- الرؤية التشكيلية وتأثير المرأة والبحر والصحراء
- النحت واستلهام التراث الشعبي

[تعليق صوتي]

ليست مجرد فنانة تشكيلية عابرة في بلادها الأمارات، تلك هي التشكيلية نجاة مكي فبعد جيل الرواد تأتي تجربتها لتضيف معمارا جديدا إلى التشكيل في بلادها وفي منطقة الخليج، تخرجت الفنانة التشكيلية نجاة مكي من كلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 1982 قبل أن تنجز رسالتي الماجستير والدكتوراه في النحت والمسكوكات المعدنية.. وفي القاهرة وجدت مكي الفن في كل شيء، في الشارع والمتحف وفي حركات الناس مما زاد تعلقها بالتشكيل الذي ظل على الدوام هاجس حياتها.

الرؤية التشكيلية وتأثير المرأة والبحر والصحراء

نجاة مكي– فنانة تشكيلية إماراتية: بالنسبة لي لفن هو حياتي أصبح، أحيانا أجلس مع العمل الفني وأنسى نفسي من خلاله أو أنسى نفسي إن لما أمد يدي للألوان أو للفرشة وأحيانا إذا عملت يعني عمل تشكيلي آخر مثل النحت أو أي عمل لابد أن أندمج مع هذا العمل الفني، بالنسبة أن أنا كامرأة وجدت نفسي في اللوحة التشكيلية لوحة تشكيلية هي تتحدث عن ذاتها، أي فنان هو جزء من العمل اللي ينتجه، كون مصر بلد عريق في التاريخ وفي الحضارة هذا شيء كبير بالنسبة للفنان الدارس لأنه في كل مكان ترى فن، فبالخصوص يعني الحضارة المصرية القديمة تركت أثر كبير على العالم عامة، فالتلميذ لما ينطرح في الكلية أو خارج الكلية جزء من هذه الحضارة تضيف الكثير إلى طالب الكلية، كذلك زيارة المتاحف والمعارض في مصر على أساس أنها طوال السنة الحركة التشكيلية دائمة الحركة.. يعني لا تهدأ، كنا معدودين على الأصابع في ذلك الوقت يعني.. الفنان عبد الرحيم سالم، الفنان محمد يوسف، الفنان عبد القادر رزق كان طبعا سبقنا في التجربة من الفنانين الرواد، الفنان عبد الرحيم سالم، الفنانة منى الخواجة، الفنان عبد الرحمن زينة، الفنان عبيد سرور، الفنان حسين شريف يعني من الفنانين اللي لهم تاريخ فني في دولة الإمارات، بس كان كل فنان يتميز وله تجربة خاصة به، يعني ما كانت التجارب كلها.. وهذه طبيعي يعني في أي مكان.

[تعليق صوتي]

أقامت نجاة مكي العديد من المعارض في بلادها الإمارات وفي العديد من دول العالم، البداية كانت متأرجحة ما بين الهواجس الفنية الخالصة للفنانة وما بين المستويات المختلفة لمتلقي محلي متطلب ولذلك حضرت مفردات البيئة المحلية بخجل في لوحاتها الأولى وهو ما صدم المتلقي الذي كان يبحث عن نفسه ومفردات بيئته في لوحاتها، كان التوازن صعبا بين ما أراده هذا المتلقي من لوحاتها وبين ما كانت تصبوا إليه، غير أن الأمور تدريجيا حسمت لصالح الفنانة وهواجسها في نهاية المطاف.

"
في معرضي الأول قدمت الصحراء والبحر وأشياء أخرى من المجتمع وكلها بأسلوب تجريدي مبسط، بها رموز معينة من خلال اللون
"

نجاة مكي: في البداية حاولت خاصة في المعرض الأول اللي أقيم في صالة نادي الوصل بدبي، حاولت أني أقدم شيء يكون معروف عند المجتمع، ما بهرت بصورة أني أنا قدمت أعمال تجريدية بحتة لأن الحركة التشكيلية مازالت في بدايتها أنا أعتبرها، فلابد أن في البداية أي فنان ينزل لمستوى الجمهور أو لمستوى الشاب اللي هو عايش معه على أساس أن هذا يتقبل عمله، في هذا الطرف ممكن أن الفنان يتساوى مع الجمهور على أساس يطرح له قضية مفهومة، فلو أنا قدمت عمل تجريدي بحت ما راح يفهمونه فما بكون مقبولة لدى المجتمع ولدى الجمهور، من هنا يعني إحنا كفانيين لابد علينا واجب أن إحنا ننشأ الثقافة الفنية بين الجمهور بين.. على أساس يكون فيه تذوق فني للوحة، حتى لو أي شخص زار المعرض يستفسر عن أي عمل فني ممكن أنا أشرح له، قدمت الكثير في لوحاتي في المعرض الأول، قدمت الصحراء، قدمت البحر، قدمت أشياء أخرى من المجتمع وكلها بأسلوب تجريدي مبسط، بها رموز، لم أصور التراث أو.. اللي موجود في البيئة يعني المفردات كما هي وإنما صورتها برموز معينة من خلال اللون، من خلال الأشياء اللي هي تنطق ويتقبلها الجمهور ويفهمها في نفس الوقت.

[تعليق صوتي]

تحضر المرأة في لوحاتها ومنحوتاتها كقيمة كبرى، قيمة أنثوية طاغية تتكرر، تتوالد، تنظر إلى الداخل في أشكال ميزت مالها، تحضر الأنثى من خلال هوسها بالدائرة للوجوه المغفلة الملامح، كما تحضر من خلال الشاعرية المتدفقة في الألوان والرؤية والإيقاع في لوحاتها.

نجاة مكي: المرأة في لوحاتي هي عالم قائم بذاته، أراها في كل شيء، عندما أقف على البحر أرى المرأة كأنها تسبح في هذا البحر، المرأة بها قوة فتستمد قوتها من البحر، قديما كانت المرأة هي التي تقف مع الرجل في غيابه إلى البحر فهنا ربطت المرأة بالبحر، عندما أجلس على البحر أنظر إلى الأمواج أرى من خلالها موسيقى، في هذه الموسيقى أرى إيقاع للمرأة في كل شيء، في البيت، في العمل في علاقتها بالآخر أهم.. أهم شيء علاقة المرأة بالأخر سواء كان رجل، سواء كانت امرأة، سوء كان طفل، من هذه المصطلحات ومن هذه الرموز أكون الموضوع الفني في اللوحة.

[تعليق صوتي]

الصحراء الممتدة على مدي البصر، هذه المتاهة التي حيَّرت الكثيرين بأمواجها الشبيهة بأمواج البحر في بلاد شهدت هذا التزاوج الفذ بين البحر والصحراء، الصحراء تحضر في لوحات نجاة مكي كمغامرة كبرى جردتها من كل شيء مبقية موسيقى الرمل والأصفر الفسفوري، في عدة لوحات اقترحت فيها مكي مقاربة جديدة للصحراء، صحراء يختفي منها البدوي وخيمته ويحضر الرمل اللامتناهي.

نجاة مكي: حاولت أن أنا ما.. يعني آخذ الشيء التراثي مثل ما هو وأوظفه في عمل فني، لابد أن الفنان يكون له فكر يكون له رؤية معينة، مثلا إذا جبت الصحراء وجلست يعني أنظر لها لابد تكون في البداية رؤية.. يعني تكون زيارة لها الأماكن على أساس أتعايش مع المكان، ما أرسمه.. يعني ممكن أرسمه من خيالي بس الفنان لما يتعايش مع المكان والزمان يحس به أكثر، يظهر على اللوحة أنه جزء منك أو فيه حيوية أكثر، أمواج الصحراء كأمواج البحر بس فيها روح أخرى، مثلا البحر فيه إيقاع والصحراء لها إيقاع، في لوحاتي البحر يختلف، البحر بالنسبة لي شيء آخر ممكن هو إيقاع، ممكن هو موسيقي، ممكن هو صراع الحياة والموت، كذلك الصحراء أرى فيها البدوي، أرى فيها التراث، أرى فيها المرأة بالصبر بالأعشاب أو النباتات الموجودة في الصحراء، أحيانا نبتة بسيطة تعطيني فكرة أو تعطيني إيحاء معين، فيعني أكوِّن عمل فني به بعض الرموز التراثية، مثلا مجموعة من اللوحات عملتها هي تتكلم عن الصحراء، هي اللوحات طبعا مجرد لون أصفر بس اللون الأصفر عامة هو من الألوان اللي يكون الفنان حذر في تناول على أساس إذا ما سيطر عليه بيكون فقدت اللوحة الفنية قيمتها، فحاولت أمزجه مع اللون الأبيض وكان طبعا لي هدف معيَّن، حاولت أن في اللوحات هذه أبيِّن الموسيقي الموجودة في الرمال أو في حياة البدوي بما بها من كرم ومن نقاء ومن صبر، يعني الناظر للوحة على طول يستقي منها بعض الأشياء، في ناس كثيرة لما أنا عرضتها في المعرض حبوا هذه اللوحات، أحسست أن في تعايش بينهم وبين هذه اللوحة مثل ما قلت لك أنه أنا أحط رموز معينة بس هذه الرموز مفهومة مو بعيدة عن الجمهور.


[فاصل إعلاني]

النحت واستلهام التراث الشعبي

[تعليق صوتي]

رغم ابتعادها عن مفردات البيئة المباشرة إلا أن التراث يحضر في لوحاتها على نحو مختلف، فمن خلال الخامات المتوفرة في بيئاتها المحلية نجحت مكي بالتغلغل إلى عمق التراث في لوحات عرضتها في العديد من دول العالم ولقيت احتفاء كبيرا مزاوجة بذلك بين المحلي والعالمي، بين الحسي والتجريدي دون أن تتخلى عن مفرداتها التشكيلية الخاصة.

"
اخترت بعض الأعشاب الشعبية وظفتها في اللوحة الفنية لأبيِّن أو لأبرز التراث من خلال هذه الألوان
"

نجاة مكي: اخترت بعض الأعشاب الشعبية وظفتها في اللوحة الفنية لأبيِّن أو لأبرز التراث من خلال هذه الألوان، ليس فقط التراث.. عندما أرسم لوحة بها رمز من الرموز الموجودة في البلد أو أي زخرفة موجودة في المباني أو الأبواب، هناك مواد أخرى ممكن يوظفها الفنان أو يلجأ إليها على أساس إن توظيف التراث في اللوحة الفنية أو في العمل الفني، من خلال هذه الألوان ظهرت عندي رؤى أخرى فعملت معرض بالنسبة للأعشاب أو بالنسبة للمواد الشعبية التي تستعملها النساء في الزينة كالورث والحنة.. والورث هو نوع من المواد الشعبية ولقيت إن هي جميلة في اللوحة الفنية وأضفت لها بعض الألوان، يعني ما تركتها يعني لروحها أضفت لها أشياء أخرى، في البداية استعملتها.. مزجتها مع الماء وبعدين حاولت.. بعد تجارب طبعا استخدمتها مع ألوان أخرى فظهرت لوحات فنية عندي.

[تعليق صوتي]

النحت ظل رفيق نجاة مكي منذ بدايتها الأولى، البحث عن الفراغ في الكتلة وإعادة تشكيله ليستوي شكلا جديدا حينا من خلال النحت البارز وأخرى من خلال النحت المجسم وكما في لوحاتها ثمة أنثوية في منحوتاتها سواء من خلال الهوس بالدوائر أو الأشكال الأنثوية التي تتماها مع جسد المرأة.

نجاة مكي: هو العمل الفني بحد ذاته واحد ما يختلف سواء كان في النحت أو في الرسم، أهم شيء هي الفكرة أو الموضوع اللي يطرحه الفنان في العمل الفني، في البداية أي فنان أو أي نحات يتعامل مع الخامات اللي هي عبارة عن الطين، يعمل الشكل الأولي من خامة الطين وبعد ذلك تخضع هذه المنحوتات لخامة ثانية يا إما تصب نحاس، يا إما برنز يا إما أي خامة يفضلها الفنان، فيكون في البداية يعني خامة الطين طيَّعة ممكن يشكل بها النحات، ممكن يزخرف، ممكن يتعامل معها بطرق بسيط ولكن خامة النحاس مثلا أو البرنز هذه نراها في الشكل النهائي، الدائرة عملت عليها بحث، هي طبعا تعني الحياة بحد ذاتها وتعني الموت في آن واحد، فيها تضاد، من خلال الدائرة ممكن إن الفنان يستقي أشياء كثيرة، المسطح الدائري أو الدائرة تعاملت معها كمسطح وتعاملت معها ككتلة، فمن خلال هذه الأشياء حاولت إن أنا أقوم بعدة تجارب في النحت من خلال النحت البارز أو من خلال النحت المجسم كدائرة كاملة.. ككرة وكذلك استعملتها كمسطح للصورة في اللوحة.

[تعليق صوتي]

ليس غريبا أن يتراءى البحر بزرقته الطاغية وحنين المراكب إلى المرسى في لوحات نجاة مكي وهي التي هامت بالبحر طفلة في دبي قبل أن تزدحم المدينة وتنكفئ الفنانة إلى رحابة الصحراء وحرارة الأصفر الممتد حول الماء.. لكن بياضا ما ظل في لوحاتها يجلل تفرد اللون ويبلل أجنحة متعبة للنوارس العائدة وهي اليوم بين دروب الفن ومنعطفات الحياة في مدينة لم تعد تعرفها، كثيرا ما تأخذها الخطوات بعيد عن المرسم لتطل من زوايا الشموس الدافئة بحثا في الأفق عن ألوان أخرى قُزحية ربما يقربها البعيد إن هي رسمت يوما لوحتها الكاملة والمكتملة.