بعد نجاح ثورة الياسمين في الرابع عشر من يناير/كانون الثاني 2011 عاشت تونس حالة ثورية طالبت الفئات الشعبية من خلالها بالكشف عن أرشيف نظام زين العابدين بن علي وفضح الجرائم التي ارتكبها خلال فترة حكمه التي امتدت 24 عاما.

خلال الفترة الانتقالية التي تلت الثورة، انتخب المجلس الوطني التأسيسي المنصف المرزوقي رئيسا مؤقتا لتونس.

دخل المرزوقي قصر قرطاج ولاحظ الديوان الرئاسي اختفاء الكثير من أرشيف الرئيس المخلوع بن علي.

التخلص من الأرشيف
هذا ما يؤكده مدير الديوان الرئاسي والناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية سابقا عدنان المنصر الذي قال لبرنامج "خارج النص" حلقة (2017/4/23) إن كمّا كبيرا من الوثائق خرجت من القصر الرئاسي، بل إن لجنة التحقيق المكلفة أخذت وثائق أصلية، بعضها سحبت منه نسخا والبعض الآخر لم تعده.

بعد مضي سنتين من حكم المرزوقي، أنهت شعبة الإعلام والتواصل في الديوان الرئاسي العمل على ما سمي "الكتاب الأسود" معتمدة على مواد الأرشيف التي نجت من الإتلاف.

أحدث الكتاب ضجة كبيرة في أوساط الصحفيين والإعلاميين انتهت بقرار المحكمة وقف طبع الكتاب، لكن تسريب نسخة عبر الإنترنت مكّن التونسيين من قراءته.

اتهم الكثير من الصحفيين حكومة الترويكا التي تشكلت عقب الثورة بابتزازهم لحملهم على تلميع صورة الحكومة وتعظيم منجزاتها، ولدى الفشل في ذلك لوّح ديوان رئاسة الجمهورية بما تضمنه الكتاب الأسود من معلومات تدين بعض الصحفيين.

لكن الحكومة في المقابل أكدت أنها سعت لتفكيك منظومة الإعلام الموروثة عن النظام السابق التي استمرت في نشاطها بعد الثورة.

عبرة
رئيس مركز تونس لحرية الصحافة محمد الذوادي قال إن حديثا واسعا جرى بشأن إصدار قائمة سوداء لا بهدف الفضح فقط، بل ليكون ذلك عبرة حتى لا يعاد إنتاج المنظومة السابقة.

ويشرح آلية عمل هذه المنظومة قائلا إن وكالة الاتصال الخارجي كانت تضطلع بجلب الصحفيين من الخارج وتقديم الهدايا والمكافآت لهم.

عدنان المنصر يقول إن غالبية هؤلاء الصحفيين كانوا من العرب والأجانب، مبينا أن جهاز الدعاية كان ينتج كتابا -على سبيل المثال- ويضع عليه اسم صحفي معروف ليعطيه مصداقية، وبالطبع يدفع مبلغا كبيرا للصحفي مقابل هذه الخدمة.

مقابل ذلك يقول الصحفي والمحلل السياسي الجمعي قاسمي إن وكالة الاتصال الخارجي أمر متعارف عليه في كل الأنظمة سواء شمولية أو ديمقراطية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي لديها جهاز هدفه تلميع إنجازات الحكومة.

اجتزاء وتجاهل
أثار نشر أجزاء من الكتاب على مواقع التواصل جدلا ما بين مؤيد ومعارض. ويرى الجمعي قاسمي أن النشر كان مجتزأ أحيانا ومتجنيا أحيانا ومتجاهلا لأسماء وردت في الكتاب، لأنها تماشت نسبيا مع الخط السياسي لحكومة ما بعد الثورة.

وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية السابق سمير ديلو يقول إن الحكم ما قبل بن علي كان يستند إلى الشرعية التاريخية للحبيب بورقيبة وشرعية التحرر من الاستعمار الفرنسي، أما بن علي فقد كان يريد ذلك عن طريق النخبة.

ولكن ديلو لا يؤيد نشر الكتاب الأسود قائلا إنه بني على الأرشيف الذي لا يحق حتى لرئاسة الجمهورية التصرف به خارج مسار العدالة الانتقالية.

مع الجدل الذي أحدثه الكتاب فقد كانت للكتاب مزية، بحسب ما يقول القاضي أحمد الرحموني رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء، الذي رأى أنه سرع في إقرار مسار العدالة الانتقالية.