في ستينيات القرن الماضي لم تشهد صناعة السينما في مصر إنتاج أفلام على غير هوى السلطة إلا قليلا. ولم يكن مسموحا أن يشذ عن رأي الحاكم أحد إلى أن جاء فيلم "المتمردون" الذي حمل من عنوانه ما يمكن أن يعد تحريضا لم يعتد عليه رواد السينما في هذه الفترة.

حكاية هذا الفيلم -وهو الثالث للمخرج توفيق صالح- عرضها برنامج "خارج النص" في الحلقة التي بثتها الجزيرة الأحد (2018/1/28) وتناول فيها ردود الفعل على فيلم رمزي استعاري، لا يجهل أحد -وفي المقدمة الرقيب- دلالات ما أراد قوله بدءا من عنوانه "المتمردون".

في المصحة
الحكاية كلها تدور في مصحة لمرضى السل يحكمها نظام صارم بقيادة مديره الأعلى مدير المستشفى وكادره الطبي. أما المرضى فهم درجات: الذين ينالون الرعاية المتميزة بمقابل مالي، وفي القاع المرضى المسحوقون الذين يعالجون مجانا.

إلا أن العلاج المجاني كان يعني احتقار الطبقة المسحوقة التي كانت لا تجد حتى مياها للشرب، وحين بلغ بهم اليأس مبلغا اندلعت ثورة العطاش على "نظام" المصحة، وهجموا على خزان المياه ليشربوا بالقوة، ثم وجدوا أنفسهم مسيطرين على المصحة، من دون أن يعرفوا ما الذي سيفعلونه بعد ذلك.

ويلخص الناقد الفني محمد عبد الفتاح الأمر قائلا إن توفيق صالح حاول نقل صورة حقيقية للمجتمع عبر المصحة التي هي معسكر اعتقال أكثر منها مصحة، وأضاف أن الفيلم طرح لأول مرة أفكارا تقدمية ترى أن ما جرى في 23 يوليو/تموز 1952 انقلاب لا ثورة.

تعصب أيديولوجي
من جانبه يقول الناقد السينمائي أسامة عبد الفتاح إن المخرج توفيق صالح ينتمي إلى سينما المؤلف التي ازدهرت في فرنسا، ويأتي فيلم "المتمردون" ضمن هذه الموجة، إلا أن ما يؤخذ عليه هو تعصبه الأيديولوجي.

ويضيف أن شخصيات الفيلم مكتوبة بشكل جيد، غير أن الدلالات والاستعارات أفسدت روح الفيلم، والاهتمام بالأداء المسرحي والتكوينات المسرحية أفسد بكارة الأفكار فأصبح العمل مؤدلجا معلبا.

هذا الفيلم الذي صنف من أفضل 100 فيلم في السينما المصرية تقرر منعه لأكثر من عام ونصف العام.

رؤية الرقابة
ويوضح السيناريست والناقد الفني حسام الغامري أن الأوضاع عقب النكسة كانت دقيقة وضاغطة، وكان من الصعب قبول تسرب خبر بمنع فيلم، مما دفع النظام لإرخاء القيود، فعرض الفيلم وعرضت معه أفلام انتقدت الحقبة الناصرية مثل "شيء من الخوف".

إلا أن الرقابة أصرت على تعديل وحذف بعض المشاهد، حتى تسمح بتمرير الفيلم، وكان التعديل الأبرز في النهاية، حيث أضيفت عبارات على لسان البطل شكري سرحان تعطي الأمل وتتحدث عن التوافق مع النظام، حسب الغامري.