يشكو الكثير من الفنانين في لبنان من التضييق حال تناولهم الحرب الأهلية في أعمالهم، وكأن الطبقة السياسية تحاول إغلاق ملف الحرب دون مصالحة حقيقية أو مرحلة عدالة انتقالية تقضي على الأحقاد الدفينة والتمييز الطائفي كما حصل في عدد من البلدان.

برنامج "خارج النص" تناول في حلقة الأحد (2017/4/2) فيلم "لي قبور في هذه الأرض"، وهو العنوان الذي اختارته المخرجة رين متري لفيلمها.

عالج الفيلم مخاوف التغيير الديمغرافي للقرى اللبنانية وخصوصا المسيحية منها، بعد إقدام مسلمين على شراء بيوت فيها، وهو ما يعرف لبنانيا بالصراع على هوية الأرض.

انطلقت المخرجة من واقعة شخصية حين باعت قطعة أرض في منطقة مسيحية إلى مسلمين، وجوبهت بمعارضة من الأهل، لكن أمها -وقد فكرت ببيع البيت في 2011- وضعت المخرجة أمام شعور جارح بأن جزءا من روحها ستتخلى عنه قريبا.

لماذا الخوف؟
تقول المحامية غيدة فرنجية إن فيلم رين متري يعالج إشكالية الخوف بين مكونات المجتمع، مضيفة أن ثمة سياسة مناطقية تقضي بعدم بيع الأراضي والبيوت لطوائف أخرى. هذا الأمر هو ما شعرت به رين حين فكرت ببيع منزلها: لماذا الخوف بين عناصر المجتمع اللبناني؟

يذهب المستشار القانوني في مؤسسة مهارات طوني مخايل إلى أبعاد أخرى، فيشير إلى مخاوف عميقة من حرب إلغاء تستخدم شراء الأرض بدل استخدام القوة العسكرية.

إذن هي خارطة للخوف، تسميها المخرجة. ومن هنا قررت أن تجيب عن سؤال: كيف تأسست هذه الخارطة؟ ما الذي جعل الناس يخافون من بعضهم؟ بهذا السؤال لن يكون ثمة مفر من النبش في الحرب الأهلية اللبنانية.

أدوات التهجير
يستعرض الفيلم الحرب بما عرفته من تشريد وقتل ومجازر. يروي كيف أن القتل كان على الهوية الطائفية، وعليه سيكون التهجير على الأساس ذاته، مما دفع كل طائفة إلى التقوقع في منطقتها خوفا من الآخر.

بنت المخرجة فيلمها على مجموعة كبيرة من الصور الأرشيفية التي نشرتها الصحف المحلية أثناء الحرب وجمعت شهادات حية من أصول وخلفيات طائفية وجغرافية متنوعة، ومن بينهم الفلسطينيون الذين تعرضوا لمجازر في لبنان بدءا من تل الزعتر وجسر الباشا 1976.

كل مجزرة كانت تحمل نية التخلص من الآخر، وتهجير من لم تطله الرصاصة. بهذا المعنى يريد الفيلم القول إن الماشي على الأرض إنما يمشي على قبور، وعلى رفات ناس لم يحظوا بالوداع الأخير.

المنع
تقدمت المخرجة إلى هيئة الرقابة على الأفلام التابعة لجهاز الأمن العام اللبناني بطلب عرض الفيلم، جاء الرد شفويا بالمنع، وحين طلبت وثيقة رسمية جاءها قرار دونما تعليل.

لكن أخيرا، وبعد خروج الأمر إلى العلن، جاء التعليل بأن الفيلم يثير العصبيات والنعرات الطائفية، فضلا عن أنه يستند إلى شهادات ناس وليس إلى وثائق.

التهوين من قيمة الشهادات يرد عليه المخرج وليد حويك "ماذا بعد شهادات من لحم ودم؟ حين تقتل عائلة شخص في الحرب، لا نذهب إلى كتب التاريخ وإنما إلى الضحية نفسها لنسمع منها".