مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

خالد منصور/ متحدث باسم برنامج الغذاء العالمي
رولاند هوغنين/ المتحدث الرسمي لمنظمة الصليب الأحمر

تاريخ الحلقة:

20/02/2003

- حجم الكارثة الإنسانية في العراق والاستعدادات الإغاثية لمواجهتها.
- الخدمات الإنسانية للمنظمات الإغاثية غير الحكومية في العراق.

محمد كريشان: مع تزايد المؤشرات على احتمال شن حربٍ على العراق الأمم المتحدة تحذر من حدوث كارثةٍ إنسانية.

تساؤلاتٌ حول استعدادات منظمات الغوث الدولية والمنظمات غير الحكومية للتخفيف من وطأة أزمةٍ إنسانية محتملة.

السلام عليكم. العراق مهدد بحرب أميركية مدمرة تعرِّض الشعب العراقي في حال.. في حال نشوبها لمأساة إنسانية كارثية، التقديرات الأولية تتحدث عن ملايين المشردين، مما.. بين لاجئين إلى الدول المجاورة ونازحين عن ديارهم من المدن إلى الأرياف.

نصف منشآت البنية التحتية الخاصة بالكهرباء والماء والصرف الصحي، وربما المؤسسات الصحية كالمستشفيات قد تُدمر، لتترك المواطنين العراقيين وأغلبهم من سكان المدن بلا مأوى ولا ماء ولا كهرباء ولا عناية صحية. ضرب السلطة العراقية المركزية التي تنظم عمليات توزيع الحصص التموينية بانتظام، وتتضمن المواد الغذائية الأساسية هو ضرب لمصدر رزق أكثر من نصف الشعب العراقي، لهذا تبحث المنظمات الإنسانية العالمية بدءاً بتلك التابعة للأمم المتحدة عن سبلٍ لمساعدة المدنيين، فالمؤكد أن الحرب لو وقعت ستكون كارثة بحجم استثنائي، خاصة بالنسبة للأطفال.

عبد السلام أبو مالك يستعرض بعض جوانب الأزمة الإنسانية المحتملة.

حجم الكارثة الإنسانية في العراق والاستعدادات الإغاثية لمواجهتها

تقرير/ عبد السلام أبو مالك: كما في كل العصور والأزمان الحرب لا تخلِّف إلا المآسي والأحزان، وهذه الصور أبلغ تعبيرٍ عن ما يمكن أن تخلفه أي حربٍ جديدة قد تندلع شرارتها في الخليج، وبينما لا تزال سحب هذه الحرب تلبد سماء المنطقة ينهمك المسؤولون في وكالات الغوث الدولية في إعداد تقارير وإحصاءات لما سيكون عليه الوضع الإنساني في حال نشوب الحرب، لكن الأمم المتحدة تحيط تقاريرها بقدرٍ كبير من التكتم، وترفض حتى الآن الإفصاح عما لديها من أرقام وتقديرات، مبررةً ذلك بالقول إنها لا تريد أن يفهم من استعداداتها بأن الحرب قائمة لا محالة، بَيْد أن التقديرات المتاحة تبدو مخيفة، فقد تبين من تقريرٍ لمنظمة الصحة العالمية أن نصف مليون عراقي سيحتاجون لعلاج طبي في المراحل الأولى للحرب، وقد تسرب مضمون التقرير لمنظمة أميركية غير حكومية، ونشر على موقع الحملة المناهضة للعقوبات المفروضة على العراق، والتي تتخذ من بريطانيا مقراً لها، ويتوقع التقرير أن يؤدي القصف للبنية التحتية إلى تعطيل الإمدادات الغذائية التي يعيش عليها نحو 16 مليون عراقي يعتمدون في غذائهم على المواد الغذائية الأساسية التي تقدمها لهم الحكومة العراقية شهرياً، كالأرز والسكر والزيت والدقيق، ويُخشى أن يتوقف توزيع الحصص أو ينهار إذا دُمِّرت الجسور والطرق والمخازن ومحطات الكهرباء، وإذا تفرق الطاقم المسؤول عن التوزيع، وهو ما ينذر بإمكانية حدوث مجاعة، ويضيف التقرير أن الشبكة الكهربائية ستصاب بأضرارٍ جسيمة نتيجة القصف، مما سيحرم ملايين العراقيين من الماء الصالح للشرب لأن محطات معالجة المياه المهترئة أصلاً بفعل سنوات الحصار الطويلة لن تكون قادرةً على العمل، مما سيعرض 400 ألف شخص للإصابة بأمراض أو أوبئة كالكوليرا والتيفود والدوسنتاريا، وفي مثل هذه الأوضاع تبدأ موجات اللاجئين في النزوح إلى مناطق داخل البلاد أو خارجها، وقدَّرت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن عدد النازحين إلى مناطق داخل العراق قد يصل إلى مليوني نازح، بينما سيبلغ عدد اللاجئين إلى دولٍ مجاورةٍ كإيران إلى 300 ألف لاجئٍ على أقل تقدير، ونحو 250 ألفاً إلى تركيا، وحوالي 50 ألفاً إلى سوريا والأردن، وتصر المفوضية على أن هذه الأرقام ليست أكثر من تقديرات وأنها لا تملك معلوماتٍ دقيقة عما قد يحدث داخل العراق، وقد بدأت كلٌ من إيران وتركيا بالفعل الاستعداد لأزمةٍ إنسانية محتملة، ووضعتا خيماً وإمدادات إغاثة على طول الحدود، ولا ريب أن مشكلة اللاجئين، واحتمال تفاقمها تمثل هاجساً للمفوضية الدولية التي تقلصت ميزانيتها العام الماضي بنسبة 25%، وأكثر ما يقلق مسؤوليها أن يجدوا أنفسهم مضطرين للتعامل مع أوضاعٍ مؤهلةٍ للتفاقم بسرعة قد تدفعهم إلى تحويل المساعدات المخصصة لمعالجة الأوضاع المتردية في مناطق كأفغانستان وساحل العاج إلى العراق، وما زاد الطين بلة أن الأمم المتحدة التي تقدمت في منتصف ديسمبر الماضي بطلبٍ إلى الدول المانحة للحصول على حوالي 40 مليون دولار لم تتوصل حتى الآن سوى بوعدٍ من الولايات المتحدة بمبلغ 15 مليون دولار، وهو ما وصفه أحد المسؤولين في المنظمة بأنه مبلغٌ ضئيل، وعادت الأمم المتحدة لتطالب مرةً أخرى من الدول المانحة 83 مليون دولار إضافية للاستعداد لمواجهة أزمةٍ إنسانية محتملةٍ في العراق.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن سكان المدن الذين قد تتعرض منازلهم للقصف سينزحون نحو المناطق الريفية، وسيضطرون للنوم في العراء، وأن ثلاثة ملايين و600 ألف عراقي سيحتاجون إلى مأوىً عاجل، وقدرت الأمم المتحدة عدد الضحايا المدنيين في حرب الخليج الثانية عام 91 ما بين ثلاثة آلاف و515 ألف لقوا حتفهم إبان الحرب، وأن أي حربٍ أخرى قد تؤدي إلى مصرع ما بين ألفين و50 ألف مدني في بغداد وحدها، وما بين 1200 وثلاثين ألفاً في مدنٍ كالبصرة وكركوك والموصل وفي حال استعمال الأسلحة الكيماوية فإن ما يصل إلى 33 ألف شخص قد يموتون، وتخشى المنظمة أن تتعرض مرةً أخرى للنقد بعدم استعدادها لمواجهة كارثةٍ إنسانية محتملة في العراق كما حدث معها في حرب كوسوفو، وفي مثل هذه الحالات التي تستدعي تنسيقاً كاملاً بين وكالات الغوث التابعة للأمم المتحدة، والمنظمات الخيرية غير الحكومية، والدول التي تعتزم شن الحرب يبدو أن الكل يُعد العدة تحسباً لكل الاحتمالات، ولكن كلٌ بمفرده، وعلى طريقته الخاصة.

محمد كريشان: إذن غياب التنسيق بين المنظمات العاملة في مجال الإغاثة هو أحد العوامل التي ستؤثر على سير عمل هذه المنظمات، سواءٌ داخل العراق أو خارجها، ولمعرفة مزيدٍ من التفاصيل حول استعدادات وكالات الغوث الدولية معنا من نيويورك خالد منصور (المتحدث باسم برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة).

سيد منصور، في البداية هل الاستعدادات الإنسانية هي في مستوى الكارثة المتوقعة من وراء الحرب؟

خالد منصور: دعني أختلف مع التقرير مبدئياً في مسألة التنسيق، هناك اجتماعات تتم.. بشكل شبه يومي في نيويورك وفي جنيف وفي المنطقة بين المنظمات العاملة التابعة للأمم المتحدة مع المنظمات غير الحكومية أحياناً، مع حكومات في المنطقة وخارجها من أجل العمل، واستعراض الخطط التي وضعناها من أجل مواجهة الكارثة الإنسانية المحتملة. التقرير طبعاً أفاض وأجمل عديد من المخاوف لدى منظماتنا ولدى منظمات أخرى بشأن الكارثة الإنسانية التي قد تقع في العراق إذا ما وقعت الحرب، لا قدر الله.

استعداداتنا إن إحنا دلوقتي بنقوم بتخزين حوالي 32 ألف طن من المساعدات الغذائية في المنطقة بحيث نتمكن من مساعدة نحو مليون عراقي في أول شهرين بعد الحرب إذا نشبت الأعمال العسكرية، مازلنا كما.. كما المفوضية العليا لشؤون اللاجئين وغيرها من المنظمات في حاجة إلى مزيد من الدعم، لم نحصل سوى على 7 ملايين دولار من إجمالي 23 مليون دولار هي تكلفة الاستعدادات، وأعتقد إن الأمل لدينا ولدى آخرين رغم ضعفه أن لا تقع مثل هذه الحرب.

محمد كريشان: ولكن مستوى التنسيق يفترض على الأقل معرفة الخطوط الكبرى لأي عمل عسكري، ويبدو أن الولايات المتحدة كطرف أساسي متكتم بالطبع على مدى امتداد مثل هذا الأمر.

خالد منصور: بالضبط، وعلشان كده أنا عايز أقول كمان إن كل التقديرات والتوقعات بشأن الجرحى والضحايا وعدد اللاجئين كلها مجرد افتراضات من جانبنا، بناءً على خبرتنا الواسعة في العمل في مثل هذه الأمور، حتى نضع خططاً ونحدد كميات من الغذاء والخيام قد نحتاجها، لكن كلها تقديرات الحقيقة وتقديرات وافتراضات وتخمينات، لكن ليس هناك تنسيق مع الولايات المتحدة في الشق العسكري، بالتأكيد لا نعرف ماذا سيحدث لو حدث أعمال عسكرية، ولذا نحن نستعد، وهناك عديد من المجاهيل في هذه القضية.

محمد كريشان: ولكن الولايات المتحدة تقول أنها أرسلت ملايين الوجبات إلى المنطقة، وبأنها بدورها تقوم بتخزين الغذاء والأدوية، ألا تطلعكم على طبيعة هذه الأعمال على الأقل؟

خالد منصور: بالتأكيد هناك اتصالات مع الولايات المتحدة بصفتها دولة عضو في الأمم المتحدة، هي تعرف جيداً خططنا لمواجهة احتمالات الكارثة الإنسانية في العراق، الولايات المتحدة قدمت دعماً لبرنامج الأغذية العالمي وغيرها من المنظمات من أجل تخزين المواد الغذائية، لكن تخزين الوجبات السريعة إلى آخره، وما تم من قبل في أفغانستان هو عمل منفرد ستقوم به الولايات المتحدة إذا قامت به.

محمد كريشان: بالطبع التنسيق شيء، تكامل المهام شيء آخر، هل تراعون هذا الموضوع؟ هل.. هل هناك سعي إلى أن.. على الأقل أي منظمة أو وكالة دولية أو منظمات غير حكومية تتكفل بملف دون غيره؟

خالد منصور: بالطبع.. بالطبع لأنه الملفات ضخمة و.. والمهام.. والمهام عريضة ومعقدة الحقيقة، لكن هناك اجتماعات تتم بشكل شبه يومي زي ما قلت بين المنظمات المختلفة داخل الأمم المتحدة، وبشكل يمكن أسبوعي أو أقل من هذا، أقل وتيرة مع المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الإغاثة من أجل التنسيق، لإنه على سبيل المثال في مخيم للاجئين في المنطقة المفوضية ستقدم الخيام، وبرنامج الغذاء العالمي سيقدم الطعام، منظمة الصحة العالمية تقدم الأدوية، إلى آخره، إذن التنسيق لا.. لا.. لابد عنه، يعني لا مناص عنه، لازم يكون فيه تنسيق من أجل مواجهة مهمة قد تكون ضخمة للغاية أمام الأمم المتحدة.

محمد كريشان: بعض المراقبين يرون بأن هناك خطاً فاصلاً دقيقاً جداً بين ضرورة الاستعداد لأي كارثة إنسانية، وبين ضرورة الابتعاد عن أي إيحاء يفيد بأن المعارك حاصلة لا مفر.. لا مفر من ذلك، وفيه ربما نوع من التشجيع على النزوح أو حتى الهجرة من خارج العراق، على أساس أن هناك ملاذات آمنة في دول الجوار.

خالد منصور: هذا خط دقيق للغاية، ويجب أن نكون حريصين في توضيح أننا حتى الآن مازلنا نأمل في أن يتم التوصل إلى حل سلمي في الأزمة الراهنة بين العراق و.. والولايات المتحدة طبعاً من.. من خلال مجلس الأمن، لكن لابد من الاستعداد، ونحن لا.. يعني لا نحب الاستعداد لمجرد استعداد، لدينا كوارث ضخمة جداً في أفريقيا وفي دول آسيوية نتمنى أن نركز كل جهودنا عليها بدلاً من تركيز بعض جهودنا على أزمة قد تقع وقد لا تقع في واقع الأمر، لكن خلينا برضو نقول إنه لو وضعنا30 ألف طن من المساعدات الغذائية الآن في المنطقة ولم تقع الكارثة -إن شاء الله- يمكننا نقلها إلى إفريقيا أو مكان آخر حيث يوجد مجاعات أو ما.. ما غير ذلك، ولكن إذا لم نستعد من الآن بفريق عمل جاهز للسفر خلال 24 ساعة بـ 30 أو 40 ألف طن من المساعدات الغذائية، بآلاف من الخيام، إذا وقعت الكارثة سيكون الوقت متأخراً جداً، وسيموت آلاف بسبب عدم استعدادنا.

محمد كريشان: ماذا بالنسبة للتمويل، خاصةً وأن استعدادات الأمم المتحدة قفزت مجرد الاستعدادات فقط من زهاء 40 مليون دولار إلى 120 مليون دولار؟

خالد منصور: نحن استعداداتنا على سبيل المثال في برنامج الأغذية العالمي قفزت من سبعة ملايين لـ 23 مليون، وهي جزء من هذا الرقم اللي حضرتك ذكرته، لأنه كل شوية بترفع درجة استعداداتك، بتزود عدد الموظفين، بتزود كميات الغذاء اللي عايز (زيادة).. زودناها من 4 آلاف طن لـ 32 ألف طن، إذن مع تزيد الاستعدادات بتزيد النفقات. أيضاً هناك نفقات عديدة بتقوم بها لمجرد الاستعداد. نحن لا نتحدث عن البرنامج الفعلي، إذا وقعت الكارثة -لا قدر الله- نحن نتحدث فقط لبرنامج الأغذية العالمي عن مئات الملايين من الدولارات، ومئات الآلاف من الأطنان، نحن نتحدث فقط عن إجراءات لمجرد الاستعداد، إذن إجراءات الاستعداد بتزايد مع مرور الوقت لأن هناك المزيد من الأشياء يجب شراءها، خيام وما إلى غير ذلك يجب شراءها عن طريق المفوضية، وغيرها من البرنامج، فهذا أمر يتغير ليس فقط كل شهرين، ولكن الحقيقة أسبوعياً بتتغير المطالب.

محمد كريشان: سيد خالد منصور (المتحدث باسم برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة) شكراً جزيلاً لك.

بعد الفاصل: نظرةٌ في طبيعة الخدمات الإنسانية التي تقدمها بعض المنظمات الدولية غير الحكومية العاملة في العراق، للإسهام في التخفيف من وطأة الإضرار أو الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين في حال نشوب حرب.

[فاصل إعلاني]

طبيعة الخدمات الإنسانية للمنظمات الإغاثية غير الحكومية في العراق

محمد كريشان: يعمل عددٌ قليلٌ من المنظمات الدولية في العراق على عكس ما كان عليه الأمر في كوسوفو وأفغانستان، مما يُثير مخاوف وكالات الغوث الدولية من أن العراقيين لن يجدوا معونةً تُذكر إذا ما أدت حربٌ هناك إلى مآسي إنسانية، وتنشط بعض المنظمات غير الحكومية في الشمال الخاضع لسيطرة الأكراد، ولكنها تقول إن هذا يجعل من المستحيل عليها أن تدخل المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في جنوب ووسط البلاد، ومنذ بداية العام حصل عدد قليلٌ من المنظمات غير الحكومية على تصاريح لفتح مكاتب في بغداد، ومن بين المنظمات العاملة في شمال العراق صندوق إنقاذ الأطفال من بريطانيا، وجماعة المعونة الشعبية من النرويج، ورياح السلام من اليابان، وفي وسط وجنوب البلاد الخاضع لسيطرة الحكومة العراقية منظمات ألمانية وإيطالية وغيرها، نتعرف على التقرير الذي أعدته مراسلتنا في بغداد فائزة العزي.

تقرير/ فائزة العزي: لعل الأوضاع الصحية المتردية بسبب اثنى عشر عاماً من حصار لا يبدو أنه سينتهي كانت من الأسباب المهمة لدفع الكثير من المنظمات الإنسانية إلى العمل داخل العراق، خصوصاً في الوسط والجنوب، فمنذ بداية هذا العام حصل عددٌ قليلٌ من المنظمات غير الحكومية على تصاريح لفتح مكاتب في بغداد، ونظمت العديد من هذه المنظمات بعثات لتقييم الأوضاع في العراق. الأوضاع في الجنوب ومشاكل المياه الكثيرة استقطبت العديد من المنظمات الدولية وغير الحكومية لوضع حلولٍ قد يكون بعضها جزئياً، والبعض الآخر جذرياً. منظمة الصليب الأحمر أنجزت مشاريع لمعالجة المياه الثقيلة مدينة (الكوت) جنوبي بغداد، وبسبب الغازات السامة المنبعثة من هذه الأماكن فقد توفي العديد من المواطنين. أما منظمة "المعماريون من أجل الشعوب المحتاجة" فقد كان لها مشروعٌ مماثلٌ في غربي العراق.

ألكسندر كريستوف (المعماريون من أجل الشعوب المحتاجة): المشروع الحالي الذي تموله اللجنة الأوروبية للمعونة الإنسانية ومقرها في بروكسل يركز أساساً على إمدادات المياه وإعادة تأهيل محطات معالجة المياه في البلاد، وأحد مشاريعنا الحالية مقامة هنا في البغدادي على منتصف الطريق من بغداد إلى الحدود السورية، وهي منطقة معرضة لحدوث كارثة إنسانية، فالناس هناك ليس لهم وسيلة للحصول على المياه النظيفة منذ 15 عاماً، ونحن نركز على أهمية تزويد سكان المنطقة البالغ عددهم نحو 17 ألف نسمة بالمياه النظيفة.

فائزة العزي: ويرى بعض أعضاء هذه البعثات أن الحرب التي ستخلف عواقب وخيمة على البشر ليس من أهدافها إحلال الديمقراطية، بل الاستيلاء على النفط.

ريكو فيبو (منسق بمنظمة جسر إلى بغداد): السبب الحقيقي لهذه الحرب ليس إحلال الديمقراطية في العراق أو إزالة أسلحة التدمير الشامل، السبب الحقيقي هو الاستيلاء على النفط.

فائزة العزي: الطفل يأتي في المرتبة الأولى من اهتمامات هذه المنظمة، وبطبيعة الحال فإن هذه المنظمات التي تنوي البقاء في بغداد خلال فترة الحرب قد لا تستطيع أن تمارس عملها بصورةٍ دقيقة خلال الفترات الحرجة، فراحت تجهز نفسها ومن ترعاهم من الأطفال بما يسد الحاجة لأشهرٍ عدة قادمة.

سفاتة سلوم (مديرة مكتب جسر إلى بغداد): استعداداتنا إنه عندنا مشروع الـ (Sponsorship) اللي هو العلاج بالمراسلة، لتقريباً 95 طفل إحنا نجهزهم بالأدوية، .. يعني بالوقت الحاضر أنا نجهز نحاول أكبر كمية ممكنة حتى نحصِّل على دواء حتى نكون قادرين لا سمح الله من بعد الضربة أيضاً نستمر بالمشروع، وما نحرم أطفالنا اللي هم بالبرنامج من الأدوية.

فائزة العزي: بعض هذه المنظمات كان قد بدأ عمله منذ العام 92، أي بعد انتهاء حرب الخليج مباشرة، ويرى أن العمل الإنساني يجب أن يستمر مهما كلف الأمر.

إذا كانت هذه المنظمات الإنسانية لا تستطيع أن تفي بمتطلبات المجتمع الآن فكيف سيكون الوضع في حال حدوث الحرب المحتملة، وما سيتبعها من كوارثٍ إنسانيةٍ بطبيعة الحال؟

محمد كريشان: وفي ديسمبر الماضي لفتت خمس منظماتٍ خيرية دولية كأوكسفام وكريستيان إيد الأنظار إلى عدم شرعية أي هجومٍ عسكري على العراق، لأن ذلك يعتبر خرقاً للبند الرابع والخمسين من اتفاقية جنيف، ويحظر هذا البند شن هجماتٍ على المرافق التي تعتبر ضرورية للحفاظ على حياة السكان المدنيين، ويشمل ذلك المطارات والطرق وخطوط السكك الحديد والمنشآت الكهربائية، وكل ما يلحق المزيد من الضرر بالبنية التحتية للبلاد، وقد اتخذت هذه المنظمات قراراً بعدم قبول أي أموال من الدول الداعمة للحرب في العراق، نتعرف على رأي هذه المنظمات كما جاء على لسان باربرة ستوكينغ (مديرة منظمة أوكسفام البريطانية).

بابرة ستوكينغ: نحن قلقون للغاية من أية حربٍ يحدث فيها ما يخالف القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، إن تلك الاتفاقيات تنص بوضوح على حق المدنيين في تلبية احتياجاتهم اليومية الضرورية، ومنها المياه والطعام، ويساورنا قلقٌ شديد من أن المنظمات الإنسانية المعنية قد لا تستطيع تلبية هذه الحاجيات الضرورية فيما لو اندلعت الحرب، وطبقاً لوزارة الدفاع البريطانية فإن محطات توليد الطاقة يمكن أن تكون هدفاً أثناء الحرب، ولهذا فإن إمدادات المياه والصرف سوف تتأثر. إن هناك مسؤوليةً دولية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، والدول المتصارعة عليها مسؤولة في ذلك، لكن العملية ستكون عن طريق الأمم المتحدة.

محمد كريشان: إذن كانت تلك باربرة ستوكينغ (مديرة منظمة أوكسفام البريطانية). ومعنا الآن من بغداد رولاند هوغنين (المندوب الإعلامي والمتحدث الرسمي لمنظمة الصليب الأحمر في بغداد). سيد هوغنين، كيف تبدو صورة الإغاثة الإنسانية داخل العراق؟

رولاند هوغنين: في الظروف الحالية أن أعتقد أنه السكان العراقي يعاني من تأثير سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية، ووضعه كل إيش حساس عما كان في السابق في سنة 91 مثلاً، ونحن نتمنى أن يتجنب هذا الحرب من خوفنا على مصير السكان المدنيين.

محمد كريشان: هل تجرون الآن أي اتصالات مع وكالات دولية للغوث أو بعض المنظمات غير الحكومية استعداداً لحرب محتملة في العراق؟

رولاند هوغنين: اللجنة الدولية للصليب الأحمر مقيمة في العراق من أكثر من 20 سنة، ونحن ننسق العمل دائماً مع الجمعيات الوطنية التابعة لحركة الصليب أو الهلال الأحمر عبر العالم، هناك منظمات لكل الدول العربية تحمل شعار الهلال الأحمر، ونحن ننسق العمل في المنطقة معهم، وقد وضعنا مستودعات للإغاثة في بعض الدول المجاورة لكي نستطيع أن ندخل المواد الإغاثية من 3 جوانب حسب تطورات الحرب إذا وقعت.

محمد كريشان: ولكن دون تنسيق مع منظمات أخرى غير حكومية سواءً كانت في العراق أو خارج العراق؟

رولاند هوغنين: هناك تعاون وتنسيق ما بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع هذه الجمعيات، ومع المنظمات الأخرى الحكومية، من حيث أن يكون هناك رعاية للاجئين إذا خرج بعض الناس من العراق إلى الدول المجاورة قد يتلقوا الرعاية اللازمة من الوكالة.. وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، إنما ما يخص السكان المشردين داخل العراق نحن كلجنة دولية للصليب الأحمر نتمنى أن نستطيع أن نغطي احتياجاتهم مع الهلال الأحمر العراقي.

محمد كريشان: على ذكر الهلال الأحمر العراقي يعني هل في الخطط التي تضعونها الآن تركتم احتمال أن يصبح الوضع في العراق بدون حكومة مركزية، مما يعقد وضع الإغاثة بشكل عام هناك؟

رولاند هوغنين: نحن نتمنى أن نستطيع أن نواصل الجهود الإنساني ونغطي الاحتياجات في جميع المناطق، لنا مكاتب في البصرة، وفي المحافظات الشمالية، وأيضاً في.. في بغداد طبعاً، وهناك 18 فرع محلي في كل المحافظات تابعين للهلال الأحمر العراقي، وبالتالي مع وجود مستودعات للإغاثة على الحدود في 3 جهات نتمنى أن نستطيع أن نغطي الاحتياجات إن كانت في وسط البلاد، أو في الجنوب، أو في الشمال.

محمد كريشان: سيد هوغنين، بعض التقارير تشير إلى احتمال تفشي مجاعة في العراق إذا ما اندلعت حرب، لأن زهاء 60% من الشعب العراقي، يعني تقريباً 16 مليون يعتمدون على برنامج الغذاء مقابل النفط، وعلى ما تقدمه الدولة لهم من مساعدات غذائية منتظمة.

رولاند هوغنين: طبعاً نحن نقدر تماماً هذا الموقف، ونتمنى أن تستمر.. يستمر توزيع الغذاء على السكان المدنيين طبقاً لبرنامج النفط مقابل الغذاء، وإنما نحن أيضاً نأخذ الاحتياطات اللازمة لتغطية احتياجات النازحين إذا كان هناك عدد من السكان قد يضطر إلى مغادرة منزلهم بسبب الخطر والخوف على أنفسهم، نحن سوف نحاول أن نقدم لهم يد العون في المناطق التي يلجأون إليها.

خالد منصور: هل هناك خصوصية معينة لوضع الأطفال؟ التقديرات تشير إلى أن زهاء المليوني طفل مع مليون امرأة عراقية حامل يحتاجون لرعاية صحية فورية إذا ما اندلعت حرب، إلى جانب زهاء الـ 500 ألف مواطن عراقي آخر.

رولاند هوغنين: طبعاً التقديرات كلها مخيفة، ونحن لا يصدر عنا هذا النوع من التقدير بالأرقام، بل بالعكس نحن نحاول أن ندني القدرات ونتعاون مع الجمعية الوطنية للهلال الأحمر، ونقدم يد العون لهم، ونعتمد عليهم في المحافظات المختلفة، وسوف نعلن عن نداء عام موجه لجمعيات الهلال أو الصليب الأحمر عبر العالم أجمع، وهناك جمعيات للهلال أو الصليب الأحمر في كل دول العالم، ونحن نعتمد على مساعدتهم، ونتمنى أنه بالتنسيق ونحن موجودين في بغداد نستطيع أن نجلب إلى العراق كل المساعدات اللازمة.

محمد كريشان: إذا أردنا أن نعقد مقارنة بين إمكانيات وخطر هجرة ملايين وآلاف العراقيين إلى خراج العراق وبين أخطار النزوح داخل العراق، وتقديرها تقريباً زهاء المليونين، برأيك أيهما أخطر الهجرة أم النزوح؟

رولاند هوغنين: أعتقد أنه الصعوبة هي نفسها بالنسبة للإنسان الذي يضطر لمغادرة منزله، ويجد نفسه بلا مأوى، إن كان في منطقة من العراق أو إذا كان على الحدود، أو داخل دولة أخرى، ونحن نتمنى أنه هذا التنسيق الذي أشرت إليه ما بين وكالة اللاجئين وبين اللجنة الدولية، مع تعاون كل جمعيات الهلال الأحمر في المنطقة يغطي احتياجاتهم.

محمد كريشان: بعض دول الجوار بدأت عملياً في الاستعداد لاستقبال آلاف المهاجرين من العراق، البعض الآخر أعلن أنه يغلق حدوده مثل الكويت أو السعودية، هل هذا سيعقد من الوضع الإنساني المتوقع؟

رولاند هوغنين: نحن نتمنى أن يكون هناك تعاون إنساني على مستوى المنطقة ككل، إنما الفارق كبير مع ما حصل في 91 لما كان في العراق هناك عدد مرتفع من اليد العاملة المستوردة، كان هناك عدد كبير من العاملين في العراق من دول أخرى، وهم فضلوا السفر.. المغادرة طبعاً بسبب خطورة الحرب. في الظروف الحالية لا يوجد في العراق عدد كبير من العاملين الأجانب اللي إحنا لا نستطيع أن نقدر إذا كان هناك عدد من المواطنين العراقيين سوف يختارون أنه يغادروا البلد أم لأ، إنما في كل الأحوال علينا أن نجهز اللازم لإيواءهم إن كان في الداخل أو في الخارج.

محمد كريشان: يعني مثلاً في حرب أفغانستان كثير من المنظمات الدولية ومنظمات غير حكومية تركت البلاد وذهبت إلى باكستان، وتركت المدنيين يواجهون مصيرهم، هل هناك مثل هذا الخوف فيما يتعلق بالعراق؟

رولاند هوغنين: طبعاً أي منظمة إنسانية تخدم في ظروف الحرب تقدر الخطورة التي تشمل هذه الأوضاع، إنما بالنسبة للجنة الدولية للصليب الأحمر هي الوكالة الدولية الحيادية التي تتدخل دايماً في ظروف الحرب بناءً.. بناءً على اتفاقية جنيف، ونحن خدمنا في أفغانستان، ونحن سنبقى في العراق بنفس الهدف.

هناك بعض الموظفين يمكن يغادرون إذا كن طبيعة أعمالهم تتطلب ذلك، أو ليس لها علاقة مباشرة بالغوث للنازحين، إنما بشكل عام الموظفين التابعين للصليب الأحمر باقين، وهناك عدد كبير، 90% من موظفين اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق هم عراقيين، و15% فقط هم من دول أخرى.

محمد كريشان: سيد هوغنين، في النهاية باختصار، فتح مخيمات لللاجئين في دول الجوار هل يشجع على هجرة العراقيين خلال الحرب؟

رولاند هوغنين: القرار أعتقد الذي يأخذه أي شخص فقد منزله يعتمد على عناصر كثيرة، إذا كان يحس إنه.. ويشعر بالأمان في مكان آخر قد يختار أن يعبر الحدود، إنما في الظروف الاعتيادية نحن نتمنى طبعاً أن يكون هناك مأوى آمن للسكان المدني، ونحن مازلنا نأمُل أن لا تقع كارثة، وأن يكون هناك حفاظاً على كرامة وحياة المدنيين، أنه القانون الدولي الإنساني اللي هو يعبر عنه اتفاقية جنيف يتطلب بشكل قاطع احترام المدنيين وعدم التعرض لهم.

محمد كريشان: سيد هوغنين، شكراً جزيلاً لك. وبهذه الأمنية ننهي حلقة اليوم، والكل يتمنى أن يقع تجنيب المنطقة حرب مدمرة. إلى اللقاء.