مقدم الحلقة ماهر عبد الله
ضيف الحلقة - الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، داعية إسلامي
تاريخ الحلقة 07/01/2001




الشيخ يوسف القرضاوي
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله:

أعزائي المشاهدين.. سلام من الله عليكم وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة.

مقتضيات أن يكون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان لابد لشريعته ولابد لفقهه من أن يحمل في جنباته وجزءاً أساسياً منه قابلية للتجدد، وقابلية للتطور، ومنذ عصر النبوة الأول والناس منقسمون في موضوع التجديد وموضوع الاجتهاد، موضوع التعامل مع النص الشرعي وكيفية الاستفادة منه وإنزاله إلى أرض الواقع. لمناقشة موضوع التجديد والمحافظة في الإسلام يسعدني أن يكون معي –كالعادة- فضيلة العلامة الإمام الدكتور (يوسف القرضاوي)، أهلاً وسهلاً بك مرة أخرى..

د. يوسف القرضاوي:

أهلاً وسهلاً بك يا أخ ماهر، حفظك الله.

ماهر عبد الله:

يا سيدي.. نحن.. يعني هذه الألفاظ منذ مطلع القرن الماضي ونحن نتداولها كثيراً في الثقافة العربية وفي الثقافة الإسلامية تحديداً: التجديد، المحافظة، الاجتهاد، وثمة درجة كبيرة من المراوحة، هلا ابتدأنا بتحديد ما نقصده بالمصطلحات أولاً؟ تفضل.

د. يوسف القرضاوي:

نعم.. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد.. فمن اللازم في بداية كل حوار حول مفاهيم معينة أن نحدد هذه المفاهيم ومعانيها، وخصوصاً إذا كانت مصطلحات يتداولها الناس، لأن ترك هذه المفاهيم مائعة ورجراجة يفسرها كل إنسان بما يحلو له من اليمين إلى اليسار، لا يستطيع الناس أن يحتكموا إلى شيء، فمن المهم جداً تحديد المفاهيم ومعاني المصطلحات، عندنا ثلاثة أشياء: الفقه الإسلامي، والمحافظة، والتجديد، ما المراد بالفقه الإسلامي؟ المراد بالفقه الإسلامي هو ذلك العلم الضخم الواسع الذي عملت فيه العقول الإسلامية قروناً طويلة، وأصبحنا نرث من ورائه تركة هائلة، ولذلك أنا لا أعني بالفقه هنا المعنى القرآني، لأن هناك الفقه بالمعنى القرآني، وهذا له.. يعني لعلنا نتحدث عنه في حلقة مستقلة، وبمعنى أوسع وأعمق من الفقه الاصطلاحي، الفقه الاصطلاحي هو العلم بالأحكام الشرعية المستنبطة من الأدلة التفصيلية، ومهمة هذا العلم أن يضبط سلوك الإنسان المسلم في علاقته بربه، وفي علاقته بنفسه، وفي علاقته بأسرته، وفي علاقته بالمجتمع، وفي علاقة المجتمع بالمجتمعات الأخرى، وفي علاقته بالدولة، وفي علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى، كل هذا يضبطه الفقه الإسلامي، فهو ليس مقصوراً على حياة الفرد أو على العبادات فقط، بل –كما يقول الفقهاء- العبادات والمعاملات، ويقصدون بالمعادلات كل ما ليس من العبادات، مما يشمل شؤون الأسرة، وشؤون المجتمع، وشؤون الدولة، فالفقه هو الذي يقود المسيرة الحضارية للأمة ويضبطها بأحكام الشرع، لأن الأمة المسلمة ليست أمة سائبة، لأ، أمة منضبطة بشريعة، ومهمة الشريعة –كما يقول الإمام الشاطبي- أن تخرج الإنسان من داعية هواه إلى داعية الالتزام، يعني المسلم إنسان ملتزم، وكذلك المجتمع المسلم ما عاد متبعاً لهواه يفعل ما يشاء، لأ، يفعل ما ينبغي لا ما يشتهي، وما ينبغي الذي تحدده الشريعة، ولكن الشرعية –أيضاً في حد ذاتها- جاءت لتحقيق مصلحة العباد في المعاش والمعاد، المصلحة الفردية، والمصلحة الاجتماعية، المصلحة المادية والمصلحة الروحية، المصلحة الحاضرة والمصلحة المستقبلة، المصلحة الدنيوية والمصلحة الأخروية، فنظر الشريعة إلى المصالح أوسع وأعمق من نظرتنا نحن، يمكن –أحياناً- نحن ننظر للمصلحة.. الواحد بينظر لمصلحته الشخصية ولا يهمه المصلحة الأخرى، يعني الواحد –مثلاً- ممكن.. المرأة تنظر، المرأة المتزوجة، تنظر إلى تعدد.. زوجها تزوج امرأة أخرى إن ده مضرة، هي مضرة بها ولكن مصلحة للمرأة الأخرى، ولعلها مصلحة لزوجها حتى لا يفكر في الحرام، ولعلها مصلحة للنساء الزائدات في المجتمع نعمل فيهم أيه؟ لازمة حد يتزوج امرأة أخرى، فنظرة الشريعة إلى المصالح نظرة شاملة، فمن هنا جاءت الشريعة الإسلامية لتحقق مصالح العباد بهذا المعنى الشمولي المستوعب.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله:

اسمح لي بس قبل الاسترسال.. يعني ذكرت أنت مصطلح الشريعة ومصطلح الفقه، يبدو أنه ثمة لبس كثير وخلط عند كثير من الناس، هل هما متساويان أم لكل منهما معنى مختلف عن الآخر؟

د. يوسف القرضاوي:

لأ.. الفقه هو فهم الشريعة، الشريعة هي الأحكام التي أو النصوص التي بعث الله بها رسوله، وأنزل بها كتابه، ولتحكم الناس وفق أمر الله ونهيه، هذه هي الشريعة، الفقه هو الاستنباط من هذه النصوص والقواعد، فلذلك الشريعة هي وحي الله أساساً، والفقه هو عمل العقل الإسلامي في فهم وحي الله واستنباط الأحكام منه، ولكن الشريعة مرتبطة بالفقه، والفقه مرتبط بالأيه؟ بالشريعة، يعني مافيش فيه شيء كده اسمه الفقه الإسلامي معلق في الهواء، فيه بعض الناس يقول لك: لأ، الفقه..، لأ، هو الفقه داخل الشريعة، يعني ما عندناش فقه لوحده كده وشريعة لوحدها، لأ، الفقه ممتزج بالشريعة امتزاج الجسم بالروح، فهذا هو الفقه، الفقه الإسلامي فقه مستوعب شامل لكل أنواع الحياة الفردية والاجتماعية كما ذكرنا، ولذلك الفقهاء قالوا: إن الشريعة حاكمة على جميع أفعال المكلفين، بمعنى أنه لا يوجد فعل من أفعال المكلف إلا وللشريعة فيها حكم، ممكن تسأل الفقيه في أي حكم، في الأمور الاقتصادية، في الأمور الاجتماعية، في الأمور السياسية، في الأمور.. للشريعة فيها حكم، قد يكون الحكم بالإباحة، وقد يكون بالتحريم، وقد يكون بالإيجاب، وقد يكون بالاستحباب، وقد يكون بالكراهة، إنما الشريعة لا يخلو فعل من الأفعال عن أن يكون لها فيه حكم، وهذا شمول الشريعة، فالفقه هو العلم الذي يستنبط الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين –أياً كانت هذه الأفعال- من أدلتها التفصيلية، يعني من القرآن، ومن السنة، ومن الإجماع، ومن القياس،ومن المصالح إلى آخر.. هناك أدلة متفق عليها، وأدلة مختلف فيها، وأدلة أساسية، وأدلة تابعة.. إلى آخره.

ماهر عبد الله:

أنت ذكرت –مولانا- كلمة أعتقد أنها جوهرية ستكون مدخلنا –لاحقاً- للتجديد والمحافظة: الشريعة هي نص الله الموحى، والفقه هو مجهودنا البشري، إلى أي درجة مهم أن يعي العالم المسلم أن هذا الفقه هو جهد بشري، وليس عليه قداسة الشريعة الأصلية، وبالتالي هو قابل لأن يتغير، قابل لأن يخطئ؟

د. يوسف القرضاوي:

هذا هو ما نتحدث عنه عندما نتحدث عن معنى التجديد ومعنى.. الفقه –كما قلنا- هو عمل العقل الإسلامي في فهم النصوص أو في الاستنباط فيما ليس فيه نص، لأن –أحياناً- الشريعة لم تنص على كل شيء، يعني هناك أشياء تركت بدون نص، أسميها أنا منطقة العفو، أخذاً من الحديث الشريف الذي رواه الحاكم وغيره عن أبي الدرداء أن النبي –عليه الصلاة والسلام- قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا قوله تعالى: (وما كان ربك نسياً) ففيه منطقة اسمها العفو، منطقة فراغ من التشريع، الله تركها كما جاء في حديث آخر: إن الله..، من أحاديث الأربعين النووية، إن الله حدَّ لكم حدوداً فلا تعتدوها، وفرض أشياء فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها سكت عن هذه الأشياء، يعني قصداً للتيسير.. هذه المنطقة، منطقة العفو، لابد أن نملأها بالاجتهاد، عن طريق القياس، ما لم ينص عليه على ما نص عليه إذا كان بينهما علة مشتركة، ولم يكن بينهما فارق معتبر.. إلى آخره، عن طريق المصلحة المرسلة، عن طريق الاستحسان، عن طريق مراعاة العرف، عن طريق الاستصحاب.. إلى آخره، فلذلك يعني نقول هنا إنه الفقه هو العلم الذي يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية هذه، وهو علم يشمل كل نواحي الحياة.

ماهر عبد الله:

طيب، إذا كان يشمل كل نواحي الحياة، والحياة تتغير –بالطبع- إذن لابد من تجديد وتطوير، ما الذي نقصده.. ما الذي تقصدونه –معاشر العلماء- عندما تتحدثون عن التجديد في هذا الإطار؟

د. يوسف القرضاوي:

هو لازم نتكلم عن.. المصطلحان الآخران، يعني نتكلم عن الفقه الإسلامي بين المحافظة والتجديد، فلازم نحدد معنى المحافظة ومعنى التجديد، يقصد بالمحافظة.. لأنه أحياناً الكلمات إذا تركت بدون.. إذا.. المحافظة على الأصول هذا مطلوب، يعني نحافظ على أصولنا الشرعية، نحافظ على تراثنا، نحافظ على هذه التركة العريضة، هذا مطلوب، إنما المحافظة على أقوال القدماء والتمسك بها والتشبث بها، وإن كانت مناسبة لزمنهم غير مناسبة لزمننا، هو هذا اللي يقصد بالمحافظة، إننا نريد أن نتشبث بأقوال القدماء، وربما لم تعد صالحة لنا، هذا هو الذي يقصد بالمحافظة، وهذا يفعله المقلدون المتشددون في التقليد والمتعصبون للمذاهب، ويرون أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وما ترك الأول للآخر شيئاً، هذا.. قال الإمام ابن عبد البر: لا توجد كلمة أضر على العلم وأهله من هذه الكلمة: إن ما ترك الأول للآخر شيئاً. لأ، كم ترك الأول للآخر!! ستظل الحياة تلد أشياء وتلد عقولاً –أيضاً- تبحث عن أحكام لهذه الأشياء الجديدة، فالمحافظون يريدون أن يبقوا كل قديم على قدمه رغم تغير الزمان، وتغير المكان، وتغير الإنسان، هذا..

ماهر عبد الله:

ما الذي يدفعهم إلى هذا، خصوصاً وأن الأمة تعاني من.. القرن الماضي كله الطابع العام لها طابع محافظ، لماذا تنتشر إذا كان هذا.. بهذه الفقدان للمنطق، هذا الموقف؟ لماذا ينتشر هكذا؟

د. يوسف القرضاوي:

هو ينتشر هذا.. هو يعني.. الناس بطبيعتهم، فيه ناس بطبيعتهم محافظون، وناس منطلقون حتى في الحياة العامة تجد.. هذا أمر.. حتى في الأحزاب يعني تشوف في أوروبا حزب المحافظين وحزب الأحرار أو حزب.. يعني دي طبيعة الحياة، وبعدين الإعجاب بالسابقين، شدة الإعجاب بهم، يعني أنا هأفهم أكثر من مالك أو أبو حنيفة أو الشافعي، أو أحمد، أو الثوري أو..؟ مين هيكون مثل هؤلاء؟ فالإعجاب بهم وأنه لا يوجد مثلهم.. هذا هو اللي يجعله يقول لك: لأ، أنت هتفهم أحسن من الأئمة؟! فكثرة الإعجاب، وبعدين بعضهم الخوف من الناس الذين تدخل هذا الميدان وليسوا أهلاً له أيضاً، ولذلك في بعض القرون انتشرت مقولة، مقولة إن باب الاجتهاد أغلق، طب مَنْ الذي أغلق باب الاجتهاد؟ ومن يملك أن يغلق باباً فتحه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فتحه الله وفتحه رسوله؟ إنما هناك بعض العلماء خافوا من وجود الدخلاء على العلم، وهذه مشكلة في الحقيقة، إنه هناك أناس يدخلون على العلم ويقتحمون أبوابه وليسوا من أهله، فهؤلاء –عادة- يحلون الحرام، ويسقطون الفرائض، ويدخلون أشياء من الدين ليست فيه، وأحياناً يكون هذا عن قصور منهم، لم يتكونوا التكوين العلمي، لم يرسخوا، لم ترسخ أقدامهم، وأحياناً يكون عن هوى متبع، إما عن هواه نفسه أو عن هوى غيره، إما يتبع هواه أو يتبع أهواء الآخرين، ولذلك في القرآن: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) وقال أيضاً: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك).. (ولا تتبع أهواءهم) فاتباع الأهواء خصوصاً أهواء الآخرين –هناك من يتبع هوى السلاطين، يعني الأمراء و.. بتاع. ويريد أن يحفد في حبلهم، وأن يفرخ لهم.. يفرخ لهم من الفتاوى ما يرضيهم وما يريح لهم كل شيء، وهناك أناس آخرون لا يتبعون أهواء السلاطين، يتبعون أهواء العوام والجماهير، يزايد في سوق المزايدات، إذا كان الناس تريد التشدد يتشدد، يعمل إنه هو يعني راجل حريص على الدين ويتشدد، هو مش متشدد، ولكن يريد أن يرضي العوام، وهذا أخطر من الآخر، أنا في نظري الذي يتبع أهواء العوام والجماهير ليرضيهم أشد خطراً من الذي يتبع أهواء السلاطين، لماذا؟ لأن الذي يتبع أهواء السلاطين والأمراء يكشف، كثيراً ما يكشف الناس زيفه، ويعرف الناس أن هذا رجل يسير في ركاب السلطان وإلى آخره.. الناس يسموهم علماء السلطة وعملاء الشرطة.. وإلى آخره، فهذا يسقط بالطبيعة.. إنما الخطر هو الذي يسارع في أهواء العوام، ويكون هذا على حساب الحق.

ماهر عبد الله:

طب كيف ترد –مولانا- على.. ذكرت أنه جزء من المنطق في المحافظة، إحنا هنفهم أكثر من الأئمة؟ كيف نرد على مَنْ يوجه لنا هذا السؤال؟ هل سنفهم –نحن- أكثر مما فهم السابقون؟

د. يوسف القرضاوي:

هو ده المفروض أن أشرحه بقى في المفهوم الآخر، مفهوم التجديد، يعني إذا كان المحافظة هي إبقاء كل قديم على قدمه رغم إنه كان صالحاً في زمن الإمام ولم يعد صالحاً لنا، المفروض.. التجديد هو هذا.. التجديد أن تجتهد لكل زمان ولكل مكان، ولكل حال، ولكل بيئة بما يناسبها، يعني تستفيد من تراث السابقين، ومن تراث الأئمة، الأئمة على أعيننا ورؤوسنا، ولكن الأئمة أنفسهم لم يأمرونا أن نقلدهم، كل الأئمة نهونا عن تقليدهم، الإمام أبو حنيفة يقول: هذا رأينا، فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه، الإمام الشافعي يقول: هذا رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، إذا صح الحديث فهو مذهبي، خذوا به واضربوا بقولي الحائط، الإمام مالك: كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر، لأنه كان يجلس في مسجد النبي –صلى الله عليه وسلم- ويشير إلى قبره –صلى الله عليه وسلم، الإمام أحمد يقول: لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً ولا الأوزاعي ولا كذا.. وخذ من حيث أخذوا، فالأئمة أنفسهم لم يأمرونا أن.. بل نهونا عن تقليدهم، والأئمة أنفسهم غيروا فتاواهم، يعني لم يدعوا أنهم علماء بكل.. الإمام مالك سُئل في بعض المرات عن أربعين مسألة، فقال في ستٍ وثلاثين منها: لا أدري، وأجاب عن أربعة فقط، يعني ما.. وكل إمام من الأئمة قال في أشياء: لا أدري، الإمام مالك أيضاً رويت عنه روايات عدة في المسألة، الإمام أحمد تروي عنه في المسألة الواحدة سبع روايات، عشر روايات، أكثر من هذا، كل إمام من هؤلاء الأئمة خالفه أصحابه، ومن المعروف في ذلك خلاف أصحاب أبي حنيفة خصوصاً الصاحبين الشهيرين أبي يوسف و…

ماهر عبد الله[مقاطعاً]:

محمد بن الحسن.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]:

خصوصاً الصاحبين أبا يوسف ومحمد، فقد خالفاه في أكثر من ثلث المذهب، وقال العلماء في ذلك الوقت في كثير من أنواع من هذا الخلاف: إنه اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان، يعني الزمن تغير، وقالوا: لو رأى إمامنا ما رأينا لقال بمثل ما قلنا، الإمام الشافعي من المعروف أن له مذهبين، مذهباً قديماً ومذهباً جديداً، كان له –قبل أن يستقر في مصر- مذهب اسمه القديم، وبعد أن استقر في مصر صار له مذهب الذي يسميه الشافعية الجديد، قال الشافعي في الجديد، وكثيراً ما غيَّر الجديد عن القديم، لماذا؟ لأنه رأى ما لم يكن قد رأى، وسمع ما لم يكن قد سمع، ونضج علمه، ونضج اجتهاده، وفهمه وفقهه، فلا عجب أن يتغير رأيه، فإذا كان الأئمة، وهم في فترة محدودة، غيروا إما هم أنفسهم أو غَيَّر أصحابهم، مع إن الحياة في ذلك الوقت كانت حياة ساكنة رتيبة، لا يحدث فيها.. فكيف بحياتنا نحن وفيها هذا التغيير الهائل الذي نراه؟!

[موجز الأنباء]

ماهر عبد الله:

سيدي.. أعطيتني تعريفاً شاملاً جامعاً للفقه، تحدثنا عن التجديد..

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]:

لا.. عن المحافظة..

ماهر عبد الله:

وتحدثنا عن المحافظة، إحنا نريد تحديداً.. يعني تعريفاً واضحاً محدداً –أيضاً- لما تقصده بالتجديد؟

د. يوسف القرضاوي:

التجديد كلمة تستعمل في نواحي شتى من نواحي الحياة، ومن ذلك التجديد الديني، بعض الناس يعني رأيت بعض العلماء الكبار في عصرنا ينكرون أن الدين يتجدد، وبعضهم قال: يعني أيه تجديد الدين؟ يعني هنعمل طبعة جديدة من القرآن؟! ولكن النبي –عليه الصلاة والسلام- هو الذي شرع لنا هذا الأمر في حديثه الذي رواه الإمام أبو داود، والحاكم، والبيهقي، والهروي، وغيرهم عن أبي هريرة أن النبي –عليه الصلاة والسلام- قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) فتجديد الدين مشروع بنص رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فإذا كان الدين قابلاً للتجديد فكيف لا يكون الفقه قابلاً للتجديد؟! الدين قابل.. ما معنى تجديد الدين؟ يعني تجديد الإيمان به، تجديد الفهم له، وخصوصاً فهم الشريعة، يعني يمكن العقيدة يعني فيها ثبات وإن كان يمكن تجديد –أيضاً- في فهمها، في عرضها، في الـ..، إنما الشريعة وفهم الشريعة اللي هي الفقه هو اللي أكثر حاجة إلى التجديد، ولكن لابد أن نضبط معنى التجديد، هل التجديد إننا نزيل الفقه القديم ونأتي بفقه جديدة 100%؟ لا يوجد تجديد بهذه الطريقة، يعني إذا أردنا أن نجدد بناءً أثرياً فهل نلغي البناء القديم ونقيم مكانه عمارة حديثة.. هل يكون هذا تجديداً؟ لا يسمى هذا تجديداً، التجديد أن تبقى على جوهر القديم، وتحاول أن تعيده إلى ما كان عليه يوم ظهوره ونشأته الأولى، هذا معنى التجديد، تحاول إنك ترجعه إلى ما كان عليه، ولذلك تجديد الدين أن نعود به إلى عصر النبوة والصحابة، وكذلك تجديد الفقه أن نعود به إلى عصر الأئمة، وهذا أمر ربما بعض الناس تقول لك: التجديد إننا نعود إلى الوراء؟! لكن أي وراء؟ مش عصور التراجع والتخلف الإسلامي، لأ، هذا ليس تجديداً، إنما أن نعود به إلى عصر الصحابة والتابعين والأئمة الكبار، يوم كان الاجتهاد مفتوح الأبواب لكل من كان أهلاً له، واتسع الاجتهاد في الأمة وكان المجتهدون بالمئات، ولذلك بعض العلماء –يعني- يقولون: إنه لا يوجد شيء اسمه إجماع، ليه؟ قال: لأن العلماء المجتهدين كانوا غير محصورين ولا يمكن أن تحصر أقوالهم فلذلك بعضهم ادعى عدم العلم بإمكان.. عدم إمكان العلم بأقوال العلماء المجتهدين في الأمة، فلذلك نحن نريد أن نعود بالاجتهاد إلى أصله، نفتح الاجتهاد لأهله في محله بهذا الضبط، لأهله في محله، وما معنى لأهل الاجتهاد؟ الاجتهاد ليس كلأً مباحاً يرعاه كل من هَبَّ ودَبَّ، لأ، وليس كل من قرأ كتاباً أو كتابين أو كل من قرأ بعض الأحاديث، بعض الشباب المتحمس يقرأ بعض الأحاديث، أو يقرأ لبعض المشايخ، أو كذا.. ويخيل إليه أنه أصبح شيخ الإسلام، ويريد أن يناقش الأئمة، ويعني ويرد عليهم، ويطعن فيهم، ويقول: هم رجال ونحن رجال، هذا المفعوص يجعل نفسه مثل أبي حنيفة ومالك وغيره..، هذا يعني كلام.. لابد أن يتأهل الإنسان، والعلماء ذكروا مؤهلات المجتهد: يعني العلم بالقرآن، والعلم بالسنة، والعلم باللغة العربية، التضلع اللي فيها، والعلم بمواضع الإجماع والخلاف، والعلم بأصول الفقه والعلم بطريقة القياس، وعلوماً شتى، وأهم منها أن يكون عنده ملكة الفقه، لأن فيه واحد ما يكنش عنده الملكة، يقعد يقرأ ويحفظ يصم، ولكن ليس عنده الملكة فلا فائدة منه، فهذه شروط لابد.. إنما واحد ما يعرف معنى حديث صحيح يعني أيه، وضعيف يعني أيه، وموقوف يعني أيه، ومرفوع يعني أيه، وبعدين يريد أن يجعل..! لم يقرأ كتاباً من كتب أصول الفقه، ويريد أن يناقش الأئمة الكبار، فالذي يُخشى هنا أن يدخل باب الاجتهاد مَنْ ليس من أهل الاجتهاد، وهذه آفة، وده ما نشكو منه في عصرنا، إن كل علم يحترم فيه الاختصاص، لا ترى طبيباً يتدخل في الهندسة، بل لا ترى طبيباً يعني في الباطني يتدخل في الجراحة، بل لا ترى طبيباً في جراحة الأعصاب يتدخل في العظام أو كذا.. يعني هناك احترام للتخصص: (ولا ينبئك مثل خبير)، (فاسأل به خبيراً)، (فاسألوا أهل الذكر) يعني (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) كل علم يُحترم فيه إلا علم الدين، فكل واحد يريد أن يجعل نفسه مفتياً، ويجعل نفسه إماماً، هذا هو.. ولذلك نحن نقول: لابد أن يُفتح باب الاجتهاد لأهله، وفي محله، ما معنى في محله؟ ليس كل شيء في الدين قابلاً للاجتهاد، لأن هناك أشياء لا تقبل الاجتهاد، اللي هي القطعيات، مجال الاجتهاد الظنيات، الأمور القطعية التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة هذه لا مجال للاجتهاد فيها، وهذا من رحمة الله، لأنه لو فتح الباب لكل شيء لم يعد هناك شيء يحتكم الناس إليه ويرجعون إليه، لأنه ليس هناك أي ثوابت، هذه الأشياء القطعية هي التي تمثل ثوابت الأمة، وتمثل مواضع الإجماع الفكري، والشعوري، والسلوكي للأمة، فهذه..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]:

مع ملاحظة أن القطعيات –أيضاً- حجمها قليل يعني.

د. يوسف القرضاوي:

هي القطعيات حجمها قليل جداً، ولكنها مهمة جداً، القطعيات يعني يمكن أقول لك 98% ظنيات، و 2% يمكن قطعيات، ولكن هذه القطعيات مهمة جداً، لماذا؟ لأنها هي التي يُرجع إليها، ويحتكم إليها، وهي التي تمثل الثوابت التي تمسك الأمة أن تتفكك، وتصبح أمماً، فرغم قلتها هي في غاية الأهمية، ولكن أيضاً من المهم –أيضاً- أن يُفرق بين ما هو قطعي وما هو ظني، لأن –أيضاً- بعض الناس يريدون أن يحيلوا الظنيات إلى قطعيات، يدعون الإجماع فيما ليس فيه إجماع، وليس كل إجماع –أيضاً- قطعياً، لأن هناك إجماع مبني على مصلحة، تغيرت المصلحة، هناك إجماع –مثلاً- في عصر النبوة إن كان فيه نصاب للفضة ونصاب للذهب، لأن كان هناك عملتان، لم يعد عندنا هذا الآن، فهذا إجماع يعني وإن كان مبنياً على نص، ولكن النص مبني على عرف والعرف تغير، فمن المهم جداً أن نعرف ما هو قطعي وما هو ظني، بعض الناس يريدون أن يحولوا القطعيات إلى ظنيات، ولذلك حتى يريد أن يناقشك الخمرة حرام أم لأ، واجتنبوه دِيَّة معناها.. يريد أن يجعل كلمة اجتنبوه يعني لا تدل على التحريم أو كذا.. هذه القضية خطيرة، وأعتبرها من الفتن والمؤامرات الفكرية أن نحول المحكمات إلى متشابهات، والقطعيات إلى ظنيات، ومثلها في مقابلها إننا نجعل –أيضاً- الظنيات قطعيات، لأنه معناها إن عايز توسع دائرة ما لا اجتهاد فيه، فهذا.. فهي –أيضاً- قضية مهمة وحساسة وتحتاج إلى دقة.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله:

مولانا. يعني لن نطيل كثيراً في الذين يحاولون تحويل القطعيات إلى ظنيات، أعتقد أن هؤلاء الآن عددهم في تنازل ولم يعودوا يشكلون خطراً على الإسلام، استقرت الحالة الإسلامية، الخوف كل الخوف يبدو لي هو من الذين يريدون الإكثار من الظنيات وتحويلها إلى قطعيات، يعني هذا عائق داخلي، يعني الذي يريد أن يحلل الخمر أو يبيح الزنا مثل عالم السلطان كشفه سهل، الخطورة هو تحويل بعض الاجتهادات الظنية والمبنية على أدلة ظنية إلى قطعيات، أعتقد هذا مانع أكبر أمام التجديد، أليس كذلك؟

د. يوسف القرضاوي:

نعم، هذا هو عمل التجديد والمجددين أن –يعني- يبينوا لهؤلاء خطأهم، لأنه البعض يريد أن يجعل.. حتى ليس الظنيات الدينية، ده بيريدون أن يجعلوا أقوال الأئمة مقدسات، يعني لا يجوز الخروج على قول إمام، بعضهم –حتى- لا يجيز الخروج على القول الراجح في المذهب إلى قول آخر داخل المذهب، مع إن هذا القول الذي رجح ربما كان راجحاً في زمن معين، وينبغي أن يرجح غيره في داخل المذهب في زمن كما حدث، يعني في داخل المذاهب نجد أئمة المذاهب وعلماء المذاهب الراسخين –أحياناً- يُضَعِّفُون رأياً كان مشهوراً، ويقوون رأياً كان ضعيفاً لتغير الزمن، فمشكلة هؤلاء الذين يريدون تقديس ما ليس بمعصوم وتوسيع دائرة القطعيات فيما ليس بقطعي لأيضاً تقليل إمكان الاجتهاد، ونحن نرى إنه في الحقيقة التجديد الحقيقي لعلم الفقه اللي بنتكلم عنه، الفقه الإسلامي، لا يكون إلا بإحياء الاجتهاد، هناك ألوان من التجديد ومعالم كثيرة للتجديد، خصوصاً في الناحية الشكلية يعني البعض يقول لك إن تنظير الفقه عاوزين..، تنظير الفقه، تبويب الفقه تبويباً جديداً يناسب الزمان والمكان، إخراج كتب الفقه إخراجاً جديداً مفهرساً.. كذا، عمل موسوعات فقهية، موسوعات على الأبواب، وموسوعات على الكلمات و.. إلى آخره، معاجم معينة في القواعد وإلى آخره، هذا كله مطلوب ولا شك، تقنين الفقه البعض ينادي بإننا نقنن الفقه على الطريقة الحديثة، حتى القاضي يعلم يعني ماذا يعني.. سيحكم بأي رأي في المذهب، ويعرف المتقاضون أنفسهم إلى أي شيء يحتكمون، هذه كلها أشياء.. يعني ولكن أهم شيء في التجديد حقيقة هو أن نحيي الاجتهاد سواء كان اجتهاداً إنشائياً أم انتقائياً، أنا قسمت الاجتهاد إلى يعني نوعين، اجتهاد سميته الاجتهاد الانتقائي واجتهاد سميته الإنشائي، وأقصد بالاجتهاد الانتقائي الاجتهاد الذي ننتقي فيه رأياً من الآراء الموجودة في تراثنا الفقهي، نحن نعلم إنه الفقه الظني اللي هو اللي يتعلق بالظنيات وهو معظم الفقه، فيه يعني خلافات لا تنتهي، وهذا من فضل الله –تبارك وتعالى- إنه هذه الخلافات وهذه المذاهب يعني المختلفة، وداخل المذاهب أنفسها خلافات، وخارج المذاهب، يعني الفقه لا ينحصر في مذاهب أربعة ولا في مذاهب ثمانية هناك خارج المذاهب أقوال الصحابة والتابعين والأئمة الكبار كثيرة جداً ولها أهمية، وأنا أرى إن لا يمكن أن يحيا اجتهاد إلا إذا أحيينا فقه الصحابة والتابعين والأئمة الذين انقرضت مذاهبهم أو الذين ليس لهم مذهب بالمرة لم يكن لهم أتباع، الإمام الشافعي قال عن الإمام الليث بن سعد: الليث عندي أفقه من مالك، ولكن أصحابه لم يقوموا به، يعني بيري إنه.. لكن لم يجد له تلاميذ، فاللي وجد له –من حسن حظه- تلاميذ ينشرون مذهبه مثل أبي حنيفة أو مثل مالك ولكن.. قد يوجد.. فلابد أن نحيي هذا التراث وننتقي منه، يعني هناك اجتهاد نرجح من هذا التراث ما نراه أصوب أو أرجح دليلاً، وأهدى سبيلاً، أوفق بتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الخلق، هذا.. نعيد فرز هذه الأقوال، ونرى منها إنه فيه هذا القول كان صالحاً في وقت ما ولم يعد صالحاً الآن، وأمامنا مُتَّسع، يعني أمامنا تركة كبيرة لا يجوز لنا فيها.. وخصوصاً إذا كنا نريد أن نقنن، يعني نريد أن يكون الفقه مرجعاً للدولة، فهنا أنا لا ألزم نفسي بمذهب واحد، أنا آخذ.. الشريعة واسعة، لماذا ألتزم بمذهب وأعسر ما يسر الله، وأضيق ما وسع الله؟!

ماهر عبد الله[مقاطعاً]:

لماذا ثمة من رَدَّ على دعوة الإمام القرضاوي إلى الفقه الانتقائي سماها أنها دعوة إلى الفقه التلفيقي الباحث عن الأسهل.

د. يوسف القرضاوي:

لأ. هذا، ليس صحيحاً هذا، ليس.. أولاً الفقه التلفيقي.. التلفيق هو أن تأخذ أقوال الأئمة بدون نظر إلى دليلها، وتوفق منها صورة معينة، هذا المذهب قالوا كذا وهذا المذهب قالوا كذا.. باخد منه كل مذهب جزء وألفق عن صورة، إنما أنا لا أفعل ذلك، أنا أتبع الدليل وحيثما لاح لي الدليل، ورجح في ذهني وفق الاعتبارات الشرعية –حسب فهمي- أرجح، هذا ليس من التلفيق في شيء، التلفيق إنك تأخذ القول مجرداً عن دليله، بس ده القول الفلاني والقول الفلاني.. هذا.. أنا لا أفعل هذا، وأنا –أحياناً- أُوَسِّع وأحياناً أُضَيِّق، وأحياناً أُسَهِّل، في أكثر الأمور أيسر، لكن أحياناً أشدد إذا.. يعني أنا أقول لك –مثلاً- أنا أصدرت فتوى بتحريم جوائز السحب الكبرى هذه، الجوائز اللي يبعملوها على السيارات المرسيدس الروزرايس، والكذا كيلو ذهب وما أعرفش إيه، والأشياء دي، وأنت بـ تشتري حاجة بسيطة تطلع لك كوبون وتعمل.. هذا أنا لم أر له وجهاً، يعني أنا شددت في هذا، أنا مشُدد في مسألة التدخين –مثلاً-، مسألة التدخين أنا أحرم التدخين، هناك أشياء أنا أشدد فيها، ولكن.. وأشياء أيسر فيها، لأن الشريعة قامت أساساً على التيسير، (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) والنبي –عليه الصلاة والسلام- هو الذي أمرنا بالتيسير، قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) فأنا أتبع المنهج النبوي في هذا.

ماهر عبد الله:

طيب، قبل أن تحدثني عن الاجتهاد الإنشائي ما دمنا نتحدث عن.. ثمة دعوة وعلى رأس الداعين لها الدكتور حسن الترابي أنه العملية الاجتهادية ليست –فقط- المقصورة على تجديد الفقه، بل يجب أن تشمل الآليات التي تحكم العملية الفقهية، يجب تجديد أصول الفقه أيضاً، هل ثمة متسع في هذه الشريعة، في هذا التجديد الذي نتحدث عنه، لتجديد بعض أصول الفقه؟

د. يوسف القرضاوي:

هو لابد أن نحدد ما المراد بتجديد أصول الفقه، يعني هل نأتي بأدلة أخرى غير الأدلة التي ذكرها العلماء، يعني العلماء مثلاً قالوا هناك دليل الأيه..؟ القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، ورعاية العرف، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، هل نأتي بـ..لأ، لا يوجد مجال للزيادة على هذه، ولكن هناك أشياء –مثلاً-لم تخدم كما ينبغي نحتاج إلى تعميقها، مثلاً ما هي السنة التشريعية والسنة غير التشريعية؟ يعني فيه قضايا في الـ..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]:

لأ، أنا.. تسمح لي أعطيك مثال، يعني مثلاً المصلحة المرسلة عند بعض الأئمة مقبولة، عند بعض الأئمة غير مقبولة، عبر الزمن تأخذ حظها من التوسع، القرآن دُرِسَ حتى أشبع، السُّنة –كمصدر- دُرِسَت، لكن موضوع المصالح المرسلة ثمة أئمة يأخذون بها، لكن –باعتقادك- هل أخذت حقها من التوسعة بالشرح لطلاب العلم؟

د. يوسف القرضاوي:

والله في عصرنا يعني بدأت هناك دراسات حول المصلحة، وكَتَبَ مثلاً..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]:

السباعي؟

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]:

أخونا الدكتور البوطي، "ضوابط المصلحة في الشرع؟ الإسلامي" كتب أخونا الدكتور حسين حامد حسان "نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي" كتب الدكتور مصطفى زيد "المصلحة ونجم الدين الطوفي" كتب الدكتور محمد مصطفى شلبي "تعليل الأحكام" يعني وُجدت دراسات كثيرة، وأنا ذكرت هذه القضية في بعض كتبي "السياسة الشرعية فيما بين نصوص الشريعة ومقاصدها" هناك دراسات في عصرنا موجودة، فنحن نقول: إذا كان المراد بتجديد أصول الفقه إننا نعمق بعض القضايا، ونرجح بعض الأشياء كما فعل الإمام الشوكاني، الإمام الشوكاني أَلَّفَ كتاباً سماه "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" وذكر في مقدمة كتابه إنه وجد علم الأصول.. فيه أشياء كثيرة مختلف فيها، والناس يعني ماذا يقولون في هذه القضية وماذا يقولون في تلك، وهو حاول إنه أيه؟ يعني يرجح رأياً من الآراء، واعتبر إن هذا الرأي الحق، إنما هل حسم المسألة؟ ممكن يأتي من يخالف الأيه؟ الشوكاني في هذه الأيه القضية، مثلاً العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟ الجمهور على أن العبرة بعموم اللفظ، وبعضهم قال لك: لأ، العبرة بخصوص..، وبعضهم قال: لأ هو العبرة بعموم اللفظ إلا في حالات معينة، هذه القضايا تحتاج.. التجديد هنا هو تحقيق هذه الأمور، إنما ليس معناها إنها ها هنطرح أصول الفقه الذي خدمته الأمة الإسلامية أربعة عشر قرناً وعملت فيها عقول منذ عهد الإمام الشافعي وقيل أبو يوسف قبل الشافعي إلى عهد الإمام الشاطبي، إلى عصرنا الحديث، هل نلغي هذا أو نضعه في سلة المهملات ونخترع أصولاً جديدة؟ لأ، وما هو.. والترابي لم يقصد إلى هذا، لأن أنا ناقشته، وقرأت بعض ما كتبه.

ماهر عبد الله:

أسمع رأيك فيما قال لك.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله:

يعني مولانا ذكرنا الدكتور ترابي فأريد أن أسألك عن مسألة جانبية صرفة في هذا الموضوع، يعني أنت قلت أنه لم يقصد إلى.. أو لم يرمي إلى ما يشاع في موضوع تجديد أصول الفقه، لكن البعض أخرجه من الملة بسبب هذه الـ..، يعني كونك تناقشت معه في هذا الموضوع أين تضع دعواه إلى تجديد أصول الفقه؟

د. يوسف القرضاوي:

هو لا يقصد بتجديد أصول الفقه إلا ما قلته، تعميق بعض الموضوعات، تحقيق بعض المسائل الخلافية، يعني بعض الموضوعات تأخذ حقها من الدراسة أكثر، إنما لم يقصد إلغاء الأصول القديمة وبناء علم أصول جديد، ما يقول هذا عاقل يعني ما..

ماهر عبد الله:

طيب، ذكرت الاجتهاد الانتقائي وشرحت عنه قليلاً والإنشائي، ما المقصود بالفقه الإنشائي؟

د. يوسف القرضاوي:

الاجتهاد الإنشائي الاجتهاد في القضايا الجديدة التي لم يطرحها فقهاؤنا السابقون ولم تطرح عليهم، لأنها لم تكن عندهم، ككثير من الأمور التي جدَّت الآن وتحتاج إلى بيان حكم الشرع في هذه القضية، فيعني الآن مثلاً هل كان عندهم زرع الأعضاء مثلاً حتى أننا نتوقع منهم أن يبينوا لنا حكم زرع الأعضاء؟ الجو ثلاً وماذا تملك الدول من أجوائها أو كذا يعني، هل..، ما نتوقع هذا، ما يتعلق بالطيران وأحكام الطيران، لأ..، لا يمكن إننا، كثير من الأحكام الطبية الجديدة ما يتعلق بالفقه الطبي، والآن نحن في المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت تعقد ندوات كل سنة أو سنتين تجمع فيها ما بين الفقهاء والأطباء، ويعني أهل الطب والعلم، وأهل الشرع، ويتناقشون في قضايا، ويصلون إلى مقررات يعني مهمة، لأنه لا نستطيع..، ممكن نجد يعني نتفاً معينة تشير إلى بعض أشياء تنفع، يعني أنه هناك قواعد يعني ممكن نبني عليها، إنما التفاصيل لا يمكن لابد أن نجد لها حلاً، كثير من الأمور المالية، أمور البنوك، أمور هذه الأشياء يعني، فالأشياء الجديدة هذه في عصرنا قَطْعاً تحتاج إلى اجتهادٍ جديد، يعني ومن حسن حظنا إن فيه كثير من الأشياء بنجد لها أصلاً ما، يعني مثلاً قضية العمل بالحساب الفلكي في إثبات الشهور، نجد منذ عصر التابعين مطرِّف بن عبد الله بن الشخير من التابعين قال بالعمل بالحساب، ونجد من الشافعية في القرن الثالث الهجري، نجد أبا العباس ابن سُريق يقول بالعمل بالأية؟ بالحساب، ونجد يعني، نجد في هذه الأشياء في فقهنا، أشياء سبقت زمانها، فلابد إذا كنا نريد أن نجدد الفقه أن نحيي الفقه الانتقائي، الترجيحي، والفقه الإنشائي الإبداعي.

ماهر عبد الله: طب في هذا..

طب في هذا الأخير أنت من الميالين إلى فقه المصالح عامة، لكن عندما تتحدث الناس عن المقاصد العامة للتشريع تتحدث عن فلسفة الإسلام الفقهية ككل، ثمة دعوات على الأقل في القرن الماضي هذا إلى النظر في المقاصد التفصيلية لبعض الأحكام وحِكمْهَا، يعني لماذا لا يجري..، هل تخدم العملية الفقهية أن ننظر إلى حكم الأحكام ونستفيد منها في هذا الفقه الإنشائي الجديد؟

د. يوسف القرضاوي:

هو هناك مدارس ثلاث: مدرسة النظر في النصوص الجزئية دون رعاية للمقاصد الكلية، يعني يقول لك هذا النص به كذا وخلاص ولا، يعني، يُبالي بالمقاصد، مثل الذين يقولون إنه في رمضان نخرج صدقة الفطر من الأطعمة ولا يجوز أن نخرجها من النقود، ولا يراعون المقصد الذي من أجله شُرعت زكاة الفطر، هؤلاء نصوص جزئية، هناك ناس يعني، يعني، يتشبثون بالنص الجزئي ولا يراعون المقاصد الكلية، وهناك على عكس هؤلاء مدرسة الذي يدَّعون التجديد وهم ليسوا أهلاً له، يقول لك إحنا ننظر إلى روح الإسلام وإلى مقاصد الشريعة، ولا يبالون بالنصوص، لا ينظر في نص القرآن ولا نص السُّنة ولا كذا، بل يمكن يعطل النصوص وكما زعم بعضهم يقول لك ده عمر عطل نص قرآني، المؤلفة قلوبهم، وعمر أوقف قطع يد السارق، وعمر عمل كذا، وحاشا لله إن عمر يعطل نصاً من كتاب الله، لم يفهموا ما فعله عمر في مسألة المؤلفة قلوبهم، هذا مدرسة مقابلة للمدرسة الآخرى، المدرسة التي أتبناها حقيقة هي التي توازن بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، تَفْقه وتَفْهم هذه النصوص في إطار المقاصد بحيث لا تقيم حرباً بين مقاصد الشريعة.. ونصوصها وهذا هو الذي كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم.

ماهر عبد الله:

طيب اسمح لي نستقبل بعض الهواتف، معي الأخ محمد علي أبطحي من إيران، أخ محمد تفضل.

محمد علي أبطحي:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام.

محمد علي أبطحي:

أهلاً وسهلاً ونشكرك ونشكر الشيخ القرضاوي.

ماهر عبد الله:

أهلاً بيك.

محمد علي أبطحي:

طبعاً في هذا المناسبة أنا أعتقد لابد أننا نفكر جيداً على..

د. يوسف القرضاوي:

الصوت غير مسموع

ماهر عبد الله:

ممكن بس الصوت شوية

محمد علي أبطحي:

نفكر جيداً على قضية الفقه والتجدد، لازم أن نفكر قبله على قضية التقليد والحداثة لأن الصراع الموجود..

ماهر عبد الله:

برضو ترفعوا لنا الصوت شوية..

محمد علي أبطحي:

أعتقد صراع الحقوق في قضية التقليد والحداثة الموجودة ها اليوم هذه جذوره في تعارض الفقه والتجدد الذي نعرفه وبنسميه هلاّ في العصر الحالي أنه الفقه والتجدد ، ونعتقد يبدو علينا قراءة جديدة في الحداثة ، وفي التجدد، وفي تعريف التقليد، لأنه هذه الصراع موجودة من الزمن الماضي و هذه ليست بالشيء الجديد، الصراع الموجود بين المعتزلة والأشعري، بين أهل السنة أو المعتقدين بالأصول والأخباريين في الشيعة الذي يدؤون أود الصراع الموجود بين أهل العقل والنقل، كله ناشئ من هذه القضايا له تاريخ، نعتقد أن الحداثة يعني التعريف الجديد، النحوية ودور الإنسان في المناسبات الإنسانية، طبعاً فنرى بعض الناس معتقدين أن جهة الحداثة متفاوتة مع البنا القيمي الذي وصل إليه العقل الجماعي طبعاً، لكن نعتقد ليس هذه الواقعية على أي دليل أن الفاشية راح والديمقراطية باقي، أو الشيوعية راح لكن الحرمة لحقوق الإنسان باقي، هذه الأمور نعتبرها أن هذه الأمور هم قيم الثابت البشري، وهذه القيم هو البناء الأصلي لدعوة الأنبياء، فإذن ليس بالخلاف جذرياً نعتقد بين التجدد والفقه، لأن الفقه السليم الذي هو مبتني على الجذور المشتركة في القيم الإنساني، وهذه طبعاً الجذور نعتقدها هو عند الأقل، ليست كل الأكثريات، بعبارة أخرى عندنا جذور الذي هو القيم الإنساني المشترك وغصون وأوراق في هذه الشجرة الذي هو الغصون والأوراق هم يكون نعتبرها الفقه، ويلزم إن يكون الجذور ثابتاً لا أن يكون الأوراق، أو الفروع ثابتة لأن فيه ناس يحافظون على الفروع حتى ولو ضحوا الجذور، والنقطة الثانية أنه الكثير مما نعتبرها أو نعرفها باسم الإسلام أو باسم الدين هو ليست في الحقيقة الدين، هذه فهمنا عن الدين، لأنا نرى التأثيرات مختلفة في الظروف الاجتماعية والظروف البيئية، يؤثر حتى أن يساهم الفقيه رجال الدين، طبعاً عندنا فقهاء الذين جالوا وصالوا ورأوا الدنيا، والفقهاء الذين خرجوا من بلادهم، أو الفقهاء الذي عاشوا في القرى، أو الفقهاء الذين عاشوا في المدائن الكبرى فهمهم طبعاً مختلفين لأن تاريخنا وتاريخ آبائنا كان كذلك، كما أنه في القضايا السياسية الخلاف اللي مثلاً كبير الفقهي والديني الذي موجود هلا مثلاً بين أفكار العرب مثلاً أو مجموعة مثلاً المثقفين المتدينين فيه فرق، وأخيراً نعتقد أنه طريق الحل في العصر الحالي أن نرجع إلى رأي المثقفين وعالم الدين المتنور، ليست مثقف لحاله، وليست متدين غير متنور، لأنه لما نقول المثقف اللاديني الله هو يقول إنسان، ولما نقول الديني غير المثقف، الله هو نقول. إنسان هو يقول الله، نحن نحتاج إلى الإنسان الرياني وطبعاً لازم إنه يكون متكئين إلى أسلافنا وننظر في نفس الوقت، الوقت الحالي والمستقبل.

ماهر عبد الله:

أخ محمد مشكور جداً على هذه المداخلة، شكراً لك وإن شاء الله ستسمع جزء كبير من الكلام كان متفق ومنسجم مع كلام فضيلة الدكتور القرضاوي، معي الأخ عبد الله عطاطرة من فلسطين، أخ عبد الله تفضل.

عبد الله عطاطرة:

السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام.

عبد الله عطاطرة:

لي مداخلة في مفهوم الأحكام الشرعية والفقه، الأحكام الشرعية على حقيقتها ومعناها لغوياً هو الفتح، ونقيضه في اللغة الغلق. فقد قال الله تعالى في عدد من الآيات بهذا المعنى: (على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) وقال في آية آخرى: (أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها) والقلب المقفل لا يفتح، الذي لا يُفتح لفهم النص القرآني، أو نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة كيف يفتح لفهم قول فقيه من الفقهاء أو غيره من العلماء، أما الأخذ من القرآن والسنة مباشرة أو الأخذ من أقوال العلماء والفقهاء فمعنى.. فمن وجد العين مباشرة فكيف يأخذ من الفروع والأصول موجودة؟ وليست حكراً لأحد وبالنسبة للتشديد، تشديد..، وتشديد ما ذكر ببداية البرنامج أفسره بحديث لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- عندما جاء على عمر بن الخطاب وهو يقرأ صحيفة من التوراة، حيث قال له: "أو لم آتي بها بيضاء نقية؟.." شكراً لكم

ماهر عبد الله:

طيب مشكور يا أخ عبد الله، معي عادل شرشر، الأخ عادل من مصر تفضل،

عادل شرشر:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي:

عليكم السلام ورحمة الله.

عادل شرشر:

دكتور يوسف جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً.

د. يوسف القرضاوي:

بارك الله فيك يا أخي.

عادل شرشر:

السؤال بتاعي إلى أي مدى يمكن أن يجدد في الدين؟ يعني هل التجديد يشمل العقائد والعبادات والمعاملات؟ يعني أريد بوضوح الخطوط الحمراء التي لا ينبغي أن نقترب منها، ونعلم أن المعتزلة لهم نظرات تجديدية في العقائد، وهل من التجديد تحليل الحرام كما حدث في مصر في تحليل فوائد البنوك؟ وهل من التجديد دفع الضرائب من فوائد البنوك؟ جزاكم الله خيراً.

ماهر عبد الله:

مشكور جداً يا أخ عادل على هذه المداخلة، الكلام اللي الأخ أبطحي أثارني يعني فيه أو لفت انتباهي و أعتقد إنها مداخلة ما اعرفش أنت لك عليها تعليق؟

أثارني فيه دور البيئة في صناعة رأي الفقيه، قال إن البعض من القدماء كان يعيش في أرياف، أو كان يعيش في بوادي، أو بيئات محدودة، إلى أي مدى تلعب البيئة دوراً؟ فضيلتكم ذكرت الإمام الشافعي غير بتغير المكان عملياً، وتقريباً نفس الزمن.

د. يوسف القرضاوي:

لا، أنا ذكرت الإمام الشافعي مش بس تغير المكان، قلت: رأي ما لم يكن قد رأي، وسمع ما لم يكن قد سمع، لأنه فيه علماء في مصر ما كانش سمع إليهم، ونضج عقله وفكره، لأن الإنسان أيضاً بمرور الزمن بينضج وبيتغير رأيه، يعني ممكن أنا كنت.

أنا أقول لك مثلاً أنا ظللت أقول برأي حوالي عشرين سنة، أُفتي بمنع شراء البيوت في الغرب عن طريق القرض أو كذا، وبعدين، ويمكن بعد ما شِخْت كده وأصبحت أكثر إشفاقاً على الناس يعني يمكن بدأت أغير رأيي، فالإنسان ممكن حتى يعني، ولكن قطعاً عملية البيئة لها أثرها وهذا اللي جعل العلماء يقولون أيه؟ الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال، الزمان والمكان، يعني المكان له أثره، ومن فضل الله إنه يعني شريعتنا دخلت البيئات البدوية، والبيئات الحضارية، وفي كل منهما أفتت وشرعت، يعني دخلت بلاد الأعراب والقبائل وبلاد الحضارات القديمة، بلاد الأكاسرة والقياصرة والفراعنة والتبابعة يعني، وكان لها مع كل حادث حديث لم تطق ذرعاً بأي شيء في هذا، فأنا يعني الذي أريد يعني أن أقوله إنه الشريعة هي كما ذكرنا في أول الأمر صالحة لكل زمان ومكان، ولكن الإنسان يتأثر ببيئته قطعاً، يعني ما يستطيع، ولذلك مثلاً تجد ابن حزم الظاهري، لأنه نشأ في الأندلس، ونشأ في بيئة كان أبوه وزير وهو وزير وهو كذا، تجد مثلاً إنه تأثر بهذا في أشياء كثيرة، فمثلاً قال بإباحة الأغاني والآلات الموسيقية وهذه الأشياء ولم ير فيها شيئاً، يعني أيضاً لا نشك في إنه البيئة كان لها أثرها، ولذلك فقه أهل الحجاز لأن بيئة محدودة وأقرب إلى البيئة البدوية يعني يختلف عن فقه أهل العراق، أنه أهل العراق نشؤوا في بلاد حضارة وعلى أعراف موجودة وعلى أشياء فأعملوا عقولهم أكثر مما أعمل أهل الحجاز، وإن كان طبعاً الصفات الشخصية لها تأثير أيضاً، يعني ابن عباس وابن عمر كلاهما كان في بلد واحد، وكلاهما يعني قرشي، وكلاهما صحابي ابن صحابي.

ماهر عبد الله:

وأقران.

د. يوسف القرضاوي:

ومع هذا هناك شدائد ابن عمر و رخص ابن عباس، ابن عمر كان يشدد، وابن عباس كان ييسر، لأن طبيعة الشخصية، ممكن الإنسان.. يكون أخوين مثل سيدنا موسى وهارون، أو سيدنا الحسن والحسين، شوف الحسن تنازل وقد بويع بإمارة المؤمنين وراح قال لمعاوية خدها مش ..، والحسين قاتل واستشهد وأهله، فالصفات الشخصية أيضاً لها تأثيرها مع وجود الأيه؟ المشايخ، وتعي لهم تأثير، لو واحد وفق إلى شيخ متفتح غير ما واحد مثلاً ربنا ابتلاه بواحد جامد فيرث منه الجمود، يعني وهكذا يعني.

ماهر عبد الله:

طيب ذكر الأخ أبطحي أيضاً مسألة أخرى، أن البشرية أنت ذكرت فضيلتكم الفقيه الواحد مع مرور الزمن ينضج أكثر، البشرية مع تقادم عهودها تتراكم لديها الثقافة، وتتراكم لديها المعرفة فتنضج فقد تصل إلى قيم إنسانية مشتركة، يعني هو ضرب مثال أن الفاشية كانت تجربة لكنها سقطت بالتجربة والخطأ، النموذج الديمقراطي نجح لأنه ألين وأسهل عريكة على الناس، هل يمكن أن نصل معهم وكثير من فقهائنا اليوم لا يجدون حرج كثير في التعاطي مع الديمـ.. هل يمكن أن نصل إلى مشترك إنساني من خلال شريعتنا مع ما توصلت إليه البشرية من مصادر أخرى؟

د. يوسف القرضاوي:

هو أنا أشكر الأخ الشيخ الأبطحي يعني على هذه النظرة، ونحن طبعاً ندعو إلى التعاون مع البشرية، يعني الإسلام ليس ديناً منغلقاً، فهو دين مفتوح، دين عالمي، يعني العالمية من أول آية في القرآن بعد الفاتحة: (الحمد لله رب العالمين)، إلى آخر سورة (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس). العالمية في الإسلام (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) ولذلك القرآن لما حتى يعني تكلم عن جدال أهل الكتاب قال (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد) يعني أن اذكروا الجوامع والقواسم المشتركة، يعني ما تركزوش على نقاط الاختلاف يعني والتمايز، حاولوا تشوفوا أيه اللي يجمع بينكم، فنحن نرحب، ولذلك أنا أقول إحنا المفروض فينا نحن المسلمين أن نأخذ من الديمقراطية الغربية أفضل ما فيها، أفضل ما فيها الأساليب، أسلوب الانتخاب والاستفتاء هذا ما عرفناه، إنما يا أخي الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، هذه الصناديق الانتخابية والتصويت، والأخذ بالأغلبية، الأخذ بالأغلبية مبدأ إسلامي حقيقة، لأنه النبي –صلى الله عليه وسلم- نزل على رأي الأغلبية في أحد وقال لأبي بكر وعمر: (لو اتفقتما على رأي ما خالفتكما) لأن حيبقى اثنين ضد واحد، وقال عليكم بالسواد الأعظم، وسيدنا عمر في قضية الستة أصحاب الشورى قال انزلوا على رأي الأغلبية، يعني لو واحد خالف وخمسة وافقوا إما أن ينزل على رأيهم أو اضربوا عنقه، اثنين وأربعة وهكذا، فنحن نأخذ أساليب الديمقراطية وضمانات الديمقراطية، لأن دي خبرة الإنسانية في مقاومة المتسلطين والمستبدين، هذه ملك للبشرية كلها، نأخذ منها، الديمقراطية يعني تملك كل شيء حتى إلغاء الديمقراطية.. لأ، هو قال لك إن الديمقراطية ممكن تلغي الديمقراطية، لأ.. وبعض الحكَّام العرب قال إن للديمقراطية أنياباً وأَحَدّ من أنياب الديكتاتورية، لا هذه الديمقراطية ذات المخالب والأنياب دية لا نريدها، لا نريد ديمقراطية تُلغي الشريعة، أقول لك لأ هذه..، فهناك قواطع وثوابت فنحن نأخذ من تجارب البشرية في طريقها الطويل كل خير، يعني ولا.. يعني نستبعد أن يكون هناك من تراث البشرية ما ننتفع به، وخصوصاً في الوسائل والآليات والكيفيات، يعني هذا..

ماهر عبد الله:

لا تمس جوهر الدين.

د. يوسف القرضاوي:

نعم.

ماهر عبد الله:

طيب معايا الأخ عبد الله المحمد من بريطانيا أخ عبد الله تفضل

عبد الله المحمد:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الله محمد:

هناك ثلاث أسئلة أتمنى أن تتعلق بصلب الموضوع، ولدي يسألني في موضوع آية (إن الدين عند الله الإسلام) أن الدين واحد فالزمن مخلوق من الله، وبالتالي لا يمكن إخضاع دين الله للزمن، وبالتالي كل الأديان التي نزلت على قلوب أنبياء الله كانت هي الإسلام، السؤال الذي حِرْت في إجابته هو المقارنة ما بين هذه الآية، وآية أخرى يقول الله عز وجل فيها بما معناه، أن يدخل الجنة الذين آمنوا وبعض النصارى والذين هادوا والصابئة، فكيف لفضيلة الشيخ أن يجمع بين الآيتين لكي أستطيع شرح هذا الموضوع لابني؟

السؤال الثاني: هناك موضوع فتوى أو اجتهاد الشيخ بمقاطعة جميع البضائع الأمريكية وكل من يدعموا الصهاينة، ونحن نؤمن بذلك، لكن بالنسبة لنا، نحن نعيش في الغرب، هل يجب علينا أن نقاطع كل ما تنتجه الولايات المتحدة بما في ذلك الأدوية؟

السؤال الأخير: كيف لنا أن نطبق المقاطعة دون أن نغضب الله ونحن في الغرب، ونحن مضطرون لاستعمال بعض المنتجات الغربية، ونحن نعلم أن هؤلاء الناس يدعمون إسرائيل وجزاكم الله خيراً.

ماهر عبد الله:

مشكور يا أخ عبد الله، مشكور يا أخ عبد الله.

معي الأخت رندا.

رندا دالاسي:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام.

رندا دالاسي:

أريد أن أستفسر من الدكتور.. فضيلة الدكتور القرضاوي عن بالنسبة لفتوى بشراء منزل بقرض بالنسبة للمقيمين في دول أوروبا، فهل هي فقط للضرورة أم يستطيع اللي مدخولهم جيد أن أيضاً يشتروا بقرض من البنك وذلك للتوفير؟

السؤال الثاني: الصلاة.. في صلاة الظهر والعصر هي سرية، ولكن أريد أن أُعلِّم أولادي قراءة الفاتحة مثلاً بشكل صحيح أو التحيات، فهل بإمكاني أن أجهر بها في خلال صلاتي؟

سؤالي الثالث والأخير: في صلاة التراويح هنا كان هناك طفل عمره 12 عاماً فكان يؤم الناس في صلاة التراويح نظراً لحفظه للقرآن الكريم، فهل هذا جائز أم لا؟

ماهر عبد الله: طيب.

مشكورة جدًا يا أخت رندا، معي الأخ عامر الكبيسي، وأرجو يكون هذا الهاتف الأخير قبل الموجز، أخ عامر تفضل.

عامر الكبيسي:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام.

عامر الكبيسي:

عَرَّف فضيلة الشيخ القرضاوي الفقه بأنه ذلك العلم الذي يستنبط الأدلة من الأحكام

ماهر عبد الله:

الأحكام من الأدلة.

عامر الكبيسي:

الأحكام من الأدلة وقال أن هذا الفقه، أو هذا العلم ينصبُّ على الشريعة، فهل يمكن القول بأن الشريعة بذاتها، أو أن الدين بكلياته هو أيضاً علم، أم لا؟

ماهر عبد الله:

وضح لي بس السؤال مرة ثانية، هل يمكن، ماذا تقصد بالسؤال؟

عامر الكبيسي:

يعني هناك من يفرق بين المعرفة الدينية، المعرفة الفلسفية، والمعرفة العلمية، وهناك أيضاً من يقول أن الدين لأنه حصيلة علم الله، هو أيضاً علم ويقربه من مفهوم العلم عند البشر، علوم الطب وعلوم الهندسة وعلوم.. فكيف نفرق بين الدين باعتباره حصيلة علم الله، وبين العلوم الأرضية والوضعية الأخرى اللي هي نتاج البشر؟

ماهر عبد الله:

طيب مشكور جداً يا أخ عامر

عامر الكبيسي:

شكراً.

ماهر عبد الله:

لو عدنا لملاحظات الأخ عبد الله عطاطرة من فلسطين أولاً في مداخلته الأولى ذكر أن القلب المفتوح والقلب المقفل في بعض الأحيان، هو ربطها هل للفتح الرباني دور في عملية الوصول إلى الأحكام الشرعية؟

د. يوسف القرضاوي:

قطعاً، هو الإنسان حتى الطاعة والمعصية لها دور يعني، من المشهور أن ما قاله وكيع يقول عن الإمام الشافعي وأخبرني بأن العلم نور، ونور الله لا يُهدى لأيه؟ ماهر عبد الله[مقاطعاً]:

لعاصي.

د.يوسف القرضاوي:

لعاصي، فالإنسان (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) حتى قالوا مخرجاً من الشبهات، والقرآن يجعل لكم فرقاناً يقول (يا أيها اللذين آمنوا إن تتقوا الله..) ولذلك العلماء قالوا إنه العدالة بالنسبة للمجتهد مطلوبة، العدالة بمعنى إن هو يكون ملتزماً، فلا يعني يرتكب يعني كبيرة ولا يصر على صغيرة، يعني يكون إنسان مستقيم حتى يفتح الله عليه، يعني هذا مطلوب من غير شك يعني آه.

ماهر عبد الله:

سؤال الأخ عادل شرشر أنا أعتقد أنه ستنفق معه في، من وجد العين مباشرة لا يلجأ إلى الفروع، هو محور نقاشنا في الاجتهاد فيما لم يرد به..

د. يوسف القرضاوي:

بس أنا ما فهمتش كلامه، هل هو يعني يريد أن يمنعنا من النظر في القرآن والسنة أو..؟

ماهر عبد الله:

هو يقول إذا وجد القرآن والسنة فيجب أن عدم النظر في أي شيء آخر هما النبع..

د. يوسف القرضاوي:

آه..ولكن آه هما النبع، ولكن لا نستغني عن الرجوع إلى أقوال العلماء نستهدي بها، بعض العلماء أنا ناقشت هذا في بعض ما كتبت إن لبعض الناس قال لك يا أخي إحنا أيه اللي يلجؤنا إلى الفقه وعندنا القماش العريض نفصّل منه على طول، أيوه لكن أنا يعني لا يوجد علم في الدنيا يبدأ فيه الإنسان من الصفر، دائماً اللاحق يبني على ما أسسه السابق، حتى في علوم الدنيا، المعرفة تراكمية.

ماهر عبد الله:

صحيح.

د. يوسف القرضاوي:

فهذا التراكم المعرفي لابد أن نستفيد منه، القرون اللي مضت دية لو أنا كنت بأكتب عن الزكاة لو جيت أبدأ بالزكاة تركت الفقه الإسلامي خلال القرون وبدأت آخذ من القرآن والسنة وأهملت كل الآراء لجئت بكلام مُبْتَسر، لابد أن أستفيد من الثروة العلمية عند الأمة من غير شك.

ماهر عبد الله:

سؤال الأخ عادل شرشر إلى أي مدى يمكن أن يجدد في الدين، هل ثمة خطوط حمراء يجب أن توضع للناس؟

د. يوسف القرضاوي:

إحنا ذكرنا قلنا فيه منطقة مغلقة ومنطقة مفتوحة، المنطقة المغلقة هي منطقة القطعيات التي جاءت فيها نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، ودية التي لا تقبل اجتهاداً ولا تطويراً ولا تجديداً، والمنطقة المفتوحة وهي معظم أحكام الشريعة ومعظم النصوص، وده من فضل الله علينا ومن رحمته بنا إن معظم النصوص قابلة لأن تجتهد، وربنا -سبحانه وتعالى- يعني جعل هذا رحمة بالناس، ولذلك بعضهم يعني قال: اختلافهم رحمة، يعني وكما قال ابن تيمية اختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.

ماهر عبد الله:

طيب..سنواصل لكن بعد هذا الفاصل

[موجز الأنباء]

ماهر عبد الله:

سبب التأخر هو وصول الكم الكبير من الفاكسات والتي خلافاً لما نوصيكم به دائماً يعني بخط صغير وممتلئة، ستحتاج منا إلى الكثير من الوقت، ولهذا سنضطر إما للاختصار المبتسر، وإما للتجاهل في بعض الحالات، لوعدنا لسؤال الأخ عبد الله أولاً سؤال الأخ عادل شرشر ذكر أنه جزء من الخطوط الحمراء التي تم تجاوزها في اعتقاده إباحة فوائد البنوك ثم فرض ضرائب على فوائد البنوك، هل هذا يعني خاضع وداخل في إطار الاجتهاد المباح؟ أم أنه..

د. يوسف القرضاوي:

فوائد البنوك أجمعت كل المجامع الفقهية على أنها هي من الربا الحرام، يعني مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، في عهد الشيخ حسن مأمون، وفيه يعني مندوبون من أكثر من 35 دولة تقريباً، يعني قرر هذا بصراحة وكان فيه فطاحل مثل الشيخ يعني محمد أبو زهرة، والشيخ على الخفيف، والشيخ فرج السنهوري، والشيخ السايس وغيرهم يعني قالوا إنه فوائد البنوك هي الربا الحرام بهذا التصريح، وأكد هذا المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، وأكد هذا المؤتمرات، المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة، والمؤتمر الفقهي العالمي الإسلامي الأول المنعقد بمدينة الرياض، وأكدته مؤتمرات البنوك الإسلامية التي انعقدت في دبي، وفي الكويت، وفي القاهرة، وفي استنبول، وفي إسلام آباد، يعني كل هذه أكدت إنه فوائد البنوك هي الربا الحرام، فاجتهادات يعني فرد أو فردين في هذه القضية لا يعني تقاوم هذا الإجماع المكثف المستمر المضطرب، من علماء الأمة ومن مجامعها الكبرى.

ماهر عبد الله:

سؤال الأخ عبد الله من بريطانيا عن إن الدين عند الله الإسلام، وآية في القرآن الكريم، وبالتالي هو فهم منها أن دين الله لا يخضع للزمن، فأصله ثابت، كيف تجمع بين هذه الآية والآية التي ذكرت الذين آمنوا وبعض الصابئين أنهم يدخلون الجنة، ما المقصود بالصـ..؟

د. يوسف القرضاوي:

هو ما فيش تناقض بين الآيتين هو أنا كنت أود إنه يذكر هذه الآية، والآية الأخرى التي قالت: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) دين الله الذي لا يخضع للزمن هو ما يتعلق بأصول الدين، وعقائده، يعني كما قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه). هذه الأصول واحدة، أن معنى الدين عند الله الإسلام هو دين واحد، الإسلام ليس دين محمد -عليه الصلاة السلام- هو دين كل الأنبياء، كل الأنبياء جاؤوا سيدنا نوح قال: (وأمرت أن أكون من المسلمين)، وسيدنا يعني يعقوب وصى بها إبراهيم وبنيه: (ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم... فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) سيدنا يوسف قال: (توفني مسلماً). كل الأنبياء كانوا مسلمين، فالإسلام دين الأنبياء جميعاً، الإسلام بمعنى إسلام الوجه لله تبارك وتعالى، أن تسلم وجهك لله وتنقاد لله بالطاعة وتستسلم لأوامره ونواهيه، هذا هو دين الأنبياء جميعاً، فلأن الأصول.. الأديان واحدة، ولكن الشرائع مختلفة، ولذلك جاء في بعض الأحاديث الأنبياء أولاد علات، أبوهم واحد أو دينهم واحد وأمهاتهم شتى، يعني إذا واحد متزوج عدة نساء أولاده منهم هم أولاد علات يعني أولاد ضرائر، فأبوهم واحد وأمهاتهم شتى، كذلك الأنبياء دينهم واحد، وأمهاتهم أي شرائعهم مختلفة، لأن الشريعة بتخضع للزمن ولذلك سيدنا عيسى قال: (وأحل لكم بعض الذي حُرمَّ عليكم) يعني لأنه.. وجاء في القرآن: (لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا) ولذلك شرع شرعة الإسلام نسخت الشرائع اللي أيه؟ السابقة لأنها شريعة، ولأنها جاءت للبشرية في ختام –يعني- أدوارها، جاء فيها من القواعد والأصول ما يضمن خلودها، وما يتيح لها السعة والمرونة، ولعلنا نتكلم في حلقة قادمة عن عوامل السعة والمرونة في هذه الشريعة التي يعني هيأت لها الخلود، فهذا الذي، فما قصده الأخ بإن الدين عند الله الإسلام إن الأصول واحدة، ولكن الشرائع مختلفة، وحتى يعني إحنا قلنا في شريعتنا إنه حتى الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان، ولذلك في مجلة الأحكام العدلية الشهيرة، المادة 39 منها قالت: لا يمكن تغير الأحكام بتغير الأية؟ الأزمان، والإمام ابن القيم ذكر هذا في كتابه إعلام الموقعين، فصل في تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد، فهذا يعني من ما يؤيد صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان، وفي كل مكان.

ماهر عبد الله:

طيب.. اسمح لي آخذ مكالمة من الأخ زين العابدين عبد الله من النمسا، أخ زين تفضل

زين العابدين عبد الله:

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله:

ممكن الصوت شوية بس.

زين العابدين عبد الله:

نعم يا فندم؟

ماهر عبد الله:

تفضل.

زين العابدين بن عبد الله:

من الذي يمكن أن يحدد من هم أهل الاجتهاد ومن هم غير أهل له؟

السؤال الثاني: وليس كل مولود ولد..

ماهر عبد الله:

عفواً، عفواً السؤال الأول، آخر السؤال الأول أيش؟ من الذي يحدد أهل الاجتهاد.

زين العابدين عبد الله:

من الذي يمكنه أن يحدد من هم أهل الاجتهاد؟ ومن هم من ليسوا أهل له؟

ماهر عبد الله:

نعم، تفضل.

زين العابدين عبد الله:

وبعدين أو ليس كل مولود ولد، وأن كل من هو كبير كان في يوم ما مفعوص، أو ليس عجيباً أن كل علماء اليوم ذوي الأصوات المسموعة هم من يصفقون لحكام بلادهم؟ أو ليس من المحزن انعدام وجود العلماء ذوي الجهاد الأكبر؟ وأنتم تعلمون ما هو الجهاد الأكبر، وفي تعقيبكم على رأي الشيخ حسن الترابي بشأن تجديد أصول الدين هل نخترع أصولاً جديدة؟

د. يوسف القرضاوي: أصول الفقه.

زين العابدين:

يتعارض مع قولكم أن الأئمة السابقين رأوا أن كل من يأتي بعدهم، أو طالبوا كل من يأتي بعدهم، بالاجتهاد وسقتم على ذلك أمثلة كثيرة، وجزاكم الله كل خير يا شيخ وأرجو ألا نكون قد أجهدناك بأسألتنا.

ماهر عبد الله:

حياك الله يا سيدي، حياك الله، طيب أنا يعني لم أفهم تماماً.

د. يوسف القرضاوي:

أنا لم أسمع، مش لم أفهم، أنا لم أسمع.

ماهر عبد الله:

يعني سؤاله الأول واضح وفي صميم الموضوع: من الذي يحدد أهل الاجتهاد؟ لكن يعني اسمح لي بس بتأجيله، لأنه نخلص بس أسئلة الإخوة الذين سبقوا، والله يعني اسمحوا لي بالاعتذار عن استقبال الهواتف، لأنه عندي كمية كبيرة من الأسئلة ومحاور لم نختمها، فأرجو منكم يعني شديد العذر وأن تقبلوها منا هذه المرة، عندي كمية كبيرة من الفاكسات ومحاور لم نغطها مع الشيخ، فنعتذر شديد الاعتذار عن استقبال المزيد من الهواتف، الأخ عبد الله سأل أيضاً كون فتوى المقاطعة فتوى حديثة نسبياً بمعنى أنها جديدة، الذين يعيشون في الغرب وهو يعيش في الغرب كيف يطبق هذه المقاطعة؟ هل هم مشمولون بحكم مقاطعة البضائع الغربية أو الأمريكية؟

د. يوسف القرضاوي:

لا، لا يستطيعون أن..، أنا ذكرت في فتواي أننا..، ذكرت فتوى قديمة ونشرتها ثم فصلتها وأصدرتها ونشرت وهو إنه ماذا يفعل مثلاً الإخوة الذين يعيشون في داخل الوطن المحتل فيما يُسمى إسرائيل؟

وماذا يفعل الإخوة الذين يعيشون في قلب أمريكا، يعني ماذا يفعلون، هل يعني يقاطعوا؟ طب وكيف يأكلون ويشربون؟ لا.. ، هؤلاء يعني يختارون أهون الشرين، يعني مثلاً في افرض من يعيش في أمريكا هناك شركات معروفة بعدائها للمسلمين وبتحيزها للصهيونية، فهؤلاء يعني لا يتعاملون مع هذه الشركات، يتعاملون مع الشركات الأخف، ويمكن فيه شركات عربية، أو شركات إسلامية، أو شركات يابانية، أو شركات آسيوية يعني، ممكن، يعني حتى هناك بضائع يعني موجودة في قلب أمريكا، بضائع غير أمريكية، فيعني الإنسان يستطيع يعني يتخير حتى افرض إن واحد مثلاً يعيش في بريطانيا، يا أخي مش ضروري أنا أشتري منMarkes And Spensar للي هو بيخصص أرباح كل يوم سبت ليبعثها للصهيونية، يعني فالإنسان يعني عنده يعني القدر في أن يتخير أخف الضررين وأهون الشرين.

ماهر عبد الله:

طيب.. سؤال الأخت رندا عن أيضاً فتواك المعاصرة والحديثة حول شراء البيوت بقروض من البنك في العالم الغربي، هل هي للضرورة فقط، أم هي مباحة؟

د. يوسف القرضاوي:

هي كما أصدرها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث للحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، يعني لمن يحتاج إلى بيت للسكنى ويكون هو البيت الرئيسي، ما يكونش عنده بيت وعايز يعمل بقى بيت مصيف مثلاً.. لأ، هو بيته اللي هيسكن فيه، وليس عنده من السيولة والسعة ما يستطيع أن يشتري به في الحال، فإنما حيظل يعني فهذا أجاز المجلس الأوروبي للإفتاء، وأكدته، يعني أكده مؤتمر رابطة علماء الشريعة في أمريكا إنه يجوز للمسلم في هذه الحالة أن يشتري البيت عن طريق البنك، وللحاجة ويؤكد هذا أيضاً مذهب أبي حنيفة، الذي يجيز التعامل بالعقود الفاسدة في خارج دار الإسلام.

ماهر عبد الله:

يعني الأسئلة الأخرى تفصيلية فهل تجيبني عليها باختصار شديد كون إخواننا الذين يعيشون في الغرب في العادة يعني لا يجدون فرص كثيرة، إذا كان طفل في الثانية عشرة من عمره يؤم الناس لأنه يحفظ القرآن الكريم، هل يصلون خلفه في التراويح؟

د. يوسف القرضاوي:

يمكن نعم، وهذا حدث في عصر النبوة يعني إنه بعض الأطفال أو الصبيان كانوا يؤموا حتى إنه بعضهم كانت واحدة تقول: غطوا إمامكم، يعني ما كانش لابس سراويل أو كذا يعني، فهذا كان موجود في عهد الصحابة.

ماهر عبد الله:

طيب.. هل يجوز للإنسان أن يصلي الصلاة السرية جهراً ليعلم أبناءه الفاتحة؟

د. يوسف القرضاوي:

يعني.. ممكن يعني، طب ما يعلمهم في الصلاة الجهرية، يعني لماذا يعلمهم في الصلاة السرية؟ يعني بدال ما أعلمهم في صلاة العصر أصلي بهم في صلاة المغرب، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، إنما هي بتتكلم عن التحيات، أظن بتتكلم عن التشهد بالذات.

ماهر عبد الله:

هي لا، ذكرت الفاتحة تحديداً، بس ممكن التشهد.

د. يوسف القرضاوي:

يعني إذا كان التحيات وعايزة مثلاً تعلمهم، ممكن مرة، اثنين، ثلاثة، يعني مش هتظل تفعل هذا يعني أبد الدهر، ما هي ممكن.. وممكن تعلمهم خارج الصلاة تقول لهم، تجلس كالمتشهدة وتقول لهم التحيات لله.. في خارج الصلاة، ليتعلموها داخل الصلاة هم. نعم

ماهر عبد الله:

لوعدنا لسؤال الأخ زين العابدين، كان هو عنده احتجاج في الجزء الثاني على كلامك على الذين يتطاولون على العلم يعني قال كل الناس ابتدؤوا أطفالاً يعني، ولماذا لما أشرت إنه رجل.. شاب مفعوص فيتجرأ على الفتوى، ألم يبتدأ كل العلماء أطفالاً ثم شبوا على العلم؟

د. يوسف القرضاوي:

أيوه يبتدؤوا أطفالاً بس ما يكونش قليل الأدب، الله أنا ما أنكرتش عليه إنه يتعلم، إنما أنكرت عليه إنه تطاول على أئمة، ويقول لك أنا رأسي برأسهم، لا.. تأدب قف عند..، من سعادة جدك وقوفك عند حدك، و(..) الأدب فضلوه على العلم، يعني لأن علم بلا أدب لا معنى له فأنا لا أنكر، وكيف أنكر..؟ الناس بينكروا على أنا، وأنا في الخامسة والسبعين، ولكن الذي أنكره أن يتطاول الصغار على الكبار، لأن كل واحد يعرف قدره، ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.

ماهر عبد الله:

اسمح لي بس أختم بسؤال عن الـ..

د. يوسف القرضاوي:

فيه أخ سأل عن المعرفة العلمية، والمعرفة الدينية، يعني فيه..

ماهر عبد الله:

هل الشريعة جزء من..، نعم، هل يمكن أن نسمي الشريعة علماً؟

د. يوسف القرضاوي:

يعني لأنه فيه بعض الناس يعني بيقولوا إن العلم ما ورد في الشريعة من مدح العلم، والثناء على العلماء، وكذا، إذاً المقصود به علم الدين فقط، وليس أي علم آخر، هذا ليس صحيحاً، علم الدين يعني مدحته الشريعة، ولكن كثير من العلم الذي مدحته ليس علم الـ..، الله تعالى قال عن آدم: (وعلّم آدم الأسماء كلها) طب هي الأسماء دي كانت علم دين؟ لا، دي أسماء الأشياء، الله سبحانه وتعالى قال عن طالوت: (وزاده بسطة في العلم والجسم) العلم اللي علمه لطالوت هنا أيه؟ دا علم عسكري، يعني العلم الذي جاء به الرجل في مجلس سليمان (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) وجاء به بعرش، هذا علم رياضي، علم هائل ما نعرفش هو..، فهناك كثير من العلم المذكور في القرآن يعني يتصل بعلوم الدنيا وعلوم الكون وإلى آخره، وكل علم تنكشف به حقائق الأشياء هو علم نافع ومحمود ومطلوب، إما على وجه فرضية العين أو فرضية الكفاية بمعنى إن يكون في الأمة عدد من العلماء في كل فن، وفي كل تخصص يكفيها عن غيرها.

ماهر عبد الله:

الأخ أبو أحمد من الكويت سؤالي الذي كنت سأختم به سنؤجله إلى الحلقة القادمة التي ستكون عن السعة والمرونة في الشريعة ولها علاقة بالموضوع، سؤال الأخ أبو أحمد من الكويت: دور كتب الحديث التي تحوي الكثير من الأحاديث الموضوعة والضعيفة هل تؤثر على خلق عملية فقد الإبداع عند الناس؟ من يعتمد على الأحاديث الضعيفة والكتب.

د. يوسف القرضاوي:

طبعاً، طبعاً والأحاديث الموضوعة يعني طبعاً لا يجوز الاعتماد عليها في أي شيء، الأحاديث الضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها في الأحكام بالإجماع، يعني بعضهم أجاز الاستئناس بالأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ، إنما لتأخذ منها حكماً حلالاً أو حراماً، أو عبادة أو معاملة، أو صحة، أو فساداً يعني هذا لا يجوز إلا في حديث صحيح أو حسن، ومن الأشياء المهمة التي أنادي بها من قديم في مسألة إحياء الاجتهاد أن نصل بين الفقه والحديث، لأن مشكلتنا أن كثيراً من علماء الفقه لا يعرفون الحديث ولا يتبحرون فيه، وكثير من علماء الحديث لا يتعمقون في الفقه وأصوله، فنحن نريد قنطرة وصلاً بين الفقه والحديث، وهذا ولا يمكن إحياء الاجتهاد في عصرنا إلا بهذا، أن نجمع بين الفقيه

المُحَدِّث، وكان بعض السلف يقولون لو كان الأمر بيدنا لضربنا بالجريد كل محدث لا يشتغل بالفقه، وكل فقيه لا يشتغل بالحديث لأن لابد من المزاوجة بين الأمرين.

ماهر عبد الله:

يعني هذا سنضرب أناساً كثيرين في هذا الزمن، شكراً لك يا سيدي على هذه المشاركة، أعزائي المشاهدين لم يبق لي إلا أن أشكر باسمكم فضيلة العلامة الإمام الدكتور يوسف القرضاوي، وأن أشكركم أنتم على مساهمتكم ومتابعتكم لنا ونعتذر مرة أخرى عن عدم استقبال الهواتف في الجزء الأخير من البرنامج، إلى الأسبوع القادم.

تحية مني والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.