مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

عدة ضيوف

تاريخ الحلقة:

10/03/2003

- وتداعيات الانقسام في مجلس الأمن إزاء الحرب على العراق
- الأساليب الأميركية غير التقليدية لحشد التأييد

- مستقبل الأمم المتحدة في ظل الصراع إزاء مفاهيم القانون الدولي

- تأثير التعامل العراقي مع التطورات الحالية على قرار مجلس الأمن

محمد كريشان: النظام الدولي على مفترق طرق، ومجلس الأمن أمام اختيارين أحلاهما مر، مباركة الحرب، أو الانقسام الدرامي.

تساؤلاتٌ حول تفاصيل تلك اللحظات الفارقة في تاريخ النظام الدولي الشرعية القانونية التي يجسدها مجلس الأمن من ناحية، ومنطق القوة العسكري والاقتصادي الأميركي من ناحية أخرى.

السلام عليكم، ساعاتٌ حاسمة يعيشها مجلس الأمن ومعه العالم، وما بين معسكرين أحدهما يرى أن نافذة الدبلوماسية قد أغلقت، وآخر يستميت لمنح عملية التفتيش في العراق المزيد من الوقت يحبس العالم أنفاسه في انتظار الكلمة الفصل من مجلس الأمن، هذه الكلمة الفصل هي محصلة صراع شديد التعقيد والتشابك بين الفريقين المتفقين على هدف نزع أسلحة العراق، والمختلفين جذرياً حول الوسيلة، ومن بين ثنايا الصراع الجاري وبينهما يُطل مشهد جديد للنظام الدولي، إما في اتجاه تكريس منطقٍ.. منطق الهيمنة الأميركية أو هامشٍ أكبر لتعددية الأقطاب، ولكن في البداية نظرة سريعة على آخر المواقف كما عكستها كلمات أطراف الصراع:

* لسنا بحاجة لموافقة الأمم المتحدة عندما يتعلق الأمر بأمننا.

جورج بوش (الرئيس الأميركي).

* لاشك أن الولايات المتحدة ستفتقر إلى شرعية مجلس الأمن في حال خاضت الحرب أحادياً.

كوفي أنان (الأمين العام للأمم المتحدة).

* الولايات المتحدة مستعدةٌ للرد عسكرياً على التهديد الذي يمثله الرئيس العراقي صدام حسين، حتى لو رفض مجلس الأمن الدولي اعتماد قرارٍ ثانٍ يسمح باللجوء إلى القوة.

كوندوليزا رايس (مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي).

* فرنسا لن تسمح بإصدار قرارٍ يعطي الصلاحية التلقائية لاستخدام القوة.

دومينيك دي فيلبان (وزير الخارجية الفرنسي).

* على المجلس أن يدع الفرصة للمفتشين كي يستكملوا مهمتهم، وعلى العراق أن يعزز تعاونه معهم بشكل جوهري.

تانج جياشوان (وزير الخارجية الصيني).

* إن استمرار التفتيش من دون تحديد سقفٍ زمني لن يؤدي لنزع سلاح العراق.

جاك سترو (وزير الخارجية البريطاني).

* من حق أي دولة أو فرد أن يسأل لماذا هذا الإصرار على قرارٍ جديد من مجلس الأمن يجيز العمل العسكري، وكأن الحرب هي أفضل الخيارات وليس أسوأها.

فاروق الشرع (وزير الخارجية السوري).

تفاصيل وتداعيات الانقسام في مجلس الأمن إزاء الحرب على العراق

محمد كريشان: مع اتجاه مجلس الأمن للتصويت على مشروع قرار يجيز القوة لنزع أسلحة العراق تحولت أروقة المجلس إلى ساحة حربٍ دبلوماسية لاستقطاب أكبر قدر من المؤيدين أو المعارضين للقرار، ولوَّحت فرنسا لأول مرة منذ نحو نصف قرن باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد رغبة الولايات المتحدة حليفتها التاريخية، فيما أشارت موسكو إلى الأمر نفسه مراتٍ عدة، ورغم أن واشنطن أكدت مُضيَّها في قرار الحرب حتى بدون موافقة الأمم المتحدة فإنها تحاول مع ذلك شرعنة القرار باستمالة الدول المترددة في المجلس للحصول على الأغلبية اللازمة، كما تحاول فرنسا من جهتها الحيلولة دون حصول واشنطن على النصاب المطلوب تجنباً للجوء لحق النقض.

محمد فال يرصد تفاصيل ذلك السباق الدامي أو الصعب بالأحرى في مجلس الأمن.

تقرير/ محمد فال: معارك قبل المعركة وانقساماتٌ غير مسبوقة بين شركاء الحرب العالمية الثانية، كرَّسها من جهةٍ تصميم الولايات المتحدة على خوض الحرب بمجلس الأمن أو بدونه.

جورج بوش (الرئيس الأميركي): إذا قررنا الحرب فسنمضي، ولسنا بحاجة لموافقة الأمم المتحدة.

محمد فال: ومن جهة أخرى تلويح فرنسا الجدي لأول مرة منذ أزمة السويس قبل 47 عاماً باستخدام حق النقض في وجه واشنطن لمنعها من إضفاء الشرعية على حربها المزمعة، مهما كلف ذلك باريس من خسائر.

دومينيك دوفيلبان (وزير الخارجية الفرنسي): لن نسمح بتمرير قرارٍ يجيز استخدام القوة، روسيا وفرنسا كبلدين دائمي العضوية ستنهضان بمسؤوليتهما كاملة في هذا الصدد.

محمد فال: آخر الفصول الدبلوماسية قد يمثل أصعب امتحانٍ للمنظمة العتيدة منذ إنشائها، عندما تعرض واشنطن ولندن ومدريد مشروع قرارٍ جديد يجيز نزع أسلحة العراق بالقوة بعد مهلةٍ غايتها السابع عشر من الشهر الجاري، وهو المشروع الذي يحتاج قانونياً إلى أغلبية تسعة أصوات في المجلس المكوَّن من خمسة عشر عضواً شريطة عدم استخدام أيٍ من الدول الخمس الدائمة العضوية لحق النقض، وهما أمران لا يبدو أن الإدارة الأميركية ضمنت أياً منهما حتى الآن، وفيما أعلنت واشنطن أن ليس بعد عملية التصويت مهما تكن نتيجتها إلا الحرب روَّجت ثلاث دول دائمة العضوية هي فرنسا وروسيا والصين، أنها ستقوم بمنع صدور القرار، والتدخل لإنقاذ الأمم المتحدة في حال تجاهلت واشنطن مقررات المنظمة.

إيجور إيفانوف (وزير الخارجية الروسي): إذا شنت الولايات المتحدة الحرب أحادياً ضد العراق فإن ذلك سيمثل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، وعندما ينتهك ميثاق الأمم المتحدة يجب أن يجتمع مجلس الأمن لمناقشة الأمر.

محمد فال: وقبل أن تصل الأمور إلى هذا الحد يخوض كلا الفريقين هذه اللحظات معارك استقطابٍ بهدف إحراز أغلبية ساحقةٍ في المجلس، حيث تبلورت ثلاثة معسكرات:

معسكر الحرب بزعامة الولايات المتحدة ورديفتها بريطانيا، بالإضافة إلى إسبانيا وبلغاريا.

معسكر رفض الحرب بقيادة فرنسا وألمانيا، وبدعم كامل الآن من روسيا والصين، إضافة إلى الدولة العربية الوحيدة في المجلس حالياً، وهي سوريا.

لكن بين هاتين الجبهتين تقف 6 دول ذات عضوية دورية في المجلس، ولا تزال مترددة بشأن موقفها النهائي، وهي المكسيك وتشيلي وباكستان وأنجولا، والكاميرون وغينيا الاستوائية، هذه الدول قادرة على ترجيح إحدى الكفتين مع فارق حق النقض طبعاً، وهي تصرح جميعها بمعارضة الحرب، لكنها قد تتصرف بعكس ذلك بسبب ضغوط أميركية تتراوح بين التخويف والإغراء.

وقد نشطت الدبلوماسية الفرنسية من خلال جولة خاطفة على مستوى الدول الإفريقية في مجلس الأمن لتقوية عزمها على رفض الضغوط الأميركية، كما تواجه واشنطن في العالم الفسيح رفضاً شعبياً ورسمياً للحرب لم يسبق له مثيل، بدءاً بالملايين التي خرجت في الشوارع، وانتهاءً بالبيانات التي صدرت عن كبرى المنظمات الدولية، سواءً منها تلك التي كان رفضها مطلقاً كالجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظومة دول عدم الانحياز، والمنظومة الفرنكفونية، أو التي عرفت مواقفها بعض الانقسام مثل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

غير أن كل ذلك لا يبدو أمراً ذا بالٍ في وجه التصميم الأميركي، بل إن بعض المحللين يرى أن فرنسا تعيش الآن مأزقاً حقيقياً بسبب المخاطر الجمة على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في حال استخدامها لحق النقض، ويعتقدون أن تحركات باريس المحمومة إنما تهدف لمنع حصول الأغلبية التي تبحث عنها واشنطن في المجلس لكي لا تحتاج هي إلى استخدام الفيتو، لكنهم رغم ذلك يرون أن باريس وصلت الآن نقطة اللاعودة حتى لو سقط الرفض الروسي والصيني في آخر لحظة.

محمد كريشان: ومعنا في الأستوديو الدكتور إبراهيم عرفات (الباحث في الشؤون الدولية). دكتور، كيف ترى حالة الشد الحالية بين هذين التيارين، وتيار البدون كما سماهم أحد المعلقين؟

د. إبراهيم عرفات: يبدو حتى الآن أننا أمام مباراة معلقة، لا يمكن أبداً أن نستنتج مما يدور نتيجة مفادها أن معسكر سوف ينتصر على معسكر آخر، هذه حرب مفتوحة، هذه عملية مفتوحة، ربما حتى لا تنتهي بالغد، وقد تمتد إلى ما يزيد عن أسبوع، لأنه هناك كلام عن محاولات لتعديل مشروع القرار أصلاً الذي كان يفترض أن ينتهي بمهلة تنتهي في يوم 17، هناك بعض المحاولات، أُطروحات كندية دعمتها تشيلي فيما يتعلق بمد هذه المهلة القصيرة، ربما إلى فترة عشرة أيام أو ما يزيد قليلاً عن هذا، أتصور أن اللحظة لحظة فارقة، لحظة صعبة تعكس محاولة النظام الدولي لإعادة تشكيل نفسه، إما أن يستمر النظام الدولي الذي توارثته القوى العظمى من نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945، أو أن تنجح الولايات المتحدة في نقله إلى ما يسمى بالنظام الدولي في مرحلة ما بعد بعد الحرب الباردة.

محمد كريشان: نعم، معنا من باريس الآن السيد جون بيير شوفينمون (وزير الدفاع الفرنسي السابق)، الذي كان استقال من حكومة الرئيس (فرانسوا ميتران) احتجاجاً على اشتراك فرنسا في الحرب ضد العراق في بداية التسعينات، سيد شوفينمون، ما هي توقعاتك بالنسبة للتصويت في مجلس الأمن؟

جون بيير شوفينمون: تتمكن بعض الدول أن ترفض الضغوط الأميركية، وإذن ليس من الواضح بمكان حتى الآن أن تتمكن الولايات المتحدة الأميركية بشكل آلي بالحصول على التسعة أصوات التي تحتاجها للتصويت على قرار يجيز الحرب.

محمد كريشان: وبالنسبة إليكم سيد شوفينمون هل من الأفضل لفرنسا انتظار هذه الأغلبية لتسع أصوات أم اللجوء إلى القوة.. عفواً اللجوء إلى الفيتو؟

جون بيير شوفينمون: إن فرنسا لن تستخدم حقها للفيتو أو الرفض أو النقض إلا في الحالة الأخرى عندما تكون هناك أغلبية من تسعة أصواتٍ من الخمسة عشر لإيجاز هذا الضوء الأخضر للحرب، وإلا فإن حق الفيتو ليس بضروري، بَيْد أنه.. ينبغي أن يبقى في الأفق على سبيل المثال أو على شاكلة الردع النووي، أي يُهدد به ولا يُستخدم، إذن فرنسا لديها هذا الحق، وتستطيع في حالة ما قصوى أن تستخدمه.

محمد كريشان: يعني يبقى دائماً في الأفق، ولكن هناك من يشكك في أن تجازف فرنسا بعلاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة، هل هذا ممكن؟

جون بيير شوفينمون: لا أستطيع أن أقول ذلك، أظن أن فرنسا تدافع عن مبدأ، فرنسا تدافع عن مفهوم، مفهوم الشرعية الدولية، وترفض مفهوم الحرب.. الحرب الاستباقية، لأنها حرب غير معلومة الجوانب والأفق، فبعد العراق ربما يمر الدور على بلدانٍ أخرى، إيران على سبيل المثال أو باكستان، لا أدري أو الصين، فلنقل إذن.. أو.. أو كوريا الشمالية بالطبع، هذا المفهوم غير مقبول، واستمرار عمليات التفتيش هو أمرٌ أكثر عقلانية من اللجوء إلى الحرب، إذن أكرر فرنسا تحارب وتدافع عن مفهوم العالم متعدد المشارب والأهواء، وأن يظهر الجميع الشجاعة والتصميم على الدفاع عن مبادئ تؤسس النظام الدولي متحضرٍ وفعال.

محمد كريشان: نعم، أرجو أن تبقى معنا سيد شوفينمون.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: دكتور عرفات، ما رأيك في هذا المفهوم، مفهوم الردع الدبلوماسي الذي تحدث عنه السيد شوفينمون؟

د. إبراهيم عرفات: هذا المفهوم يتداول في العلاقات الدولية، وإن كنت أرى في حالة القضية العراقية المناقشة في مجلس الأمن حالياً أن فرنسا ستستخدمه كملاذٍ أخير، بمعنى آخر أن الكرة تريد فرنسا أن تحولها إلى ملعب الدول غير دائمة العضوية من خلال عدم توافر الأعضاء التسعة المؤيدين للقرار الأميركي، لأن هذا سيعفيها من استخدام الفيتو، أما إذا فشلت في ذلك فستعود الكرة إليها مرة أخرى، وهذا ما.. ما تحاوله هذه الدول غير دائمة العضوية، فهناك عدة مباريات في حقيقة الأمر في مجلس الأمن، واحدة بين الولايات المتحدة من جهة ومعسكرها، وفرنسا من جهة أخرى ومعسكرها، والثانية بين فرنسا وألمانيا والصين وروسيا من جهة، والدول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن، كل منهما يريد أن يلقي الكرة في معسكر الآخر للتنصل من هذا.. من هذه المسؤولية.

محمد كريشان: نعم، سيد شوفينمون في باريس، أشرت إلى أن الموضوع بالنسبة لفرنسا هو قضية مبدأ و قضية مفهوم، هل يمكن لباريس أن تجازف بشكل محسوب من أجل هذا المبدأ أو من أجل هذا المفهوم؟

جون بيير شوفينمون: حسناً، باريس وعواصم وحواضر أُخر لا ترغب في استخدام الأمم المتحدة كأداة وتنتزع منها شرعيتها ومصداقيتها، إن الأمم المتحدة ليست حلف وارسو حيث يستطيع.. تستطيع كل دولة أن تفرض على الآخرين أوامر ما قادمة من واشنطن، أظن أن مفهومنا للحلف مع.. مع الولايات المتحدة الأميركية ليس من هذا الطراز، وعندما أتكلم عن حلف أعني عدالة ومساواة بين الأطراف والشركاء وليس خضوع وامتثال، وأظن أن الكثيرين من الدول الأخرى من الممكن أن يُظهروا موقفاً مشجعاً للمبادئ، ليس فقط فرنسا ولكن أيضاً روسيا التي تستطيع أن تستخدم حقها.. للفيتو، وقد تستخدمه في الملاذ الأخير عندما يكون ذلك ضرورياً، لأننا ندافع في هذا الأمر عن نظامٍ شرعي، وعلى نظامٍ قائم على قراراتٍ لمجلس الأمن الأمم المتحدة.

محمد كريشان: واشنطن على لسان (باول) أعربت عن استيائها من هذا الموقف الأميركي [الفرنسي]، واعتبرت بأن فرنسا إذا ما لجأت إليه لن تكون فرنسا قبل التصويت، هل تعتقد فعلاً بأن العلاقات بين الجانبين ستتدهور بعد لجوءٍ محتمل إلى الفيتو؟

جون بيير شوفينمون: تعرفون أن هذه اللغة غير مسموح بها في علاقاتٍ دولية تعود إلى قرنين من الزمان، أذكركم إن فرنسا ساعدت الولايات المتحدة الأميركية في الانتصار لاستقلالها، وفي مراحلٍ أخرى وعصور أخرى فإن الولايات المتحدة قد استخدمت هذه اللهجة واللسان التهديدي، ولكن لم يحدث أثره على العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة الأميركية علاقات قائمة على مبادئ أكثر ثباتاً، وعلى عدة قيم من الديمقراطية التي ندافع عنها، لسنا بموافقين على مبدأ الحرب.. حرب الردع أو الحرب الاستباقية، وأن تكون هناك فكرة تتمكن منها دولة قوة عظمى وحيدة تقرر الحرب والسلام بين الحضارات، فيما يخصنا فرنسا دائماً كانت في علاقةٍ وثيقة مع العالم العربي الإسلامي، ولقد أقمنا علاقات طويلة تعود إلى قرون ماضية، ونظن أن الناس أولاً بني آدم من حضارات مختلفة بالطبع، ولكننا نتشاطر قيم ومعاني بشرية وإنسانية علينا أن ندافع عنها قبل اللجوء إلى حرب غير ذات جدوى.. جدوى، وستخلق مشاكل أكثر من حلها لمشاكلٍ أخرى.

محمد كريشان: سيد شوفينمون، في.. في النهاية، إلى أي مدى هذا الالتفاف حول (شيراك) داخلياً سيجعل الموقف الفرنسي غير قابل للتراجع؟

جون بيير شوفينمون: تعرفون أن الرأي العام الفرنسي يساند تماماً، وبشكلٍ قوي القرار المتخذ من قبل رئيس الجمهورية، سواء اليسار أو اليمين أقول أنه في حالات استثنائية جداً نستطيع أن نقول أن الفرنسيين الآن متحدون في مساندة موقف الرئيس (جاك شيراك)، ودومينيك دوفيلبان (وزير الخارجية)، نأمل أن يظل صارماً وقوياً، أو أن يظلا على يقينهما في هذا الأمر، وتقولون أن الحرب تثير مشاكل، تركيا على سبيل المثال لم ترفض.. سترفض إنشاء وتأسيس دولة كردية مستقلة، ثم هناك الشيعة في العراق، كيف –بالله- تقول أنك سترسي الديمقراطية في العراق دونما سلطة للشيعة؟! ماذا أقول؟ هل تود.. هل تودون أن تفرضون سلطة إيران على هذه البلاد؟ هل تودون محاربة الإرهاب بهذه الحرب، حربٌ ستطيل أمد الإرهاب؟ إن الولايات المتحدة الأميركية أُخذت في.. في مشاكل وتضارب في القول والفعل لا يستطيعون المروق منها، ومهما كان رد فعل مجلس الأمن....

محمد كريشان [مقاطعاً]: سيد.. سيد جون بيير شوفينمون، (وزير الدفاع الفرنسي السابق)، شكراً جزيلاً لك.

على كلٍ كل الوسائل المباحة أميركياً لحشد التأييد، بما في ذلك التجسس.

بعد موجز أنباء: نظرة في أساليب غير تقليدية لحشد التأييد الأميركي كشفت عنها تقارير حديثة.

[موجز الأخبار]

الأساليب الأميركية غير التقليدية لحشد التأييد

محمد كريشان: في حملة أميركية غير مسبوقة على دولٍ تعارض حربها المحتملة على العراق أو تتردد حيالها هددت واشنطن وتوعدت واعتمدت الرشوة والتجسس لتغيير مواقف دول ذات سيادة، كما أشارت إلى ذلك تقارير عديدة خلال الأيام القليلة الماضية، وزير الخارجية الأميركي (كولن باول) حذَّر فرنسا من العواقب الوخيمة لموقفها، وأعضاء في الكونجرس تحدثوا عن مقاطعة منتجات فرنسية، وألمحت واشنطن إلى إمكان سحب القوات الأميركية من ألمانيا لتحرمها بذلك من عائدات تبلغ أكثر من أربعة مليارات من الدولارات سنوياً عقاباً على خروجها من بيت الطاعة، أما مع دول العالم الثالث فالأمر أسوأ بكثير، مصطفى سواق يستعرض جوانب من الممارسات الأميركية لحشد التأييد.

تقرير/ مصطفى سواق: أثناء حملته الانتخابية بشَّر الرئيس الأميركي (جورج بوش الابن) بإدارة تشكل قطيعة أخلاقية مع فساد الساسة والسياسة في واشنطن تعيد القرار للمواطن وتوحد بدل أن تبدد، غير أن وعود الساسة ليست عادة سوى سحب صيف قلما تمطر، ونادراً ما يتذكرها الناخبون خاصة في السياسة الخارجية، وتجسد أساليب التعامل الأميركي مع الأمم المتحدة وأعضائها فيما يتعلق بالقضية العراقية نقيضاً لوعود بوش، يهدد مفهوم النزاهة النسبية والديمقراطية النسبية أيضاً في العلاقات الدولية، واشنطن التي فوجئت بانقسام العالم حيال تعاملها مع المسألة العراقية إلى أقلية مؤيدة وأغلبية متمردة أو مترددة لجأت إلى استعمال وسائل تجمع بين "دبلوماسية الدولار" المصطلح المؤدب لمفهوم الرشوة كما حدث مع تركيا، وتهديداتٍ بلغت حد التلويح بالمقاطعة لتطويعها حتى تصوِّت لقرار الحرب الذي تدعوه قرار الإنذار الأخير، وتزعم الإدارة الأميركية أنها تضمن خارج مجلس الأمن وداخله دعم أكثر من 40 دولة لقرار حربها على العراق، بل ويتجاوز (رامسفيلد) ذلك إلى أكثر من 90 من دون التصريح بأسمائها، غير أن تقريراً لمعهد الدراسات السياسية في الولايات المتحدة أوضح أن الدول الراغبة أو المصممة المؤيدة للموقف الأميركي مضطرة لهذا التأييد، كما أكد أن هناك أدلة على أن أميركا تمارس الضغوط والرشاوى في محاولاتها لحشد هذا التأييد الدولي، فبلغاريا مثلاً تساند واشنطن طمعاً في دخول حلف الشمال الأطلسي، والحصول على قروض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وفي مزيد من المساعدات المالية الأميركية.

كما أن الدول المترددة أو المحايدة وهي المستهدفة حالياً بالمساعي الأميركية تميل كأغلبية شعوبها إلى رفض الحرب، لكنها تخشى بدرجاتٍ متفاوتة انتقام واشنطن منها فيما يتعلق بالمساعدات الاقتصادية أو القروض الأجنبية، أو تسهيلات المبادلات التجارية كالحال مع غينيا والكاميرون وأنجولا والمكسيك وتشيلي، أو بهذا كله فضلاً عن احتمال اتهامها بالإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان، وامتلاك أسلحة التدمير الشامل، أو حتى استهدافها حربياً فيما بعد كحال باكستان وسوريا.

ويشير تقرير معهد الدراسات السياسية إلى أن المناهضين للحرب يمثلون أكثر من 70% من مواطني الدول المؤيدة نفسها كبريطانيا وإسبانيا، وما بين 80 و95% من مواطني الدول المتمردة أو المترددة، كالحال في تركيا وباكستان، وبالتالي فإن مطالبتها بدعم الحرب انتهاك للديمقراطية، وليس هناك أكثر من 3% يساندون الحرب عالمياً، بينما تقف حكومات الدول الحليفة بشكلٍ مباشرٍ ضد رغبات أغلبية مواطنيها.

وفضلاً عن الرشاوى والتهديد قامت واشنطن بالتجسس على بعض أعضاء مجلس الأمن، كما كشفت صحيفة الـ “Observer” البريطانية الأسبوع الماضي، حيث أثبتت بالوثائق ممارسة التجسس على وفود الدول الأعضاء في مجلس الأمن في نيويورك بالتنصت على هواتف منازل ومكاتب أعضاء الوفود المعنية وبريدهم الإلكتروني، خاصة أنجولا والكاميرون وتشيلي وغينيا وباكستان، أمر التنصت صدر عن (مستشارة الرئيس للأمن القومي) كوندوليزا رايس، والتعليمة وقعها (فران كوزا) (رئيس موظفي قسم الأهداف الإقليمية في وكالة الأمن القومي) بتاريخ 31 يناير الماضي. مثل هذه العملية التجسسية في الولايات المتحدة فجَّرت فضيحة (ووتر جيت) وأطاحت بالرئيس (نيكسون) الجمهوري كبوش، ووظفت مصطلحاً في فضائح (كونتراجيت) و(مونيكا جيت)، فأي جيت سيكون هذا الانتهاك لحرمة مجلس الأمن إلى جانب الرشوة والتهديد: دوبيا جيت، كوندو جيت، أو كوندوبيا جيت؟!

محمد كريشان: وينضم إلينا الآن من واشنطن جون رغي (المساعد الأسبق للأمين العام للأمم المتحدة، وأستاذ الشؤون الدولية حالياً في جامعة هارفارد) سيد رغي، هذا الإسلوب في استقطاب الأصوات في مجلس الأمن هل هو أمراً.. هل هو أمرٌ عادي؟

جون رغي: إنه ليس من غير العادي والمعتاد البلدان أن تستخدم أية وسائل تأثير بحوزتها لتحقيق أهدافها في مجلس الأمن، ففرنسا تفعل ذلك في اللحظة التي نتحدث فيها الآن، فوزير الخارجية الفرنسي يزور أنجولا والكاميرون وغينيا وطبعاً الحكومة الأميركية أيضاً تستخدم تأثيرها لدى عواصم معينة من أجل أن تحشد الدعم الكافي لقرارها الجديد، هذا أمرٌ ليس بالغريب بالقياس بمعايير الأمم المتحدة عندما تعمل.. تعمل بلدان مثل هذه الأعمال أمام قضية حساسة، وتتوفر لديها كل وسائل التأثير لتستخدمها.

محمد كريشان: ولكن سيد رغي، كيف يمكن أن.. أن نفرق بين التأثير المشروع وبين محاولة شراء الذمم إن صح التعبير؟

جون رغي: أعتقد أن الخط الفاصل بين هذين الأمرين مهم جداً الحفاظ عليه، فمجلس الأمن الدولي يمثل كياناً قانونياً، وهو أيضاً كيانٌ سياسي، وكأي كيان سياسي آخر تشكل فيه التحالفات وتعقد صفقات، ولم يعد واضحاً حتى الآن أي طرف سيكسب هذه.. هذا الصراع، سنعلم خلال اليومين القادمين ذلك.

محمد كريشان: نعم، دكتور عرفات، أشار سيد رغي إلى الجولة التي يقوم بها حالياً سيد دوفيلبان في دول إفريقية، وأيضاً دول إفريقية زارها مبعوث بريطاني، وكذلك أيضاً أميركا أرسلت مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية (وولتر كانستاين)، هل من السهل التأثير على قرار مثل هذه الدول في مسألة حساسة مثل موضوع العراق قضية الحال؟

د. إبراهيم عرفات: هذا هو واقع الأمر، يعني هذه الدول حينما ترسل مبعوثين إلى الدول الإفريقية أو تمارس كل أدوات السياسة الخارجية المتعارف عليها هي تخدم مصالحها الوطنية، وأنا أريد أن أفرِّق هنا ما بين البُعد الأخلاقي للموضوع و البعد السياسي، يعني فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي بكل تأكيد لا يشرِّع أحد ولا يجيز أحد استخدام أدوات أو يقبل استخدام أدوات مثل الرشاوى أو الضغوط غير الخارجة عن الحد، ولكن في العمل السياسي أتصور أن هذه الأدوات تتعدد وتنوع، وهناك بالفعل مباراة على كسب الدول غير دائمة العضوية من خلال الوعود بتقديم مساعدات، أو من خلال الوعود حتى بتقديم بعض الإمدادات العسكرية لحماية الحدود كما تردد في حالة غينيا –على سبيل المثال- التي تعاني من تسلل بعض المتمردين من ليبيريا أو سيراليون، فهذه أتصور إنها مسائل.. مسائل مشروعة، والعبرة ربما هنا بمن يعطي أكثر أو من هو على استعداد لأن يدعم مطالب هذه الدول بحدٍ أعلى.

محمد كريشان: التقرير الذي أشار أليه مصطفى سواق في تقريره، وهو أَعَد.. أُعِد من قبل معهد دراسات سياسية في أميركا، يعني استعرض بالتفصيل، يعني مثلاً بالنسبة لدول مثل غينيا والكاميرون هناك حديث عن معاملة تفضيلية للدخول للسوق الأميركية، بالنسبة لأنجولا الاستثمارات الأميركية هي اللي في.. في المرتبة الأولى، بالنسبة لأميركا.. بالنسبة للمكسيك أميركا تستقطب 80% من صادرات المكسيك، بالنسبة لتشيلي تنتظر موافقة الكونجرس على انضمامها لاتفاقية التجارة الحرة، بالنسبة لباكستان أيضاً مساعدات عسكرية ووقوف معها في الصراع ضد..، هل هذا أيضاً يشوه الصراعات السياسية عندما تختزل بشكل مكثف من أجل فقط قرار؟

د. إبراهيم عرفات: أنا.. أنا لا أعتقد هذا، لأن العلاقات الدولية في النهاية هي علاقات بين.. بين دول لها مصالح، هذه المصالح بتتنوع، تختلف من يوم إلى آخر، وبالتالي ليس هناك أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون، وإنما مصالح دائمة، على هذا الأساس أتصور –كما يقول المثال- أن لكل فولةٍ كيَّال، وبالتالي ما يستطيع أن تقدمه دول مثل الولايات المتحدة الأميركية أو.. أو فرنسا إلى دولة دائمة العضوية لا تستطيع أن تقدمه إلى دولة غير دائمة العضوية أو دولة تكون صغيرة. هناك مصالح مشروعة، لكل دولة الحق في أن تتجاوب أو تحاول أن تحققها، ولكن في النهاية هنا الموضوع في غاية الحساسية، وعلى الدول دائمة العضوية والدول غير دائمة العضوية أن تجري توازناً دقيقاً بين مقتضيات الأخلاق أو البعد الأخلاقي في القضية العراقية والبعد العملي المتعلق بمصالحهم، و.. أعتقد أن هناك بعض الدول غير دائمة العضوية كانت تتمنى أن لا تكون في هذه اللحظة في مجلس الأمن.

محمد كريشان: وهذا مثلاً ما.. ما حصل بالنسبة لليمن التي دفعت ثمناً غالياً لتصويتها المعارض لحرب الخليج الثانية عام 91. سيد رغي، نموذج اليمن وما دفعه لاحقاً بسبب الموقف هل يُستحضر باستمرار في مجلس الأمن، لاسيما وأن الحالة هي واحدة العراق؟

جون رغي: أعتقد أننا علينا أن لا ننسى حقيقةً أساسية مفادها أن عدم الاتفاق بين أعضاء مجلس الأمن الدولي هذا اليوم هو ليس حول الهدف الأساسي المتمثل بنزع أسلحة العراق، الخلاف هو حول الكيفية بالضبط التي يجب أن تتم بها هذه العملية، وتوقيتها، إذن الوضع مختلف نوعاً ما، أعضاء مجلس الأمن بالإجماع طالبوا وبشكل متكرر من العراق نزعاً كاملاً لأسلحة الدمار الشامل منذ عام 91، القضية المطروحة الآن في حالة تشيلي -على سبيل المثال- وهي عضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي حالياً، تشيلي تريد أن تعطي العراق المزيد من الوقت، ربما بضعة أسابيع أخرى أو شهر أو.. من أجل أن تبرهن نواياها الحسنة، والتزامها الحسن، إذن القضية هذه.. قضية الاختلافات ليست حول الهدف الأساسي، وإنما حول أفضل السبل لتحقيق هذا الهدف، وهذا يجعل الأمر أكثر تعقيداً عما كانت عليه عام 91 عندما كانت القضية في ذلك العام كانت قضية واضحة تماماً، العراق غزا الكويت، وتم تشكيل التحالف الدولي لطرد الغزاة.

محمد كريشان: ولكن مع ذلك البعد الأخلاقي يبقى مهم، وهذا ربما يزيد في تشويه الصورة النمطية الخاصة بالأمم المتحدة، هل هذا وارد أيضاً؟

جون رغي: إن البعد الأخلاقي مهمٌ دائماً، ولكن البعد الأخلاقي الذي يعبر عن التزامات الناس.. الدول بأهداف أساسية نعم، ولكن عليك أيضاً أن تشكل اتفاقات و.. من أجل أن تترجم هذا الاتفاق إلى ممارسة عملية، وعندما تبدأ بالتفاوض حول القضايا التفصيلية العملية فإن عوامل أخرى لابد أن تدخل حيز التداول أيضاً.

محمد كريشان: سيد جون رغي (المساعد السابق للأمين العام للأمم المتحدة)، شكراً جزيلاً لك.

مستقبل الأمم المتحدة في ظل الصراع إزاء مفاهيم القانون الدولي

القضية المطروحة على مجلس الأمن لا تبدو فقط قضية ظرفية تتعلق بالتصويت، إذ تبدو حالة العالم اليوم وكأنها تنذر بانقلاب كامل في مفاهيم القانون الدولي وأدبيات العلاقات الدولية، وتعتبر الأزمة العراقية التي يحتدم بشأنها الجدل داخل مجلس الأمن الواجهة الأبرز في صراع الدول الكبرى مع الولايات المتحدة الأميركية حول شرعية القوة وشرعية القانون، بيد أن الصراع حول المفاهيم يستبطن صراعاً آخر في أقدار الدول وموازين القوى، وهكذا أصبح الموقف من الحرب تأييداً أو رفضاً هو يتعلق بلحظة تاريخية إما أن تنتهي بالعالم إلى مفهوم يتعدد فيه.. تتعدد فيه الأقطاب أو إلى التسليم بالهيمنة الأميركية، فوزي بشرى يعود بالذاكرة إلى بدايات التنظيم الدولي وما آل إليه حاله اليوم.

تقرير/ فوزي بشرى: على خلفية الحروب الأوروبية العالمية الأولى والثانية شهد العالم خلال القرن الماضي محاولتين لترتيب علاقاته وحفظ موازين قواه المضطربة. فمن بين ركام الحرب العالمية الأولى خرج النظام العالمي القديم معبراً عن نفسه في مؤسسة عصبة الأمم التي تشكلت عام 1920 لتحقيق السلام وللحيلولة دون وقوع حروب أخرى، لكن عصبة الأمم انهارت عندما فشلت في إيقاف الحرب العالمية الثانية، ومن تلك الفوضى التي اجتاحت العالم الأوروبي ومن بدايات الخروج الأميركي في ممارسة النفوذ في ساحة الفعل الدولي ومن زهو المنتصرين في مؤتمر (يالطا) وانكسارات المنهزمين خرج النظام العالمي بحقبة ما بعد الحرب في صيغة الأمم المتحدة. في السادس والعشرين من يونيو من عام 45 وقَّعت إحدى وخمسون دولة على ميثاق الأمم المتحدة وتم الإعلان رسمياً عن قيام المنظمة في الرابع والعشرين من أكتوبر من العام نفسه، ولأن المنتصرين لا يكتفون دائماً بكتابة التاريخ على وقع انتصاراتهم فقد ابتدعت الدول الكبرى التي خرجت منتصرة من الحرب نظاماً تسنمت فيه قمة المسؤولية الأمنية والسياسية والأخلاقية داخل منظمة الأمم المتحدة فأصبحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا والصين دولاً دائمة العضوية في مجلس الأمن المكون من 15 مقعداً. وزِيد في امتيازات الكبار سلاح آخر هو حق النقض، أي الاعتراض على إنفاذ أي قانون لا ينال موافقة الدولة المعترضة، وهكذا على أكتاف الكبار الخمس سار العالم سيرته المضطربة فيما بين العام 45 إلى يومنا هذا، وكانت صيغة مجلس الأمن في نظر السياسيين المثاليين طعنة نجلاء في مفهوم المساواة الذي يقر أن دول المنظمة متساوية فيما بينها. ولم تسعد البشرية بصيغة النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد انقسم العالم ما بين المعسكرين الأوحدين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. صراع تحلقت فيه دول حول الاتحاد السوفيتي العظيم ممثل راية الاشتراكية وواعد الناس بالفردوس الأرضي، وآخرون اصطفوا وراء الولايات المتحدة الأميركية يرونها رائدة العالم الحر والمنافحة عن فضائل الليبرالية باعتبارها قدر العالم المحتوم، لكن الصراع بين قطبي العالم انتهى بالانهيار الكبير للاتحاد السوفيتي وكان انهيار سور برلين نذيراً بالزلزلة التي ستلحق بالعالم بعد قليل، فقد تغيرت الخارطة الجيوسياسية لشرقي أوروبا وانهار حلف وارسو وتوسعت أوروبا والناتو إلى حدود روسيا الغربية التي ورثت مقعد مجلس الأمن دون نفوذ القوة الذي تمتع به الاتحاد السوفيتي، وكانت أهم نتائج ذلك الانهيار ما يوصف بالاستفراد الأميركي بالعالم، وأصبحت الأمم المتحدة إحدى أدوات السياسة الأميركية في إضفاء الشرعية على مصالح أميركية خالصة وفق رؤية كثير من المحللين، وقد نشطت دعوات في أروقة الأمم المتحدة تدعو إلى إصلاح حال المنظمة لتكون تعبيراً حقيقياً عن حال العالم اليوم لا كما كان في عام 45، واستجابة لتلك الدعوات تشكَّلت لجنة من الجمعية العامة لإصلاح مجلس الأمن وتوسيعه ليضم أربعة وعشرين عضواً بين دائم وغير دائم، غير أن اللجنة التي أنفقت عشر سنوات من المناقشات لم تخرج حتى الآن بأي نتيجة، وقد جاءت حرب الخليج الأولى لتحقق حالة اختراق كاملة في منطقة الخليج بلغت تمامها بتحويل الخليج العربي كله إلى قواعد انطلاق نحو الشرق أوسطه وأقصاه. فالسيطرة الأميركية التي بدأت باكراً بأميركا اللاتينية تقيم فيها دولاً وتسقط أخرى قد امتدت لتشمل جنوب شرقي آسيا إلى اليابان وتمتد إلى منطقة آسيا الوسطى وهو حزام سيكتمل بالسيطرة على العراق بحرب يقول الرئيس بوش: إن بلاده ستخوضها بتفويض من مجلس الأمن أو بدون تفويض.

وقد بلغ الضيق الأميركي بالمنظمة الدولية حدَّ وصفها بأنها قد تجد نفسها خارج سياق الأحداث لتلحق بعصبة الأمم، وتمثل حالة التململ الأوروبي التي وجدت تعبيرها الجهير في الموقف الفرنسي الألماني واستقوت بالموقف الروسي والصيني استدراكات قوية على منهج السيطرة على العالم كما يبدو في سياسة واشنطن تجاه الآخرين، فنجاح المشروع الأميركي لن يقضي على النظام السائد فحسب، بل سيحوِّل الجميع وفق منطق الإمبراطوريات إلى أتباع، وذلك ما يفسر قلق الدول الكبرى من الفوضى التي تضرب مفهوم القانون الدولي في الصميم.

محمد كريشان: وينضم إلينا الآن من موسكو (الكاتب والمحلل السياسي) قسطنطين ترويفسيف. سيد ترويفسيف، إيفانوف صرح قبل يومين بأن الطريقة التي سيتم بها حل هذا المشكل بالطبع مشكل العراق لن تحدد مستقبل العراق وحده في إشارة إلى الأمم المتحدة، إلى أي مدى هذا الكلام يعتبر في صميم مستقبل الأمم المتحدة؟

قسطنطين ترويفسيف: في الحقيقة القلق الموجود في الأوساط السياسية الروسية حول الوضع حول العراق لا يضم المسألة العراقية (بحثها)، ولكن كذلك يضم يعني مسألة تشكيل العالم، ترتيب العالم، كيفية تشكيل النظام العالمي الجديد، هل سيكون هو نظام وحيد القطب أو نظام متعدد الأقطاب، فروسيا منذ زمن بعيد من أنصار نظام عالمي قائم على تعدد الأقطاب، وبالتالي فيعني هذه الأزمة هي فعلاً أزمة التناقض ما بين محاولة أميركا فرض إرادتها على العالم وتشكيل عالم وحيد القطب، وبين إرادة الدول الكبرى الأخرى بما في ذلك فرنسا...

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن.. ولكن عفواً سيد.. ولكن عفواً سيد ترويفسيف هل يمكن أن تحسم هذه المعركة فقط في مجلس الأمن أم يفترض أن هذه معركة مستمرة قبل موضوع العراق وبعد موضوع العراق؟

قسطنطين ترويسيف: طبعاً، هذه المعركة كانت واضحة كذلك أثناء الأزمة في يوغسلافيا بفرق أن روسيا كانت تقريباً وحيدة بتأييد وتأييد ضعيف من قِبل الصين في موقفها المعارض للغرب الذي كان متوحد في قضية يوغسلافيا، إنما في هذه الحالة في حالة العراق نحن نرى فرق إذن هناك موقف ألماني وفرنسي في.. في غرب أوروبا مغارض.. معارض لخط الولايات المتحدة الأميركية، هناك موقف روسيا واضح كذلك هو معارض لمبدأ يعني سيطرة الولايات المتحدة الأميركية كاملة في العالم، هناك موقف الصين وهناك موقف الهند.

محمد كريشان: نعم، ولكن سيد ترويفسيف، واشنطن تتهم مجلس الأمن والأمم المتحدة بأنها قد يؤول مآلها إلى ما آلت إليه عصبة الأمم، هل هذه المقارنة في محلها أم هي ربما تعتبر نوع من محاولة لوي عنق الوقائع؟

قسطنطين ترويفسيف: في الحقيقة بما يتعلق بقضية العراق هناك مواقف واضحة بالنسبة ليعني ثلاث دول مستمرة في.. في مجلس الأمن فرنسا وروسيا والصين، وليس هو موقف خوف أو ضعف أو أي شيء آخر من هذا القبيل، إنما هذا الموقف يستند إلى ضرورة يعني حل المسائل –وإن كانت متعقدة جداً- حلاً سلمياً وعدم اللجوء إلى الحرب إلا بقرار جماعي للأمم المتحدة أو مجلس الأمن.

محمد كريشان: من.. من مجلس.. من مجلس الأمن، سيد ترويفسيف من موسكو شكراً جزيلاً لك. والسياق الدائر في أروقة وكواليس مجلس الأمن يدور على خلفية مدى التزام العراق بالقرار 1441.

بعد الفاصل: نظرة في تأثير التعامل العراقي مع التطورات الحالية على قرار مجلس الأمن.

[فاصل إعلاني]

تأثير التعامل العراقي مع التطورات الحالية على قرار مجلس الأمن

محمد كريشان: المعركة الدائرة في مجلس الأمن تجري -نظرياً على الأقل- على خلفية مدى التزام العراق بالقرار 1441 ومنذ عودة المفتشين إلى العراق قبل ما يزيد على ثلاثة أشهر لم يواجه هؤلاء خلالها عوائق تذكر، وهو ما أكده كبيرهم (هانز بليكس) في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، واصفاً تعاون بغداد بالفعَّال وملاحظاً أن العراق سرَّع من تعاونه مع المفتشين منذ يناير الماضي غير أن للبعض مآخذ على ما يمكن أن نصفه بسياسة حافة الهاوية التي يتعامل بها العراق مع مطالب المفتشين. زياد بركات يعرض في التقرير التالي لأبرز المحطات التي تعاملت خلالها بغداد مع الأزمة.

تقرير/ زياد بركات: خلافاً لما كانت تأمله الإدارة الأميركية عقب صدور القرار 1441 شكَّل تعاون العراق مع المفتشين عاملاً حاسماً في عزل الموقف الأميركي دولياً، فمنذ وصولهم في السابع والعشرين من نوفمبر الماضي قاموا بأكثر من 800 عملية تفتيش شملت أكثر من 600 موقع دون أي عوائق تذكر.

غير أن البعض يأخذ على بغداد اعتمادها سياسة حافة الهاوية في إدارة الأزمة مع الولايات المتحدة، ويرى هؤلاء أن بغداد تقبل دوماً وفي اللحظة الأخيرة ما سبق ورفضته من مطالب المفتشين. وغالباً قبل أيام معدودة أو ساعات قليلة من تقرير يعتزم بليكس أو البرادعي تقديمه، فتدمير صواريخ الصمود جاء بعد أكثر من أسبوع على طلب تقدَّم به بليكس محدداً الأول من الشهر الجاري للبدء به. وكان لافتاً أن موافقة العراق على ذلك جاءت بعد أن كتب بليكس مسودة تقريره الأخير، وأن البدء بتدمير هذه الصواريخ بدأ بعد يوم من تسليم بليكس تقريره للدول الأعضاء في مجلس الأمن، والأمر نفسه ينطبق على السماح بتحليق طائرات التجسس U2 في الأجواء العراقية، فموافقة العراق على ذلك جاءت بعد أيام من مباحثات أجراها بليكس والبرادعي في التاسع من فبراير وفي نفس اليوم الذي قدَّم فيه بليكس تقريره في الرابع عشر من الشهر نفسه وهو ما ينطبق أيضاً على إعلان بغداد موافقتها على إجراء المفتشين مقابلات على انفراد مع العلماء.

وفي المقابل لم تنطبق سياسة حافة الهاوية على بقية نشاطات المفتشين، ففي منتصف يناير الماضي قام المفتشون بدخول القصر الجمهوري في وسط بغداد بشكل مفاجئ ودون أي معوقات كما أن الأشهر الثلاثة الماضية لم تسجل أي رفض عراقي لدخول المفتشين المواقع التي يرتئونها بما في ذلك أحد المساجد وبعض الممتلكات الخاصة بالمواطنين، ولذلك جاءت جلسة مجلس الأمن الأخيرة على غير ما تشتهي السفن الأميركية.

هانز بليكس (رئيس لجنة الأنموفيك): تدمير صواريخ الصمود خطوة هامة على طريق نزع أسلحة العراق وهي الأولى منذ التسعينيات.

زياد بركات: وجاء تقريرا هانز بليكس (رئيس لجنة الرقابة والتحقق) ومحمد البرادعي (مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية) في عمومهما لصالح العراق، فالأول أَكَّد أن بغداد تتعاون بشكل فعَّال مع فرق التفتيش، بل إنها بحسب بليكس سَرَّعت من تعاونها مع المفتشين منذ نهاية يناير الماضي، وكان لافتاً نفي بليكس لما كان أعلنه وزير الخارجية الأميركي في الخامس من فبراير الماضي من أن لدى العراق مختبرات متنقلة لإنتاج الأسلحة البيولوجية. البرادعي بدوره أكد أن المفتشين لم يعثروا على أي دليل على نشاطات نووية مزعومة في العراق.

محمد البرادعي (رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية): ليس هناك إشارة على استئناف العراق أنشطته النووية، كما أنه لا توجد أي إشارة على أنشطة نووية محظورة في أي من المواقع التي جرى تفتيشها.

زياد بركات: وبهذا وجه البرادعي ضربة قاصمة أخرى لإعلان باول، بل إنه أكد أن المعلومات الأميركية والبريطانية حول قيام العراق بشراء اليورانيوم من النيجر غير صحيحة تماماً، كما قال أنه لا يوجد أي دليل يثبت ارتباط أنابيب الألومنيوم التي اشتراها العراق بأي مسعىً لإنتاج أسلحة نووية، واستناداً إلى ذلك يرى البعض ضرورة نبذ سياسة حافة الهاوية لتفويت الفرصة على واشنطن وخططها العسكرية مرة واحدة وإلى الأبد.

محمد كريشان: دكتور عرفات، رغم هذا المأخذ لدى البعض على سياسة حافة الهاوية كما تسمى، هناك كثيرون يعتقدون بأن بغداد أدارت بشكل موفق إلى حدٍ كبير المعركة الدبلوماسية في مجلس الأمن والتعامل مع المفتشين، كيف ترى الأمر؟

د. إبراهيم عرفات: هذه قضية خلافية يعني أتصور من ناحية أن العراق بذل جهداً يُحمد عليه أكثر مما بذل في كل السنوات الإثنى عشر السابقة فيما يتعلق بجهود نزع السلاح والمعاونة مع المفتشين الدوليين، ولكن إذا رجعنا إلى كل القرارات التي صدرت عن المؤتمرات والملتقيات الدولية في الأيام القليلة الأخيرة.. الأخيرة سواء كنا نتكلم عن القمة الإسلامية، القمة العربية، قمة عدم الانحياز، القمة الفرنسية الإفريقية إلى آخره، سنجد أن هناك دائماً مناشدة مستمرة للعراق لبذل المزيد، بمعنى آخر هناك أمل في أن تنتقل العراق مما يُسمى بالتعاون السلبي بمعنى أن تنتظر فرق التفتيش وتبحث بنفسها ثم تجد ما تجده إلى التعاون الإيجابي أن تقدم العراق طواعية كل ما لديها أو ما يظن أنه لديها، هذه مسألة في غاية الحساسية، وأتصور أن العراق ربما يبدي أفضل في الأيام القليلة القادمة أخذاً في الاعتبار الضغوط المتزايدة.

محمد كريشان: ربما هذا ما سنسأل عنه السيد محمد الدوري (مندوب العراق الدائم لدى الأمم المتحدة) خاصة وأن البعض يعتبر بأن هذه الخطوة التي أشار إليها الدكتور قد وصلت إليها بغداد بتسريع وتيرة التعامل مع المفتشين.

محمد الدوري: هل السؤال هذا موجه لي أستاذ محمد؟

محمد كريشان: نعم سيد دوري، تفضل.

محمد الدوري: لا، لأني كنت أتصور سؤال محدد يعني في.. في.. في أي موضوع يعني تريد الإجابة؟ أنا سمعته ولكن.. يعني أريد سؤالاً محدداً من حضرتك.

محمد كريشان: ok سيد.. سيد دوري، أنا آسف سأعيد صياغة السؤال بشكل دقيق. إلى أي مدى تعتبر بغداد الآن قد نقلت نوعياً تعاملها مع المفتشين بشكل سرَّع من هذا التعاون وجعل بغداد في وضع دبلوماسي أفضل في مجلس الأمن الآن؟

محمد الدوري: أستاذ محمد، هو الموضوع ليس أن يكون العراق في وضع أفضل أو لا يكون في وضع أفضل، أنا.. أننا أمام مشكلة خطيرة وهي مشكلة دولة تهدد بالحرب أو.. ومعاها دولة أخرى أو دولتان وهناك مجموعة أخرى تقول بأن عمل المفتشين يسير بصورة حسنة وبصورة جيدة ومن الأفضل أن نستمر في هذا العمل حتى نصل إلى النتيجة التي نريدها سلمياً، فإذن هناك توجهان، توجه حربي يريد الحرب بأي ثمن وتوجه آخر يريد أن يصل فعلاً إلى نتيجة تتفق أو تتوافق مع متطلبات قرارات مجلس الأمن وهو موضوع نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق، أنا لا أعتقد بأن العراق إذا.. إذا تكلمنا بهذا المنطق الجديد وهو ما تريده الولايات المتحدة الأميركية نصل إلى نتيجة أن العراق لم يقدم شيئاً منذ العام 1991 حتى عام 1998 وحتى بعد هذا التاريخ، وفي حقيقة الأمر أن العراق قدَّم الكثير وجميع الدول تعرف ومنها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا من أن لم يبق لدى العراق سوى.. أو لم يبق على العراق سوى الإجابة على تساؤلات ومواضيع قليلة أشار إليها (إكيوس) في حينه من.. من أنه لم يبق لدى العراق إلا حوالي 4 إلى 5% وأن 94 أو 95 أو 96% من ما يريده مجلس الأمن قد تم تنفيذه، لذلك عندما نركز الآن على المرحلة الراهنة وكأن العراق ابتدأ من جديد، أنا لا أعتقد بأن هذا صحيح، أن العراق الآن قد قَبِل بالتعامل مع القرار 1441 لمعرفته التامة بأنه يستطيع أن يتعامل معه وفق متطلباته بالرغم من أن متطلبات القرار 1441 هي ليست بالضرورة موجودة في ضمير المجتمع الدولي كله، إنما في ضمير الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا فقط من أجل وضع العراق في زاوية لا يستطيع الخروج منها، ومع ذلك كما أشرتم في تقريركم أن العراق قد حاول الخروج من هذه الزاوية وخرج منها فعلاً، وبالتالي كان تقرير بليكس والبرادعي متوازناً إلى حدٍ كبير، لا بل إيجابياً في العديد من جوانبه وهو ما أحرج الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

محمد كريشان: نعم، متوازن وإيجابي، ولكن هل هو قادر على فرملة هذا التوجه الحربي كما وصفته؟

محمد الدوري: أستاذ محمد، هو الموضوع أن.. أنا.. أنا في قناعتي أن السيد بليكس والبرادعي عليهم أن يقدموا ما عليهم أن يقدموه وفق ما تقتضيه ثوابت عملهم بموجب قرارات مجلس الأمن، وبالتالي أن يقولوا ما للعراق وما عليه بصورة واضحة، وبالتالي مجلس الأمن سوف يقتنع كأعضاء.. كمجموعة أعضاء 15 عضو سوف يقتنع البعض منهم أو لا يقتنع البعض الآخر فيما يقوله هؤلاء، الذي يهمنا هنا هو التركيز على أن المجتمع الدولي قد اقتنع بأن العراق متعاون، ولكن الولايات المتحدة الأميركية بدأت تحاول أن تجد ما يمهد لها الطريق لضرب العراق من خلال خلق بعض النقاط التي هي ليست ذات أهمية والدليل على ذلك أن فرنسا وألمانيا وروسيا وسوريا والصين لم تجد في دوافع الأمم المتحدة دوافع حقيقية أو ثوابت حقيقية أو أدلة.. أدلة حقيقية تساعد على صدور قرار من مجلس الأمن يعطي الغطاء للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لضرب العراق، هذه هي النتيجة المهمة التي نخلص إليها والتي خلصنا إليها، ولكن ما زال.. مازالت اللعبة قائمة هنا في مجلس الأمن ونحن بانتظار ما ستكون عليه النتيجة في خلال هذا الأسبوع أو بداية الأسبوع القادم.

محمد كريشان: نعم، اتضح أيضاً من خلال ما قاله بليكس والبرادعي بأن بعض الوثائق التي قدمت لهما اتضح بأنها مزورة، إلى أي مدى محاولة التركيز على هذه المسألة يعطي العراق والمدافعين عن الخيار السلمي حُججاً مقنعة؟

محمد الدوري: أعتقد بأن المجتمع الدولي، عدا ما نسمعه من وسائل الإعلام التي تريد للحرب أن تقوم وذلك لمصالح خاصة وأسباب خاصة، أعتقد أن جميع الحجج التي توردها الولايات المتحدة الأميركية قد نزعت منها سواء كان كونها غير حقيقية مثل ما شاهدنا أن كل ما قدمه وزير الخارجية الأميركي من أدلة أو ما يُقال عنها أدلة لإدانة العراق أثبتت كونها مختلقة أو كاذبة أو غير صحيحة أو مبنية على معلومات مضللة، لذلك لم يعد أحد يتمسك بها ولا الوزير الأميركي نفسه، وفي خطابه الأخير لم يشر إليها مطلقاً، الآن بدءوا يبحثوا عن أمور جديدة ونقاط جديدة لا علاقة لها بالنقاط السابقة، وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأميركية قد خسرت الكثير هي وبريطانيا من خلال ما سُمَّي.. ما أطلق عليه بأدلة تثبت إدانة العراق أو ما يُسمى بالـ Smoking guns لذلك أننا نعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية باتت محرجة و.. ومضطرة للدفاع عن نفسها في البحث عن معلومات جديدة، ولذلك سمعنا اليوم ما يدور حول موضوع طائرات.. هذه الطائرات الخفيفة بدون طيار وموضوع القنابل العنقودية، وهي أمور قد كشف عنها الجانب العراقي، وأعتقد بأن هناك جواباً سيكون على هذه المعلومات إن ظهرت بتفصيلاتها اليوم من جانب العراق لكي يُسقط ذريعة أخرى أو حجة أخرى تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية أو تحاول الاحتماء بها من أجل تبرير عدوانها على العراق.

محمد كريشان: نعم، نرجو أن تبقى معنا سيد الدوري. الدكتور عرفات في الأستوديو، إلى أي مدى فعلاً واشنطن محرجة ومضطرة للتعامل مع هذا الوضع المعقد؟

د. إبراهيم عرفات: المسألة مسألة بيانات ومسألة معلومات، يعني حتى هذه اللحظة التقرير الذي قدمه الدكتور البرادعي والتقرير الآخر الذي قدمه السيد بليكس أتصور أن الأول يعني أعطى شهادة إبراء ذمة تقريباً إلى العراق، والثاني طلب مهلة إضافية للتأكد من ما تم اكتشافه بالفعل وهي كلها نتائج أتصور تصب في خانة مصلحة الجانب العراقي فيما يتعلق بالبحث عن الحقيقة، هذه مسألة بيانات ومعلومات، ولكن القضية أيضاً قضية إرادات، إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا تحاول أن يعني تتعامل مع البيانات أو المعلومات من منطق الإرادات إذن يمكن قراءة البيانات والمعلومات بطرق مختلفة، فالمسألة تبعد عن الحيدة والموضوعية المفترض أن يكون السيد بليكس والسيد البرادعي هما المرجع والسلطة الأعلى في تقريرها ليقدما المعلومات ثم يتخذ مجلس الأمن القرار بناءً على هذه المعلومات، ولكن ما يبدو حتى الآن أن هناك طريقان، الطريق الأول هو طريق يعتمد فقط على قرار متخذ مسبقاً بفرض إرادة بصرف النظر عن البيانات، والطريق الآخر يحاول أن يستخدم هذه البيانات للوصول إلى قرار عادل.

محمد كريشان: نعم، سيد دوري، نحاول استغلال وجودك هنا معنا لنعود ولو للمربع الأول الذي انطلقت منه هذه الحلقة فيما يتعلق بالتصويت داخل مجلس الأمن وهذا التجاذب بين معسكرين وبينهما بعض المترددين كما يوصفون، ما هي توقعاتكم في مجلس الأمن؟

محمد الدوري: توقعاتنا –وهي تظل توقعات- من أن الولايات المتحدة الأميركية لم تحصل ولا أعتقد بأنها ستحصل على تسعة أصوات في المجلس، السبب بسيط في تقديري، هم يحاولون الآن، هناك محاولة من جانب بريطانيا لتعديل مشروع القرار لغرض محاولة إرضاء هذا الطرف أو جذبه إلى جانبهم أو ذاك –أتكلم عن أعضاء مجلس الأمن- ولكن في الحقيقة الموضوع موضوع خطير، لأنه القضية تتعلق بحرب أو سلم، ولا أراني أن هؤلاء الأعضاء غير الدائمين يريدون أن يتحملوا –بغض النظر عن عدالة القضية أو.. أو عدم عدالتها- يتحملوا أن يكونوا سبباً في شن حرب ضد بلد مثل العراق بكل ما ستنتج عنه من نتائج وخيمة ستظل وصمة في عار.. وصمة عار في جبين ليس فقط أي دولة تصوت إلى جانب الحرب وإنما في جانب.. في.. في جبين الإنسانية إضافة إلى تهديد هذه المنظمة الدولية التي أنشئت من أجل السلام ولم تنشأ من أجل الحرب، لذلك هذه الدول تحاول أن توازن تخاف.. تخاف على سمعتها وتخاف على الأمم المتحدة وتخاف أن تظلم العراق والشعب العراقي و.. وفي الوقت نفسه تخاف من غضب الولايات المتحدة الأميركية وغطرستها وإمكانية الإضرار بمصالحها، هذه المعادلة الصعبة التي نعيشها اليوم هنا في نيويورك وتعيشها عواصم الدول الأعضاء في مجلس الأمن هي حقيقة قائمة إنها تصارع إرادات بين الخير والشر، بين الحرب والسلم، وأتمنى مخلصاً أن.. أن.. أن الخير سوف ينتصر على الشر والسلام سوف ينتصر على الحرب، وبالتالي هذا لا يعني أن الولايات المتحدة الأميركية سوف تقبل بهذا الفشل الذريع في مجلس الأمن، بل أنها مصممة على الذهاب إلى تنفيذ مآربها في حربها ضد العراق والشعب العراقي والأمة العربية والمنطقة.

محمد كريشان: يعني برأيكم خلصتم بشكل نهائي تقريباً الآن بأن الحرب واقعة سواءً بغطاء دولي أو بدون هذا الغطاء.

محمد الدوري: أنا أتمنى أن لا تحدث هذه وأتمنى كذلك على القمة العربية أن تنجح في مسعاها من أجل منع أو وضع كوابح أمام هذا الاندفاع الأميركي للحرب، وأتمنى كذلك أن تصويت مجلس الأمن أو موقف مجلس الأمن والموقف الشريف لعديد من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وغير الدائمين أتمنى أن يمنع الولايات المتحدة الأميركية من أن تذهب وتلجأ إلى الحرب.

محمد كريشان: يعني هل لديكم اطمئنان للجوء فرنسا -وربما غير فرنسا- إلى الفيتو لإجهاض أي قرار بالحرب؟

محمد الدوري: أنا –أستاذ محمد- أسمع تصريحات من جانب.. سمعت تصريح وزير الخارجية الروسي اليوم، سمعت تصريحات وزير الخارجية الفرنسي، سمعت تصريحات الرؤساء، من الممكن أن لا يلجأوا إلى.. إلى الفيتو بسبب أن الولايات المتحدة الأميركية سوف لن تحصل على تسعة أصوات، وهذا أمر واضح يبدو للجميع، ولكن إذا ما استطاعت الولايات المتحدة الأميركية على طريقة الجزرة.. الجزرة والعصا أن تكسب بعض الأصوات فهنا.. هنا فرنسا وروسيا والصين سوف تتحمل مسؤوليتها ولا أريد أن أستبق الأحداث، ولكن التصريحات تشير إلى أنها تتجه بهذا الاتجاه، لأنها لا تعتقد بأن الحرب هو الطريق الصحيح، ولا تعتقد بأن الحرب هو الطريق الوحيد.. هي الطريق الوحيد، وإنما طريق استمرار عمل المفتشين هو الطريق الأسلم والأفضل للأمم المتحدة وللعالم وللسلام.

محمد كريشان: وهل لديكم تخوفات من هذه الجزرة التي تمدها واشنطن؟ هل يمكن أن تغير بعض المعطيات بشكل مفاجئ ربما؟

محمد الدوري: والله الجزر يبدو كثير لدى الولايات المتحدة الأميركية، ولكن المشكلة هو مَنْ سيقبل الجزرة، أو مَنْ سيقبل أن يتعامل مع الجزر هو هذا الموضوع، الجزر كثير والحمد لله موجود لدى الولايات المتحدة الأميركية، ولكننا نتمنى أن هذا الجزر هو جزر مسموم ولا تقبله هذه الدول التي ستتعامل مع.. مع من يقدم هذه الوليمة.. وليمة الجزر.

محمد كريشان: نعم، سيد عرفات، يعني موضوع الجزرة هذا هل يمكن أن يؤدي إلى نتائج.. إلى.. إلى مفاجآت عفواً؟

د. إبراهيم عرفات: يعني أتصور كما يقول المثل: "ليس العبرة بالجزر وإنما العبرة بالأرانب"، يعني أتصور أن النتيجة غير محسومة حتى الآن، أن هناك دائماً فرق بين الموقف المبدئي والموقف النهائي، يعني ربما بعض الدول التي قالت (نعم) اليوم تغيِّر موقفها وتقول (لا) غداً والعكس بالعكس صحيح، وأتصور علينا أن ننتظر إلى أن يتم عملية التصويت بالفعل، لأن هناك فارق كبير جداً أن تتم الحرب بقرار دولي أو أن تتم بدون قرار دولي، وأيضاً هناك فارق أن تتم الحرب بدون قرار دولي بسبب الفيتو أو تتم الحرب بدون قرار دولي بسبب عدم توفر تسعة أصوات، هذه كلها حسابات معقدة أتصور أن الدبلوماسية الأميركية عليها أن ترجح فيما بينها وأتصور أن ربما خيار الحرب بسبب هذه التعقيدات قد لا يكون هو الخيار الأنسب في النهاية ربما تأتي لحظة سعيدة تتم من خلالها عملية يعني تهدئة هذه الأزمة الساخنة.

محمد كريشان: نعم، سيد دوري، في نهاية الحلقة هل من كلمة عن الأجواء السائدة في الأمم المتحدة حول هذه الإشكاليات جميعاً؟

محمد الدوري: هذه الإشكاليات هي محل أخذ ورد هنا في الأمم المتحدة ومحل حوار مستمر ليس على صعيد أعضاء مجلس الأمن فقط الدائمين وغير الدائمين، وإنما على صعيد المجتمع الدولي، وفي النهاية أنا أقول سوف لن يصح إلا الصحيح، وهذا يعني في تقديري أن الطريق الوحيد للمجتمع الدولي لضمان وحدة مجلس الأمن، لضمان منظمة الأمم المتحدة ووحدتها واستمرارها في عملها لضمان السلام في العالم..

محمد كريشان [مقاطعاً]: نعم سيد.. سيد دوري على.. على.. على ذكر الأمم المتحدة شيراك يقول بأن بلاده –وهذا في آخر خبر- بلاده عازمة على استعمال حق الفيتو، ما تعليقكم؟

محمد الدوري: أنا.. أنا أشرت لك بأنه لا.. لا يوجد كثير من الدول تريد الحرب، لأنها تعرف ماذا تعني الحرب وما.. وما هي نتائجها ليس فقط على المنطقة وإنما على العالم أجمع وعلى الأمم المتحدة كمنظمة سلام ومنظمة أو.. أو نظام دولي قائم تجمع.. يجمع العالم على ضرورة استمراره، لجوء الولايات المتحدة إلى الحرب، ولجوء الولايات المتحدة إلى استحصال قرار من الأمم المتحدة أو بدون قرار ولجوءها إلى الحرب تعني انهيار النظام الدولي القائم، وهذا سوف يؤثر على جميع دول العالم وبضمنها الدول المهمة الرئيسية في العالم ومنها –كما أعتقد- فرنسا فهي دولة عريقة وهامة وكذلك روسيا والصين وغيرها من الدول غير الأعضاء حتى، لذلك تقديري..

محمد كريشان [مقاطعاً]: نعم، شكراً يا سيد محمد الدوري (مندوب العراق لدى الأمم المتحدة)، نشكر أيضاً ضيفنا في الأستوديو الدكتور إبراهيم عرفات، وفي نهاية الحلقة التي أنتجها ياسر أبو النصر، أخرجها فريد الجابري، والمترجمان موفق توفيق وعمر حماد، تحية طيبة، وفي أمان الله.