مقدم الحلقة:

توفيق طه

ضيوف الحلقة:

د.مصطفى اللباد: باحث في القضايا الإستراتيجية- القاهرة
محمد الشيخلي: ناشط سياسي معارض
عبد القادر البيرفكاني: محلل سياسي كردي

تاريخ الحلقة:

04/05/2003

- مدى قابلية تطبيق النموذج التركي في العراق على المستوى السياسي
- مدى قابلية تركيا لفكرة الفيدرالية في العراق على مستوى الحكم

- أحلام الأكراد السياسية وحتميات الواقع العراقي

- النموذج الإيراني ومدى إمكانية تطبيقه في العراق

- صلاحيات دول جوار العراق في الشأن السياسي العراقي

- علاقة الحكومة العراقية القادمة بإسرائيل

- مستقبل العلاقات العراقية الكويتية في ظل الحكومة القادمة

توفيق طه: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج (ما وراء الأحداث) والتي نتناول فيها شكل أو أشكال نظام الحكم المحتملة في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين الشمولي، والذي كان يحكم بقبضة حديدية من خلال حزب البعث العربي الاشتراكي.

فمنذ دخول القوات الأميركية بغداد تتداول الأوساط السياسية والإعلامية داخل العراق وخارجه أشكالاً وأنماطاً مختلفة لما يمكن أن يكون عليه الحكم في بغداد بدءاً من صيغة الفيدرالية وليس انتهاءً باقتراح (وزير الخارجية الأميركي) (كولن باول) إنشاء ديمقراطية علمانية على الطريقة التركية.

ويبقى السؤال: ما الذي يراه العراقيون مناسباً لبلدهم من أشكال الحكم؟ وهل يقبلون بالنموذج التركي؟

بل لعل السؤال الأهم: هل يملك العراقيون أصلاً أن يرفضوا نموذجاً قد يرغب الأميركيون في فرضهم عليه؟

هذه القضية نناقشها اليوم مع ضيوفنا من بغداد (الناشط السياسي العراقي المحامي) محمد عبد الغني الشيخلي، و(الكاتب والمحلل السياسي الكردي العراقي) عبد القادر البيرفكاني، ومن القاهرة الدكتور مصطفى اللباد (الباحث في القضايا الاستراتيجية).

مدى قابلية تطبيق النموذج التركي في العراق على المستوى السياسي

ولو بدأنا بالنموذج التركي الذي تحدث عنه كولن باول والقائم على الديمقراطية العلمانية ونسأل الدكتور مصطفى اللباد من القاهرة بنظرة من خارج العراق، هل ترى أن مثل هذا النموذج قابل للتطبيق في العراق؟

د.مصطفى اللباد: يعني هو في البداية لابد من التوضيح إنه النظم السياسية لا يمكن استيرادها أو استنساخها بكل سهولة، يعني نحن لا نتحدث عن تجارب كيمائية تجرى في مختبر وفق نسق محدد وبمعادن وفلزات، ولكن نتحدث عن نظام سياسي يتعامل مع الفرد والإنسان، وبالتالي يتأثر بالظروف المحيطة داخل البلد المعني، وفي الجوار الإقليمي، وفي بُنية النظام الدولي، يعني لابد من طرح هذا الموقف من البداية للتأكيد على إنه النُظم السياسية لا يمكن استيرادها.

من الممكن بالطبع يعني حسب الظروف أن يعني يتم اقتباس خطوط عريضة من نظم سياسية، وهذا ما نراه في دول كثيرة، في موضوع العراق يعني بالطبع القوة العسكرية تفرض مصالحها، والقوات الأميركية التي أزاحت النظام السابق في بغداد، يعني تتوخى ترجمة انتصارها العسكري إلى يعني نموذج سياسي يضمن مصالحها على المدى البعيد، ولكن السؤال يظل هو: إلى أي مدى يمكن للعراقيين تقبل نظم مستوردة؟ وإلى أي مدى يمكن لنظام مستورد أن يعني يجد قبول داخل و.. داخل العراق وفي بنيته الإقليمية.

أعتقد أنه الغرب بشكل عام يعني يرحِّب بالنموذج التركي، ويعني لعلنا لاحظنا مثلاً منذ انتصار حزب العدالة والتنمية في تركيا أن الغرب وأوروبا يعني بدأت في تفهم يعني تركيا وإيكال دور جديد لها وهو يعني الوسيط الحضاري بين الشرق والغرب، لا أعتقد إنه العراق في الفترة القادمة سوف يُناط به مثل هذه المهمة، يعني المؤشرات تدل على إنه الولايات المتحدة الأميركية تتوخى ضمان مصالحها على المديين القصير والمتوسط على الأقل، وبالتالي فهي تريد تثبيت نظام سياسي موالي لها مع يعني إضفاء بعض الشرعية على هذا الموضوع.

توفيق طه: نعم، أستاذ محمد الشيخلي في.. في بغداد، هل يقبل العراقيون نظماً مستوردة؟ الأميركيون -كما قال دكتور مصطفى- يريدون نظاماً يضمن مصالحهم، هل هذا النظام الذي يريده الأميركيون كما هو بادٍ حتى الآن يقبل به العراقيون؟

محمد الشيخلي: بسم الله الرحمن الرحيم، ابتداءً أنا أتفق مع الأستاذ مصطفى بأنه النظم السياسية هي ليست أدوات معلبة للتصدير للخارج وإنما تنبع من النظام الاجتماعي والسياسي لخصوصية أي بلد كان مع احترامنا لخصوصية أي بلد كان.

بالنسبة للنظام التركي المفروض تصديره إلى العراق حسب ما صرَّح به كولن باول، أنا أرى من وجهة نظر شخصية قد تكون أنه الولايات المتحدة الأميركية قد وقعت في مطبين:

المطب الأول: هي عندما صرحت بمصطلح الديمقراطية الذي لا نختلف نحن عليه أيضاً بخصوص تجاه.. تجاه العراق دخولها تجاه العراق، وهذا بالتالي سيؤدي لأنه القرار الأول والأخير سيكون بيد الشعب العراقي، لأنه الديمقراطية هي تعبير عن الرأي، وبالتالي فسيكون القرار بيد الشعب العراقي، وهذا الشعب طبعاً يعني معروف عنه أنه شعب عقائدي ملتزم وله خصوصيته من موروثة الإنسان والاجتماعي بكل صفاته.

النقطة الثانية: إنه كولن باول عندما طرح المشروع.. النظام التركي تجاه العراق أعتقد أنه وقع في المطب الثاني، وهو أنه إذا أراد أن يطبق النظام التركي فبهذه الحالة سيمنع إخوتنا الأكراد اللي هم شريحة من الشعب العراقي سيمنعهم من حق الحديث باللغة الكردية أيضاً، وهذا ما نحن نرفضه أساساً في المجتمع العراقي، فلا أرى مبرراً للنظام التركي..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم هذا.. هذا.. هذا ما قلته أستاذ محمد الشيخلي ماذا يقول الأستاذ عبد القادر وهو كردي في ذلك؟

عبد القادر البيرفكاني: نعم، العراق بلد يمتد جذوره آلاف السنين، العراق غني بسياسييه وطبقاته المثقفة، النموذج الذي يتطلع إليه العراقيون هو النموذج العراقي لا غير، مهما قيل ومهما سيقال في المستقبل العراق بحاجة إلى فترة انتقالية لالتقاط الأنفاس، أنا الحقيقة صُدمت وقد ألَّمني منظر العراق وبغداد المدمرة حجارتها تئن، مآذنها تشتكي، والعراقيون الآن يحاولون لملمة الجراح للوصول إلى صيغة عراقية موحدة لفترة انتقالية ليضعوا اللبنة الأولى لعراق المستقبل، نحن نأمل بأن العراق القادم سيكون عراقاً ديمقراطياً تعددياً فيدرالياً يتحكم فيه القانون والمؤسسات المدنية، غير هذا لا يمكن تطبيقه في العراق، ولا يمكن التوجه إلى نظريات خارج هذا الإطار الاجتماعي العراقي لتطبيقه في العراق، العراق الآن بلد يشتكي بكل ما في الشكوى من آلام، والفترة الانتقالية القادمة هي فترة التشاور والتجاذب بين الأطراف والأطياف والنخب العراقية للوصول إلى تلك الصيغة التي يتمناها كل العراقيين عرباً، كرداً، تركماناً، آشوريين وغيرهم.

توفيق طه: نعم، أستاذ عبد القادر الفترة الانتقالية التي تتحدث عنها، التي من المفترض أن تكون فترة مشاورات فترة نقاهة -إذا صح التعبير- للشعب العراقي، يحاول الأميركيون الآن أن يملئوها بصيغة ما، يعني التقسيم الإداري الذي أعلن أمس لثلاث مناطق هل يمكن أن يكون مقدمة أو خطوة لتكريس نوع من الفيدرالية؟

عبد القادر البيرفكاني: الفيدرالية التي يتطلع إليها أبناء العراق والذي أُقر في مؤتمر صلاح الدين، ومن ثم أُقر في مؤتمر لندن، وكذلك أُقر في المشاورات التي تجري الآن في العاصمة العراقية بغداد في مقر السيد مسعود البرزاني (رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني) الذي ترك مقر إقامته في إقليم كردستان العراق واتخذ من عاصمة الرشيد مقراً ليبني مع إخوته العراقيين النموذج الأمثل لتقديمه ليس فقط لقوات التحالف الموجودة الآن في العراق، بل للشعب العراقي، للأمة العربية، للأمة الإسلامية، للعالم على أن العراقيين باستطاعتهم أن يتباحثوا وأن يصلوا إلى تلك النتيجة المرجوة لاستقراء الأسس التي سيتعاملون معها في الفترة الانتقالية، هذه الفترة الانتقالية قد حُددت معالمها في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية الذي عُقد نهاية عام 2002، ولكن هنا سيتم استمرارية هذه.. هذه المباحثات والتواصل إلى ثلاثة أسابيع، ثم يتم دعوة جميع الطبقات السياسية والنخب العراقية والذين لهم تأثير مركزي في الرأي العام العراقي للتشاور حول مؤتمر وطني عراقي شامل يُعطي الشرعية، ويُعطي الحق القانوني لأبناء العراق الذين سيستلمون الفترة الانتقالية، الفترة الانتقالية هذه..، نعم.

توفيق طه [مقاطعاً]: أستاذ نعم.. نعم أستاذ.. أستاذ عبد القادر دعني.. دعني أقاطعك هنا لأتوجه إلى الأستاذ محمد الشيخلي، كما استمعت.. كما استمعت الأستاذ عبد القادر قال: إن هذه الفترة الانتقالية يعني اتضحت ملامحها أو وُضعت ملامحها في مؤتمر لندن، هل ترى أنها فعلاً وضع لها أي ملامح حتى الآن؟

محمد الشيخلي: قد أختلف معه في هذه النقطة، لأنه القرار سيكون بيد الشعب العراقي مهما يكن من تبريرات، الخطوط التي وضعت في لندن والتي وضعت في صلاح الدين مع احترامنا الشديد لها كنا نتمنى أنه تطبق بالوضع الذي مر بنا خلال الأسبوعين المنصرمين، ولكن ظهرت لدينا فقط النقاط المتعلقة بالفترة الانتقالية، والتي ظهرت حديثاً خلال اليومين الماضيين أيضاً.

موضوع الشرعية في العراق أو النظام العراقي الذي يجب أن يُطبق في العراق، نحن فعلاً الآن في دور سحب الأنفاس، العراق الآن هو عراق جريح، عراق يحاول أن يضمد جراحه الماضية والحالية، خلال هذه الفترة الانتقالية التي يؤكد عليها الأستاذ البيرفكاني حقيقة سيتمكن العراقيون -إن شاء الله- من وضع الصيغة الملائمة التي تحترم حقوق الجميع في وحدة العراق وسلامة أراضيه، وإضافة إلى ذلك تحترم جميع الطوائف التي تصنع النسيج العراقي، وهو كما أمثله كالعقد في الجيد، الذي لا يتبين جماله إلا في تكوينه المتكامل، إذا انفرط...

توفيق طه: نعم، هذا.. هذا الكلام أستاذ محمد يعني استمعنا إليه من مختلف الطوائف و.. والأعراق إذا صح التعبير في.. في العراق، لكن يعني من إحدى الملامح الواضحة كانت في الحكم.. نظام الحكم السابق هي سيطرة الجيش، نظام الحكم العلماني الديمقراطي الذي يدعو إليه كولن باول على الطريقة التركية يعني سيطرة أو سطوة الجيش كما هو حاصل في تركيا على شؤون الحكم والدولة، هل يتحمل العراقيون أن يعودوا مرة أخرى إلى سيطرة الجيش على الدولة والحكم؟

محمد الشيخلي: أنا مع.. أنا مع الجيش القوي الذي يدافع عن وحدة وسلامة وأمن العراق، ولكنني في اتجاه.. في اتجاه تكوين السلطة القانونية، وهي المحكمة الدستورية التي تكون هي المرجع لتطبيق القوانين وتنفيذها بصورة صحيحة، ولكن الجيش إذا أُعطي دور في المرحلة القادمة أيضاً تتعلق وتتداخل مع السياسة، فإنني ضد هذا، لأنه الشعب العراقي لا يتحمل تسلط أي ديكتاتورية بكل مسمياتها، لأنه نحن نرى أنه في.. الجانب التركي في النظام التركي المطروح حالياً أنه الجيش له مجلس الدفاع الأعلى، وهو له الكلمة الأولى والأخيرة، يعني بعيداً عن شكليات النظام بسلبياته أو إيجابياته، وهذه من خصوصية الشعب التركي، ونحن نحترمها ولكن هذا الشيء نحن لا.. لا نستطيع أن نتقبله بالمرحلة القادمة، لأننا ندعو إلى عراق جديد، كيف يكون العراق الجديد وهو فيه ملامح من العراق القديم الذي كان للجيش السلطة المطلقة في الشعب، والذي كان الشعب كله جيش بالأحرى.

مدى قابلية تركيا لفكرة الفيدرالية في العراق على مستوى الحكم

توفيق طه: نعم، عراق جديد دكتور مصطفى اللباد في القاهرة، عراق جديد يمكن أن يكون عراقاً فيدرالياً كما يعني يبدو أن الأميركيين يعني يحضرون لذلك من خلال التقسيمات الإدارية، هذا الخيار يبدو أن الأكراد أيضاً هم من أكثر المتحمسين له، لأنه يعني يعطيهم حكماً موسعاً في مناطقهم.. حكماً ذاتياً، يعني هل.. هل ترى أن تركيا الدولة المجاورة للعراق، والتي لها مخاوف من.. من مسألة الأكراد يمكن أن تقبل بهذه الفيدرالية؟

د.مصطفى اللباد: يعني في البداية لابد من التذكير بأنه تركيا كدولة حليفة للولايات المتحدة الأميركية لها مصالحها الوطنية، والمصالح الوطنية التركية هي التي في اعتقادي الشخصي أدت إلى بعض الفراق الاستراتيجي -إن جاز التعبير- بين سياسات الولايات المتحدة الأميركية في العراق، العمليات العسكرية وما بعدها، والمطالب التركية الخاصة بذلك، الولايات المتحدة الأميركية لن تستطيع أن تخسر تركيا، لأن تركيا حقيقة واقعة، وهي جوار تاريخي للعراق، يعني قدر العراقيون أن يكون.. أن تكون تركيا جوارهم، وقدر تركيا أن يكون العرب والعراقيون من ضمنهم جوارها، ولكن يعني في تصنيفات القوة بالطبع تركيا خسرت استراتيجياً، ليس موضوع فيدرالية يعني أنا أتفق مع حضرتك في أهمية هذا الموضوع، لكن تركيا خسرت على المستوى الاستراتيجي، لأنه كانت تؤدي أدوار بالوكالة لمصلحة واشنطن، والآن واشنطن موجودة في المنطقة في.. في العراق على الأقل، وبالتالي تركيا خسرت على المدى البعيد.

من المفهوم أن تحاول تركيا عرقلة مفهوم الفيدرالية، وإن لم تستطع فتحجيم الخسائر المتولِّدة من وجهة نظر صانع القرار التركي.

توفيق طه: إذن.. إذن..

د.مصطفى اللباد: ولكن في النهاية إذا ما أصرَّت واشنطن على الصيغة الفيدرالية، فمن الممكن يعني طرحها في البداية، ولكن يعني يتوقف قدرة بقاء هذا النظام على قبول الشعب العراقي به وعلى نجاعته وملاءمته للخصوصيات العراقية، يعني أي نظام سياسي لابد أن يراعي الخصوصيات الوطنية.

أحلام الأكراد السياسية وحتميات الواقع العراقي

توفيق طه: نعم، أستاذ.. نعم، دكتور مصطفى، إذن يعني قد لا تستطيع تركيا منع الفيدرالية إذا أرادت. أستاذ عبد القادر، مرة أخرى إذا تحدثنا عن الفيدرالية هذه الصيغة التي يبدو أن.. أنكم تحبذونها يعني، هل ترون فيها غاية نهائية لمطامح الأكراد في شمال العراق، أم ربما خطوة تكتيكية نحو الحلم بدولة كردية مستقلة في شمال العراق؟

عبد القادر البيرفكاني: سأكون صادقاً وواضحاً، الكرد شعب عريق في المنطقة تعرَّض إلى عمليات اضطهاد متواصلة منذ عقود من الزمن، وقد حمل هذا الشعب إرادته في سلاح يدافع به عن نفسه تجاه عمليات إبادة ضد الإنسانية، وعمليات ضد الإنسانية تم استعمال فيها حتى أسلحة كيمياوية محرَّمة دولياً، الأكراد الآن في هذه الظروف الصعبة أبوا إلا أن يتوجهوا إلى بغداد، إلى عاصمة العراق، ويؤكدون مرة أخرى أنهم على استعداد أن يكونوا جنوداً في دولة ديمقراطية تعددية فيدرالية للمشاركة مع الإخوة العرب والطوائف الأخرى في إرساء دعائم.

توفيق طه: إلى متى.. إلى متى أستاذ عبد القادر

عبد القادر البيرفكاني: نعم؟

توفيق طه: إلى متى؟

عبد القادر البيرفكاني: إلى أن.. إلى أن يتم إرساء دولة ديمقراطية تعددية، يحكم فيها الدستور والمؤسسات، عند ذاك سيتقدم الأكراد كما يتقدم العراقيون إلى صناديق الاقتراع لتحديد معالم العلاقة التاريخية بين الشعبين الشقيقين، هذه لا يتم طرحها الآن إلا بعد أن تستتب الأمور، ويتقدم الجميع..

توفيق طه [مقاطعاً]: إذن.. إذن يعني أستاذ عبد القادر، هذه لن تكون يعني خطوة أو غاية نهائية لكم، يعني هناك ربما هذه الاستفتاء.. هذا الاستفتاء أو هذه العلاقة بين الشعبين التي تتحدث عنها قد تؤدي إلى الانفصال؟

عبد القادر البيرفكاني: أنا في اعتقادي ليس انفصالاً، الكرد -كما تعلم- لهم حق مطلق في تقرير مصيرهم بالشكل الذي يرضيهم هم، لا يحق لأحد في العالم أن يفرض على الشعب الكردي الصيغة التي يحكم به نفسه، وإذا ما تحقق حكماً غير كردياً على الكرد عن طريق القوة يعتبر هذا ظلماً وعدواناً، ولكن أؤكد مرة أخرى..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم، يعني.. يعني أنكم في النهاية.. في النهاية لم تتخلوا بعد عن حلمكم بالاستقلال أو بدولة منفصلة ولو عن طريق صناديق الاقتراع، يعني دكتور مصطفى اللباد في القاهرة، يعني ألا يعني هذا عودة بالمنطقة إلى.. إلى حالة من اللااستقرار مرة أخرى، وربما حرب أخرى في شمال العراق؟

د.مصطفى اللباد: يعني الاحتمالات مفتوحة، يعني كل الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها، أعتقد إنه الشعب الكردي أو الإخوة الأكراد قد حققوا من وجهة نظرهم يعني خطوة إيجابية، وهي إزاحة النظام السابق، والتمتُّع على الأقل بحكم ذاتي، وهو يعني ما لا يتمتعون به لا في تركيا ولا في إيران، ويعني تعتبر خطوة سوف يحاولون بالقطع البناء عليها، من المفهوم طبعاً أن كل شعب يحاول يعني تعظيم مكاسبه، وخاصةً الشعب الكردي الشقيق، ولكن في اعتقادي الشخصي إنه الصيغة الأنسب، وهو ما يقرره العراقيون وليس أنا أو غيري الصيغة الأنسب هي العراق الديمقراطي، يعني one man one vote لكل فرد صوت، والأغلبية هي التي تقرُّر في وجود مؤسسات دستورية وقانونية، وهو الشكل الملائم، والذي يمكن تطبيقه يعني في جميع بلاد العالم بلا استثناء، وهو الشكل الدستوري القانوني الذي يراعي الخصوصيات.

أما بخصوص الطموحات القومية للأكراد أو غيره، فأعتقد أنه يعني وإن كانت مشروعة يمكن تفهُّمها، إلا إنه في هذه المرحلة والمرحلة القادمة سوف تُدخل المنطقة في دوَّامة من يعني اللاتوازن، تركيا لها مصالح، إيران لها مصالح، العراقيون العرب بالطبع سوف يعني لن يؤيدوا مثل هذا الطرح، وبالتالي الأكراد سوف يكونون في الزاوية، أعتقد إنه السياسيين الأكراد على وعي بهذه الحقيقة، وعلى وعي بالانتصار النسبي -إن جاز التعبير- الذي حققوه بإزاحة النظام السابق، وسوف يعني يكتفون في المرحلة الحالية في تقديري الشخصي، ثم محاولة البناء على ما تحقق للوصول إلى درجة أعلى من الاستقلال القانوني والدستوري.

توفيق طه: نعم، إذن أستاذ محمد الشيخلي، مرة أخرى يعني البعد الدولي كما قلنا أو الإقليمي لمسألة الأكراد قد يؤدي في.. في السيناريو، الذي تحدث عنه الأستاذ عبد القادر إلى حرب جديدة ولا استقرار في المنطقة، بالنسبة للعرب سُنَّة وشيعة في العراق، هل يقبلون بما قال به الأستاذ عبد القادر من أنه ستكون هناك عملية أخرى في مرحلة لاحقة لتقرير المصير؟

محمد الشيخلي: نحن لا نتمنى أن تكون حروب أخرى في منطقتنا، لأنه المنطقة قد شبعت من الدماء، وخاصةً الدماء العراقية، بشأن ما طرحه الأستاذ الفاضل البيرفكاني حقيقة الشعب العراقي لا يتمنى ذلك، وإنما يتمنى أن يكون هنالك شعب واحد في دولة العراق أيًّا كان صيغة النظم.. النظام السياسي القادم، أن يكون شعب واحد، لأننا فعلاً شعب واحد، ولكن هنالك قومية كردية وقومية عربية، نحن شعب واحد فعلاً، ولا نتمنى الانفصال، لأنه إذا ما رضينا بهذا حالياً سيؤدي ذلك بنا إلى ما تفضلتم به من نزاعات عِرقية وطائفية وقومية لها أول وليس لها آخر، هذا من ناحية، من ناحية أخرى أنه الأكراد عاشوا في هذا البلد حقيقة قد ظلمتهم النظم السياسية السابقة، ولكن هذا لا يعني أنه سننظر إلى أخطاء الماضي، ونعالجها بالاتفاق والحوار المشترك بين جميع الأطراف العراقية، فيأخذون حقوقهم، نحن لا ندعو إلى أي صيغة.. من صيغة الانفصال، لأنها ستؤدي بذلك في النهاية إلى (سايكس بيكو) جديدة، ونحن في غنى عن سايكس بيكو، وغيرها من المشاريع التي سوف تطرح، الكلمة الأولى والأخيرة.

توفيق طه: طيب أستاذ محمد.. أستاذ محمد، لو.. لو بقيت..

محمد الشيخلي: أستاذ توفيق عفواً.

توفيق طه: نعم.

محمد الشيخلي: عفواً أنا أؤكد أنه القرار سيكون لدولة ديمقراطية في العراق، والقرار أولاً وأخيراً سيكون بيد الشعب العراقي، الشعب العراقي..

توفيق طه: يعني أنا..

محمد الشيخلي: بأغلبيته مع احترام جميع خصوصيات الطوائف والقوميات سيكون ذلك فخر للجميع، لأنه العراق العراق الواحد إن شاء الله..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم، أستاذ.. أستاذ محمد، معلش، يعني أنت أكدت أكثر من مرة أن القرار سيكون للشعب العراقي، لكن لو أخذنا الشعب العراقي بأغلبيته الشيعية التي تمثل 60%، وهم يعني في معظمهم يعني ذوي طبيعة متدينة ربما يرغبون في إقامة حكم ثيوقراطي على النمط الإيراني، وهو ما لا ترضاه واشنطن كما.. كما أعلنت أكثر من مرة، ما هو موقف السنة وموقف الأكراد في هذه الحالة؟

محمد الشيخلي: أنا ضد المسميات، حقيقة نحن شعب واحد أستاذ توفيق، نحن شعب واحد في العراق بالنسبة للثيوقراطية التي يدعو.. يدعو لها البعض، حقيقة هذه لن تنجح في العراق، لأنه الشعب العراقي معروف أنه شعب واحد، وله خصوصيته، النظام إن كان التركي أو الإيراني لن ينطبق على العراق مع احترامنا لذلك، ولكن هذا لا يعني إنه سنأخذ إيجابيات تلك الأنظمة ونطرحها على مائدة الحوار لنستفيد منها، وهنالك شيء مهم جداً أنه أرى أنه لدينا حساسية تجاه الديمقراطية والإسلام، أيعلم الجميع أنه الإسلام دين الديمقراطية أساساً، يعني أساس الديمقراطية الدين الإسلامي هو الذي أوجد الديمقراطية، والديمقراطية معروفة في الإسلام من مبدأ (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، ومن مبدأ (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) الديمقراطية حقيقة لا تختلف عن الإسلام في شيء، ولكن الديمقراطية المنظمة، وليست الديمقراطية الفوضوية التي تم إظهارها من نظرية (رامسفيلد) الفوضوية بشأن ذلك، نحن ندعو إلى الديمقراطية المنظمة، وهذه الديمقراطية المنظمة بأي شكل كانت ستكون في النتيجة صادرة من الإسلام، شئنا أم أبينا، هذه وجهة نظري..

توفيق طه: أستاذ محمد سنعود لتكملة هذا.. هذه النقطة.

[فاصل إعلاني]

توفيق طه: كنا نتحدث حول مسألة شكل الحكم في العراق، ووصلنا إلى موضوع الحكم الثيوقراطي على النمط الإيراني، الأستاذ محمد الشيخلي قال: إن الديمقراطية لا تتنافى مع الإسلام، لكن.. هل لو.. لو سألنا الأستاذ عبد القادر البيرفكاني: هل .. الديمقراطية لا تتنافى مع الإسلام، هل هذا يعني ضمناً أنها يجب أن تكون على النمط الإيراني؟

عبد القادر البيرفكاني: أولاً بودي أن أعقب تعقيباً قصيراً على حديث الأستاذ الفاضل أن الانفصال هي كلمة مرادفة لحجب الحرية عن الكرد، فالكرد يحبون أن يطلق على كلمة الانفصال حرية الشعب أو تقرير مصيره، هذا يتم بإرادته، وليس لأحد الحق في أن يقرر مصير شعب آخر، أما بالنسبة للطائفة.. للطوائف العراقية التي تحدثت عنهم، هؤلاء قد ظُلموا وقُتلوا وعُذبوا وشُردوا وقُتل منهم علماء أجلاء لهم الحق المطلق وفق المفهوم الديمقراطي أن يعبر الإنسان عما يدور في خلده، وأن يعبر عن شجونه بالطريقة التي يرضاها لا نستطيع أن نحجب عن أي عراقي الآن من أي طائفة أو أي مجموعة إلا أن يتحدث بكل صراحة وبكل صدق ومن قلبه، العراقيون قد مُلئوا حقيقة ظلماً لا يتصوره العقل الإنساني في المفهوم الذي نؤمن به لكل العراقيين الحق في أن يطلقوا عنان كلماتهم، ولهم الحق أن يعبروا وصناديق الاقتراع بعد الفترة الانتقالية وبعد توعية محدودة ضمن الأُطر الدستورية التي سيتم الاستفتاء عليه بعد تشكيل المجلس التأسيسي الذي سيقوم بصياغة الدستور ويُقدَّم أمام الشعب العراقي، ليطلع عليه ثم يوافق عليه أن يؤمن بأن من أصابه الظلم والحيف في العراق، عليه أن يأخذ حقه شرعاً وقانوناً ودستوراً..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم، لكن أستاذ عبد القادر يعني هنا هذا.. كلامك يتضمن نقطتين الأولى: عدم التزام نهائي بوحدة التراب العراقي من خلال ما تحدثت عنه من تقرير المصير.

ثانياً: أنكم يعني تطمحون أو تبالغون في المطامح يعني بشكل الحكم الذاتي في إطار الفيدرالية يمكن أن تحصلوا على الكثير من.. من وسائل الحكم، من الحريات، بينما في.. في تركيا الأكراد يعني لا يستطيعون أن يتحدثوا بلغتهم؟

عبد القادر البيرفكاني: في تركيا الكرد محرومون من جميع حقوقهم، في إيران الكرد محرمون من جميع حقوقهم، الكرد في العراق حصلوا على حكم أُقر فيه الصيغة الفيدرالية عام 1991-92 وكانت.. وكانت المنطقة الكردية في كردستان العراق.. إقليم كردستان العراق يتمتع بنظام فيدرالي مستقل، لم يخضع لبغداد منذ عام 91، ولكن الأكراد بعد سقوط النظام البائد، الذي عاث في أرض العراق فساداً، تقدموا إلى بغداد ليتكاتفوا مع إخوتهم العراقيين، وليقولوا لهم: ها نحن أبناء التجربة الكردية التي كنا نتمتع فيها بالاستقلال الكامل وبعلاقات إقليمية ودولية، وكذلك باقتصاد حر نتقدم إلى بغداد، لننقل لكم هذه التجربة، لنمد أيدينا إلى بعضنا البعض، العالم الآن يتوحد اقتصادياً وفكرياً وثقافياً، فلِمَ لا نقوم بهذه المهمة؟ العراقي الكردي يتطلع إلى بغداد وإلى البصرة، وليكون ابن العراق شامخاً في كل أرض العراق، ولكن في دولة ديمقراطية يُحترم فيها إرادة الشعب، لا يمكن أن يُفرض على العراقيين أي تجربة دون أن يُدلي بصوت ويقر حقوقه الثابتة والكاملة..

توفيق طه [مقاطعاً]: أستاذ عبد القادر..

عبد القادر البيرفكاني: ضمن سياق التعددية في العراق..

النموذج الإيراني ومدى إمكانية تطبيقه في العراق

توفيق طه: أستاذ عبد القادر بجواب صريح هل ترى أن حكم ديني على النمط الإيراني يضمن الديمقراطية ويضمن الحقوق للأكراد؟

عبد القادر البيرفكاني: أنا إذا سُئلت شخصياً إذا ما أقر الشعب العراقي أي صيغة يرتضي، فأنا مؤمن بأن هذا الشعب.. هذا الشعب قد اختار طريقاً له، فسأضع صوتي إن كان مخالفاً مع إرادة الأكثرية.

توفيق طه: نعم، دكتور مصطفى اللباد في القاهرة، يعني حتى لو رضي العراقيون حكماً على النمط الإيراني، هل ترى أن دول الجوار، التي يعني جاهرت في الثمانينات بأنها تخشى تصدير ما سمي وقتئذٍ الثورة الإيرانية إلى المنطقة، هل ستقبل بهذا المنطق وبمثل هذا الحكم في العراق؟

د.مصطفى اللباد: يعني الشواهد المتوافرة حتى الآن تدل على إنه دول الجوار سوف لن توافق في الأرجح على قيام مثل هذا النظام السياسي المستمد من النظام الإيراني، وكما أن المؤشرات أيضاً تدل على إنه واشنطن يعني لن توافق أيضاً على مثل هذا الطرح، وبالتالي كان من المنطقي أن يحاول وزير الخارجية (كولن باول) أن يطرح النموذج التركي، لأن تركيا متحالفة مع واشنطن، ولأن النموذج التركي كان في فترة من الفترات حتى قبل الأعمال العسكرية في.. في العراق، كان يعني بعض Tanks) Think) أو المؤسسات صنع القرار والأبحاث في واشنطن طرحت فكرة تعميم النموذج التركي على الدول العربية حتى يعني ليس فقط العراق، وبالتالي من المفهوم أن تحاول واشنطن تعميم النموذج التركي ولكن الشواهد تدل والسياسات والحقائق على أرض الواقع على أن واشنطن لن تقبل بمثل هذا النظام، كما أن دول الجوار التي يعني توترت علاقتها طوال الثمانينات والتسعينيات وحتى الآن بعض الدول مثلاً، يعني متخوفة من المد الإيراني، وبالتالي..

صلاحيات دول جوار العراق في الشأن السياسي العراقي

توفيق طه [مقاطعاً]: لكن.. لكن دكتور مصطفى معلش يعني لأسألك هنا: هل تملك دول الجوار أن يكون لها قول فيما سيكون عليه الحكم في العراق؟

د.مصطفى اللباد: يعني سؤال ذكي من حضرتك، ولكن أعتقد إنه يعني لسنا الآن في مباراة صفرية، يعني (Game Theory) طرف يحتكر كل مزايا، وطرف مزاياه تساوي صفر، يعني بالقطع هناك اختلال في موازين القوى الآن في المنطقة، الأمر المفهوم والطبيعي إنه لا يخص نظام الحكم القادم في العراق سوف لا يخص العراق فقط، ولكن يخص منظومة الأمن الإقليمي في المنطقة، ومن هنا أهمية النظام السياسي القادم في العراق، بالقطع إنه دول الجوار لها دور ولها رأي، وإن لم يكن يعني على القدر المطلوب من هذه الدول، موازين القوى تدل على إن واشنطن صاحبة اليد الطولى، دول الجوار لها و-إن بتفاوت بعض يعني ما تقوله- وبالأخص إيران وتركيا، ولكن لا ننس يعني في خضم التوازنات الاستراتيجية والدولية أن شعب العراق العظيم هو من يقرر مستقبله، وأن مستقبل العراق ونظامه السياسي القادم سوف يتحدد، وعامل كبير في على مدى قدرة الشعب العراقي على طرح مواقفه، على تبني ما يريد من نظام سياسي في المرحلة القادمة.

توفيق طه: نعم، لنعد إلى بغداد، الأستاذ محمد الشيخلي، طرف واحد كما قال الدكتور مصطفى يحتكر كل المزايا هنا يقصد أن واشنطن ربما تكون صاحبة القول الفصل في هذا الموضوع، واشنطن على لسان (رامسيفلد) قالت: إنها لن تقبل حكماً على النمط الإيراني، بينما يعني كانت إزاحة صدام الديكتاتوري والمجيء بحكم ديمقراطي إحدى الذرائع المهمة في.. في حربها على العراق، يعني ألا يمثل هذا تناقضاً؟ هل ستشعرون أنكم خُذلتم عندئذٍ؟

محمد الشيخلي: النظام المطبق في إيران أو النظام المطبق في تركيا هو نظام يصلح لتلك المجتمعات وتلك الشعوب، نحن نسعى إلى نظام ديمقراطي، جاءت أميركا.. الولايات المتحدة الأميركية بالديمقراطية، ونحن كما ذكرت في بداية حديثي أنه الديمقراطية هي أنه يكون الكلمة الأولى والأخيرة هي للأغلبية وللشعب، فإذا كان الشعب العراقي سيقول كلمته في المجلس التأسيسي أو في الدستور المقترح أو في أي صيغة حكم جديدة، فنحن في تلك اللحظة سنضع أميركا في الزاوية الحرجة، وأنا كما ذكرت أنهم وقعوا في مطبين لحد الآن، قد يكونوا عمدياً ارتكبوا تلك الأخطاء، وقد تكون غير ذلك، ولكننا حقيقة ندعو إلى دولة ديمقراطية موحدة، نحن الشعب العراقي لدينا خصوصيتنا أخي العزيز، نحن لدينا خصوصيتنا، نحن لدينا أعماق بالتاريخ تمتد إلى 6 آلاف أو 9 آلاف سنة، نحن دولة حقيقة لديها نسيج اجتماعي طيب، نسيج اجتماعي متكاتف، أنت الآن إذا نزلت إلى.. إلى بغداد، سترى الكنيسة، وترى الجامع، وترى الحسينية، واحدة مجاورة للأخرى، وهذه هي أنا رأيتها بعيني، إذن نحن أخي العزيز..

توفيق طه [مقاطعاً]: إذن الشعب العراقي كما قلت..

محمد الشيخلي [مستأنفاً]: نتعايش في مجتمع واحد.

علاقة الحكومة العراقية القادمة بإسرائيل

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم، للشعب العراقي -كما قلت- خصوصيته، لكن هناك بُعدُه العربي أيضاً، الأميركيون قالوا على لسان أكثر من مسؤول إنهم سيطلبون من أي حكومة عراقية مقبلة أن تُطبِّع علاقاتها مع إسرائيل، وتقيم معها سلاماً دائماً، هل هذا يعني أن العراق..

محمد الشيخلي [مقاطعاً]: نحن نلتزم..

توفيق طه [مقاطعاً]: قد يتحول -عفواً- إلى.. إلى خنجر في خاصرة الأمة العربية بعد أن كان عمقاً قومياً لها؟

محمد الشيخلي: سيبقى -إن شاء الله- عمقاً قومياً للعرب، العراقيون حقيقة سوف يلتزمون بكل مقررات جامعة الدول العربية، ولن يتخلوا عنها، صحيح نحن لدينا خصوصيتنا، ولكن لنا موقفنا الثابت بهذا الشأن، إذا قال العرب سيقول العراق، العراق لن يكون حالة مستقلة في تلك، لأنه القرار وكما نقول أنه بيد الشعب العراقي فأي حكومة تُنتخب ديمقراطياً من قِبَل الشعب العراقي، ستكون هذه الحكومة من أي قوى سياسية كانت داخل العراق..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم، لكن..

محمد الشيخلي [مستأنفاً]: حكومة نضع ثقتنا بها إن شاء الله..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم، لكن أي حكومة..

محمد الشيخلي: وتتخذ المواقف السليمة تجاه هذا الموضوع.

توفيق طه: أي حكومة أستاذ محمد؟ يجب أن تحظى بقبول الأميركيين قبل كل شيء، يعني هل تملكون أن ترفضوا الأميركيين عندئذٍ ما يريدونه من شروط؟

محمد الشيخلي: أخي العزيز بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، إذا أرادت أن تفرض شيء وأنا أسميه هذا نظام الجوار وليس نظام الحوار، نحن الآن في مرحلة المفروض تكون هي مرحلة حوار وتبادل أفكار وسحب للأنفس كما ذكر الأخ العزيز البيرفكاني، نحن الآن في هذه المرحلة، فإذا أرادت أميركا أن تفرض أي نظام خارجي مُعلَّب إلى العراق، فأعتقد أنه سيكون في مزبلة التاريخ، لن يتم الاتفاق عليه ولن.. ولن يوافق الشعب العراقي على ذلك نهائياً، وأنا أعيد وأكرر أنه الشعب العراقي يا أخي العزيز لديه خصوصيته، ومازال هو ذلك الشعب الحضاري المليء بالقيم والمبادئ حقيقة وإن شاء الله- عندما نلم جراحنا ستشاهدون المواطن العراقي الحقيقي بإذنه تعالى.

توفيق طه: نعم، الأكراد -والسؤال هنا للأستاذ عبد القادر البيرفكاني -الأكراد اتهموا في مرحلة ما بأنهم أقاموا علاقات مع إسرائيل في.. في هذه الفترة التي كانوا فيها خارجين عن سلطة الحكومة المركزية في بغداد، ما مدى صحة ذلك؟

عبد القادر البيرفكاني: أخي توفيق تحدثتم على أن النظام القادم في العراق سيكون.. خنجراً في خاصرة العرب، نؤكد لكم اليوم..

توفيق طه: لم نقل قد سيكون، نحن سألنا هل يكون أم يكون يعني سيبقى بُعْداً أو عمقاً عربياً؟

عبد القادر البيرفكاني: النظام السابق البائد كان ألف ألف خنجر في خاصرة العرب، وكان خنجراً في خاصرة الفلسطينيين، وكان خنجراً في خاصرة الخليجيين، وكان خنجراً في خاصرة اللبنانيين، لنكن واضحين وصادقين مع الرأي العام العربي، الآن العالم العربي يتوجه إلى السلام، هذا السلام قد أقرَّته دولُ عربية، العراق القادم سيقرر سياسته العربية والخارجية بإرادة شعبه، ماذا يريد هذا الشعب؟ سيقرره هذا الشعب، وإذا كانت الدول العربية والإخوة الفلسطينيين سيقررون السلام مع إسرائيل، فهذا سيعود إلى هذه الشعوب، أما إذا كان السؤال عن علاقة ما مع إسرائيل من أكراد، فأخي العزيز وجِّه هذا السؤال إلى حكومات عربية ترفع العلم الإسرائيلي في العواصم العربية، الأكراد لم يكن لهم علاقات مع إسرائيل، هناك جالية كردية يهودية تعيش في القدس عاشوا في كردستان ألفي عام احتضنتهم كردستان، وأحتضنهم الأكراد منذ عهد نبوخذ نصَّر، وقد خرجوا من كردستان العراق عام 1952 إلى القدس، يعيشون حتى اليوم يتحدثون باللغة الكردية، هؤلاء لهم علاقات وصداقات عندما يتواصلون نقول لهم السلام، فالسلام لغة الأديان والسلام لغة المحبة.

توفيق طه: نعم أستاذ.. دكتور مصطفى اللباد في القاهرة يعني الأستاذ عبد القادر قال.. وجَّه هذا السؤال إلى.. إلى دول ترفع أعلام إسرائيل في عواصمها، يعني هل هذا يعني أن هناك مبرراً للحكومة العراقية المقبلة هل يعتبر هذا مبرراً لإقامة علاقات مع إسرائيل وتطبيع العلاقات مع إسرائيل؟

د.مصطفى اللباد: يعني المبرر يعني يقرره العراقيون، أعتقد أنه العراق ليست له أراضٍ محتلة من إسرائيل، وبالتالي ليس مجبراً على إقامة مثل هذه العلاقات، لاستعادة أرضه ولكن..

توفيق طه [مقاطعاً]: دعني.. دعني أسألك دكتور مصطفى يعني قبل أن تستطرد، قلت يقرره العراقيون، هل تعتقد أن العراقيين فعلاً هم الذين سيقررون؟ هل يملكون أن يرفضوا لأميركا مثل هذا الشرط إذا أرادت؟

د.مصطفى اللباد: الأستاذ توفيق، الأمور ليست أبيض وأسود بهذا الشكل وليست يعني Contrast يعني الشيء ونقيضه، يعني في تقديري الشخصي أنه النظام الإقليمي الحالي في المنطقة يعني هذا النظام من أحد مقوِّماته يعني الذي ارتضته يعني الدول في المنطقة، هو وليس بالضرورة يعني أنني أؤيد ذلك مطلقاً، ولكن مقوماته ما يسمى عملية السلام، ومن المتوقع أن يعني يطلب الأميركيون من الحكومة القادمة أن تتماشى مع التطورات في المنطقة، وألاَّ تغرد خارج السرب، وهذا ما سوف يسهل عملية اندماجها الإقليمي -بين أهِلَّة- وبالتالي أنه طبيعي أن تطلب ذلك الولايات المتحدة الأميركية.

توفيق طه: نعم.. ومن الممكن أيضاً أن تطلب ذلك، دكتور مصطفى..

د.مصطفى اللباد: تفضل.

توفيق طه: من الممكن أيضاً أن تطلب أميركا أكثر من ذلك بحكم أنها القوى المسيطرة هناك يعني في.. في أسوأ الحالات.. أسوأ السيناريوهات هل يمكن أن يقوم هناك تحالف جديد على نمط حلف بغداد القديم ضد القضايا العربية وضد المصلحة العربية؟

د.مصطفى اللباد: يعني أستاذ توفيق طبعاً مثل هذه الأسئلة من الصعوبة بمكان الإجابة عليها بلا أو بنعم، يعني التوازنات في المنطقة الآن مختلة، الخريطة الجيوسياسية للمنطقة يعني غير متوازنة ومختلة، ومن الطبيعي منطق الأمور أن يكون هناك يعني إعادة رسم الخارطة في المنطقة، فإعادة رسم الخارطة العراق يعني بلد مهم وأساسي في المنطقة، ليس فقط للعرب ولكن لمنطقة الشرق الأوسط بكاملها لأبعاده الجيوغرافية والجيوستراتيجية والسياسية، وبالتالي دمجه إقليمياً يعني إنشاء منظومة جديدة لأمن المنطقة، والعراق له دور فيها، ما هي طبيعة هذا الدور الذي سوف يقوم به العراق؟ يعني طبيعة هذا الدور سوف تحتِّم على العراق خطواته وأعباءه وترتِّب له مزايا وحقوق، يعني لسنا الآن بمعرض التنبؤ بنمط العلاقات الإقليمية القادمة، وإلا سوف نكون نحن نرسم السياسة الدولية، نحن نستطلع المؤشرات ونحلل أبعادها وإرجاعها إلى أصلها، ومن ثمَّ إعادتها إلى الظاهرة لتوصيفها بشكل علمي ودقيق، لسنا في معرض التنبؤ ولكن يعني الأكيد هو أنه الخارطة تغيرت، العراق موقعه أساسي في الشرق الأوسط وبالنسبة للعرب، وبالتالي دوره القادم سوف يحتم عليه أعباء، والحكومة القادمة سوف تكون ملتزمة -بين أَهلَّة- بـ.. يعني النسق النظام العالمي ذو القطب الوحيد الآن، وتستمد منه شرعيتها، وتثبيتها وقبولها الدولي، وبالتالي أعتقد شخصياً إنه العراق والحكومة القادمة من المنظور الأميركي سوف لن تخرج عن يعني المنظومة الإقليمية السائدة الآن في المنطقة فيما يخص عملية السلام.

توفيق طه: نعم.. أستاذ محمد الشيخلي في.. في بغداد يعني في إطار هذه المنظومة الدولية الجديدة، في إطار الخريطة الجديدة التي تحدث عنها الدكتور مصطفى يعني هل من الممكن أن يُنفَّذ خط أنابيب الموصل حيفا الذي تحدث عنه البعض في فترة ما.. يعني أثناء الحرب؟

محمد الشيخلي: أستاذ توفيق هذا يعيد.. هذا السؤال يعيدنا إلى أنه ما هو الوضع الذي نحن فيه الآن؟ هل هو وضع احتلال أم وضع أخر؟

أنا أقول أنه وضع احتلال، فأي قرار يصدر، أو معلومة تخرج من العراق، هي لا تنبع من الشعب العراقي وما تمثله الإرادة العراقية، إذا اتفقنا أنه الوضع وهو فعلاً مثل ما أقرت به الأمم المتحدة وجميع الدول الأخرى، بأنه وضع احتلال، فهذا سيرتب التزامات وحقوق على الدولة المحتلة تجاه الدولة التي احتلتها، فإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تفتح خط الموصل حيفا باتجاه النفط وهي بنفس الوقت قد قطعته عن الشعب العربي الشقيق في سوريا، فهذا أمر يعود لها بكونها هي صاحبة السلطة الآن في الأرض، وهذا واقع الحال الذي نحن فيه الآن، ولكن عملية.. العملية الاقتصادية المستقبلية هذه سوف تقررها الحكومة المنتخبة من الشعب العراقي، والتي قدَّمت لدينا مصطلح الديمقراطية الذي نحترمه ونجلُّه تجاه ذلك.

مستقبل العلاقات العراقية الكويتية في ظل الحكومة القادمة

توفيق طه: نعم.. هذا.. هذا على افتراض أنه سيكون لها الحرية والقرار الكامل حتى بعد زوال الاحتلال الأميركي، لكن في.. في مجال علاقاتكم مع الكويت هل تتوقع أن الحكومة العراقية المقبلة -أياً كان شكلها- ستكون قادرة على تطبيع العلاقات مع الكويت رغم الجرح الغائر خلال يعني طول أكثر من 12 عاماً؟

محمد الشيخلي: الجروح متبادلة بين العرب أخي توفيق، الجروح متبادلة حقيقةً ولكننا ننظر إلى مستقبل جديد، نعم إن الشعب الكويتي قد تعرض إلى الجراح من النظام السابق، ونحن نتعرض إلى جراح بتبرير أو بآخر، ولكن هل أنه الشعبين الشقيقين سوف لا يستطيعون أنه يطبعون العلاقات مستقبلاً؟ لا.. أنا أقول نعم إن الشعبين في المرحلة الراهنة هم على أحسن العلاقات، ويتمنى الشعبين إن شاء الله، نحن أخي شعب عربي، شعب حر، نتطلع إلى السلام، نتطلع إلى الحرية، نتطلع إلى جميع الإيجابيات التي تستطيع أن توفر لهذا الشعب الجريح جميع مقومات المستقبل بالسلام، بالحوار، وليس بالبنادق، نحن نريد لأطفالنا ولجميع أطفال العالم أن يخرجوا إلى الشوارع ويشاهدوا زهرة بدلاً أن يشاهدوا بندقية، لأنه وخاصة الطفل العراقي. نعم أخ توفيق لقد شبعنا...

توفيق طه: دعني.. دعني أتوجه.. أستاذ محمد الشيخلي لم يبق.. لم يبق لدي كثير من الوقت، دعني أتوجه إلى الأستاذ عبد القادر البيرفكاني يعني في مناطق الأكراد ذات الأغلبية الكردية لِنَقُلْ يعني هناك أقليات تركمانية، أقليات سريانية، كيف سيكون تعاملكم معها؟ كيف ستكون شكل العلاقات في المراحل.. أو المرحلة المقبلة بعد الاحتلال؟

عبد القادر البيرفكاني: أنا أعتقد منذ عام 1991 بتطبيق التجربة الفيدرالية في إقليم كردستان العراق، لم يصل الإخوة التركمان أو الأشوريين أو كل الطوائف الأخرى إلى حقوقهم كما وصلوا إليها باعترافهم هناك وزراء، مؤسسات، مدارس وكذلك هناك مؤسسات إعلامية تبث اللغات المحلية، وهناك حرية مطلقة لهؤلاء الإخوة الذين يعيشون مع الكرد منذ آلاف السنين، ليس هناك أي تفرقة بيننا وبين إخوتنا الذين يعيشون معنا، مع تمتعهم بجميع الحقوق وعليهم نفس الواجبات التي على الإخوة الأكراد في تلك المنطقة.

توفيق طه: نعم، ولن يتأثر -لن تتأثر هذه العلاقة في حال تطور المطامح التي تحدثت عنها بعد صناديق الاقتراع التي تحدثت عنها أيضاً إلى.. إلى نوع من الاستقلال أو الانفصال عن العراق.

عبد القادر البيرفكاني: إذا كانت إرادة الشعب الكردي ما يصبو إليه، فعلى الإخوة الآخرين أن يحترموا إرادة هذا الشعب، وهو حق مشروع، وهو حق قانوني، وهو حق قد أقرته حتى الشرائع السماوية.

توفيق طه: نعم أستاذ.. دكتور مصطفى اللباد في القاهرة في.. في دقيقة واحدة لو استطعت يعني هل ترى أن.. أن الحكومة العراقية المقبلة أياً كان شكلها ستكون قادرة على ضمان الاستقرار والاستقلال ووحدة أراضي العراق؟

د.مصطفى اللباد: يعني أولاً في البداية وبإيجاز شديد نحن نعيش لحظة تاريخية، ليس العراق فقط ولكن كامل المنطقة، لأنها يعني تشهد ولادة نظام جديد يعني يتوقف شكل وملامح هذا النظام على إرادات شعوب المنطقة وعلى أداء دولها الفاعل في ضمان مصالحها، نظام الحكم القادم في العراق أياً كان شكله يعني بالقطع له مساحة وهامش للمناورة يتحرك فيه يعني، ليست الخيارات الأميركية قدراً على الشعوب ولكن موازين القوى لابد من أخذها في الاعتبار نعم صحيح، ولكن للطرف المحلي للطرف العراقي يعني القدرة مثله مثل أي طرف أخر على تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر ومن ثمَّ البناء على هذا النظام الذي أتمنى أن يكون دستورياً وقانونياً للخلاص، وإبقاء العراق موحداً وعضواً أصيلاً في الأسرة العربية وفي المنظومة في المنطقة.

توفيق طه: شكراً للدكتور مصطفى، في نهاية البرنامج لا يسعنا مشاهدينا إلا أن نشكر ضيوفنا من بغداد (الناشط السياسي العراقي) المحامي محمد عبد الغني الشيخلي، و(الكاتب والمحلل السياسي الكردي العراقي) عبد القادر البيرفكاني، ومن القاهرة الدكتور مصطفى اللباد (الباحث في القضايا الاستراتيجية)، وتحية لكم مشاهدينا من مُعد البرنامج أحمد الشولي، وهذا توفيق طه يحييكم من الدوحة.