منذ انقلاب حزب البعث السوري عام 1963 ألغيت على مدار أربعة عقود أي وسيلة إعلامية تحمل رأيا آخر، وبات كل الإعلام موجها من السلطة، حتى إن جريدة البعث أصبحت جريدة رسمية لكل البلاد، وفق ما يقول الكاتب الصحفي نجم الدين السمان.

جاء عام 2000 حاملا بشار الأسد إلى الحكم خلفا لأبيه حافظ الأسد، ومبشرا بعهد إصلاحي، منفتحا على المثقفين والفنانين، إلى الدرجة التي أغرت بانبثاق ما عرف بـ"ربيع دمشق".

فنان الكاريكاتير السوري المعروف علي فرزات أحد الوجوه الثقافية التي اقتربت من بشار الأسد وناقشت واقترحت ضمن الهامش الجديد الذي أتاحته ادعاءات الرئيس بمكافحة الفساد والمفسدين.

هوامش النظام
برنامج "خارج النص" حلقة (2017/12/31) قدم حكاية جريدة "الدومري" الأسبوعية الساخرة ومالكها علي فرزات الذي خاض تجربة الصحافة الحرة بموافقة من السلطة العليا التي لم تحتملها فأغلقتها، وبعهدها بسنوات اعتدي على فرزات وكسرت أصابعه التي رسمت وأحسنت الظن بهوامش الأسد.

جاء اسم جريدة "الدومري" استلهاما من مهنة مشعل فوانيس الشوارع في العهد العثماني قبل قدوم الكهرباء.

ويقول فرزات إن الأسد سأله عما يقترحه لهذا العهد الجديد فطلب إطلاق الصحافة الخاصة، مضيفا أن لديه فكرة جريدة ساخرة تنتقد تدخل جهازي الأمن والمخابرات في خصوصيات الناس، وحصل على موافقة الرئيس.

قبول واسع
صدر العدد الأول من الدومري في 24 مارس/آذار 2001، ووجدت قبولا واسعا بسبب تعطش السوريين لصحافة غير حزبية، فكيف إذا كانت منتقدة وساخرة؟

هذه الروح الانتقادية تعرضت للتضييق من جهاز الرقابة، عبر تدخلها بمنع مقالات لم يحتملها وعيها الرقابي. غير أن القشة التي قصمت ظهر الدومري جاءت بعد نشر نداء لمواطن سوري موجه للأسد.

يذكر فرزات أنه النداء طالب الأسد بوقف منح "أساطيل" السيارات للوزراء والمسؤولين ورجال الأمن، على حساب جيوب المواطنين.

أدى هذا إلى رفع يد الأسد عن هذه الجريدة وإحالتها إلى وزارة الإعلام والأجهزة الأمنية، حسب قول الصحفي السابق في التلفزيون السوري ياسر بدوي.

بالشمع الأحمر
لم تقفل الجريدة فورا، لكنها حشرت في الزوايا، عبر رفض توزيعها على الأكشاك، ومنع الإعلانات عنها، وصولا إلى إبلاغ مالكها بأن التوقف عن الصدور ثلاثة أشهر متتالية يعني فقدان الترخيص، وفي الوقت نفسه تعطى التعليمات للمطابع بعدم طباعة الدومري.

في يوليو/تموز 2003 جاء القرار المبرم بإقفال الجريدة بالشمع الأحمر بعد أن صدر منها 116 عددا.

عقب سنوات من إغلاق "الدومري" واصل النظام السوري حملته الشرسة على الأصوات الحرة في سوريا، وانتقم الأسد من صديقه القديم علي فرزات ، في الوقت الذي صار فيه كل سوري دومريا جديدا.