أفنى المفكر والمصلح عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902) عمرا عزيزا في تبيان طبائع الاستبداد وتشخيص مصارع الاستعباد.

وما زال كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" -بعد مضي أكثر من قرن على صدوره- طازجا بأفكاره، ملهما للتغيير، ومتجددا في نقده لا للاستبداد فحسب، بل لقابلية الفرد والمجتمع للخنوع أيضا.

برنامج "خارج النص" في حلقة الأحد (2018/4/1) سلط الضوء على كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" الذي أسكت صوت كاتبه وكسر قلمه عام 1902 مسموما بسم دُسّ له في فنجان قهوة، لكن نداءه للحرية وجملة أفكاره ما لبثت أن نبتت لها أجنحة وسافرت عبر الزمن.

أحد رواد النهضة
ولد الكواكبي في مدينة حلب، وأمضى فيها معظم سنين عمره، في صدام مستمر مع الدولة العثمانية، قبل أن ينتهي مطافه في القاهرة، واعتبر أحد رواد النهضة العربية ومفكريها في القرن 19.

ورغم أنه فصّل في كتابه أنواع الاستبداد، فإنه خصّ بالدرجة الأولى السياسي منه، وأثره على المسيرة الحضارية للأمم.

وعُدّ "طبائع الاستبداد" وقتها من أوائل الكتب العربية التي تتناول فلسفة السلطة وتبحث سبل تهذيبها.

وبحسب سلام الكواكبي أستاذ العلوم السياسية، وحفيد عبد الرحمن الكواكبي، فإن الكتاب كان عبارة عن تجميع لمقالات كان الكواكبي بدأ كتابتها قبل خروحه إلى مصر، فقام بإعادة صياغتها وترتيبها وتبويبها، محاولا تشخيص مشكلة الاستبداد، من حيث أسبابها وظواهرها وصولا لتقديم حل بالوصول لمجتمع ديمقراطي.

الاستبداد بكل اللغات
وجاء في الكتاب أنه لا يقصد ظالما بعينه ولا حكومة أو أمة محددة، وإنما بيان طبائع الاستبداد وما يفعله، وتشخيص مصارع الاستعباد وما يقضيه ويمضيه على ذويه.

مع صدور الكتاب وبعد عقود من رحيل الكواكبي، تنوعت أشكال الاستبداد.

وهنا يبين مدير مركز الأمة للدراسات سالم الفلاحات أن العرب ظنوا أنهم سينالون الحرية بزوال الحكم العثماني، فجاء الاستعمار الأوروبي، ودفعت الشعوب أثمانا باهظة، ثم دخلت في استعمار جديد هو حكم العسكر.

هذا عن السلطة، فماذا عن الواقعين تحتها؟

المجتمع الخانع
يلاحظ الباحث المتخصص في التراث الفكري جان داية أن الكواكبي يحمّل جزءا من ممارسة الاستبداد للمواطن والمجتمع بسبب الخنوع، خاصة النخبة، ومنها أصحاب العمائم.

يقول الكواكبي إن الأمة التي لا يشعر كلها أو أغلبها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية.

وفي السياق ذاته يقول إنه إذا سأل سائل لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين؟ فأبلغ جواب مسكت أن الله عادل مطلق لا يظلم أحدا، فلا يولي المستبد إلا على المستبدين.

جان داية يرى أيضا أن الكتاب يتضمن عبارات ترد اليوم في معاجم العلمانيين في الإصلاح السياسي، وتحديدا الفصل بين السلطتين الدينية والزمنية.

ويتفق سلام الكواكبي مع ما جاء في الكتاب من ربط بين الجهل والاستبداد، مؤكدا أن الجاهلين دائما هم أكثر الناس استسلاما وخنوعا.

طوباوية الكواكبي
وفي ما يتعلق بفكر "فصل الدين عن الدولة، يرى المفكر اللبناني ناصيف نصار أن نص الكواكبي يسمح بتعدد التأويلات، وأنه لم يقل بشكل صريح "فصل الدين عن الدولة"، بل ما أراده هو فصل الإدارة الدينية عن الإدارة السياسية.

ووفقا له، فإن تصورات الكواكبي طوباوية لا تدل على أنه صاحب مذهب فلسفي متعمق في قضية السلطة السياسية.

العسكر الأسوأ
من ناحيته، يقول الباحث الأردني حسن أبو هنية إن أسوأ أنواع الاستبداد هو العسكر، الأمر الذي تحدث عنه الكواكبي بوضوح وجرت استعادته في ثورات الربيع العربي.

ويشير إلى أن أفكاره في هذا الإطار ما زالت تثبت نفسها بشأن المؤسسة العسكرية التي تقود الانقلابات وتتحول من عامل تحديث وتقدم إلى تخلف وانحطاط.