ليس هذا النقد لسياسة العدوان والتضليل وسفك الدماء التي تتبناها الصهيونية الإسرائيلية هو ما يغذي نزعة معاداة السامية، فما يغذيها فعلا هو ذلك الدعم المطلق لتلك السياسة التي لم تعد تحتفظ من التقاليد العظيمة للديانة اليهودية إلا بذرائع مستقاة من خلال تفسير حرفي متعسف تبرر هذه السياسة وتجعلها فوق كل القوانين الدولية، وذلك بإضفاء القداسة عليها استنادا إلى أساطير خرافات الماضي والحاضر.

تلك كانت فقرة من كتاب المفكر الفرنسي الراحل روجيه غارودي "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" استهلت بها حلقة (2017/9/10) من برنامج "خارج النص".

وخصص غارودي الباب الأول من كتابه للأسطورة اللاهوتية والقائمة على القراءة المتزمتة للتوراة كأسطورة الأرض الموعودة وأسطورة الشعب المختار، والفصل الثاني لأساطير القرن العشرين وفي مقدمتها محكمة نورمبيرغ التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية وخصصت لمحاكمة القيادات النازية. وقد اعتبر غارودي تلك المحكمة فاقدة لمقومات المحكمة الدولية العادلة.

يقول المؤرخ الفرنسي ومؤلف كتاب "روجيه غارودي.. سيرة إنكار" أدريان مينار "لا نستطيع بطبيعة الحال اعتبار محكمة نورمبيرغ محايدة، فقد أنشئت بشكل ارتجالي، ومع ذلك قام الأميركيون والبريطانيون بعمل أرشيفي مهم لجرائم النازيين".

المفكر اليهودي الفرنسي جاكوب كوهين يرى أن المحرقة ذريعة اتخذها الصهاينة لجلب اليهود إلى فلسطين، لأن الصهيونية كأيديولوجية سياسية كانت منبوذة من قبل 99% من الحاخامات المتدينين، فضلا عن وجود نص يقول إنه ممنوع على اليهود المتدينين الهجرة جماعات إلى فلسطين إلا بعد عودة المسيح، لكن في عام 1948 وجدوا ذريعة لتفادي هذا المنع.

المحرقة
أوجد الحاخامات معادلة تقول إنه صحيح قبل المحرقة كان سفر المتدينين إلى فلسطين لإنشاء دولة إسرائيل ممنوعا، ولكن بعد المحرقة لم يعد هذا الحظر قائما.

ويقول المؤرخ الفرنسي أدريان مينار "لا شك أن هذه الإبادة اعتبرت في بعض الأحيان حدثا مقدسا وأسهمت في شرعنة تأسيس إسرائيل".

جاكوب كوهين يذهب إلى أنه بعد حرب 1967 أصبحت إسرائيل مستعمرا، فبدأت تطرح تساؤلات ما هذه الدولة التي تدعي أنها تدافع عن نفسها للاحتماء من المعادين للسامية وهي تستولي على الجولان وسيناء. عندها بدأت شرعية إسرائيل تتعرض للزعزعة. وهنا أخرجت ورقة المحرقة.

من جهته يصف المؤرخ الفرنسي المتخصص في المحرقة جون مارك دريفوس كتاب غارودي بأنه نوع من الكتب التي تحارب إسرائيل وتنشر الحقد ضدها، مشيرا إلى أن العنصر الأكثر قوة الذي نحتفظ به من هذا الكتاب هو توظيفه للحجج الإنكارية أي إنكار المحرقة.

أما إيزابيل كوتان بيير محامية الدفاع عن غارودي فتقول إن كتاب غارودي هو كتاب سياسي يهدف إلى الدفاع عن حق الفلسطينيين في أرض وحياة عادية، وهو حق تم إنكاره على الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 "ولذلك يجب أن يشرح لماذا حرم الفلسطينيون من حقهم في أرضهم، وعنوان الكتاب يلخص ذلك بشكل جيد: إنها الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية".