في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أتم القاضي والمفكر محمد سعيد العشماوي مراجعة آخر مسودات كتابه الجديد وسلمه للمطبعة. 
 
عنوان الكتاب "الإسلام السياسي" كان جديدا على أذن القارئ المصري وقتها، وأتى مضمونه ليخوض في القضايا الخلافية والشائكة على امتداد صفحاته، فمن مناقشة مستفيضة لمبدأ الحاكمية إلى مقاربة بين منظري الحركات الإسلامية في مصر وباكستان عرجت على الأفكار والسياقات، وصولا إلى عبور مكثف على معاني ودرجات الجهاد في الإسلام وفقا لأفكار الكاتب.
 
نشرت دار سينا القاهرية الكتاب ولقي رواجا هادئ الصدى، وثار حوله جدال خافت.. مرت خمس سنوات افتتح بعدها الرئيس وقتها حسني مبارك في يناير/كانون الثاني 1992 الدورة الثالثة والعشرين من معرض القاهرة الدولي للكتاب.
 
مرت فعاليات المعرض بسلام، لكن حدثا ما قدر له أن يرفع العشماوي وأفكاره وكتبه إلى صدارة المشهد الثقافي وربما السياسي في مصر، حيث قامت لجنة قيل وقتها إنها تابعة لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر بمداهمة دار سينا للنشر وصادرت نسخ خمسة من كتب العشماوي، على رأسها كتاب الإسلام السياسي.

حلقة (2017/4/9) من برنامج "خارج النص" استعرضت آراء عدد من الكتاب والمفكرين في كتاب "الإسلام السياسي" ومؤلفه المستشار العشماوي.
 
يقول المفكر الإسلامي محمد عمارة إن مشروع العشماوي الفكري بكامله مشروع مثير للجدل، معتبرا أن كتاب "الإسلام السياسي" وكل كتب العشماوي كتب سطحية تزيف الإسلام، كما أنها كتب تمثل تيار الغلو العلماني في مواجهة الصحوة الإسلامية.
 
الباحث الإسلامي محمد سعيد مبروك يقول إن العشماوي مجرد كاتب يكتب أمورا مسطحة ومبسطة كي تنتشر بين عوام المثقفين، مشيرا إلى أن كتب العشماوي لا توجد فيها استشهادات بكتب أو مراجع أو هوامش، كما أن المادة الفقهية ضعيفة للغاية وهو لا يذكر فقهاء أو علماء، ومادة كتبه أقرب إلى الإنشاء.
 
وأضاف أن الأطروحات التي طرحها بالنسبة للإسلام السياسي إما مأخوذة من سابقيه، أو أنه زاد بعض الأضاليل المفضوحة للغاية.
 
إشادات
في المقابل يقول الكاتب الصحفي رحاب الدين الهواري إن كتاب "الإسلام السياسي" كتاب قيم في حد ذاته ويستحق كل الجدل الذي أثير حوله، وهو لم يكن كتابا أسس كي يكون كتابا ذا فصول مفندة وبمنهج بحثي علمي، لكنه كان عبارة عن أبحاث نشر كل منها على حدة ثم تولى العشماوي تجميعها في كتاب كتبَ مقدمته ورأى أنه جمع فيه ما أراد.
 
وأضاف أن أهمية هذا الكتاب تكمن في أنه تناول ثلاث قضايا مهمة للغاية هي الحاكمية لله والجهاد في الإسلام ومفهوم الشريعة في الإسلام، مشيرا إلى أن هذه الأمور الثلاثة ربما كان العشماوي من الجرأة بمكان بحيث يثير جدلا حولها، خاصة إذا تصدى للرد عليه مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف.
 
من جهته يقول الكاتب والباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية إن العشماوي كان أول من طرق مشاريع أو أفكار أو تعاليم جماعات الإسلام السياسي، مشيرا إلى أنه خاض حربا ضروسا في 35 كتابا ضد ما يسميها الجماعات الإسلاموية.
 
بدوره قال الكاتب والباحث بالمركز القومي للبحوث كمال مغيث إن العشماوي كان واحدا من أهم من يواجهون الإسلام السياسي بما يحمله من علم وقدرة لغوية وإلمام بأصول الشريعة الإسلامية.
 
الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد بان قال إن العشماوي يحرر المعنى الصحيح للجهاد اتصالا بتاريخ الأمة الإسلامية وتطور حالة الجهاد من حالة مجاهدة النفس وحديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال لدى عودته من غزوة يدافع فيها عن وجوده "عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، فسمى جهاد النفس ومحاولة تزكيتها الجهاد الأكبر.
 
وأضاف أن العشماوي ربما كان من الأوائل الذين حذروا من خطورة بقاء مصطلح الجهاد جامدا لا يتفاعل مع الواقع، ومن ثم يصبح سيفا مشهرا في وجه العالم لا ينقضي، ويبرز إرهابا دوليا توقعه العشماوي في كتابه، وهو ظاهرة تحدث عنها قبل ثلاثة عقود لتصبح الآن معلوما من الواقع بالضرورة.