- أذكرك كما كنت دائما
- فنانون في المهجر
- بين جبران وبابلو نيرودا
- الرسم بريشة البراءة

 

كوستاريكا

عشتار ياسين جوتيرس: ألوندرا أريد أن أحدثك قليلا عن أصلنا العربي، تعرفين أن جدك عراقي اسمه محسن وقد تعرف على جدتك في البحر الأسود وأحب كل منهما الآخر وهذه هي صورهما حينما تعارفا وتحابا وكيف تُوجت علاقتهما بالزواج في بغداد، انظري إلى صورتهم الجميلة هذه كم هي جميلة، كان له وشم على جبهته وآخر بين عينيه وكان يقول لنا إن ذلك يرجع إلى أنه أمير ولكن عمي رسول أخبرني أن سبب ذلك الوشم هو أن أبي في صغره كان يعاني آلاما في عينيه فصحبته أمه إلى سيدة قامت بدق ذلك الوشم ليتم شفاؤه ولم يكن أميرا ولكنني اعتقدت أنه أمير لفترة غير قصيرة من طفولتي، كما أنه كان يخبرني بأن البساط السحري موجود في أحد المتاحف في العراق واعتقدت بذلك أيضا يا ألوندرا ثم كان يقص عليّ قصة عشتار وكيف أنها قامت في ملحمة جلجامش بالبحث عن محبوبها مرزوق وكيف كُتب عليها أن تعبر سبعة أبواب وأن تخلع رداءً عند كل باب وعندما وصلت إلى الباب السابع خلعت الرداء الأخير ووجدت نفسها عارية أمام محبوبها ومن هنا جاءت أسطورة رقصة الغلالات السبع.

أذكرك كما كنت دائما

عشتار ياسين جوتيرس: هذه الصورة بعد زواجهما وهذه الصورة أثناء العُرس في بغداد، يقول والدي أنهم قاموا بذبح أحد الحيوانات لا أعرف هل كان ديكا أم دجاجة ولكنهم اقتربوا من أبي وأمي ولمسوا بذلك الدم معصميهما وكان ذلك دليلا على امتزاج الدم العربي بالغربي في دم واحد، لذلك فأنتِ تلاحظين ملامح وجهك، لقد ورثتِ تلك الملامح العربية من أبي وكذلك الروح العربية، انظري إلى العُرس هذا هو أحمد وهو أكثر أعمامي وسامة وهذه هي إقبال وهي الأجمل وهي مهندسة معمارية، هذه هي نوال وهذا هو سلمان وهذه هي جدتي لم أعرفها قط ولكنها أرسلت لي ذات مرة قطعة من الحلي خلخال تُلبس في القدم، لقد أردت دوما أن أعرفها والدة أبي وقد مكثت في بغداد لأنها كانت حاملا، هل تحبين الذهاب لبغداد؟ هل تودين التعرف عليها؟

ألوندرا: نعم.

ساندرا أجوب: هذه هي صورة ليلى، ليلى هي خالتي بينما كانت أمي تدعى خوسيفينا واعتادت جدتي أن تناديها جوزيفين وطالما استرعت هذه التسمية انتباهي لأن كل الجيران كانوا ينادون أختي خوسيفينا وحين سألت جدتي أخبرتني أن هذا هو اسمها كما ينطق في بلدها لبنان، أما هنا في كوستاريكا فينطق خوسيفينا، الأمر كان كأنها تعيش في بلدها في هذه المنطقة من القارة الأميركية ولكن داخل دولة أخرى، كنت من نفس تلك الثقافة وداخلي هذه الجذور ولم أكن أتكلم العربية ولكنني أحب أن أتعلمها بينما كانت جدتي تتحدث بها باستمرار بل وتغني في كثير من الأحيان بالعربية كل صباح وكانت كذلك ترقص وكان غناؤها يشبه الصلاة، كنت أسألها وكانت تجيبني بالمجاز، عندما كنت أسألها هذه صورة " ليلى وخوسيفينا" بنات جورجي وأماني وهو اسم جدي وجدتي واسم جورجي وهو ضو ولكنهم عندما أتوا إلى كوستاريكا غيَّر أبي لقبه ضو إلى أجوب ولكنني لا أعرف السبب في تغيير الاسم وبسبب هذا التغيير يصعب علينا نحن أبناء العائلة الواحدة أن يتعرف بعضنا إلى الآخر في هذا العالم الشاسع.

مشارك أول: انتفاضة هذه قصيدة وُلدت من غضبي الذي يلقي بحجارة ثورته في كل مكان يمر به معاناة الأرق، سكرات الألم المحتسبة في الصدر، لا يوجد شيء يقف في طريق حماسته، فارس يمتطي جواده كالفارس الخامس الذي يثير غبار التاريخ، النجمي يخرج نارا من فم جواده، يترك رماد البارود بين آمال الجلادين، يجري منكفئا على وجهه، يفزع حمامات النزاع ويفرغ من يده المفتوحة سخطه على رؤوس الحكام، هذه قصيدة من كلمات ملائكة غاضبين، الكلمات تخرج من أفواههم الجافة كنبع ماء دام أو كحمم البركان، إذا كانوا يريدون ذلك أو كانهيار حجارة فوق خرائب دمار أطلال مدينة مصنوعة من حجارة فوق حجارة، يجب أن أبدأ في الكلام عن أبي أنطونيو صوما عواد كما كان يكتب هو ولكن في الحقيقة كان جدي يسمى الفونسو عواد، لقد غيَّر والدي لقبه ووضع لقب والدته، عندما عاد وهو كبير إلى هنا إلى كوستاريكا وقد استمر والده في العيش في كوبا وهذا لم أكن أعرفه جيدا ولكن والدي كان مستاءً جدا من والده وكان عمه الذي حماه ورباه هنا بمثابة أبيه الحقيقي، إذا أردنا أن نعبر عن شعوره نحو هذا الأمر وهناك فرع من عائلتي كان بطريقة ما مخفياً عني وهم الذين بقوا للعيش في كوبا ولم تكن لديّ أي معلومات خاصة عن عائلة صوما وقد عرفت ذلك مؤخرا عندما كنت في مديين عام 1985 في مهرجان مديين الدولي للشعر بكولومبيا، لقد كنا جالسين حول مائدة كبيرة لمجموعة من الشعراء وكان الشاعر الكوبي بابلو أرماندو فرنانديث موجودا وقد حكى طرفة تقول إنه كان يعيش في نيويورك حينما كان شاباً وكانت هناك سيدتان إحداهما كولومبية والأخرى كوستاريكية هما اللتان قامتا باستضافته في بيتهما وكانتا تحتضنانه بصورة ما لأنه كان مجرد مراهق يدرس هناك وقد كان كثير الامتنان لتلك المرأة الكولومبية ولكنه كان يشعر أيضا بامتنان عظيم نحو الكوستاريكية ولم أكن أعرف الشاعر ولكنني سمعته يتحدث عن هذا وحينما قال سيدة عواد وصلت لهافانا قلت له سيدة عواد هي عمتي لأن بعض أخوات والدي كن قد ذهبن لنيويورك وأخريات ذهبن لجمهورية الدومينيكان ولم يبقوا في كوستاريكا وكذلك الاخوة وقد ظل والدي يدرس هناك وأرسلت شقيقاته للدراسة بالخارج وعندما سمعت هذا قلت له سيدة عواد هو اسم عمتي فقال لي إذاً فأنت يجب أن تكون حفيد ألفونسو عواد وحينذاك لم يكن لديّ أي معلومات عن جدي، لم أكن أعرف إذا ما كان قد عاد إلى لبنان أم.. أم أنه ظل في هافانا وقد ظل هناك وهو مدفون في مكان يسمى بويرتو بادريه في كوبا ولهذا فقد بدأت الاهتمام بأصولي فكل ما أعرفه عن جذوري العربية كان مبتورا والآن أعرف أن هناك أرض في حصرون قد تركها جدي ألفونسو عواد كميراث لأبنائه أبي وأخواته.

عشتار ياسين جوتيرس: اسمي عشتار ياسين جوتيرس وعشتار هي ربة الحب والخصب وإذا ما كنت قد وُلدت ذكرا لكان أبي قد أطلق عليّ اسم سندباد.. سندباد البحار ولكنني ولدت امرأة ولطالما كان شيئا مثيرا للفضول بالنسبة لي أن أحظى بهذا الاسم وبما أنني نشأت في أميركا اللاتينية كان الجميع في صغري يضايقونني بسبب اسمي ولكنني بعد أن نضجت شعرت بالفخر لأنني أحمل هذا الاسم، والدي عراقي ولد في بغداد وعمل بالمسرح في بغداد وكان مخرجا وممثلا، أما والدتي فهي راقصة ومصممة رقصات وقد درست رقصات شعبية صينية ورقصا حديثا ورقصات ألمانية وبعد ذلك درست في البولشوي في موسكو ودرست هناك تصميم رقصات وقد تعرف الاثنان في البحر الأسود حيث كانت والدتي مشتركة في مسابقة جمال وقد حصلت على لقب ملكة جمال البحر الأسود ووالدي عراقي جذاب وقع في غرام والدتي من الوهلة الأولى، لقد كان حبا من النظرة الأولى.



فنانون في المهجر

ساندرا أجوب: لقد وصلت عائلة أمي إلى أميركا الوسطى في عام 1927 كما أعتقد، أما عائلة أبي فقد جاءت إلى نيكاراغوا قبل ذلك ولكنني لا أذكر التاريخ بدقة ربما في 1917 أو 1920 ولكنني لا أعرف بدقة، عائلة أبي من فلسطين وعائلة أمي من لبنان من بيروت، لقد ركزوا اهتمامهم وخاصة في البداية على التجارة والصفقات وفي البداية وحين وصولهم أتى كل منهم بقصة مختلفة عن الأخرى، فمثلا عائلة أبي في نيكاراغوا كانت كبيرة العدد ويُحكى أن أحد أعمامي كان لديه اثنا عشر طفلا وحين كان يذهب إلى الشاطئ كان يربطهم جميعا حتى لا يفقد واحدا منهم، كل هؤلاء تناسلوا، إذاً هو رقم هائل ولا يمكن عد الأشخاص الذين يحملون اسم فريج في أميركا الوسطى وكلهم منحدرين من الفرع نفسه ومن النواة نفسها وقد أتوا وقاموا بأشياء عديدة، لقد قام جدودي بزراعة القطن وكان ذلك قبل مولدي ولكن ذلك هو ما أخبرتني به عمتاي، ليس لديّ ذكريات عن ذلك، ذكرياتي هي فقط القصص التي رويت لي.

مشارك أول: جدي وجدتي اللبنانيين من ناحية الأم هما ممن أتوا إلى هنا وكان والدي يقدرهما كثيرا وكان هذا الشخص هو جدي بدرو صوما وكان من أوائل المهاجرين الذين قدموا إلى هنا وأول من أنشأ دارا للعرض السينمائي أسماها تورييه ألبا وقد كان مندمجا جدا مع التجمع الكوستاريكي لدرجة أنه تم تعيينه ولا أعرف كيف حدث ذلك، قنصلا لإسبانيا في ليمون، نتحدث عن البيت اللبناني الذي كان يجمع تقريبا كل أبناء المنحدرين من أصول لبنانية وعندما كنا صغارا كانوا يصطحبوننا إلى هناك لمشاهدة الأفلام أو للعب أو للجلوس في الصالونات الضخمة التي كانت موجودة في ذلك البيت، ذلك البيت القديم كان ملائما جدا للنشاطات التي كانت تمارَس هناك وكما قلت لكم في السابق فقد ضعف دور ذلك المنزل وهكذا أخذ التأثير العربي في الاختفاء، أليس كذلك؟

"
اللحظات الأكثر تشويقا في طفولتي هي عندما كان والداي يقومان بتقديم عروضهما الفنية وحينما كان العرض ينتهي كانا يناديانني من بين المشاهدين ويجعلانني أصعد إلى خشبه المسرح وأتلقى التصفيق من الحضور مع الممثلين
"
              مشاركة
عشتار ياسين جوتيرس: لتذهبوا إلى الزاوية حيث يتم الطقس والأغنية أغنية الباعة الجائلين، سأكررها وحضرتكم تكررونها أيضا، أبيع الوقت وأشتري الألم، أشتري السقف وأبيع الجوع والآن أنتم، لقد كتبت هذا العمل المسرحي منذ حوالي 8 سنوات ويمكنني القول إنني عشته بنفسي بقوة منذ 12 عاما فيمكن القول إنه في العمل المسرحي توجد مجموعة من الفنانين الذين يموتون من الجوع ومنذ 12 عاما كنت أنا أيضا أموت جوعا لأنه هنا في أميركا اللاتينية من الصعب العيش من الفن، إنه أمر صعب جدا.. جدا، إذاً ما الذي تتحدث عنه المسرحية؟ تتحدث عن عالم كل شيء فيه هو سلعة، كل شيء قابل للمتاجرة به حتى الإنسان فيه هو مجرد بضاعة وهكذا هم الفنانون الذين يرفضون بيع أعمالهم الإبداعية يتم تهميشهم فورا وهكذا فإن هذه المسرحية تتكلم عن مجموعة من الفنانين الذين انعزلوا عن العالم ويموتون جوعا ولكنهم يلعبون حتى لا يفكروا في الجوع ويأكلون طعاما خياليا ويتذكرون الذكريات السعيدة ويخترعون قصصا أي أنهم يفكرون بلا انقطاع كي ينسوا الجوع وهي استعارة تدل على أن الفنان على الرغم من تهميشه إلا أنه لا يستطيع التخلي عن طبيعته، اللحظات الأكثر تشويقا في طفولتي هي عندما كان والديّ يقومان بتقديم عروضهما الفنية وحينما كان العرض ينتهي كانا ينادياني من بين المشاهدين ويجعلاني أصعد إلى خشبه المسرح وأتلقى التصفيق من الحضور مع الممثلين وقد كان هذا.. لقد كنت صغيرة ما أزال وكان ذلك لي بمثابة الفخ ولكنها كانت من أسعد اللحظات التي عشتها في طفولتي ودائماً كنت قريبة من والدي ومن عروضه ومن أعماله المسرحية وكنت أذهب مع والدتي إلى عروض الرقص ومع ذلك لم يكن يعجبني الرقص، كنت أفضل المسرح ومنذ كنت صغيرة جداً كنت أقوم بالتمثيل وبتقليد الشخصيات ووالدي وهو المنتمي للمدرسة الروسية، إنه ينتمي للمدرسة الروسية ولكنه كان قد تعلم التمثيل ودرسه أكاديمياً في بغداد بالعراق وهكذا فإن والدي كانت لديه خلطة غريبة فقد كان له أسلوب مميز جداً في الإخراج المسرحي وإعداد أحد الأعمال المسرحية وإدارة الممثلين وكيف يتم حبْك الرواية، لقد علمني الكثير وحينما كان عمري 22 سنة عملت في مسرحية سالومي لأوسكار وايلد أخرجها هو وبفضله عرفت أن الفن ليس تقليداً للحقيقة ولكنه تأويل.

ساندرا أجوب: حياتي مثيرة للاهتمام لأنني أنحدر من لبنانيين وفلسطينيين، لدينا ميراث ثقافي عظيم، نتاج خليط بين ثقافتين لذلك فإن شخصيتي تتميز بالجرأة ويمكن القول بالتمرد وذلك لأن أبي وكذلك جدي أرادا أن يحافظا على عاداتهما خاصة حينما وصلنا سن المراهقة بدأت الصراعات وبما أننا نشأنا ضمن نواة المهاجرين هذه تضاعفت الصراعات لأن آباءنا المهاجرين والمنحدرين من ثقافة قوية ومحافظة مثل ثقافتنا العربية في أميركا الوسطى وبفضل مثل هذه التأثيرات كلها والآتية من أميركا الشمالية خاصة هناك حتماً نوع من التحرر من الصعب فهمه من قِبل أجدادنا، لذلك كان صراعاً كبيراً بالنسبة لمراهقة لها أصولها الخاصة وبالنسبة لحالتي بالتحديد ولأن شخصيتي كانت قوية.. قوية جداً وبما أنني أردت أن أكون فنانة وكنت جريئة جداً وصعب على أحد أهلي فهم هذا، لقد كانوا قوماً يفسدون البيت والعمل وكل أحاديثهم كانت تدور حول العائلة والعمل وتلك الأشياء وفجأة ظهر شخص مثلي لا يهتم بالتجارة ولا بالعمل فكان من الصعب عليهم فهم ذلك، كنت أقول لأبي انسَ الأمر، لقد ولدت وتربيت وعشت هنا لذلك كنت أطلب منه أن يدعني أعيش بحرية وإلا أصبت بالجنون.

[موجز الأنباء]

مشارك أول: حين كنت في غرناطة ورأيت قصر الحمراء، كان أول ما قلته هو أن التاريخ قد أخطأ، كيف يمكن أن يتم القضاء على هذا؟ فحينما تدخل إلى هذا المكان لا تشعر فقط بأنه كان حصناً لكنك أيضاً تشعر بما يحمله هذا المكان من ومضات الحكمة والمعرفة والذوق الرفيع، ذوق راق تجاه الحياة والعناصر التي تحيط بها رؤية نور القمر وكيف يدخل هناك وأشعة الشمس التي تحيط بها لتزيد من جمالها وتجعل لها مفهوماً كونياً لنلاحظ أن السلاطين فيها قد تحولوا إلى شعراء وفلكيين وعلماء في النجوم وبدأت أتساءل عما حدث، لماذا تدهورت وانهارت الإمبراطورية العربية إذا كانت قد تأسست على نشر الحضارة؟ ماذا كان سيحدث إذا كانت الإمبراطورية العربية قد استمرت ووصلت إلى أميركا بدلاً من الأسبان؟ كان بمثابة لقاء مع جذوري فالعيش في غرناطة واستكشافها لأنها بالنسبة لي مازالت عربية حتى الآن وأن أواجه ذلك الجمال الأخاذ الذي يسمى قصر الحمراء والذي كنت أقوم بزيارته العديد من المرات كل يوم، لقد كان كل ذلك بالنسبة لي بمثابة لقاء بجذوري الموغلة في القدم وكنتيجة لهذا اللقاء يصدر كتابي أسابيس وأبدأ في إدراك أنني لست فقط كوستاريكيا.



بين جبران وبابلو نيرودا

عشتار ياسين جوتيرس: اليوم سنقدم فيلماً وثائقياً عنوانه أذكرك كما كنت دائماً وهو تكريم للشاعر بابلو نيرودا.

[مشهد من فيلم وثائقي]

يوم 12 يوليو/ تموز عام 1904 وُلد في بارال وهي قرية صغيرة في تشيلي، بابلو نيرودا وهو أحد أعظم شعراء اللغة الإسبانية.

عشتار ياسين جوتيرس: لقد وجدت في غرفة الملابس الموجودة ببيت جدتي علبة فيلم حديدية كوداك مقاس 35 ملم وقد سألت جدتي.. جدتي ما هذا؟ فقالت لي لا أعرف، فقلت لها كيف؟ فقالت لي، لقد أنقذته من الانقلاب العسكري في عام 1973 وأعتقد أنه قد يكون بابلو نيرودا، كيف لم تخبريني بذلك من قبل؟ إذاً منذ متى وهو موجود هنا؟ منذ ثلاثين عاماً في غرفة الملابس محاطاً بالرطوبة والفطريات وكل هذا كيف لم تخبريني بهذا من قبل؟ وقد ذهبت إلى إحدى دور السينما هنا وطلبت من صاحبها أن يسمح لي بعرض هذا الفيلم لأشاهده وأجد بابلو نيرودا يكتب النشيد العام في منزله وهي لقطات نادرة للشاعر لم يرها أحد من قبل وبالإضافة لذلك فإن والد جدتي كان أول من نشر لبابلو نيرودا وهكذا ظهر والد جدتي بجانب بابلو نيرودا وأفضل الكُتاب التشيليين في ذلك الوقت، كل هذا كان مسجلاً على شريط مدته سبع دقائق ولكن سبع دقائق من ذهب، لقد قلت لنفسي ماذا سأفعل بهذا خاصة في كوستاريكا الآن، بابلو نيرودا من شيلي، في العام الماضي مرت مائة سنة على مولد نيرودا وقلت يجب أن أفعل شيئاً إما الآن وإما أبداً وقلت هي معجزة، لقد مرت مائة سنة على ميلاد نيرودا وأنا الآن استطعت عمل ذلك الفيلم التسجيلي الذي يحوي تلك المشاهد.

مشارك أول: حضرت أكثر من عشرين لقاءً دولياً للشعر وكنت عضواًَ في لجنة تحكيم دولية لجوائز مهمة كجائزة ريكاردو ميرو في بنما وسان خوان دي لاكروس في المكسيك ولكنني أيضاً سلكت بجانب هذا الطريق الذي أعتبره مصيرياً مجال التدريس والتعامل مع الأطفال، أقوم بالعمل مع أطفال ومع مراهقين مع كلا المرحلتين وهم لديهم الحق في الحصول على درجات علمية في مجال الأدب وأعتقد أن العلاقة القائمة بيني وبينهم هي علاقة خاصة جداً وهي تمثل بالنسبة لي إثراءً كبيراً لأنها تساعدني كثيراً على فهم مشاكل مستقبلهم وعلى الشعور بما يشعرون به فيما يتعلق بنظرتهم للعالم لأن الأطفال بالنسبة لي لديهم منطقهم الخاص والذي يقومون فيه بتكوين نظرة خاصة بهم للعالم وطريقة خاصة في التعبير ولذلك فمرحلة الطفولة بالنسبة لي هي أجمل وأغنى مراحل الحياة الإنسانية وأن تتاح لي الفرصة لأكون معهم في هذه المرحلة هو شيء يسعدني ويؤثر بصورة كبيرة في كتاباتي.

ساندرا أجوب: لقد التحقت بمعهد الفنون الجميلة ودرست الفنون التشكيلية ومن الفنون التشكيلية اخترت الرسم ولكنني جربت كل شيء، أحب التنوع، لديّ أسلوبي في هذا الاختصاص ويمكنني القيام بأشياء متنوعة والسير في طرق مختلفة لفترة قصيرة، يمكنني أن أمضي سنة أو اثنتين أو ثلاث وأنا أمارس الرسم وحده ثم فجأة أتجه لتقنيات الغرافيك، الحفر والرسم على السيراميك أو القماش والتي هي في مجموعها تشبه الرسم وهي شيء واحد في النهاية، تماما كتصوير الفيديو، لقد كان الأمر كمحاولة لتحريك الصور الفنية وأساسا الصور الفوتوغرافية التي قمت بها وكما أن أسلوبي في الرسم يحتوي على شيء من اللعب في كل الصور التي أعرضها وبالنسبة للفيديو هو تماما كالغرافيك وهذا ما يعجبني في ممارستي الفنية على عكس الرسم الذي يتصف بالخصوصية الشديدة، أما تصوير الفيديو فهو عمل جماعي وفي عمل الغرافيك أيضا هناك عمل جماعي وهذا أمر مدهش.

عشتار ياسين جوتيرس: عندما أخبرت والدي بأنني أريد أن أعمل بالتمثيل والمسرح والإخراج والكتابة قال لي والدي: أأنتِ مجنونة؟ كيف ستفعلين ذلك؟ مهنة المسرح تحتوي على معاناة كبيرة، فقلت له: إنني لا أهتم بذلك ولو كنت ستقول لي عكس ذلك مطالبا إياي أن أكون طبيبة وكيف أنه أمر فظيع أن أكون ممثلة وأنني لن أستطيع التعيش من التمثيل وكنت أقول له مهما قلتَ لي فسوف أقوم بذلك وهذا ما حدث، درست منذ كان عمري أحد عشر عاما حتى ستة عشر عاما هنا في كوستاريكا وعندما أتممت السابعة عشرة ذهبت إلى موسكو حيث درست في معهد السينما هناك وقد يبدو ذلك هذيانا ولكنني فعلت تقريبا نفس ما فعله والدي وقد كان ذلك بمثابة دائرة تدور من جديد بنفس الطريقة فقد درست أيضا في موسكو وكان الأمر كالعادة مرة أخرى لعمل نفس الشيء وقد كانت تلك الفترة ذات قيمة كبيرة في تعليمي فقد أفادني والدي كثيرا بكل ما تعلمته منه وبكل ما يحمله داخله من أصوله العربية.

[مشهد من فيلم]

مشاركة أولى: أمي، احكِ لي الحكاية.

الأم: في إحدى المرات كان هناك أميرة..

عشتار ياسين جوتيرس: في كل مسرحياتي وأفلامي وأعمالي التسجيلية أتبع عواطفي فلا أتبع خطأ تاريخيا أو زمنيا محددا بل تتكون أعمالي في دمج لحظات شعورية مختلفة أمُر بها وهي ما يكون المسرحية أو الفيلم وأعتقد أنني ورثت ذلك من الثقافة العربية لأنها ثقافة قائمة على الشعر وأنا أعشق الشعر وأحبه كثيرا فقد كان أبي يقرأ لي الكثير من الأشعار والقصص وذلك بلا شك قد أثر في أعمالي وكل الأعمال المسرحية التي قمت بتمثيلها وإخراجها منذ تخرجي في موسكو والأفلام التي قمت بتنفيذها حتى الآن قمت كذلك بكتابتها ودائما أكتبها وأنا أفكر في الشعر، بالنسبة لي أعمالي تتقارب دائما مع الموسيقى والشعر أكثر من تقاربها مع قصة عقلانية ذات خط زمني محدد.

مشارك أول: هناك بعض الأشياء التي ظهرت دائما والتي لها علاقة بالعالم العربي وهو ما يربطني أيضا بعملي الشعري، هناك عمل قام به شاعر صديق وهو ماوريسيو مولينا وهو يقوم فيه بعرض الأصول العربية في شعر أوسبالدو صوما، لقد تابعت عن قرب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وقد جعلني هذا أطرح العديد من الأسئلة وأفكر كثيرا في الاختلافات الأزلية القديمة والتي دائما ما كانت موجودة بين العرب واليهود.

الرسم بريشة البراءة

ساندرا أجوب: الأشخاص الذين يطالعون لوحاتي خاصة القديمة منها كانوا يقولون لي إنه يظهر دائما ما هو عربي في لوحاتي لكنني لم ألحظ ذلك حتى أخبروني هم أنفسهم به كان عاما غنيا ومليئا بالأشياء وكان يبدو كرسومات الحكايات العربية، كان هناك تشابه على الرغم من أنني لا أعرف لابد أن ذلك يتسرب من خيالاتي وأنا طفلة بطاقات المعايدة مثلا وغير ذلك من الأشياء، حضور اللون الذهبي ودرجات معينة من الألوان وهنا مثلا يوجد نخيل والشكل الذي يظهر به النخيل في رسوماتي وكذلك ألوانه تجعل الناس تقول إنه البساط السحري، إنها أشياء مثل ألف ليلة وليلة وتجيء جدتي على بالي وأراها وأرى أزهارها وأشياءها التي كانت تضعها وأراها تظهر في أول مجموعة لي ويراها أحد أبناء عمومتي وهو طبيب نفسي ويقول لي: ساندرا هل لاحظتِ أن في أعمالك كل شيء.. كل شيء عن جدتك حتى حُليها فقد كانت تحب الحُلي والقطع الذهبية، تحب البريق مثل المرأة العربية وكذلك الذهب.

عشتار ياسين جوتيرس: طيب، لقد كتبت هذه القصيدة في بداية غزو العراق، أعلن الموت في كل العالم سمع صوت صرخة انتظرت الصقور العلامة كان الموت قد قرر لم يستطع أحد أن يمنع الهجوم، لقد أتت اللحظة وخرج الوحش المتخم، كانت الليلة البشعة في ليل بغداد، الصمت يثير الرعب، دوي القنابل والرعب من فقدان الحياة والخوف من عدم القدرة على النجاة الألم والاحتضار، التاريخ ملطخ بالمظالم، كل الممالك أتت عليها لحظة السقوط، أجنحة صقور الموت سوداء، موتى العراق سوف يولدون مرة أخرى من الرماد، هؤلاء الذين قُتلوا وأرادوا الحياة سيجوبون المدينة مثل الأشباح، مثل أرواح استحقت الحياة، ربما تستيقظ الآلهة من مراقدها غاضبة فتوقف الزمن وتخرج وصمات العار تلك وتضعها في فقاعات مع بعضها البعض كل واحدة في جحيمها الخاص، هكذا يمكن استعادة العدالة في العالم بأيادٍ نظيفة وقلوب سليمة، أرى وجوه الأطفال الطيبة التعِبة من الحزن، أوجه حزينة ومتعبة من كثرة العنف، أسمع تأوهاتهم وسط الأنقاض، يموتون، لا دم هناك لا ضمادات لا خلاص، دائما ما كان الشعر يخرج منِّي حينما أشعر بالألم.. حينما أشعر بالألم بسبب ما يحدث في العالم أو ما يحدث لي في تلك الحقبة التي نعيشها، منذ أن كنت صغيرة جدا بدأت أكتب وقام والدي بترجمة أشعاري الأولي إلي العربية وقد تم نشرها في إحدى الصحف هناك في بغداد.

مشارك أول: علاقة الدم التي تربطنا بجبران من ناحية جدتي ما زالت موضوعا مهما في أحاديثنا فقد كان من نفس قرية جدتي وقد حكى لي هذا أحد العرب وكان قنصلا لكوستاريكا وقضى وقتا طويلا في تكساس وكان صديقا لجبران في نيوريورك حينما كان يقضي وقتا في نيوريورك حيث كان يعيش جبران وقد شرح لي بصورة واضحة جدا لا أتذكرها الآن كيف هي علاقة القرابة التي تربطنا بجبران، هو شيء نتحدث عنه في العائلة في بعض الأحيان ولكن الأهم في الموضوع هو الأعمال التي تركها جبران والتي أعتبرها عالمية جدا ومحلية جدا كذلك.

عشتار ياسين جوتيرس: ابنتي هي حبي الأعظم هي شيء عظيم وكبير بحيث إنه لا يوجد شك في أنني سأضحي بحياتي من أجلها في أي وقت، لقد ولدت عندما كنت أنا صغيرة، كنت في التاسعة عشر من عمري حينما رزقت بطفلتي وطبعا في البداية لم يكن سهلا.. لم يكن ذلك سهلا ولكنني كنت ممتلئة بالطاقة وقد ذهبت للدراسة وهي معي في موسكو بعربتها في البرد القارس، كنت آخذها معي في المحاضرات وكنت أخرج من المحاضرة وأهز سريرها ثم ادخل المحاضرة التالية، لقد كان شيئا بطوليا ولا أقول ذلك لأشكر في نفسي ولكنني تخرجت بأعلى التقديرات على الرغم من أن صغيرتي كانت معي.

مشارك أول: بالنسبة لأولادي أعتقد يهتمون كثيرا بالعالم العربي فابني الصغير يقوم الآن بدراسة اللغة العربية وهو شيء يدل على أنه يحاول استعادة جذوره وهو شيء يبدو لي ممتازا وأعتقد أن الابن الأكبر فيما يتعلق بآرائه وباتجاهاته الفكرية يشاركني العديد منها فيما يتعلق بالعالم العربي والموقف الحالي واستفان أيضا وهو ابني الأصغر ونحن نتحدث دائما حينما نجتمع عن هذه الموضوعات التي قد تثار أحيانا في نقاشات عائلية ولكننا دائما ما نتحدث عن ذلك الموضوع ونقوم بقراءة الكتب وأنا أمدهم دائما بالمعلومات وابني الذي يسافر كثيرا يقوم أيضا بشراء الكتب الحديثة التي تتحدث عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ونطالعها معا أو يحضرها لي لأقراها وهكذا، إذاً فنحن دائما على اتصال ونتبادل المصادر التي ترد إلينا ولا أعتقد أن هذا قد انتهى وبدراسته العربية سيساعدنا جمعيا، هذا ما أتمناه.

"
أريد أن أتعلم العربية وأريد أن أعرف ثقافتها وأدبها، تاريخها، شعرها وعلومها، هذا بالنسبة لي هو أحد أهم أحلامي على الإطلاق
"
               مشاركة
عشتار ياسين جوتيرس: أريد أن أجد جذوري، أريد أن أتعلم العربية وأريد أن أعرف ثقافتها وأدبها، تاريخها، شعرها وعلومها، هذا بالنسبة لي هو أحد أهم أحلامي على الإطلاق وأتمني أن أستطيع تحقيقه قريبا مع والدي.

ساندرا أجوب: الآن لديّ رغبة هائلة في الذهاب بل في حاجة عميقة لكي أذهب إلى أرض أجدادي وأتعلم اللغة فجيل أهلنا الأكبر سنا سيذهب ويجب أن نحافظ على جذورنا.

مشارك أول: لديّ رغبة جامحة للسفر إلى لبنان والدخول في مواجهة مباشرة مع جذوري ومع أجدادي حيث يرقد بعضهم هناك وأن أرى أرضنا في حصرون، حاجتي للاتصال بالعرب أو الاندماج معهم تنمو يوما بعد يوم وأعتقد أن العرب الآن يمثلون الطليعة التي تواجه القوي الأكثر قوة وسطوة في العالم الغربي وفي زمن تلك الحروب الصليبية الجديدة التي يشنها الغرب، أعتقد أن العرب قد أوضحوا لنا ما هو معنى الكرامة خاصة الشعب الفلسطيني وما يقاسيه ويعصف به.

عشتار ياسين جوتيرس: يجب علينا أن نفخر بأصلنا وجذورنا خاصة في الأوقات التي يقع فيها الظلم وبشكل كبير على تلك الدول لهذا فأنا أشعر بالسعادة لأننا نحس بذلك الإحساس.