مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

د. إبراهيم العاني: عميد الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية - لندن
علي الربيعي: باحث في جامعة لندن

تاريخ الحلقة:

07/10/2003

- أهمية الكتاب في إلقاء الضوء على حركة الترجمة في العصر العباسي
- أسباب وضرورات حاجة الدولة الإسلامية إلى الترجمة

- حاجة الدولة العباسية إلى الترجمة في سياساتها الداخلية والخارجية

- حاجة المجتمع في العصر العباسي إلى الترجمة

- أسباب انحدار حركة الترجمة في الدولة الإسلامية

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم.

كتاب اليوم يبحث في موضوع فكري وثقافي وسياسي هام أثَّر في تاريخ الحضارة العربية وإسهاماتها في العالم، وأسس أيضاً لانطلاق الحضارة الغربية في مرحلة لاحقة.

عنوان الكتاب "الفكر اليوناني والثقافة العربية.. حركة الترجمة اليونانية العربية في بغداد والمجتمع العباسي المبكِّر"، وهو من تأليف البروفيسور ديمتري جوتاس (أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة "ييل" في الولايات المتحدة)، الكتاب ترجمه الدكتور والمؤرخ نيقولا زيادة وصدر حديثاً عن المنظمة العربية للترجمة ومركز دراسات الوحدة العربية في بيروت.

يتناول طبيعة حركة الترجمة من اليونانية إلى العربية في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، ويسلط الضوء على العوامل الثقافية والسياسية التي رافقتها، ويرى أن تلك الترجمة كانت جزءاً من نظرة سياسية وعلمية، بل واستراتيجية أشمل تبناها الخلفاء العباسيون كالمنصور، والرشيد، والمأمون بهدف توسيع وتعميق شرعية الدولة العباسية، وكانت بالطبع مدفوعةٌ أيضاً.. مدفوعةً أيضاً بعوامل الحاجة إلى البحث العلمي وتطوير العلوم، وقد قادت -كما يقول المؤلف- إلى إنتاج حركة ترجمة لم يسبق لها مثيل، أدت إلى قيام فترة من أعظم الفترات وأكثرها تقدُّماً في التاريخ الإنساني.

ضيفاي اليوم لمناقشة الكتاب هما الدكتور إبراهيم العاتي (عميد الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية في لندن)، والباحث الأستاذ علي الربيعي من جامعة لندن فأهلاً وسهلاً بهما.

علي الربيعي: أهلاً وسهلاً.

د.إبراهيم العاتي: أهلاً وسهلاً أستاذ خالد.

أهمية الكتاب في إلقاء الضوء على حركة الترجمة في العصر العباسي

خالد الحروب: أهلاً وسهلاً، دكتور إبراهيم، إذا بدأت معك، هذا الكتاب يتناول مرحلة مهمة جداً من مراحل الحضارة العربية والإسلامية نسميها العصر الذهبي، ويتحدث طبعاً كمان عن الترجمة.. حركة هذه الترجمة من اليونانية إلى العربية، وأحياناً في الدوائر العامة غير المختصة هذا الموضوع مهمل، كيف كانت هذه الترجمة، ما أهميتها؟ وما أهمية الآن هذا الكتاب في إلقاء الضوء على تلك الفترة في سياق الأدبيات والكتب التي تتحدث عن هذا الحقل؟

د.إبراهيم العاتي: والله لابد لي أن أشكر البرنامج، وأوجِّه الشكر موصولاً لك أستاذ خالد على الاهتمام بهذا الموضوع، الذي قد يتصور من يقرأه لأول وهلة أنه بحث متخصِّص يعني للمتخصصين وحسب، إنما هذا الموضوع يهم المجتمع العربي والإسلامي بوجه عام، لأنه يتحدث عن تجربة رائعة وخصبة وخلاَّقة حصلت في فترة تاريخية تعتبر هي قمة الازدهار للحضارة العربية والإسلامية، وخاصة في العصر العباسي في بغداد التي تعد يسمونه العصر الذهبي القرنين الثالث والثاني إلى الرابع الهجري.

لكن قيمة التجارب التاريخية ليست في حد ذاتها، لأنه كتجربة تاريخية هي انقضت ومضت، إنما في دلالاتها، دلالات هذه أن الحضارات تتفاعل مع بعضها، وتأخذ..، يعني هنالك دورات للحضارات، دورة تسلم إلى أخرى، إنما وسيلة هذا التفاعل كيف تكون؟ غالباً ما تكون عن طريق الاحتكاك المباشر أو الترجمة، ترجمة ما هو مفيد، وما هو خلاَّق وما هو مُبدع بالنسبة للحضارة الناشئة.

هذا.. أهمية هذا الكتاب أنه يُلقي الضوء على هذه المرحلة التي هي في حد ذاتها كانت مفيدة وهامة بالنسبة للحضارة الأوروبية الحديثة لأنها قامت أحد وسائل النهضة الحديثة أو عصر الـ (Renaissance) النهضة الأوروبية الحديثة هي ترجمة الكتب العربية في العلوم والفلسفة والطب من اللاتينية.. من العربية إلى اللاتينية، ثم إلى اللغات الأوروبية الأخرى وحصلت ما حصل، الآن بعد أن تجلَّت ويعني صار القياد للحضارة الأوروبية الحديثة مررنا بمرحلة جديدة في عصر الاحتكاك بعد حملة نابليون على مصر، بدأت حركة ترجمة مهمة قادها رفاعة الطهطاوي حينما أنشأ.. أُنشئت أيام محمد علي دار الألسن، وكان هدفها ترجمة العلم الأوروبي الحديث إلى اللغة العربية، لأسباب قريبة من الأسباب ومشابهة، لأنه الإمساك بأسباب النهضة وأسباب التقدُّم الذي وصل إليه الأوروبيون حتى تستطيع أن.. فهذا عملية مهمة..

خالد الحروب [مقاطعاً]: نعم، إذا سألت الأستاذ علي أيضاً نفس السؤال، التعليق بشكل عام على الكتاب، مع الالتفات أو مع.. مع ضرورة الإشارة.. أسألك الإشارة إلى النقطة الجوهرية التي ذكرها في المقدمة أو أيضاً في خاتمة الكتاب من أن الترجمة من اليونانية إلى العربية ثم لاحقاً من العربية إلى اللغات الأوروبية أوحت لكثير من الكتاب الغربيين وحتى غيرهم أن اللغة العربية والثقافة العربية لم تكن إلا جسر ناقل، لم تكن مبدعة بحد ذاتها، وإنما نُقل عنها.. نُقل الترجمات التي هي أصلها يوناني، فالثقافة العربية والترجمات العربية دورها مهم، لكنه دور الناقل والجسر.

علي الربيعي: الحقيقة أستاذ خالد يعني البروفيسور (جوتاس) يقوض تماماً هذه الأطروحة وهذه المقولة من حيث المبدأ، وأنا بأشير إلى أنه أهمية هذا الكتاب الحقيقة، هذا الكتاب يسد يعني فراغ مهم بالمكتبة العربية، ويتعرض إلى قضية جِد مهمة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، والكتاب حقيقة يدرس حركة.. الفكر اليوناني وحضوره في الثقافة العربية من خلال دراسة السياقات التاريخية والأطر الاجتماعية والسياسية والمناخ الأيديولوجي الذي أدى إلى نشوء هذه الحركة.. حركة الترجمة التي هو يقول لا مثيل لها يعني في.. في تاريخ العالم.

الكتاب الحقيقة يتحدث بشكل مسهب وبتفصيل تاريخي عن كل ما رافق حركة الترجمة على.. على صعد الوضع السياسي وتشكيل الدولة العربية الإسلامية والعوامل التي حدت إلى ظهور هذه الترجمة، الحقيقة الكتاب يبحث بالعوامل التي تضافرت لتحقيق تلك الحركة الثقافية الرائدة، هذه المسألة أردى أؤكد عليها، ثم الكتاب حقيقة يعني فائدته المعرفية العامة إنه يكشف عن الدوافع التي حدت بالعباسيين إلى الإضطلاع بمشروع الترجمة الكبير، ولماذا شملت حركة الترجمة الفلسفة دون الاكتفاء بالمعارف والعلوم التي.. خاصة في الحياة اليومية مثل الطب والهندسة والهيئة والكيمياء.

ثم يقدِّم في الكتاب الحقيقة دراسة فيها الكثير من السرد والتفصيل التاريخي عن الصلات التي شدت ذلك المشروع العظيم ورَّى إلى جملة التيارات الثقافية والدينية والسياسية التي كانت سائدة في العالم الإسلامي آنذاك.

أنا أقول إنه الكتاب يقدِّم صورة عن معنى تلك الصلة التي طالما تم التأكيد عليها بين اهتمام مبكر بالعلوم الدنيوية وبين تصور إسلامي أصيل للمعرفة.

الخلاصة إنه الكتاب محاولة جادة لتقديم تفسير لاحتضان المسلمين في العصر الوسيط وبشكل مكثَّف ومتميز للمعارف والعلوم القديمة.

خالد الحروب: نعم، في المقدمة دكتور إبراهيم يتحدث على نقطة أيضاً أساسية يقول: ليس صحيحاً أن الترجمة.. اهتمام العرب بالترجمة في العصر العباسي أو حتى في.. في بداياته في العصر الأموي كانت وليدة اهتمام أفراد أو مجموعات شرائح بسيطة في المجتمع مثلاً المثقفين أو مثلاً مسيحيين سيرياليين أصبحوا من رعايا الدولة الإسلامية، هذا محصور الترجمة فيه، بل كانت نشاط عام وممنهج وتهتم فيه الدولة بل وتؤطره وتدفع باتجاهه إلا إن هذه النقطة هي أيضاً مخالفة للشيء اللي قدم من.. من الرؤية العامة ربما الغير متخصصة، إنه هناك انطباع عام، إنه هذا شغل الترجمة كان شغل الرعايا غير العرب وغير المسلمين في الدولة الإسلامية وكان محصوراً في بعض زوايا الاهتمامات الضيقة.

د.إبراهيم العاتي: لأ، هو أول شيء هو ليس اهتماماً فردياً بالتأكيد، ليس اهتمام أفراد، وليس اهتمام رعايا، إنما هو اهتمام شرائح متعددة، شرائح اجتماعية، واهتمام الدولة أيضاً، اهتمام الدولة بالذات، يعني قبل كل شيء بترجمة العلوم لحاجاتٍ عملية تطبيقية، يعني مثلاً في الزراعة والطب، ويريدون أفضل ما وصل إليه العلم في ذلك الحين، ولحاجات أيضاً سياسية، ولحاجات أيضاً دينية، تخص يعني موضوع الجدل، يعني ترجمة مقولات (أرسطو) كتاب "المقولات" أو منطق أرسطو اللي الجدل يعتبر بيجد فيه جزء هام وأساسي منه، أن في الدولة العباسية بدأ المسلمون يمتزجون مع أبناء الشعوب الأخرى ومع أبناء الديانات الأخرى فنشأت فيما سُمِّي بعلم الكلام، علم الكلام عُرِّف بأنه علم الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية..

خالد الحروب: البرهان..

د.إبراهيم العاتي: فهنالك أدلة برهانية أو أدلة عقلية، يعني لا يكتفى بالأدلة النقلية، لأنك أنت تجادل من هو على غير دينك، فكانت هنالك حاجة أيضاً دينية لترجمة -مثلما أشار إليه- إنه لم يكتفوا -الأستاذ علي- أنه ترجموا الكتب العلمية إنما ترجموا الكتب الفلسفية والمنطق، فشملت هذه القضية اهتمام الدولة، اهتمام الوزراء، أسرة آل برمك يعني اهتمت به، وإضافة إلى اهتمامات الشرائح الاجتماعية الأخرى النسَّاخ مثلاً، أما المترجمون من أبناء الرعايا فهو يعطي تفسير جديد، أصلاً أن المسيحيين الذين كانوا في الدولة الإسلامية الجديدة الناشئة وخاصة بعد ما يسميه الثورة العباسية هم كانوا على خلاف مع الدولة البيزنطية، الدولة البيزنطية اضطهدتهم، وكانت في مرحلة تخلُّف فكري فيما سماه حرب الأيقونات وكانت أصلاً كارهة للنشاط العقلي اليوناني القديم، فهؤلاء احتضنوه وهم كانوا الوسيلة للترجمة، كانت بعض كتب الفلسفة والعلوم تُرجمت إلى السريانية وإلى الفارسية، كانت هنالك حركة ترجمة قوية من الفارسية أيضاً ولابد من الإشارة إليها.

خالد الحروب: نعم، إذن.. إذن الشيء الأساسي في هذا فيما يشير إليه إنها لم تكن.. لم يكن الاهتمام بالترجمة اهتمام جزئي أو هامشي أو على.. على حواف المجتمع وشرائح ضيقة، كان جهداً جماعياً، وكان نتيجة ضغط وحاجة مجتمعية ودولتية، يعني إذا صحت النسبة.

د.إبراهيم العاتي: نعم، سياسية.

أسباب وضرورات حاجة الدولة الإسلامية إلى الترجمة

خالد الحروب: وهو يقسم الكتاب أساساً تبعاً لحاجات الدولة وحاجات المجتمع للترجمة يسميها الترجمة والدولة القسم الأول، والترجمة والمجتمع في القسم الثاني، في القسم الأول -علي- يبدأ بأثر الفتوحات الإسلامية وعلى.. على كل حركة الترجمة وكيف أيضاً بدأت هي تستقطب هذه العلوم المترجمة، ما تعليقك على.. على ما يقوله حول أثر هذه الفتوحات على كل حركات الترجمة وأيضاً تشغيل غير العرب ممن يتكلموا اللغة الرومانية وسيادة -بين قوسين- اللغة الرومانية في دواوين الحكم العربي في بدايات نشوء الدولة.. الدولة الإسلامية؟

علي الربيعي: آني الحقيقة أستاذ خالد أنت قلت شنو رأيك بما يعني ما أشار له جوتاس، الحقيقة أنا متشبث بتحقيق (..) أنه جوتاس الحقيقة كما تعرفت إليه هو يعني زميلنا وباحث جاد ومهتم جداً في هذا الموضوع، فيعطينا الحقيقة خلفية تاريخية عريضة عن الوضع السياسي والتاريخي والاجتماعي قبل الفتوحات الإسلامية، وبالتالي كيف إن الفتوحات الإسلامية أثرت بشكل كبير على نقل العالم المتمدن في تلك المرحلة إلى مرحلة جديدة، مرحلة حضارية جديدة، وبالتالي كانت الترجمة عامل أساسي وحضورها كان فعَّال وقوي، إنه يشير إلى أنه الترجمة -الحقيقة- بدأت في.. طبعاً بداياتها وإرهاصاتها في أوقات مبكِّرة جداً، الفتوحات الإسلامية وظهور الدولة العباسية بالتحديد أنطى دفعة قوية لهذا.. لحركة الترجمة ولانتقال الأفكار، ألغت ما يسمى بالحواجز بين الشرق والغرب، المقصود هنا بالشرق والغرب هو النهرين الكبيرين أو غرب الفرات، هذا المساحة الجديدة اللي بدأت تنتقل بيها الأفكار، بدأت تنتقل بيها حتى يعني مسائل الأسواق حتى المهارات، حتى المعارك فتحت أفق جديد لانتقال هذه الأفكار.

المسألة اللي أريد أشير إلها الحقيقة في هذا الجانب إنه مع أن الدولة العباسية هذا يعني.. وخاصة يعني بناء بغداد ظهرت حاجات جديدة بناءً على الأيديولوجية السياسية والظروف الاجتماعية الجديدة اللي ظهرت في بغداد، المنصور حقيقة بدأ بهذه السياسة بشكل جِد مختلف عما كان سائداً، يعني ما كان سائداً إنه رغم وجود المترجمين، رغم وجود الكتب اليونانية، فيه لغة سريانية، إلا أنه لا يمكن أن تكون حركة ترجمة اعتماداً على الوضع الديني والسياسي -مثل ما أشار الأستاذ العاتي- على ذلك الوضع، فكان سياسة جديدة حقيقة قطعت مع نظام التفكير السائد في ذلك الوقت، آني أتصور هذه السياسة فتحت آفاق جديدة للتفكير وبالتالي لحركة الترجمة أن تنهض بناءً على حاجات جديدة للمجتمع العباسي الذي قام على عوامل غير قبلية.

خالد الحروب: نعم، يعني إذا سألت يعني.. إذا سألت الدكتور إبراهيم استكمالاً لهذا الحديث، إذن حاجات الدولة، الدولة نفسها احتاجت إلى.. إلى.. إلى الترجمة، لم يكن نشاطاً ولا مشروعاً ترفياً، هناك ضرورات ملِّحة ألحت على الدولة بأن تتجه هذا الاتجاه، الضرورة الأولى هي ضرورة الفتوحات، نحتاج إلى مترجمين وإلى دواوين وإلى كوادر مؤهَّلة، والحاجة الثانية: الآن اللي هي أسألك عنها بالفصل الثاني، الحاجة إلى توسيع شرعية الدولة في ما يذكر ببدايات الدولة العباسية هناك طبعاً الإرث الفارسي والساساني، والدولة الناشئة حديثاً تريد أيضاً أن تستوعب هؤلاء ضمن سياقها الجديد، فتم توسعة شرعية الدولة والقول بأن هؤلاء جميعاً هم رعايا الدولة، وأُدخلت الآن الترجمة، كيف ترى هذا.. هذا الربط الذي يشير إليه المؤلف، ولو تلقي ضوءاً أكثر عليه إذا سمحت؟

د.إبراهيم العاتي: هو يشير بل يطنب في الحديث عن الشرعية الدينية وما.. ما يسميه النمط الزرادشتي أو (الزرواستري).. اللي اتبنته الدولة العباسية، وإن كنت أتحفظ على هذا الأمر كثيراً، يعني لأن نمط الخلافة حتى لو يعني نمط الخلافة الدولة..

خالد الحروب [مقاطعاً]: أولاً: قبل أن.. أن تعلِّق عليه حتى أيضاً يكون المشاهد متابع معنا، يعني هذا النمط الذي تبنته إذا.. إذا فقط تسهب فيه بعض الشيء، لماذا تبنَّت.. لماذا -برأي المؤلف- تبنت الدولة العباسية هذا النمط الزرادشتي يعني كما قال..

د.إبراهيم العاتي: أيوه، على أساس أن الدولة الساسانية كانت تعتمد الدين.. الدين أساساً للحكم ولجمع رعاياها على ملة واحدة ودين واحد، ويذكر لـ(كسرى أنو شروان) ولغيره عهداً يقول: أن المنصور تُرجم له واستفاد منه كثيراً، فهو يريد أن يوُحِّد الأيديولوجية، يعني الدولة العباسية قامت على أساس أيديولوجية دينية، هي الشرعية الدينية على أساس أن لهم الإرث النبوي، كونهم يعني من بني هاشم واستطاعوا أن يتغلَّبوا على الجانب الآخر اللي همَّ قاموا لثارات أهل البيت، لكنهم استطاعوا أن يتغلبوا على الفرع العلوي الحسني والحسيني الذي كان موجوداً، وأقاموا هذا الأساس.

الدولة الأموية بخلاف ذلك اعتمدت الشرعية القبلية يعني رجعت إلى النموذج الجاهلي كما يشير إلها، فيعني هذا الموضوع هذه نظرة أعتقد نظرة غير دقيقة للواقع الإسلامي، هذه الدول رغم أن نحن نعترف أن الشرعية الإسلامية انتهت بالخلافة الراشدة، لكن كون أن الدولة الإسلامية تضم شعوباً وقبائل هذا استناداً على النهج القرآني (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ)، فتضم أجناساً مختلفة، لأن الدين هو للناس كافة، فهذا.. فالدولة العباسية لم.. لم تستفد كثيراً -يعني بهذا الإطار- من الإرث الفارسي أو الإرث البيزنطي أو ما شابه، لا تحتاج إلها، لأنها عندها إرث إسلامي ممكن أن تستند عليه، إرث قرآني يعني أو سند قرآني، إنما لا بأس من أن الأيديولوجية الدينية هي أفادتها، أفادتها بجانب آخر كون أن المنصور، ثم إلى المأمون وخاصة عند المأمون يقول أنه أراد أن يعيد الأيديولوجية الدينية الإسلامية بفتوحات جديدة ضد.. وبحروب جديدة ضد بيزنطة، يعني..

خالد الحروب: نعم، وأين.. أين هو موقع الترجمة؟ أين موقع من كل هذا الكلام.. في كل هذا الكلام أين كان يقع موقع ترجمة هذه العلوم سواء من اللغة الفارسية، من الفهلوية، أو اليونانية؟

د.إبراهيم العاتي: موقع الترجمة أولاً: مثلاً هو لم يشر إلى كتاب "كليلة ودمنة"، كتاب "كليلة ودمنة" كتاب سياسي وُضع.. يعني كتاب سياسة ولكنه وُضع في إطار قصصي، وهذا المهم ترجمة ابن.. عبد الله بن المقفع، وكان كاتباً لأبي جعفر المنصور، ترجمه أيام المنصور، وكان الفرس يقولون: كنا نؤدِّب أبناءنا بقراءة كتاب "كليلة ودمنة"، فهو كتاب رمزي يعني صِيغ في إطار قصصي رمزي، ولكن له دلالات ومرامي سياسية.

خالد الحروب: نعم، إذا أدخلنا -علي- في.. في النقاش...

علي الربيعي [مقاطعاً]: أستاذ خالد، الحقيقة أكو نقطة الحقيقة دا تشير يعني مثل ما يعني تأييد لكلام الأستاذ إلى أنه هناك ثلاث عوامل أساسية هي بتِتحدد مع ثلاث خلفاء الحقيقة، إنه.. إنه مع المنصور إنه الدولة العباسية أصبحت تعتبر نفسها أنها وريثة ذلك التراث الإمبراطوري، وبالتالي هي الوريث الشرعي لكل هذا التراث الروحي أو الفكري أو الثقافي وبالتالي من هنا بدأت عامل من عوامل الترجمة.

اثنين: محاولة المهدي لتبني سياسة إسلامية، وبالتالي بالحاجة إلى الإطلاع على أساليب -كما أشار الأستاذ كذلك- إلى أساليب للحوار والنقاش اللي كان هو أساسها الحوار الديني مع الأديان الأخرى، وتعرف الأديان الأخرى كانت هي أديان مؤسسة لها جدلها ونقاشها العقلي، وبالتالي يحتاج إلى أدوات للنقاش حول هذا الموضوع، هناك أسئلة تبدو لو تطرح جِد محرجة على المسلمين، ثم العامل الثالث يأتي مع المأمون اللي أشار إله إنه أراد أن يكون هو يثبت شرعيته السياسية الدينية في حربه على البيزنطيين وتبني الفكر اليوناني، وبالتالي الحاجة إلى ترجمة الفكر اليوناني.

خالد الحروب [مقاطعاً]: يعني هو توحيد المركزية الدينية...

علي الربيعي: أيوه، توحيد المركزية.. باعتبار أنه.. أنه القول الديني هو صاحب القول الفصل ويعتمد على العقل والتصور العقلي.

خالد الحروب: نعم، هذا شيء مهم، لكن كان سؤالي أنا أيضاً، وربما نختم فيه قبل أن ننتقل إلى فاصل قصير، اللي هو إلى أي مدى المقولة المهمة التي ذكرها أن الدولة العباسية في البحث عن توسيع شرعيتها أرادت توطين هذه الشرائح الاجتماعية الفارسية وغيرها، غير العربية وغير المسلمة، وإضفاء توسيع الرعاية، رعاية الدولة عليها الآن من أجل إقناع هؤلاء وإشعارهم بأنهم ينتمون إلى دولة جديدة، وينضمون في سياقاتها بشكل طبيعي قامت حركة الترجمة هذه لثقافاتهم بالثقافات المختلفة هذه، بحيث ترسِّخ عضويتهم ومواطنتهم الجديدة في الدولة الجديدة، ويقتنعون بأن هذه الدولة هي أيضاً دولتهم، فالدولة العباسية قالت هي وريثة عدة إمبراطوريات، وريثة الإرث الإسلامي، وريثة أيضاً الإمبراطورية الساسانية، ووريثة أيضاً حتى بعض الفكر اليوناني، نذكر الكندي قال إن يونان وقحطان عندهم نسب..

د. إبراهيم العاتي: أخوان نعم.

خالد الحروب: أخوان جد العرب وجد اليونان عندهم نسب، آخر تعليق قبل أن ننتقل للفاصل، دكتور إبراهيم.

د. إبراهيم العاتي: هذا صحيح إلى حد كبير، لأنه من الذي يقوم بهذا العنصر، كان عن طريق الترجمة تستطيع أن تضم هذه النخب الدينية وكان هنالك مراكز هي للترجمة، عندك نخب دينية كان تجيد اليونانية، فإدماجهم من خلال إدماجهم في الدولة الجديدة خاصة بغداد، أنشئت حديثاً، يعني أُنشئت على أساس.. جديد مو على أساس ليس على أساس أنها دولة سابقة قائمة، إنما دولة تضم، أو مدينة تضم.. عاصمة تضم جنسيات مختلفة وثقافات مختلفة، فإدماجهم في هذا المشروع: السريان، الفرس، النصارى، الحيرة، العباديين، وهم عرب يعني كان في قبائل عربية يعني حنين بن إسحاق هو من الحيرة أصلاً، والحيرة كانت عاصمة للمناذرة قبل الإسلام، فهذا المشروع يتماهى أو يتماشى مع الطرح اللي هو تفضلت بيه أنه إنشاء إمبراطورية تضم شعوب وقبائل وجنسيات من حضارات مختلفة.

خالد الحروب: إذن هذا كان.. كل هذا النقاش في الجزء الأول الذي يتحدث عن الترجمة والدولة، حاجة الدولة للترجمة، في الجزء الثاني من النقاش، سوف نناقش حاجة المجتمع إلى الترجمة.

[فاصل إعلاني]

حاجة الدولة العباسية إلى الترجمة في سياساتها الداخلية والخارجية

خالد الحروب: كنا نتحدث عن.. في القسم الأول عن حاجة الدولة إلى الترجمة، والآن سوف نتحدث عن حاجة المجتمع والضغوطات أو الاحتياجات العملية التي قادت هذه الحركة إلى الازدهار، لكن قبل ذلك -علي- ذكرت لي بأنه هناك ملاحظة أيضاً تريد أن تذكرها بشأن الدولة أيضاً وعامل معاكس لما حكيناه.

على الربيعي: الحقيقة إنه انتشار الإسلام في مناطق خراسان ومناطق أواسط آسيا ويعني مناطق ما وراء النهر، منطقة الري، أصبحت اللغة العربية هي اللغة السائدة وهي الشماعة وبالتالي الناس أصبحوا يتحدثون العربية، هناك دوائر وهناك نخب وهناك بعض رجال الدين، الديانات السابقة وخصوصاً الزرادشتية، أرادوا ألا تمحى هذه الأديان وأرادوا ألا تنسى وأن تبقى كتبها متداولة فاضطروا إلى ترجمتها إلى اللغة العربية باعتبار إنه الناس في تلك.. في تلك المرحلة.. في تلك المنطقة أخذوا لا يتحدثون اللغة الفهلوية أو..

خالد الحروب: وأن اللغة الصاعدة والثقافة السائدة الآن هي اللغة العربية.

علي الربيعي: فهذا عامل معاكس لكن عامل مساعد.

خالد الحروب: نعم فلنذهب إلى ترجمة ما.. ما نريد إلى اللغة المركزية الأم، وهذا عامل مهم، لكن أيضاً الحقيقة قبل أن نأتي إلى المجتمع، فيه نقطتين نقطة استخدام الدولة للترجمة في السياسة الخارجية، وفي السياسة الداخلية ويذكر هنا يفصل يعني قسمين خاصين بكلٍ، يقول أن: احتاجت الدولة العباسية للترجمة في.. في سياستها الخارجية ضد بيزنطة في تشويه صورة بيزنطة، والقول أن بيزنطة هذه منحرفة وتستحق الحرب عليها بسبب لأسباب مختلفة، وداخلياً المأمون استخدمها لشرعنة وحدانية السلطة الدينية المتمثلة فيه، فدكتور إبراهيم قبل أن ننتقل إلى الفصل إلى القسم الآخر إذا لاحظت، أو إذا ذكرت لنا ملاحظاتك الأساسية على هذين الاستخدامين في السياسة الداخلية والخارجية.

د. إبراهيم العاتي: كان بيزنطة تعيش في تلك الفترة ما سمي بالعهد المظلم، يعني عهد مظلم بالنسبة حضارياً حتى مؤرخي الدولة البيزنطية، وأنها تدنت إلى مستوى كبير من النواحي العقلية والعلمية والدينية أيضاً، بحيث اختلفت مع النساطرة واليعاقبة، واضطر.. واضطروا.. مما اضطروا إلى الهجرة إلى العراق وإلى فارس، وأيضاً المراكز الفلسفية أغُلقت في أثينا حتى هذا قبل يعني أيام الساسانيين، المأمون بالذات يعني هو يشير إلى هذه الناحية، اعتبر أن بيزنطة المعادية للعالم الهلِّيني المتقدم، في تلك الفترة، يعني مدرسة الإسكندرية والمدارس الأخرى، نحن الوريثين -هكذا كان تصوره- نحن الوريثين لهذا التراث العقلي لأن الإسلام ما عنده مشكلة مع التيار العقلي، دائماً الخطاب القرآني (لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، و(لأُوْلِي الأَلْبَابِ)، و(الذين يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، دائماً هنالك دعوة لإعمال العقل في العالم وفي الأشياء وفي والموجودات والمخلوقات وليس الاكتفاء بالطقوس، الكنيسة اهتمت في تلك الفترة بالأيقونات وما إلى ذلك، وحاربت كل نزعة عقلية، إذن يجب أن تزاح هذه الدولة لأنها حضارياً لا تستحق الوجود، وبعد أنها سقطت، أو مو تزاح.. هي أزيحت ثقافياً وحضارياً يجب أن تزاح سياسياً، فهنالك مبرر فكري وبدأ...

خالد الحروب [مقاطعاً]: نعم، هذا.. الحقيقة يطرح فكرة وإن كانت بعيدة عن الكتاب لكنها أيضاً من الموضوعية ذكرها هنا، أن هذه النظرة لدولة بيزنطة وللثقافة البيزنطية، هذه النظرة الاسترذالية والاستعلائية، تذكر الآن أيضاً بنفس النظرات الاستشراقية تجاه الثقافة العربية والإسلامية، بأنها ثقافة غير عقلانية وثقافة عاطفية وغير ذلك وهنا الاستشراق وهنا الاستشراق معكوساً، فيبدو أنه عنده علاقة بتراتبية الحضارات، إذا الحضارة كانت غالبة تنظر لبقية الحضارات على أنها ثقافات جهل، عندما يقول هنا: لقد صُوِّر البيزنطينيون على إنهم حريٌّ بهم أن يتلقوا الضربات الإسلامية، لا لأنهم كانوا كفرة فحسب، بل ولأنهم كانوا جهلة ثقافياً وكانوا من الناحية الثقافية أدنى من المسلمين، نفس هذا الحديث الآن نسمعه ولكن معكوساً، فيبدو أن.. أن تيار الاستشراق والاستشراق المعكوس هو أقدم بكثير مما هو معاصر.

علي الربيعي: هو هذا صحيح، بس صحيح صار، بس القضية تخص المأمون بالذات الحقيقة لأنه بتعرف إنه الحروب الخارجية توحِّد المجتمع في الداخل بشكل عام يعني وبالتالي هو أراد وحدة مركزية قوية، هذا واحد.

ثانياً: على أنه النظرة الاحتقارية والتقليل من شأن الآخر المهزوم، باعتبار إنه هو نفسه المهزوم والبيزنطيون نفسهم كان ينظروا نظرة احتقارية للفلسفة اليونانية وللفكر اليوناني، وأصبح يعني ينظرون إنه هذا فاد شيء نسقه منتهي ولا أهمية له وانتقلوا إلى الحديث عن المسيحية، فعامَلين الحقيقة اللي دفعت المأمون إلى هذا الجانب، هو عامل إنه تركيز سلطته الأساسية وبالتالي إنه يوحد المجتمع وبالتالي يكون إله شأن.. يعني إله قوة وهيمنة، وثاني عامل: الترجمة باعتبار إنه الترجمة والفكر اليوناني أصبح يعني غير ذو بال، وغير ذو أهمية، فعادت أهميته وهو خلاف ما كان سائد في دولة بيزنطة.

حاجة المجتمع في العصر العباسي إلى الترجمة

خالد الحروب: نعم، الآن بالقسم الثاني الذي يتحدث فيه عن الترجمة والمجتمع، بأول فصل من هذا القسم الفصل الخامس يقول أن هناك أربع احتياجات أو أكثر للترجمة، أولها كان للتنجيم، حاجة الترجمة للتنجيم، خاصة في عند السياسيين والحكام، ثم تدريب كوادر للدولة، وهناك الاقتصاد نفسه، والحاجة إلى البحث العلمي والتطبيقي المباشر.

دكتور إبراهيم وما رأيك في.. في هذه الاحتياجات وفي حركة تناغم المجتمع مع الترجمة واستقطابه لها، يعني على عكس ما نراه حالياً، على سبيل المثال، إذا شئنا المقارنة مع المجتمع العربي هناك قدر من النفور، قدر من التوجس والريبة، من كل ما هو قادم للترجمة أو من الخارج، بينما في هذه الحالة هناك تحفز ومحاولة.. محاولة إقدامية على ترجمة علوم الخارج.

د. إبراهيم العاتي: نعم، لماذا؟ لأن الحضارة لما تكون قوية ومتمكنة فهي لا تخشى من أي وافد خارجي أو لا تخشى من أي ثقافة وافدة، هذه متى يحصل هذا التوجس وهذا الخوف؟ حينما تكون الأمة عليلة ضعيفة، فتتوجس خيفة من أن هذا.. هاي الثقافة الوافدة بما أنها ثقافة قوية، ربما تخلخل عقائدها، تخلخل توازناتها، تخلخل ثوابتها، إنما كانت الحضارة العربية الإسلامية، العرب والمسلمون في ذلك الوقت هم سادة الإبداع، وهذه.. وهنالك نقطة مهمة يثيرها أن الترجمة لم تكن تتم إلا على ضوء الاحتياجات، وعلى ضوء ما يريده، يعني لا يترجمون كل شيء يعني الأساطير اليونانية مثلاً ما ترجم، الأدب اليوناني بشكل عام لم يترجم منه إلا كتاب الشعر لأرسطو يعني الفيلسوف، وكان إله دور كبير، هذا ما أشار له حقيقة من الملاحظات اللي أسجلها، يعني كتاب "فن الشعر" لأرسطو كان إله أثر كبير من قدامة إلى حازم القرطاجني في حركة النقد الأدبي والشعري.

أما الآن.. أما الآن نحن نترجم من ثقافة عندها مشروع المشكلة إنه عندها مشروع هيمنة، عندها مشروع استعماري عند..، من هنا هذا التوجس، ولكن لا مبرر له حقيقة يعني لا يستدعي، إنما الاحتياجات كانت هنالك احتياجات.

خالد الحروب: التي يذكرها جوتاس في كتابه.

د. إبراهيم العاتي: اللي يذكرها، التنجيم كان المنصور يؤمن بالمنجمين، والحقيقة هو.. هو لم يترجم من اليونانية في هذا الجانب، الجانب الأهم تُرجم من الفارسية، الفهلوية عن طريق السنسكريتية، يعني الفارسية أيضاً كانت واسطة لعلوم الهند، لأنه لم يكن أحد يجيد.. الفرس بلغتهم القديمة الفارسية القديمة اللي تسمى الفهلوية، ترجموا نصوصاً من الهندية إلى العربية، ترجمها الفلكي الفزاري، في التنجيم، في الطب...

خالد الحروب [مقاطعاً]: نعم.. إذا.. إذا.. دكتور إبراهيم بنفس هذه الاحتياجات التي يذكرها، أنا لاحظت أنه يذكر حاجات نخبة المجتمع أيضاً، يعني ابن الشارع العادي، الشرائح العادية الشعبية، كيف كانت.. كيف كانت تتواصل أو تستفيد من هذه الترجمة؟ هو ذكر مثلاً رجال البلاط، ذكر.. عفواً ذكر الاحتياج في الاقتصاد، اقتصاد مثلاً الدولة، ذكر احتياج العلماء التطبيقيين، الكيمياء، الفيزياء لهذه الترجمة، لكن هناك حلقة مفقودة، سائر شرائح المجتمع العادية -علي- كيف.. كيف كانت؟ أو كيف استفادت؟ كيف كانت نظرتها لهذه الترجمة؟ لم نقرأ في الكتاب.

علي الربيعي: هو الحاجة السابقة بس أشير لهاي النقطة، ثم أردى أنتقل إلى نقطة أخرى، إنه حاجة الناس العادية مثل ما أشار لذلك الدكتور، إلى أنه في مسائل الطب وهاي تخص حياة الناس العادية، في مسائل الهيئة، علم الهيئة وهاي تخص حتى مواقيت الصلاة، وابن الشاطر كان هو..

خالد الحروب: علم الفلك، علوم الفلك.

علي الربيعي: علوم الفلك.

د. إبراهيم العاتي: الرياضيات.. الإرث.. الإرث، الحساب.. علم الحساب.

علي الربيعي: الرياضيات..الإرث، الحساب.. علم الرياضيات الحقيقة الدكتور جوتاس يعني في هذا الكتاب عند يدخل في سرد وتفصيلات تاريخية كثيرة ربما يعني صلتها بالترجمة قد تبدو أحياناً للسرد الطويل ضعيفة، ربما حتى.. ربما نجد لها يعني خيوط واصلة قليلة في المطاف الأخير، وهو في الحقيقة.. فآني أرى أنه يعني كان اختزال لجانب آخر، وهو إذا.. إذا كان هو الكتاب يبحث أساساً في السياق اللامتماثل للترجمة -إذا ما صح القول- أي السياقات التاريخية والاجتماعية، والسياسية، لن يركز كثيراً ربما لا يكون المجال واسع لهذا، لم يركز على إنه الملابسات التاريخية لـ.. لترجمة نصوص معينة، وبالتالي علاقتها بهذا الأطر الاجتماعية..

خالد الحروب: نعم، علي، إذا قدناك إلى.. إلى.. إلى أن تربط هذا الكلام، احتياجات المجتمع بالترجمة، إلى الشرائح التي اعتنت بالترجمة، اللي هو موضوع الفصل السادس، فهو ذكر يعني من الخلفاء إلى رجال البلاط، إلى العلماء وكذا إلى.. إلى.

علي الربيعي: حتى نساء القصر.

خالد الحروب: إلى نساء القصر، هذه الشرائح المختلفة وأهمية ومركزية دور المترجم، مقارنة بدور المترجم -مثلاً على سبيل المثال- في الأوضاع العربية الحالية.

علي الربيعي: بالحقيقة وضع المترجم اللي كان يعني يتمتع بميزات كثيرة، عندما يعني كانت موجودة الترجمة من.. من اليونانية للسريانية، وعندما ترى إنه ما أن اتخذ قرار سياسي من الدولة بالترجمة، حتى كانوا المترجمين حاضرين وموجودين، وتم يعني الاستفادة منهم في هذه الترجمة.

خالد الحروب: حتى يذكر عن دخل المترجم أنه من عِلية الدخول في المجتمع.

علي الربيعي: ثم.. ثم.. ثم لاحقاً كيف إنه زادوا مهارتهم وإمكاناتهم بهذا الجانب، لأنه الموارد المالية كانت كبيرة، بل يضرب مثلاً إنها 75 أوقية من الذهب يحصل، عائلة أحد العوائل.. عائلة علي بن عيسى وكذا، تصرف 500 دينار من الذهب شهرياً على المترجمين، بمعنى إنه الباحث في صيغة طريفة يحسبها الآن معاصراً تعني 24 ألف دولار شهرياً.

خالد الحروب: شهرياً.

علي الربيعي: هذه إمكانية كبيرة يعني للمترجم، وبالتالي تنطيه يعني اهتمام أكثر في.. حتى في الجانب الحرفي والتقني من عمله، أنا أتصور..

خالد الحروب: نعم إذن.. إذن..

علي الربيعي: مقارنة بالوضع البائس الحقيقة، (..) اتكلم هلا...

خالد الحروب: سؤال وإن كان صغير، لكن في هذا الفصل تبادر إلى ذهني أين كانت المترجمات؟ خاصة إنه من لغات مختلفة، افرض من اليونانية أو من الرومانية، أو حتى من الفارسية، وكان هناك الاغتناء في علم أو في حقل الجواري، لكن لم يكن هناك مترجمات، لم يذكر أية مترجمة من المترجمات، على ما أذكر دكتور إبراهيم، هل هناك تعليق هذا يعني خارج الموضوع..

د. إبراهيم العاتي: لا هو يشير إلى مثلاً أم أحد الخلفاء، يقول كانت يونانية.

خالد الحروب: مهتمة بالـ...

د. إبراهيم العاتي: يونانية كانت، فيقول عن طريقها هو يعني كان أحد المؤثرات، وكان يجيد اليونانية هاي تشير إلى قضية مهمة، أنا بس أشير إلى قضية المكافآت المترجمين وعنايتهم، أن حنين ابن اسحاق كان يعطى زنة ما يترجم ذهباً، زنة ما يترجم، يوزنوه ويعطوه، شوف إلى أي درجة، نحن كم متخلفين حقيقة عن.. عن وضعنا، يعني الترجمة مشروع ضخم جداً مهم، فالمترجمين..

علي الربيعي: يساوي الإبداع دكتور.

د. إبراهيم العاتي: نعم.

علي الربيعي: يساوي الإبداع يعني هي الترجمة..

د. إبراهيم العاتي: يساوي هو يقول الترجمة تساوي الإبداع، يعني ترجمة الكتب تساوي معرفة إبداعية أصيلة، ليست نقل فقط..

أسباب انحدار حركة الترجمة في الدولة الإسلامية

خالد الحروب: نعم في الدقائق المتبقية إذا سمحت لي أقطع عليك، لأنه باقي أفكار مهمة ننتقل إليها، في الفصل السابع يبدأ برصد بداية انحدار وانحطاط حركة الترجمة هذه، ويقول إنه مع بداية تقريباً الألف الثاني الميلادي بدأت هذا.. هذا.. هذا المنحنى في.. في النزول، ويذكر.. ويذكر هناك عوامل من ضمنها وقوف بقايا الأمويين تقليدياً ضد حركة الترجمة.

د. إبراهيم العاتي: في الأندلس طبعاً، مو في العراق.

خالد الحروب: في الأندلس، بأن هذه هرطقة، وادخلوا إلى الدين هرطقات وغيرها، وكذلك بعض التصورات أو التقليديين الدينيين، خاصة إزاء الصراع بين المعتزلة و..

د. إبراهيم العاتي: في عهد..

خالد الحروب: في عهد المأمون، ما تعليقك دكتور إبراهيم؟ وهذا في صلب تخصصك؟

د. إبراهيم العاتي: أنا أعتبر أنه هذا الصراع كانت القضايا السياسية..

خالد الحروب: لا، أقصد ما رأيك في تحليل جوتاس لهذه الآراء المعارضة للترجمة؟ هل إلى.. إلى أي مدى دقيقة أو بكذا؟ بعيداً عن السياق التاريخي..

د. إبراهيم العاتي: هي ليست بعيدة عن الصحة، فيها.. فيها جانب كبير من الصحة، لأنه الأيديولوجية القضايا السياسية كانت تلعب دور، دور كبير في إذكاء الصراع ما بين الحكمة والشريعة، بين العقل والنقل، ناس يتجهون اتجاهاً نقلياً خالصاً، أو عقلياً خالصاً، وإلا أن الإسلام هو يوازن، ودائماً تجد عند علماء العقائد، افتح أي.. حتى لعلماء الأشاعرة، وغيرهم من علماء الإمامية أو.. كتب العقائد تجد دليل عقلي ودليل نقلي، وهنالك في القرآن أدلة عقلية وأدلة نقلية يعني إذكاء الصراع كانت العوامل السياسية تلعب دوراً فيه، وإلا فإن حركة الترجمة ازدهرت أيضاً في.. في الأندلس، وظهر اهتمام وظهر مفكرون كبار مثل ابن رشد وابن طفيل، وابن باجه، حركة فلسفية ناهضة، استطاعت أن تعيد أمجاد يعني التجربة التي حصلت في بغداد، بس فيه نقطة مهمة هنا يشير إليها، إنه يقول أن حركة الترجمة توقفت، لا لأن الكتب لا.. لم توجد كتب مترجمة، يعني لا..

خالد الحروب: لم تترجم.

د. إبراهيم العاتي: لم تترجم بعد، إنما لأن المشروع العربي الفلسفي قد استقل، هذه نقطة جداً مهمة، يعني أصبح مستقلاً بذاته، وأصبح حتى يعني في فترة البويهيين يقول حتى قادة الحكم يريدون كتباً بالعربية، يعني بناء على تفكير عربي وبلغة عربية.

خالد الحروب: نعم أسأل علي.. علي الربيعي، ما رأيك أيضاً في الفصل الذي يليه، يتحدث عن.. بعناوين مختلفة، منها العناوين المثيرة، يحاول تفكيك أسطورة الممانعة أو المقاومة الإسلامية للترجمات اليونانية، ويقول أن هناك.. فيه هناك فكر استشراقي يقول: أن الإسلام والعقيدة الإسلامية وقفت بصلابة ضد ما كان يأتي ويترجم.

علي الربيعي: هو بالحقيقة يذكر (كونسير)، وهو يعني يشير إلى أن هذا الباحث يعني والباحثين اللي أنتجوا عن هذا النص من مرحلة مبكرة في عام 1916، أتصور أو أصبح فتح مسار لهذا التوجه في الدراسات الاستشراقية، في الحقيقة آني لاحظت إنه جوتاس يوجه انتقادات قوية وصارمة لهذه الرؤية، اللي هي تنطلق من واقع أيديولوجيا، وبالتالي يفككها، ويرى أنه هذه كلمة العقائدية، وعلى أن هناك اتجاه حنبلي هو ضد العلوم الدخيلة، أو ضد العلوم اليونانية، وضد الفكر اليوناني، وضد الفكر العقلاني، هي هذه لا يمكن التعميم بهذه الصيغة، ربما لكل فكر في أي مجتمع، في أي مرحلة تاريخية، هناك مؤيدون، وهناك معارضون، وبالتالي أنه تظهر أصوات معارضة أو مخالفة مسألة جد طبيعية، هذا من جانب.

اثنين: إنه يضع يعني يافطة معينة أو صورة معينة إنه هناك التقليديون العقائديون وهم ضد العلوم اليونانية، وبالتالي إلصاقها في جهة إسلامية معينة أو مذهبية يرى هو التعميم غير صحيح تاريخياً.

خالد الحروب: علي، بقي معنا دقيقة واحدة، نسمع فيها تعليق الدكتور إبراهيم على خاتمة الكتاب، التي يذكر فيها فكرتين أو ثلاث، لكن من.. من الأفكار المهمة يقول.. يثبت من خلال الكتاب أن شؤون الفكر والفلسفة والعلوم هذه شؤون عالمية.

د. إبراهيم العاتي: أمرٌ عالمي لا يتعلق بلغة ولا بثقافة.

خالد الحروب: نعم.. ليست محصورة بثقافة ولا محصورة بلغة ولا.. ولا محصورة بكذا، ونظرة انفتاحية وإنسانوية إلى مثل هذه الآراء.

د. إبراهيم العاتي: أنا يعني تأكيد لكلامي هذا، أذكر حينما كنت أحضر رسالتي الدكتوراه عن الفارابي في القاهرة، "الإنسان في فلسفة أبي نصر"، جاءني مرة أستاذ ياباني، أستاذ في جامعة طوكيو، لا أدري هنالك من الأساتذة، لما التقى قال لي أنا مهتم بكتب السياسة عند المسلمين، وترجمت بعض الكتب، وأريد أن أترجم كتاب "السياسة المدنية" للفارابي، وسمعت أنك مسجل في هذا الموضوع، يبدو أحد الأساتذة من معارفي قال له، فقلت سبحان الله ياباني يهتم بكتاب السياسة للفارابي، أو "السياسة الشرعية" لابن تيمية مترجمة أيضاً لليابانية، فإذن هنالك أهمية.. هم يريدون أن يطلعوا، يريدون أن يعرفوا هذه الثقافة العربية، فيرجعون إلى أصولها وإلى جذورها..

خالد الحروب: أي نعم.

د. إبراهيم العاتي: نحن الآن نتكلم كثيراً عن الغرب، نتكلم كثيراً عن الحضارة الغربية، نشتم أو نؤيد أو هذا، ولكن صدقني أن الأصول الفكرية والفلسفية والعلمية لهذه الثقافة لحد الآن ليست في متناول القارئ العربي.

خالد الحروب: شؤون عالمية وليس.. وبهذا التعليق...

د. إبراهيم العاتي: هذا أمر عالمي، يعني.

خالد الحروب: اسمح لي أن أشكرك، انتهى وقت البرنامج، وأعزائي المشاهدين أشكركم أيضاً على مرافقتكم لنا جليس هذا اليوم، الذي كان كتاب "الفكر اليوناني والثقافة العربية.. حركة الترجمة اليونانية العربية في بغداد، والمجتمع العباسي المبكر" من تأليف البروفيسور ديمتري جوتاس (أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة ييل في الولايات المتحدة) وأشكر ضيفيَّ الدكتور إبراهيم العاتي (عميد الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية في لندن)، والباحث الأستاذ علي الربيعي من جامعة لندن أيضاً.

وإلى أن نلقاكم في الأسبوع المقبل مع جليس جديد، هذه تحية من فريق البرنامج، ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.