مقدم الحلقة:

ماجد عبد الهادي

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

05/03/2003

- تقليد العوام للأولياء في فكر المذهب الشيعي.
- العائلات الدينية العلمية في حوزة النجف الأشرف.

- نشأة حوزة النجف الأشرف وخدماتها العلمية للعالم الإسلامي.

- المناهج العلمية ونظام التدريس بحوزة النجف الأشرف.

- مكتبات الحوزة العلمية.

- الحوزة العلمية وأنظمة الحكم.

- فتاوى الحوزة العلمية في مواجهة الاستعمار.

ماجد عبد الهادي: مدينة تستمد حياتها من قبر، وأحياء لا يرون معنى لوجودهم إلا في جوار رجل مات منذ 14 قرناً، تلك هي النجف الأشرف، وذلك هو ضريح الإمام علي بن أبي طالب، وهؤلاء هم من اختاروا العيش والموت قرب مرقده.

لقد نزح أحياء الشيعة من كل حدب وصوب نحو ما يعتقدونه حياة روحية آمنة، يوفرها ميت عظيم كعلي، مثلما نقلوا موتاهم أيضاً من شتى أصقاع الأرض إلى ما يرونه سلاماً يقينياً عند مثواه الأخير، حتى بات عدد سكان القبور هنا يزيد على عدد سكان البيوت بأضعاف مضاعفة.

اغتيل علي بن أبي طالب سنة 40 للهجرة في مسجد الكوفة أثناء تأديته صلاة الفجر، وكان لابد من إخفاء جثته عن عيون الخوارج الذين قتله واحد منهم، فحمله أبناؤه وأصحابه ليلاً وابتعدوا به مسافة 11 كيلو متراً، ليدفنوه سراً فيما كان يسمى حينذاك ظاهر الكوفة، وما أن اكتُشف القبر في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، حتى غدا مزاراً وبؤرة تجمع سكاني ومدرسة.

السيد مهدي الخرسان (أحد مجتهدي الحوزة العلمية): لما كانت مدرسة يأتي إليها الناس فيحوزهم حوزاً فيجتمعون يدرسون، يبلغون لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.

ماجد عبد الهادي: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها" ذلك هو الحديث النبوي الشريف الذي تجده منقوشاً فوق ضريح الإمام علي بن أبي طالب في النجف الأشرف كما على أبواب مدارس الحوزة العلمية المحيطة بجهاته الأربع، والحوزة العلمية هي ما سنضعه اليوم (تحت المجهر) بتاريخها الذي يمتد إلى أكثر من ألف عام ومن مناهجها وأساليب تدريسها، فضلاً عن دورها في تخريج فقهاء، بل زعماء الشيعة وما يصدر عنهم في بعض الأحيان التاريخية من فتاوى دينية ترتبط بالظرف السياسي الذي تمر فيه المنطقة.

صحيح أن هذا البرنامج لا يهدف إلى عرض تاريخ المذهب الشيعي، غير أن فهم الوضع الراهن للحوزة العلمية وللنجف الأشرف بصورة عامة يظل متعذراً مالم تسبقه رحلة قصيرة في تاريخ طويل تتيح لنا التعرف على معاني مصطلحات مثل الإثنى عشرية والمرجعية والتقليد والإمام ونائبه والغيبة الصغرى والغيبة الكبرى وما إليها من مفردات الخطاب الشيعي.

أُضيفت عبارة "أشهد أن علياً ولي الله" إلى الأذان الشيعي إبان العهد الأموي كرد على تزايد الإساءات للإمام الشهيد، وهو ما بدا حينئذٍ نقطة تحول هامة في تاريخ المذهب الذي كان قد اجتاز مرحلة التأسيس على يد الإمام جعفر الصادق ثالث الأئمة من آل البيت، وارتبط المذهب باسم الرجل المؤسس، فصار يُطلق عليه الجعفري، ثم في وقت لاحق الاثنى عشري، نسبة إلى عدد الأئمة المعصومين لدى الشيعة بدءاً بعلي وانتهاءً بمحمد المهدي المولود سنة 255 للهجرة، والذي لم تره سوى قلة من المقربين في غيبته الصغرى التي بدأت بيوم ولادته وكان له خلالها أربعة نواب، بينما لم يره أحدٌ في غيبته الكبرى التي يؤرَّخ لها بوفاة آخر وكلائه سنة 329 للهجرة، وقد بادر الفقهاء إلى تصميم نسيج مؤسسي مكَّنهم من شغل الموقع الخالي في قيادة الطائفة استناداً إلى بيان صدر عن الإمام المهدي في غيبته الصغرى ودعا فيه الشيعة إلى اتباع أئمتهم بوصفهم الامتداد العملي للأئمة المعصومين.

تقليد العوام للأولياء في فكر المذهب الشيعي

د. عباس كاشف الغطاء (أستاذ في الحوزة العلمية): النيابة هنالك عندنا نصوص، روايات وردت عن أئمتنا -صلوات الله وسلامه عليهم- يعني تشير إلى ما بعد عصر الغيبة، من كان.. من كان مطيعاً لمولاه، مخالفاً لهواه، وعلى العوام أن تقلده.

السيد مهدي الخرسان: انظروا إلى رجل من رواة حديثنا، عرف حلالنا وحرامنا، ذاك الوقت هذا فللعوام أن يقلدوه تيجي، بعد الصفات اللي تيجي، مقبولة عمر بن حنظلة يسموها، فذاك الوقت أنا العامي أرجع إلى من هو جامع لهذه الشرائط، فإذا إجيت لأعرض مسألة الحكم اللي أطلبه شنو، مسألتي شنو، مشكلتي الشرعية شنو، فيفتيني هذا نسميه إحنا مفتي، إذا كان جامع للشرائط، يفتيني يقول: هذا حلال هذا حرام، هذا طاهر، هذا نجس، والرَّاد عليه رادٌ علينا.. على القائل وهو الإمام عجَّل الله تعالى في (...).

الشيخ محمد الخاقاني (أحد مجتهدي الحوزة العلمية): يعني مسألة التقليد هو رجوع الجاهل إلى العالم، التقليد في تعريفي: هو رجوع الجاهل إلى العالم، ضمن مواصفات يجب أن تتوفر في من يرجع إليه الجاهل، الاجتهاد الأعلم.. يعني يكون مجتهداً فإذا كان مجتهداً كما تنص بعض الآراء على أن يكون أعلم وأن تتوفر فيه التقوى.

ماجد عبد الهادي: شرع علماء الشيعة في بذل الجهد، لإدامة مؤسستهم عبر إعلاء شأن الاجتهاد، فأقاموا أصول الفقه على أربعة أسس، هي: القرآن والسنة، والإجماع المتضمن رأيَ المعصوم، والعقل، وهكذا شهدت الفترة الممتدة بين القرنين الرابع والسادس للهجرة صدور أمهات كتب الفقه الشيعي، فاعتُبرت في التأريخ فترة التنظير للمذهب وأهم محطات ازدهاره.

السيد حسين الصدر (أحد مجتهدي الحوزة العلمية): وبقيت على ذلك طيلة الفترات، وكان من أهم ازدهار الحوزة في القرن الـ 13، وذلك بوجود العلمين الكبيرين، وهما المرحوم السيد محمد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر آل كاشف الغطاء.

العائلات الدينية العلمية في حوزة النجف الأشرف

ماجد عبد الهادي: يحمل الكتاب في المعتاد اسم مؤلَّفه، أما أن يكنَّى الكاتب وسلالته من بعده باسم كتاب ألَّفه، فذلك ما لا يحدث إلا حيث يكتسب الناس مكانتهم بالعلم، أعني العلم في الدين على وجه التحديد، وهذه قصة يصعب العثور على مثلها في مكان آخر سوى النجف.

"كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرَّاء" اسم كتاب ألَّفه المرجع الديني الشيعي جعفر آل علي قبل أكثر من مائتي سنة فتغيرت كنية الرجل عقب صدور مؤلَّفه من آل علي إلى كاشف الغطاء، وانسحبت الكنية لاحقاً على أبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده الذين بلغ عدد المنتسبين للحوزة من بينهم 73 شيخاً، فتبوأ معظمهم مرتبة الاجتهاد وتبوأ بعضهم المرجعية العليا.

د. عباس كاشف الغطاء: العائلة قدمت من المجتهدين مثل سماحة المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ أحمد كاشف الغطاء، هؤلاء لهم آثار علمية من مؤلفات وكانوا مراجع للتقليد يرجعون إليهم كثير من المقلدين، إضافة إلى أن أسرة آل كاشف الغطاء تمتلك من المؤسسات الدينية في النجف، من مدارس ومكتبات.

ماجد عبد الهادي: لكن آل كاشف الغطاء ليسوا في الواقع سوى مثال على العائلات الدينية العلمية، التي حملت على عاتقها عبء خدمة الحوزة، ونذرت الكثير من أبنائها للفقه الديني كآل الصدر والحكيم وبحر العلوم والخِرسان وغيرهم.

د. محمد علي الصغير (مؤرخ وأستاذ في العلوم القرآنية): أدركنا في حاضرة النجف الأشرف مراجع عظام، وتعود النهضة العلمية الحديثة في دروس الحوزة العلمية إلى أساطين وجهابذة وفحول، كالشيخ محمد رضا آل ياسين الكاظمي المتوفى 1951، فقد كان أستاذاً للفقهاء والمجتهدين استطال بحثه الخارج 25 عاماً، واستقل من بعده الإمام السيد محسن الحكيم واستمر بحثه الخارج طيلة ربع قرن، ثم ثنيت الوسادة للإمام الأكبر السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، فكان أستاذاً في البحث الخارج للفقه والأصول طيلة ستين عاماً، حتى تخرج على يديه أكثر من 5 آلاف حوزوي من المشتغلين بالعلم، ويُعد بجدارة أستاذ جميع الفقهاء المعاصرين في العالم.

نشأة حوزة النجف الأشرف وخدماتها العلمية للعالم الإسلامي

ماجد عبد الهادي: والشائع أن الحوزة العلمية في النجف الأشرف تأسست عند منتصف القرن الخامس الهجري على يد المرجع الشيعي الأعلى أبي جعفر الطوسي الذي هاجر من بغداد إلى النجف مع 300 من طلابه، والذي أُعطي منبر الكلام، وهو أرفع منصب كانت تمنحه الدولة العباسية للمتخصصين في العلم المقارن والشريعة الإسلامية.

السيد الدكتور عدنان البكاء (أحد مجتهدي الحوزة العلمية): بسبب شخصيته جذبت النجف مزيداً من الناس إليها من الكوفة ومن بغداد، ولذلك فبروز الحوزة العلمية لا تأسيسها هو الذي كان زمن الشيخ الطوسي، وإلا فالتأسيس يحدثنا التاريخ أن محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان.. صاحب طبرستان جاء في سنة.. سنة 287 وكان قد أمر قبل مجيئه ببناء مدارس، بناء قبة، يعني على الحرم العَلَوي وبقاء جدار وبناء مدارس.. مدرسة دينية أو مدارس دينية في النجف الأشرف، وما كان ليبنيها هي أشبه يقول بالزوايا التي انتشر.. أنشئت بعدئذٍ، أنشأها بجوار الحرم العلوي للفقراء، والمقصود بالفقراء الصوفية والفقهاء، وكان في ذلك الوقت.. في أي وقت سنة 287 هو توفى هذا محمد بن زيد العلوي، أما الإنشاء فكان قبل هذا، يعني خلينا نقول في منتصف القرن الثالث.

ماجد عبد الهادي: ورغم انتقال الحوزة إبان بعض الحقب التاريخية إلى مدن أخرى في العراق كالحلة وبغداد وسامراء وكربلاء، فإن النجف ظلت ولا تزال موقعها الأهم الذي يجعل كل ما عاداها من حوزات في نظر الشيعة مجرد فروع لها أو على هامشها، كيف لا وهي تحتضن ضريح علي وتصدر منذ ألف عام علماء الشيعة إلى شتى الأمم التي تعتنق المذهب الجعفري.

د. حسن الحكيم (مؤرخ وباحث): مدرسة النجف خرجت آلاف من العلماء الكبار، ويمكن أن يكون السيد جمال الدين الأفغاني وهو أيضاً ممن درس في هذه المدرسة وصاحب النهضة العلمية المعروفة الإسلامية، السيد.. حسين شرف الدين، هذا العَلَم الذي قاوم الاستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان، وأرقام كثيرة من العلماء، محمد جواد مغنية صاحب المؤلفات الضخمة الكبيرة أيضاً خرجته مدرسة النجف.

السيد مهدي الخرسان: أقولها بملء فمي: لبنان، إيران وباكستان والخليج و.. و..، هاي كلها اللي تجد فيها معممين أو رجال دين سميهم الآن يلبسوا عمامة، أكو بعضهم يقيم بالخليج على (...) دولا، دولا كلهم من النجف أجو لهنا تدارسوا وحصلوا ورجعوا إلى بلادهم لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.

السيد حسين الصدر: وعندما نقول أن النجف هي الحوزة الأم، هذا لا يعني أننا لا نحترم بقية الحوزات العلمية سواء كانت في البلاد العربية الأخرى أو في البلاد الإسلامية، فإننا نُكِنُّ لها الاحترام والتقدير بما تُقدم للعالم العربي والإسلامي من خدمات ومن تثقيف ومن فكر ومن عطاء.

[فاصل إعلاني]

المناهج العلمية ونظام التدريس بحوزة النجف الأشرف

ماجد عبد الهادي: كل شيء في النجف ينطق بتراجيديا المذهب الإثنى عشري الممتدة أساساً من استشهاد علي إلى اختفاء المهدي، ثم انتظار عودته، أسماء الناس والشوارع والأسواق والفنادق والمحال التجارية لا تكف عن تذكيرك بروح المكان، وهي روح تتضح معالمها أكثر فأكثر كلما توغلت في أحياء المدينة الموغلة في القدم، أزقة عتيقة وضيقة، تتقارب شرفات البيوت فيها، حتى تلتقي أو تكاد، ومعممون يجوبونها غدواً ورواحاً في مشهد يوحي للزائر بأنه عاد في الزمان والمكان إلى عصور وحواضر الإسلام الأولى بكل ما عُرف عن روادها الأوائل من الزهد والبساطة والتواضع، هنا تترامى معظم مدارس الحوزة، وإذ تطرق باب أيٍ منها يفاجئك المدخل الضيق الرطب فتحس بأنك تتجه نحو كهف لتفاجأ بعد هنيهة ببهو واسع ينفتح سقفه على السماء، وتسطع الشمس الدافئة على أبواب الغرف الكثيرة المحيطة به وتزيِّن جدرانه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة من آل البيت.

ثلاثون مدرسة تقريباً هي التي تشكِّل معاً ما يسمى الحوزة العلمية في النجف، أما عدد الطلاب الدارسين فيها فيقدِّره المعنيون هنا بنحو ثلاثة آلاف قد يزيدون أو ينقصون تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر فيها البلاد، وليس المقصود بالمدارس في الحوزة غير أماكن الإقامة المغرِقة في الزهد، أما الدراسة فمكانها المساجد والبرَّانيات.

وتوصف حياة الطلاب في مدارسهم بأنها إلى الكفاف أقرب، حيث يعيش كل واحد أو اثنين منهم في غرفة بالكاد تتسع لفراش النوم وبعض الكتب، ولا يغادرها الطالب إلا إلى حلقة الدرس أو إلى حيث يقضي إجازته في الأعياد الدينية.

أبو جعفر الكاظمي (المشرف الإداري على مدارس الحوزة العلمية): كإشراف عام إحنا نوفر لهم السكنى في المدارس كسكنى غرفة مجهزة من بعض اللوازم الضرورية، ومضافاً إلى أنه الخدمات الأخرى، خدمات إنه المغاسل والحمامات والمطابخ، فحياته يكون إما بالاشتراك في المطعم مع مجموعة من الطلبة في تهيئة الطعام، وإما أن يكون على نحو انفرادي، أو يكونون إنه الطلبة مثلاً يجيبون وجبات الغذاء من بيوتهم، ويشتركون فيما بينهم أو ينفردون حسب طبيعة الطالب.

د. محمد علي الصغير (مؤرخ وأستاذ في العلوم القرآنية): الطالب الديني يعاني الفقر والجوع والحرمان في سبيل الرسالة المحمدية، وهو زاهد في الحياة، وأول ما يشترط به الورع، ولا علم لمن لا ورع له، ولا دين لمن لا ورع له، ثم القناعة، والقناعة كنز لا يفنى، ثم التوكُّل على الله، وطلب رضاء الله سواء أغَضِب الناس أم سخطوا أم رضوا.

ماجد عبد الهادي: ولا يشترط للقبول في الحوزة العلمية إلا القدرة على القراءة والكتابة، وإن كان يفضَّل المتعلمون ذوو التحصيلات العلمية الجيدة إضافة إلى الشرط الأساسي المتمثل بتزكية سلوكية أخلاقية من ثقتين ورعين أو أكثر.

السيد الدكتور عدنان البكَّاء: الطالب يعني يجي لنا يدخل بحرية كاملة ويبقى بحرية كاملة، ولا يعرف إلا بالدراسات العليا عندما يكون المرجع يعرفه من خلال مناقشته ومن خلال استيعابه أو عدم استيعابه، وإلا نحن لا نعرف أن الطالب متى دخل، وكم بقي، وماذا سيفعل حين التخرج، ولا أحد عنده سجل من المراجع سجل الطلبة إلا الطلبة الذي يعطيهم مساعدات شهرية.

ماجد عبد الهادي: مناهج الدراسة في الحوزة يقررها العلماء والمراجع منذ مئات السنين كما يقولون دون تدخل من أية جهة رسمية أو غير رسمية، ووفق نظام تعليمي يتوزع على ثلاث مراحل هي المقدمات، والسطوح، والبحث الخارج.

الشيخ محمد كاظم (طالب في الحوزة العلمية): كل علم من هذه العلوم المتعددة، يعني قلت علم.. علوم أدبية، قلت علوم عقلية، قلت علوم مثلاً فقهية أصولية، تفسيرية، كذا، في كل مرحلة من هذه المراحل الثلاثة تدرَّس هذه العلوم بما يتناسب وطبيعة تلك المرحلة، يعني الطالب حينما يدخل يأخذ نبذة إجمالية مختصرة عن تلك العلوم، هذه في المقدمات ثم يتوسع في السطوح، ثم يدرس دراسة استدلالية استنباطية في البحث الخارج.

د. محمد علي الصغير: البحث الخارج هو الدراسات العليا في الحوزة العلمية، وهذه الدراسات العليا لا حد محدود لها، لأن الحديث الشريف يقول: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، فقد تتم الدورة في خمس سنوات، فيجددها لدورة أخرى 5 سنوات أخرى، وقد تمتد إلى سبع سنوات، ويجددها لسبع سنوات أخرى، وقد يجددها لسبع سنوات ثالثة، وقد تستمر دراسته 25 عاماً في البحث الخارج استزادة للعلم وبمثل هذه الحالة يكونوا من المبرزين إن لم يكن من (...).

ماجد عبد الهادي: وثمة في النجف جامعتان تقدمان الدروس المقررة للحوزة العلمية بصورة مكثفة ومحددة بمدة زمنية لا تزيد عن سبع أو ثماني سنوات، وأولى هاتين الجامعتين هي جامعة النجف لمؤسسها الراحل محمد كلانتر، أما الثانية فهي جامعة الصدر المؤسسة في أواسط التسعينيات على يد محمد الصدر، والتي تمتاز بإدخال العلوم الحديثة على مناهجها، كالرياضيات والكيمياء والفيزياء.

الشيخ محمد اليعقوبي (أستاذ في الحوزة العلمية): هذه العلوم نحن وظفناها على صعيد الرياضيات مثلاً، هذه نحن جامعة الصدر التي نحن فيها، من ضمن دروسها الجديدة التي أضافتها درس الطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات لطالب العلم، فنحن إذن منذ سنين فكرنا هذه الفكرة وطبقناها، في كتاب آخر القول الفصل لي في أحكام الخل، أدخلت معادلات كيميائية وجداول كيمياوية من مصادر كيمياوية، حتى أستخرج بعض الأحكام المتعلقة بالخل والخمر ونسبة تكوُّن الكحول، بحسب مرور الزمن ومتى تبلغ نسبة الكحول كذا باعتباره يمر بتفاعلات كذا أيّاً ما ألا يصل درجة الخمر والكحول، فوظفت الكيمياء، في مكان آخر وظفت الفيزياء في عدة مسائل.

ماجد عبد الهادي: ويتدرج طالب الحوزة في الحصول على الألقاب الدينية الاعتبارية تبعاً لدرجة تحصيله العلمي.

الشيخ محمد كاظم: لقب حجة الإسلام يطلق على الطالب الذي يكون في بداية ألـ... في بداية أبحاث الخارج، ثم إذا واصل بحث الخارج وشارف على الانتهاء يسمى حجة الإسلام والمسلمين، ثم إذا صارت له ملكة وقدرة على استنباط الأحكام الشرعية.. على استنباط الأحكام الشرعية، يسمى آية الله، ثم لو تصدى يعني آية الله يعني الاجتهاد، لو تصدى للمرجعية عادة يسمى بآية الله العظمى.

ماجد عبد الهادي: ويضاف لقب السيد إلى أي من هذه الألقاب إذا كان حامله من سلالة آل البيت، بينما يُضاف لقب الشيخ إذا كان من غيرهم من المسلمين، وفي حين يتميز السادة بعماماتهم السوداء، فإن الشيوخ يعتمرون العمامات البيضاء، ويشكل الطلاب الوافدون من مختلف البلدان العربية والإسلامية حضوراً ملحوظاً في مدارس الحوزة وجامعاتها، بل إن بعضهم يأتي إلى النجف للدراسة ثم تلحق به أسرته، ويستقر فيها أبداً.

الشيخ محمد عيسى (طالب أفغاني في الحوزة العلمية): جئنا من بلد الأفغان قبل ثلاثين سنة.. ثلاثة وثلاثين سنة.. سنة 70.

الشيخ محمد أفضل (طالب باكستاني في الحوزة العلمية): أنا ولدت في أسرة دينية والإسلام كما آباءنا هم يتحدثون في أولادهم، في فكرة الإسلام فتعلم الإسلام هو ضروري علينا وفي هذا البلد لأهمية الإسلام قد جئت لتحصيل المذهب.

الشيخ علي الحرازي (طالب يمني في الحوزة العلمية): أنا ربما قبل المجيء إلى النجف كان بعضهم يقول لي: كيف تذهب الحصار وما إلى ذلك؟

قلت: أنا سأتوكل على الله وأرى.. تبقى تجربة مهما كانت، فأتيت وجدت حقيقة أولاً ما ابتغيته يعني من الناحية العلمية، الحوزة النجفية تمتاز -كما قلت- إنه بالدقة العلمية إضافة للشعب العراقي حقيقة أنه أحسست كأنني في وطني.

ماجد عبد الهادي: ومن بين مئات الطلاب المسلمين العرب والأجانب في الحوزة يلفت الانتباه طالب لبناني يقول: إنه كان راهباً مسيحياً قبل أن يعتنق الإسلام ويتشيَّع، ثم يختار النجف منذ سنوات سبيلاً للفقه الديني.

الشيخ محمد (جان) أبو جودة (طالب لبناني في الحوزة العلمية): بعد تشيعي في لبنان درست في حوزة الإمام المنتظر (....) الشريط، ولمدة سنتين وبعض الأشهر، وتعلقي بالنجف لا يوصف، أولاً: لما فيه من روحانية. هذا البلد وهذا المكان يوجد فيه روحانية للرجل الذي يريد أن يكون طالب علم ويريد أن يحصِّل الاطمئنان ويحصل هدوء العقل والجسم، يرغب في أن يبقى بالنجف لأسباب، أولها: زيارة أمير المؤمنين والأئمة -سلام الله تعالى عليهم- بشكل منتظم، وهذا ينمي الأمور الروحية عنده، ثانيها: توفر كل مستلزمات الدراسة الحوزوية في النجف، من مدرسين ومن مكتبات عامة ومن مواد علمية.

مكتبات الحوزة العلمية

ماجد عبد الهادي: في الحوزة العلمية عدة مكتبات عامة وخاصة يزخر جمعيها بالكتب والمخطوطات النادرة، لا في علوم الدين فحسب، بل في مختلف العلوم الإنسانية، ويعود تاريخ بعض المخطوطات المحفوظة في هذه المكتبات إلى ما يزيد عن ألف سنة، كما إن الكثير منها خُطَّ بأقلام علماء كبار مثل ابن سينا وابن الأثير والنيسابوري وغيرهم.

وتُعد مكتبة آل كاشف الغطاء أول مكتبة فتحت أمام المطالعين في النجف وفق أحكام الوقف عام 1355 للهجرة.

الشيخ شريف كاشف الغطاء (أحد وجهاء النجف الأشرف): أنا أذكر سيدي محمد حسين فضل الله العالم المعروف، كان مواظب هنا بها الغرفة يطالع المجلات والكتب، ومحمد مهدي الجواهري كان يجي هنا يقرأ وله أبيات شعر لأنه جدنا الشيخ علي يعني يصحب علي ويسوي له أبيات وكذا، غيره مثلاً اللهم.. والله ما أدري يعني، هواية هذه الدورات، صاحب الذريعة.. شيخ.. شيخ خالد صاحب الذريعة في تصانيف الشيعة، طبقات الأعلام وآخرين.

ماجد عبد الهدي: ومن أهم المكتبات في النجف اليوم مكتبة الحكيم التي أسسها السيد محسن الحكيم (زعيم الحوزة العلمية) منذ مطلع الخمسينيات، وحتى وفاته مطلع السبعينيات، أما المكتبة الأكبر، فهي مكتبة أمير المؤمنين التي تأسست منذ 50 سنة بـ 15 ألف عنوان وباتت تضم اليوم أكثر من نصف مليون عنوان ما بين المطبوعات والدوريات والمخطوطات التي يرجع بعضها إلى القرن الأول الهجري.

على جهاد الحساني (مدير مكتبة أمير المؤمنين): تستقبل المكتبة أكثر العلماء والباحثين والطلبة، فتستقبل الآن أكثر أصحاب الدراسات العليا من داخل العراق وخارج العراق، فأكثر الرواد بحوثهم بحوث علمية حديثة، فأما عدد استقبال المكتبة لروادها يقدر يومياً من 75 إلى مائة فرد من الرجال وكذلك بهذا العدد أو أقل منه من النساء.

ماجد عبد الهادي: والسؤال الآن هل الحوزة مدرسة أو جامعة علمية فحسب؟ لو كانت كذلك لاقتصر دور الزعامة فيها على تدبير شؤونها الإدارية لا أكثر ولا أقل، غير أن دور الزعيم هنا ونفوذه يتعديان هذا المفهوم الضيق ويتجاوزان حدود الحوزة وحدود النجف، ليجعلا من شخصه مرجعاً دينياً لملايين المسلمين الشيعة في العراق كما في مختلف أرجاء الأرض، إضافة بالطبع إلى وظيفته الروتينية اليومية المتمثلة في تأهيل قادة دينيين لمستقبل المجتمع أو لمجتمع المستقبل.

لا يبلغ زعامة الحوزة إلا من ثبتت علميته وإصلاحيته من بين جميع فقهائها ومجتهديها، لذا فهو منصب اتفاقي، وربما يكون للحوزة أكثر من مرجع تقليد، مثلما بات عليه الحال عقب وفاة السيد أبي القاسم الخوئي، حيث خلفه السيد علي السيستاني، في حين يمارس دور المرجعية إلى جانبه ثلاثة فقهاء آخرين، هم: السيد محمد سعيد الحكيم، والشيخ اسحق الفياض، والشيخ بشير النجفي. ويمتنع هؤلاء عن إجراء أية مقابلات صحفية، بيد أن اثنين منهم هما الفياض والنجفي وافقا على تصوير دروسهما تليفزيونياً، بينما رفضا الإدلاء بأي حديث للكاميرا.

عند انتهاء المرجع الديني من إلقاء الدروس على طلابه في المسجد أو في البراني، والبراني وفق اللهجة النجفية هو اسم غرفة الاستقبال، يتفرغ للقاء مقلديه وحل مسائلهم الدينية منها كالإفتاء في الحلال والحرام، والاجتماعية ذات الصلة بسد حاجات الفقراء عبر إنفاق ما يجمعه من أموال الزكاة والخمس.

الشيخ محمد الخاقاني (أحد مجتهدي الحوزة العلمية): وجوب الخُمس، إخراج الخمس من المال، هذا في مجمله أنه يصرف فيما يرضي الإمام، الإمام إحنا نعتقد بوجود الإمام القائم عزز الله فَرَجه، وأن للإمام حق شرعي في أموال.. في أموالنا، وهو مقدار الخمس، يخرج هذا الخمس، ينقسم إلى قسمين، حق السادة يعني من ينتسبون للرسول -صلى الله عليه وسلم- وآله وأهل بيته يصرف على فقرائهم وعلى حاجاتهم، والنصف الآخر هو للإمام يصرف فيما يرضي الإمام في تكوين شؤون المذهب وإقامته كالصرف على استمرارية الحوزة والدراسة، وما شاكل ذلك.

الحوزة العلمية وأنظمة الحكم

ماجد عبد الهادي: وقد سار علماء الشيعة إلى ما قبل 150 سنة على النهج التقليدي في إدارة شؤون طائفتهم فاكتفوا بوقف صلاحية العالم الفقيه على فقه العبادات والمعاملات التي تضمن عدم احتكاك الحوزة بالسلطات القائمة في عصورها، فأوجدوا مفهوم تعطيل الحدود في غياب الإمام العادل، ولم يتعرضوا بصورة عملية إلى الفقه الجنائي وأمور السياسة، وما يمكن أن يتداخل أو يتعارض مع الحكومات، لكن تحوُّلاً جوهرياً ظهر في هذه الرؤية عند أواخر القرن الثالث عشر للهجرة، حيث بزغ العلامة جعفر آل كاشف الغطاء، والعلامة أحمد الميراقي فكرة ولاية الفقيه العامة التي وسعت صلاحيات المرجع الديني لتشمل كل شؤون الأمة.

د. عباس كاشف الغطاء: المدرسة الفقهية الشيعية المتأخرة الكل يقولون على أن النيابة عامة في ولاية الفقيه.

ماجد عبد الهادي: ماذا.. بأي معنى..؟

د. عباس كاشف الغطاء: بأي معنى؟ يعني يكون هو متولي أمور المسلمين من حيث الأحكام، سواء كانت في الدين أو في الدنيا، لكن تولِّيه لهذه الأمور على نحو الشرعية، يعني يكون له صفات معينة للمرجع أو للمجتهد، لا ينوب هذا العنوان، لا يعني لا يحصل على هذا العنوان إلا بعد توفُّر له شروط معينة، كأن يكون مجتهداً، عادلاً، ورِعاً، هنالك عناوين معينة إذا انطبقت عليه مو أي أحد يدَّعي هذا المنصب، ويكون أهل لذلك، إنما المقلدين هو الذي.. أو أهل الخبرة هم يرشحون، يرشحون شخص معين إلى هذا المنصب.

فتاوى الحوزة العلمية في مواجهة الاستعمار

ماجد عبد الهادي: وكان طرح فكرة الولاية العامة قد عبَّر في حينه عن بداية نشوء صراع فكري بين أنصارها وأنصار الولاية الخاصة، كما شكَّل في الوقت نفسه مؤشراً على الدور الذي بدأت تأخذه الحوزة الشيعية في حياة العراق خلال الربع الأول من القرن العشرين.

ما أن تسأل فقهاء النجف وشيوخها عن الفتوى التي أصدرتها مراجعهم وحرمت فيها التعامل مع الأميركيين حتى يسارعوا إلى تذكيرك بموقف مماثل اتخذه زعماء الحوزة في ثورة العشرين ضد الاستعمار الإنجليزي، وأسباب المقارنة كما يراها مجتهدو الحوزة واضحة في صفحات التاريخ الماضي والحاضر، ولا تحتاج الكثير من البيان.

الشيخ محمد الخاقاني: حينما دخل الإنجليز كانوا يتخيلون أن النجف ستقف معهم لضرب الدولة العثمانية، إلا أنهم فوجئوا أن النجف وقفت إلى جانب العثمانيين بحجة أنهم مسلمون وأن الإنجليز كفرة، هذه ناحية دفع إليها الشعور الديني، هناك جوانب أخرى دفع إليها الشعور الوطني المحض.

ماجد عبد الهادي: ولم يكن موقف الحوزة في حينه إلا امتداداً للمقاومة التي بدأتها ضد طلائع الاستعمار البريطاني قبل ذلك بنحو 6 سنوات.

د. حسن الحكيم: هذه حصلت في عام 1914 حينما دخل الإنجليز أرض البصرة، فصدرت فتاوى من النجف للجهاد، وفعلاً سارت من النجف جحافل المجاهدين من مختلف أبناء الشعب العراقي، يعني أصبحت النجف مركز استقطاب للمجاهدين، فذهبوا إلى البصرة لتحرير هذه المنطقة، وكان العلامة المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي في مقدمة هؤلاء، وكان يصطحبهم الإمام سيد محسن الحكيم، وكانوا في مقدمة المجاهدين لصد الجيش البريطاني المعتدي الغاصب لهذه الأرض.

ماجد عبد الهادي: وتنص الفتوى التي أصدرها المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني مع بدء التهديدات الأميركية للعراق على الدعوة إلى مجابهة مخططات الأعداء، واعتبار أي نوع من أنواع العون والمساعدة للمعتدين من كبائر الذنوب وعظائم المحرمات.

السيد الدكتور عدنان البكَّاء: أنا قرأت يعني فتوى السيد السيستاني التي يعني يستنكر فيها العدوان الأميركي والتحدث بالعدوان، ويطلب من المسلمين أن يقفوا خلف العراق المسلم، ويضع هذه الصفة ولماذا يقف خلف العراق المسلم ويحرِّم التعاون ولو بشطر كلمة، يعني مع أميركا ومع غيرها، هذه الفتوى صدرت بعدها فتاوى يعني أو.. أو معها فتاوى من المراجع الآخرين كالسيد محمد سعيد الحكيم والآخرين من العلماء أنا ذكرتها.

ماجد عبد الهادي: ولكن هناك من قال في وسائل الإعلام خارج العراق بأن هذه الفتاوى قد أصدرها مراجع النجف تحت ضغط من السلطات.

السيد حسين الصدر: هذا ليس بصحيح، لأن الفتوى هي مسؤولية ما بين المرجع وبين ربه، ما بين المجتهد وبين الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يجبر على شيء كهذا.

السيد مهدي الخرسان (أحد مجتهدي الحوزة العلمية): لا أنا أحكي صريح أنا ما يمهني عمي، أنا خلي حايشك أنا رجليَّ بباب قبري، أيش أنتظر بالحياة بعد؟ لا أخشى إلا هو جلت قدرته، وين الضغط الموجود؟ طلبوا منهم أن يكتبوا شيئاً، كتبوا وهذا الذي رآه، هذا ما وصل إليه منتهى مبلغ علمه، ها دول المراجع اللي كتبوا وروح حتى أسألهم.. شنو تحت الضغط؟ المقصور بها شنو؟ يعني قالوا لهم: أنتم غصباً عليكم اكتبوا هاي الشكل؟ أي مسلم هو يقبل أن يطب الأميركان هنا؟! بلد إسلام هذا أم مو بلد إسلام؟

ماجد عبد الهادي: إذن هل يمكن للمرء أن يتوقع على ضوء ذلك ارتقاء فتوى النجف من مستوى تحريم التعاون مع الأميركيين إلى مستوى الجهاد ضدهم في حال إقدامهم على غزو العراق.

السيد مهدي الخرسان: الدعوة إلى الجهاد باعتبار إحنا عندنا باب الإسلام مفتوح تختلف حسب آراء المجتهدين ممن يرى له ولاية الفقيه، له الحكم، منهم لا يرى ذلك، فإحنا ما نقدر نحمل الذي لا يقول بالولاية إنه أنت عليك تصدر فتوى بالجهاد، عندنا دفاع عن البيضة حكم، عندنا دعوة للجهاد حكم، صار واضح؟ أكو فرق بين الدعوتين..

ماجد عبد الهادي: طبعاً آه.

السيد مهدي الخرسان: إذا دهم العدو والعياذ بالله بلاد الإسلام وخُشي على بيضة الإسلام، وجب على كل إنسان بلا فُتية، لا هذا ولا هذا، كل من به قابلية حمل السلاح يجب أن يطلع يدافع عن بيضة الإسلام، أما الجهاد يحتاج إلى على تعبيرنا تنظيم ويكون بفتية من حاكم اللي مبسوط اليد ومعترف له، ذاك الوقت يقول له تفضل جاهد في سبيل الله، أما الدفاع ما نحتاج إلى ذلك.

ماجد عبد الهادي: ولعل من بين أهم التساؤلات التي تفرض نفسها في الحوزة ذاك المتعلق بمدى فاعلية الفتوى وأثرها في نفوس الناس، وما إذا كانت كافية لمنع فتنة طائفية، طالما ارتسمت ملامحها في سيناريوهات مستقبل المنطقة ككل، والعراق منها بشكل خاص.

السيد مهدي الخرسان: لا أعتقد أن هناك من جيراننا، وأقولها بصراحة، من يحترق ذيله على حسامه، أبداً ذيل ثوبه ما يتنيه، ما بقولش بيسوي، يبقى الله -سبحانه وتعالى- رؤوف بعباده، يدفع البلاد.. يدفع البلاء عن المؤمنين، (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) ذاك مطالب أخرى، ليش..، نظل إحنا يكون هم نصلح خطنا مع الله (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، إحنا لازم نرجع شوية لله، صدق مش كذب، مو الحكي ما إعلام هذا ما تزعل، إذا أنا أقول صريح، وإلا من جابهم قعدهم الأميركان؟ أنا جايبهم؟ الشيعة جابوهم؟ من جابهم؟ العراق جابهم؟ ادعو الله فالشيء واحد الله. يريح لك، يشيل النفط من الشرق ولا واحد يدورك، بالشمس.. هذا شيء، هذا الواقع..

ماجد عبد الهادي: أمر الله.

السيد مهدي الخرسان: هذا واقع، أنا أحكي صريح، إنما جاي لا لسواد عيون زيد وعبيد، ولا إلهم شغلة أم فلان وفلتان، إنما شغلتهم (....)، وبعد ذلك أكو عندنا بجواري منا ومنانا، نضرب هذا ونضرب ذاك، ونصعد هذا حتى إسرائيل تكون آمنة مطمئنة.

ماجد عبد الهادي: أما بعد فهذا بحر النجف، هو بحر لا بحر فيه، بيد أن الناس هنا يصرون على تسميته كذلك مؤكدين أن أمواج الخليج الدافئة كانت تضرب أسوار مدينتهم في يوم من الأيام، وسواء صدقت أو لم تصدق الحكاية، فإنها تعزز إحساسك بصعوبة بلوغ سر النجف أو كشف مكنونات حوزتها، ثم تحار في الأخير بين تفسيرين لعجزك عن بلوغ المنتهى، أهو مبدأ التقية الذي اتخذته فرق الشيعة صيغةً توفر لها الغطاء الشرعي للكتمان أم أنه العلم الذي كلما أبحرت فيه وظننت نفسك بلغت عمقه تكشَّف لك عن عمق جديد؟