منتشيا بانتصار أكتوبر/تشرين الأول 1973 ومستعدا لبدء حقبة جديدة بعد أعوام من الناصرية أتاح نظام الرئيس المصري السابق أنور السادات المساحة للعديد من الأعمال الفنية والأدبية التي سعت إلى تقديم الرواية الأخرى والمسكوت عنها لما كان يحدث خلف الأبواب الموصدة خلال الحقبة الناصرية.

كانت السينما رأس الحربة في تقديم تلك الرواية، وكان أحد ما أنتجته فيلم "الكرنك" عام 1975، قصة نجيب محفوظ وإخراج علي بدرخان.

وبين من اعتبر الفيلم وثيقة تاريخية ضد عهد عبد الناصر، وبين من اعتبره تشويها لذاكرة الأمة لأهداف سياسية أشعل "الكرنك" عاصفة من الجدل والتقييمات المتضاربة.

الثورة المضادة
أشار مدير مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس جمال أبو شقرة لبرنامج "خارج النص" حلقة (2017/9/3) إلى أن الفيلم جاء ضمن أجندة الثورة المضادة التي دشنها أنور السادات فور تسلمه السلطة.

ويلفت أبو شقرة إلى أن تمويلا كبيرا بملايين الدولارات جاء من قوى الثورة المضادة "من الولايات المتحدة والإخوان المسلمين" لتشويه جمال عبد الناصر.

لكن الروائي والكاتب محمود قاسم رأى في فيلم "الكرنك" كأنه جريدة معارضة تتضمن كل ما كان ممنوعا "عليك قوله طوال 18 سنة".

غير أنه يلاحظ أن ما قام به جمال عبد الناصر تجاه الملك فاروق عمله أنور السادات ضد زعيمه الذي عينه نائبا له فأعلن بقرار إداري في 15 مايو/أيار 1971 ما سميت "ثورة التصحيح".

محو التاريخ
اللاحق يمحو ما سبق، هذا ما تشير إليه كاتبة السيناريو علا الشافعي معتبرة ذلك "جزءا من أصالتنا منذ الحضارة الفرعونية، إذ كان كل ملك يخلف ملكا آخر يمحو تاريخه ويبدأ كتابة تاريخ جديد".

ورغم أن الكرنك لم ينل من نظام السادات فإن وزير الثقافة آنذاك يوسف السباعي أصدر قرارا بمنع عرضه، الأمر الذي دفع منتجه ممدوح الليثي إلى مقابلة أنور السادات الذي شاهده ووافق عليه.

ويشير مخرج الفيلم علي بدرخان إلى أن "الكرنك" عرض بعد "تنازل" قدمه المنتج بتغيير في أحد المشاهد الأخيرة يتضمن الإفراج عن السجناء السياسيين بأمر من عبد الناصر فجرى التعديل بأن خرجوا بأمر من السادات.

حشد من النجوم
استمر عرض الفيلم عاما ونصف العام، وهو أمر لم يسبق حدوثه كما يشير بدرخان، مضيفا أن عدة عوامل أسهمت في نجاحه، من بينها حشد النجوم الذين اشتركوا فيه.

مثل الفيلم وثيقة عبرت بوضوح عن مدى توحش أنظمة الرأي الواحد واعتمادها القمع وسيلة لإسكات ذوي الرأي، وهو الذي منح العمل مدى جغرافيا أوسع.

لكن جمال أبو شقرة يخلص إلى أنه حينما تبالغ في السلبيات أو الإيجابيات يجري في الحالتين تشويه ذاكرة الأمة وإنتاج جيل مشوه.