في بداية الثمانينيات شهدت مصر عهدا جديدا مع الرئيس حسني مبارك الذي وعد بالحريات والحفاظ على كرامة الإنسان.

لكن ذلك العهد الجديد بددته سابقة لم يشهدها تاريخ السينما العربية وربما العالمية، إذ أقدمت جهات سيادية عليا تمثلت حينها في وزير الدفاع، ووزير الداخلية، ووزير الثقافة على القيام بدور الرقيب بشأن إجازة عرض فيلم "البريء" (إنتاج 1986) للمخرج عاطف الطيب.

انتهى الأمر بعرض الفيلم مشوه الملامح منزوع الروح، ويقول المؤلف السينمائي وحيد حامد مؤلف وسيناريست فيلم البريء إن فترة الثمانينيات كانت مسكونة بهموم الحرية والاستعباد والوعي بهذا كله.

والحادثة الواقعية التي يسردها وحيد حاد لبرنامج "خارج النص" حلقة الأحد (2017/3/5) ستكون هي المرتكز الأساسي للفيلم الذي اكتسب شهرة واسعة.

في ثورة الخبز
فقد كان في مظاهرات 1977 التي سماها الشعب "ثورة الخبز" وسماها أنور السادات "ثورة الحرامية".

يتلقى حامد ضربة "شومة" قوية، وحين يلتفت يفاجأ بأن الذي ضربه "بلدياته" (أحد أبناء بلدته) فيصيح صاحب "الشومة": أستاذ وحيد.. أنت من أعداء الوطن؟!".

دور "أحمد سبع الليل" الذي يؤديه الممثل أحمد زكي في الفيلم هو دور الشاب البسيط الأمي المنخرط في الجيش، وأمامه مهمة مقدسة هي ملاحقة أعداء الوطن، ليكتشف في النهاية أن ابن عمه المتعلم والناشط السياسي والذي تربطه به أواصر محبة هو من "أعداء الوطن".

انتظر العسكري صدمة عنيفة ليصبح أمام حقيقة أن "أعداء الوطن" هم مصريون ينشدون الحرية فقرروا مواجهة الظلم، وهم يرزحون تحت التنكيل لأنهم قالوا "لا".

معركة الرقابة
عرض الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي، لكن معركة الرقابة غير المسبوقة ستتواصل لحذف مشاهد، أهمها المشهد الأخير الذي يقرر فيه سبع الليل إطلاق النار على الضابط.

استبدلت النهاية الدامية بصرخة يطلقها سبع الليل مفتوحة ومحتجة على القمع الذي كان وسيتكرر في قادم الزمان.

النهاية البديلة يراها مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية وحيد عبد المجيد أفضل من الخيار العنيف عبر إطلاق الرصاص.

تصادفت أزمة الفيلم مع اندلاع أحداث الأمن المركزي في فبراير/شباط 1986، الأمر الذي يقول فيه وحيد حامد إنه ليس نبوءة بل قراءة صحيحة لحال المجتمع.

رسالة مقلقة
رغم مرور ثلاثة عقود على الفيلم فإنه لم تجرؤ قناة تلفزيونية رسمية عربية واحدة على عرضه، وبقي في مرات قليلة عرضته فيها قنوات خاصة مشوها منزوعة منه عشرات المشاهد واللقطات.

تضامنت أجهزة الرقابة في الدول العربية ضد رسالة الفيلم لأنها مقلقة، حسب ما يقول الرئيس الأسبق لجهاز الرقابة على المصنفات السينمائية علي أبو شادي.

هذا القلق الذي يشير إلى أمر واحد، وهو أن قمع الحريات الذي تصدى له "البريء" ما زال قائما وإن تبدلت المسميات.

شاركونا النقاش حول مواضيع البرنامج على صفحتنا في فيسبوك:
 https://business.facebook.com/AJAOutOfText/