كان يمكن أن يكون بين يدي القارئ العربي كتاب "نفحات من المزبلة العربية"، لكن الشاعر والأديب الساخر السوري محمد الماغوط (1934-2006) حمل إلى الناشر رياض الريس هذا العنوان وعنوانا آخر على أن يختار منهما، فاختار "سأخون وطني" الذي صدر عام 1987.

بتكثيف دالّ يكتب القاص السوري زكريا تامر مقدمة الكتاب واصفا إياه بأنه "شهادة فاجعة على مرحلة مظلمة من حياة العرب في العصر الحديث".

بدأ الماغوط حياته الأدبية في بيروت مع مجلة "شعر" العربية ليحجز مقعدا مهما بين كبار أدباء عصره، وامتاز في قصيدة النثر التي يعد واحدا من روادها، كما تربع على عرش الكتابة الساخرة التي ينتمي إليها كتاب "سأخون وطني" الذي خصص له برنامج "خارج النص" حلقته ليوم الأحد (2018/2/4).

الخيانة
هل فكر محمد الماغوط بخيانة وطنه؟ لا يمكن أن يكون هذا السؤال جادا.

يقول الكاتب الأردني الساخر يوسف غيشان إن أول صدمة يتلقاها القارئ هي العنوان، فالذي يخون وطنه يخونه بالسر مقابل المال أو تحت الضغط. و"خيانة" الماغوط المعلنة انعكاس للحالة العربية المأساوية التي ضاق بها الكاتب.

وفي رأيه أن أي محاولة لتقليد الماغوط لن تنجح، مشيرا إلى أن الأصالة قليلة في العالم، ومنها هذا الكاتب الذي مثلت كتابته مدرسة.

نقد حاد للمجتمع
لم تسلم المجتمعات العربية من سخرية الماغوط، فاتهمها بالسلبية واللامبالاة والنفاق أحيانا. وشرّح هذه المجتمعات بكافة أطيافها من فنانين وصحفيين وخطباء وغير ذلك، إلى درجة رأى البعض أنه وجّه نقده للشعوب لا للسلطات.

يقول "هذه الأمة العربية التي تحل الكلمات المتقاطعة أو تتابع المباريات الرياضية أو تمثيلية السهرة والبنادق الإسرائيلية مصوبة إلى جبينها".

ويتساءل في كتابه "ماذا تنتظر من مواطن مرت عليه ولمدة سنوات وسنوات شاحنة محملة بالقيم والشعارات والخطابات وكل سائق له اتجاهه الخاص ومزاجه الخاص؟".

يعلق القاص السوري إبراهيم صمويل بأن الماغوط يحكي عن شاحنات مليئة بالخطابات الفارغة، خطابات غير معنية لا بمقاومة ولا بممانعة ولا ببناء إنسان، مضيفا "نحن أقرب إلى العصر الحجري من القرن الحادي والعشرين".

الرعب والحرية
هذيان في الرعب والحرية غير محدد ببلد عربي معين، ولكن هذا لم يشفع له، فكان مقص الرقيب السوري في انتظاره ليمنع الكتاب من العرض والبيع في سوريا ودول عربية أخرى.

استمر ذلك حتى عام 2000 حين سمحت الرقابة السورية بتداوله، إلا أنه بقي ممنوعا في بعض الدول العربية.

مزاح مع السواد
ويقول الكاتب السوري سامر رضوان إن هذا الكتاب "في رأيي الشخصي" ليس أهم من كتبه الأخرى مثل "سياف الزهور" و"شرق عدن غرب الله"، لكن المنع يصنع المعجزات، فبدأ الناس يبحثون عن الكتاب، إضافة إلى أن عنوانه الرنان أدى دورا.

رضوان يرى أن ما كتبه الماغوط في "سأخون وطني" كان مزاحا بالمقارنة مع السواد المطبق، "أينما وليت وجهك لا شيء سوى السواد".