بين واحات النخيل الواسعة بقرية التنومة الواقعة على ضفاف شط العرب في محافظة البصرة جنوبي العراق، ولد الشاعر العراقي أحمد مطر عام 1954، ليشب طالبا في مدرسة الأصمعي الإعدادية وفيها بدأ يسطر أولى كلماته.

ماذا مثل مطر في مدونة الشعر العربي؟ وما العناصر التي شكلت خصوصيته؟ هذا ما تناوله برنامج "خارج النص" في حلقة (2017/12/3).

وطن لا يبتعد
يقول شاعرنا "أنا في بريطانيا. دولة مستقلة. لست سعيدا لأني بعيد عن صدى آهات المعذبين. لأني أحمل آهاتهم في دمي. فالوطن الذي أخرجني منه، لم يستطع أن يخرج مني، ولا أحب أن أخرجه، ولن أخرجه".

كانت آخر كلمات أحمد مطر التي لخص بها آلامه قبل أن ينأى بنفسه بعيدا لقرابة ثلاثين عاما حتى آخر ظهور إعلامي له في 2014.

بعد معركتين شرستين خاضهما مطر ضد السرطان، وبعد قراءته في الصحف خبر موته وهو لا يزال على قيد الحياة، أتيح للكاتب فائق منيف أن يكون آخر محاوريه.

خيبات
يحكي منيف أنه سأل عن سبب عزلته، فقال له إنها الخيبات على مستوى الوطن العربي الذي ظل يدافع فيه عن قيم الحرية والعدالة، والخيبات الأخرى كانت بسبب الأصدقاء.

مطر تعرض إلى أنواع مخيفة من العقوبات، كما يذكر مدير مركز المعلومات والدراسات في جريدة القبس الكويتية حمزة عليان، ومنها تعرضه للسجن وهو في المدرسة لرفضه إنشاد قصيدة بمناسبة احتفالات تموز التي كان يقيمها النظام العراقي السابق.

الهرب إلى الكويت
ويضيف عليان أن شقيق أحمد مطر أُعدم في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، فلم يكن أمام مطر سوى الهرب، فكانت الكويت ملجأ له.

وجد مطر في الكويت فرصة العمل في الصحافة. ويذكر صديقه الكاتب فالح القريشي أن شهرته عربيا انطلقت في تلك الفترة، فطبع مليونا و200 ألف نسخة من ديوانه وزعت أو تسللت إلى أرجاء العالم العربي.

لافتات
من الكويت أعلن مطر عن فن شعري غير مسبوق عربيا وهو "اللافتات" التي حملها نقدا وتوثيقا لمنعطفات مرّ بها العالم العربي، ليصبح بعد ذلك شاعر الاحتجاج والتمرد الذي ترفع كلماته على لافتات النضال.

كانت لافتاته تنشر على الصفحة الأولى من جريدة القبس، كما لو أنها افتتاحية الجريدة، كما يقول حمزة عليان.

ويشير الناقد والقاص علوان السلمان إلى أن قصائد مطر منعت في عشرين دولة عربية وسمح بها فقط في الكويت ومصر.

مطر والعلي
جمعت جريدة القبس أيقونتي التمرد على الطغيان وهما أحمد مطر وناجي العلي، وكان الاثنان صديقين في حلم عربي وإنساني واحد.

ومع التضييق الذي تفننت فيه الدول العربية ضد مساحات التعبير، وجد مطر والعلي نفسيهما مبتعثين إلى لندن، أو مبعدين كما ينظر للحالة من زاوية ثانية.

المرض وخذلان الأصدقاء دفعا مطر بعد مقتل رفيقه ناجي العلي إلى عزلة طويلة بجسده لكن بقيت روحه غير بعيدة عن أوجاع الوطن.