على جدار الحديقة العامة أمام مستشفى التوليد في مدينة حلب شاهد الكاتب والروائي السوري نهاد سيريس (1950-) مكبر صوت ضخما يضج بأغان تمجد الزعيم، وكان قبالة مكبر الصوت نافذة لإحدى غرف المستشفى وثمة مولود جديد.

لاحظ الكاتب كم هي كلمات الأغاني والأصوات والموسيقى في مكبر الصوت "تافهة" مقابل صمت المولود في المستشفى.

يقول نهاد سيريس لبرنامج "خارج النص" حلقة الأحد (2017/3/19) إن اللحظة تلك كانت مرعبة، ومنها خطرت بباله كتابة رواية "الصمت والصخب"، "حيث الصمت لنا والصخب لهم".

صدرت الرواية عام 2004 عند دار الآداب اللبنانية، وبطلها هو "فتحي شين" المذيع الذي طلب منه المشاركة في إدارة مسابقة قصصية في تمجيد الزعيم، ولكن شين يرفض المشاركة مفضلا الصمت، لا مؤيدا ولا ومعارضا، لكنه سيدفع ثمن صمته.

الوعد الجديد
يستعيد نهاد سيريس أجواء سوريا عقب تسلم بشار الأسد الحكم خلفا لوالده حافظ الأسد، ويقول إن الناس تأملوا خيرا بوعد الرئيس الجديد بالتجديد والانفتاح.

انطلق المثقفون بحماس لإنشاء منتديات سياسية حملت اسم ربيع دمشق. ويوضح سيريس أن "الأشهر الستة الأولى كانت جيدة وبدأت النقاشات تستفيض حول الديمقراطية ولكن النظام ضاق ذرعا فاعتقل بعض المثقفين وأغلق المنتديات".

سلسلة الاعتقال وتوالي قطع أرزاق الكتاب والصحفيين أديا إلى الصمت "بطريقة مؤذية"، "وفي المقابل اندلع صخب النظام وأعوانه وأدواته من التلفزيون والإذاعة والصحافة".

شرعية الهيمنة
يقول مدير القناة الثانية السورية سابقا يحيى العريضي إن النظام كانت لديه مشكلة منذ بداية السبعينيات في أنه لم يكن يمتلك شرعية الأغلبية، ولا صاحب مشروع مقنع، فوجد أن طريقه هي الهيمنة على الإعلام وبرمجة أدمغة الناس.

لم يكن الصخب في المسيرات المؤيدة للزعيم فحسب، بل كانت للسلطة اليد الطولى في إعادة صياغة الذائقة الفنية للشعب وتوجيه اختياراته.

الفن في خدمة الزعيم
ويورد سيريس في الرواية تحولات بعض المثقفين الذين انخرطوا في تأييد تحول الفن إلى صخب ووظيفة تخدم سلطة الزعيم.

ويأتي من أجواء الرواية ما يلي "الصخب الذي تصنعه الهتافات ومكبرات الصوت في مسيراتنا ضروري لإلغاء التفكير، التفكير نقمة، إنه جريمة بل خيانة للزعيم".

"وبما أن الهدوء والسكينة يدفعان المرء للتفكير فإن جر الجماهير كل فترة إلى مسيرات الصخب ضروري لغسل أدمغة الناس، وجعلها لا تقع في جريمة التفكير وإلا ما معنى كل هذا الضجيج؟".