوا: إن الاجتهاد يتجزأ، يعني ممكن واحد يعني يكون مجتهد في باب معين من الفقه أو حتى في مسألة واحدة، وهذا ما يجري عليه الآن في عصرنا.

رسائل الماجستير والدكتوراه، بييجي الواحد يعكف على مسألة ويحيط بها من جميع جوانبها ويبدي فيها رأياً، هو دا اسمه اجتهد في مسألة، ممكن واحد.. يعني، ليس من الضروري أن يجتهد في جميع أبواب الفقه -وإن كان هذا ممكناً، ولكن نحن في حاجة إلى -في عصرنا- إلى نوعين من الاجتهاد، اجتهاد بنسميه الاجتهاد الترجيحي الانتقائي، والاجتهاد الآخر الاجتهاد الإبداعي الإنشائي.

الاجتهاد الانتقائي هذا في التراث الفقهي، فعندنا تراث ضخم لا تملكه أمة من الأمم، مدارس فقهية، ومذاهب متعددة، وتراث هائل، ومعظم المسائل فيها خلافات، فلابد أن يكون لنا رأي، أنا وأنا باكتب في فقه الزكاة، طيب الصغار والمجانين إذا كان عندهم أموال فيها زكاة أو لا؟ خلاف هائل، حُلي المرأة يعني من الذهب وبتاع هل فيه زكاة أو لا؟ خلاف هائل، ماذا نعطي الفقير؟ كم نعطيه من الزكاة؟ خلاف هائل.

لابد للفقيه في عصرنا أن يجتهد، يعني يختار رأي من الآراء ويرجحه، مش بناءً على الهوى أو أي كلام يقوله، لأ بناء على موازين واعتبارات شرعية وعقلية ونقلية، يرجح.. فهذا الاجتهاد، هناك الاجتهاد الإنشائي اللي هو في المسائل التي لم تعرض على السابقين..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: مستجدة جداً.

د. يوسف القرضاوي[مستأنفاً]: بل لم يعرفوا عنها شيئاً، خصوصاً في عصرنا، عصر الثورات العلمية هذه، هل كانوا يعرفون شيء عن زراعة الأعضاء؟! ما يعرفوا عن زراعة الأعضاء، طيب هذه بتعرض علينا أحكاماً عدة، أو تساؤلات عدة، لابد أن نجيب عنها، هل يجوز للإنسان أن يتبرع بالعضو؟ هل يجوز أن يبيع عضو من أعضاءه؟ هل يجوز أن يشترى؟ هل يجوز من مسلم لغير مسلم، ومن غير المسلم للمسلم؟ هل يجوز أخذ عضو من حيوان، ولو كان هذا الحيوان نجساً؟ هل يجوز أن يوصي بعد موته؟ هل يجوز..

يعني أشياء كثيرة لابد للفقيه في عصرنا إذا كان.. لابد أن يجتهد.. يعني أمال.. كيف نستطيع أن نحيي الشريعة؟ إذا لم يكن.. الاجتهاد ضرورة حتى تحيى الشريعة، والناس بيسألون عن حكم الشريعة في الأمور دي، يعني لا زال المسلمون يمكن الحكام مابيطبقوش الشريعة في الحدود والأشياء دي وبتاع، ولكن المسلم العادي بيسأل في البيع، والشراء، والأكل، والشرب، واللبس، والأمور الحياة دي بيسأل يقول لك عن الحلال والحرام، فلا يمكن أن تقف مكتوفاً، لابد أن تجيبه بما في الشريعة، وهذا لا يكون إلا بالاجتهاد، لأنه الماضين لم يجتهدوا حتى تقول يكفينا اجتهادات الماضين، لابد أن تجتهد أنت فهذا وإذا كان الإمام الشافعي يعني كان له مذهبين في مدة قريبة، فكيف نحن مع هذا التغير السريع والهائل في أمور الحياة، كيف يمكن أن نكتفي بالقديم، ولا نجتهد لعصرنا وزماننا ومكاننا.

ماهر عبد الله: اسمح لي نأخذ المكالمة الأخيرة من الأخ كمال قرنوح من السويد، الأخ كمال، اتفضل.

كمال قرنوح: ألو مرحباً.

ماهر عبد الله: أهلين.

كمال قرنوح: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

كمال قرنوح: يا إخوانَّا بخصوص الاجتهاد وتعريف المجتهد -كما ورد- أنه يكون حافظاً لآيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، وأنه يكون ضليع في اللغة العربية، إضافة إنه هو حافظ إجماع الأئمة التي كانت قبله، حتى لا يخرق الإجماع، ولا ينطبق عليه إذا خرق إجماعاً.

أنا في الأساس أنا رجل عادي مسلم لكن عندي إطلاع كبير بهذه الأمور، حتى أنه لا يخرق الإجماع، لابد أن يكون قد تابع وحفظ ما قالوه العلماء الذين كانوا قبله، بما أن الذي يخالف الإجماع في مسألة لا يرد بأنه هو مجتهد، هذا المعلوم عند العلماء.

هناك مسألة -أريد أنا- من الدكتور القرضاوي لو أنه يجاوبني عليها، هناك الشيخ الحافظ زين الدين العراقي في كتابه سماه (الأجوبة المرضية) ردَّ فيه على ابن تيمية بأنه خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل تبلغ ستين مسألة، وأيضاً الحافظ

تقي الدين علي بن عبد الكافي السبتي قال في (الدرة المضيئة) كذلك أمور كثيرة عن ابن تيمية بأنه خرق الإجماع، فسؤالي هل ابن تيمية بعد خرقه للإجماع في الأصول -العقيدة- وفي بعض أقسام الفقه، هل هذا ينطبق عليه مجتهد ويؤخذ بفتاويه؟

ماهر عبد الله: طب شكر الله لك يا سيدي يعني..

د. يوسف القرضاوي: لازلنا مع الأحباش، يعني الحقيقة يعني الأحباش منظمين نفسهم كويس بيتكلموا من بلاد مختلفة، ولازالت حملتهم على شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم، وأظن الأخ الذي ليس من أهل العلم -كما يقول هو- ليس أعرف بالإجماع ومواضع الإجماع من ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ الذهبي، وابن عبد الهادي وهذه المذاهب..، هؤلاء أعلم الناس بالإجماع، وهم يعني ردُّوا على من زعموا أنهم خرقوا الإجماع، وإدعاء الإجماع هذا أمر معروف، يعني دعاوى الإجماع، أولاً: الإجماع دي قضية فيها كلام في الأصول، كلام في وقوع الإجماع وكلام في العلم به إذا وقع، وكلام في حجيته إذا تحقق وقوعه.

وأنا ممن يقولون بالإجماع، بس الإجماع المستيقن، لأنه في كثير من الإجماعات مدعاة، ولذلك يعني الإمام الشافعي قال: الإجماع لا يكون إلا في الأشياء اللي لا تسأل عنها عالماً، زي أيه إن الظهر أربع ركعات، أو المغرب ثلاث ركعات أو كذا، والإمام أحمد قال: من ادعى الإجماع فقد كذب، ما يدريه لعل الناس اختلفوا وهو لا.. ولا هو يدري، فلذلك يعني ضيقوا في دعاوى الإجماع.

وأنا في بحوثي وجدت مسائل كثيرة في الزكاة ادعي فيها الإجماع، وكلها فيها الخلاف، فلذلك يجب أن نتحقق من دعاوى الإجماع هذه، يقول لك خرق الإجماع، مَنْ خرق الإجماع؟ فهذه المسائل التي اختلف فيها العلماء، لكل منهم رأيه، واحد يدعي إنه خرق الإجماع، يقول لك أنا ما خرقت الإجماع، أنا أجيب لك فلان.. وفلان.. وفلان..

وجاب ابن تيمية في مسائل الطلاق والأشياء ديه والناس الذين لم يقولوا بهذا خلال العصور المختلفة، ومع هذا لا ندعي إن من خرق الإجماع خرج على المسلمين، أو خرج عن الإسلام، أو كفر بالملَّـة، كما يريد الأحباش أن يفهمونا، هؤلاء الناس الأمة استقبلتهم بقبول حسن.

وشيخ الإسلام ابن تيمية أصبحت فتاواه معمولاً بها في العالم الإسلامي كله، واستقبله الناس مشرقاً ومغرباً، والأزهر، والزيتونة، والقرويون، وديوباند، وكل المدارس أصبح ابن تيمية مقبولاً فيها، وإن كانوا لا يأخذون بكل فتاواه، ولكن.. وأنا لا آخذ بكل فتاوي ابن تيمية، ولا بكل فتاوى ابن القيم، وأرد عليه في بعض الأشياء، لأني وإن كنت معجباً به، لست تيمياً ولا قيمياً، أنا مسلم (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) ..... وأنا من المسلمين إن شاء الله.

ماهر عبد الله: جزاك الله خير، يعني أنا بس حابب في النهاية هو ذكرنا إحنا موضوع الأحباش، يعني هذا النقاش الأشعري السلفي، الحقيقة عمره يعود إلى فتنة الإمام أحمد بن حنبل.. يعني نحن نتحدث عن ألف سنة من النقاش، لا أعتقد أننا سنحسمه في حلقة من برنامج (الشريعة والحياة) ولن ينفع معهم..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: لا، هؤلاء ليسوا من أهل العلم، الذين يعني يعتبرون أو يستمع لهم، يعني النقاش بين العلماء يعني أهل العلم المعتبرين، هذا يستمع له، ونفسح له المجال، أما أن يدخل الناس الدخلاء على العلم ويقحمون أنفسهم فيما لا يحسنون ويتطاولون على أهل العلم ويضيعون أوقات المسلمين هذا ما لا نقبله.

ماهر عبد الله: طيب، شكر الله لكم، وشكر لشيخنا الدكتور القرضاوي، إلى أن نلقاكم في حلقة جديدة، السلام عليكم ورحمة الله، وإلى لقاء آخر.