ارتبط اسم شاعر العامية المصري فؤاد نجم (1929-2013) بالمنع والمصادرة والسجن. وربما هو الشاعر المصري الوحيد الذي مثل للمحاكمة أكثر من مرة بسبب قصائده السياسية التي طالما أغضبت السلطة وأزعجت رجالها.

التهمة كانت دوما تكدير السلم العام، وكانت البداية مع تصديق نجم الأحلام القومية التي كانت تزخر بها وسائل الإعلام في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وأيقن بتحقيق النصر على إسرائيل، لكن عبد الناصر زج به في السجن.

الصحفية نوارة نجم تقول لبرنامج "خارج النص" حلقة (2017/2/12) إن والدها نجم شأنه شأن الكثير من المصريين كان متيما بعد الناصر.

وتضيف أن هزيمة 67 أسقطت نجم في هوة سحيقة، ثم كتب القصيدة الشهيرة "الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا/ ياما احلى رجعة ضباطنا من خط النار/ يا أهل مصر المحمية بالحرامية، الفول كتير والطعمية والبر عمار/ والعيشة معدن واهي ماشية آخر آشيا، ما دام جنابه والحاشية بكروش وكتار".

عبد الجبار
والمؤيد والمنتصر لشعارات القومية والعروبة انقلب إلى شاعر جامح ينتقد ما رآه تأسيسا لدولة الاستبداد وترسيخا للقمع والمنع وامتد ليهاجم شخص عبد الناصر نفسه.

وكانت هذه القصيدة أول انتقاد ساخر مباشر من السلطة في شخص الرئيس الذي سماه في قصيدته "عبد الجبار".

ولقيت القصيدة تجاوبا واسعا من الجماهير التي شفت غليلها وسط الهزيمة القاسية أمام إسرائيل.

قضى نجم ورفيقه المغني الشيخ إمام (1918-1995) ثلاث سنوات وأفرج عنهما في عام 1971 مع مجيء الرئيس أنور السادات، كما تروي ذلك المغنية عزة بلبع وزوجة نجم السابقة.

لكن السادات انتهج عقب حرب أكتوبر 1973 التضييق بشدة على المعارضة اليسارية بالتزامن مع تراجع مكتسبات الاشتراكية على العمال والفلاحين.

انتفاضة الحرامية
عام 1977 عرف انتفاضة شعبية ضد استبداد السلطة وضد الفقر لكن السادات سماها "انتفاضة الحرامية".

أما نجم فكتب قصيدة "هما مين واحنا مين" التي كانت نقطة الاشتباك الأولى مع النظام باتهامه بإفقار الشعب وتجويعه، ومنها "هما مين واحنا مين/هما الأمرا والسلاطين/ هما المال والحكم معاهم/ واحنا فقرا ومحكومين".

رددها نجم بجوار المغني الشهير الشيخ إمام على مدار سنوات، ولكن مثوله أمام القضاء العسكري أول الأمر لم يكن بسبب القصيدة فقط بل لأنه كان يقلد أنور السادات في خطاباته.

يقول أستاذ النقد والأدب المقارن حسام عقل إنها المرة ربما في العالم العربي أن يمثل شاعر أمام قضاء عسكري بسبب قصيدة.

أخيرا أصدرت المحكمة حكما بالسجن عاما على نجم بسبب تقليد الشاعر لصوت الرئيس السادات وبرأت الشيخ إمام.

تمجيد الإسلامبولي
قتل السادات عام 1981 فيما عرف بحادثة المنصة، وكان نجم الذي وصفه السادات بالشاعر البذيء لا يزال في السجن حين كتب قصيدة يمجد فيها خالد الإسلامبولي قاتل السادات.

نجم رأى في الإسلامبولي بطلا شعبيا نفذ باسم الشعب الحكم على من اعتبره خائنا للعروبة بتوقيعه معاهدة السلام مع إسرائيل.

لم تلق القصيدة ترحيبا من بعض الأوساط الثقافية، لكن نجم بقي مقتنعا بموقفه ويقول في لقاء مع صحيفة الأهالي اليسارية إنه سأل الجماعة الإسلامية التي ينتمي إليها الإسلامبولي: إنكم لو حكمتم ماذا ستفعلون؟ قالوا: سنعدمك قبل كل شيء لأنك شاعر والشاعر زنديق. ومع ذلك -يضيف- إنه لا يزال معجبا بقاتل السادات.