في بداية تسعينيات القرن الفائت كان أكثر من عقد قد مضى على توقيع اتفاقية كامب ديفد في 1978 بين مصر وإسرائيل. رسميا لم تعد فلسطين قضية مصرية في ظل هرولةٍ نحو التطبيع مع إسرائيل، وامتد أثر ذلك إلى مضامين السينما التي خلت من أي ذكر لمعاناة الشعب الفلسطيني.

غير أن ثلاثة مصريين أخذوا على عاتقهم إنتاج فيلم يحكي سيرة فنان الكاريكاتير الفلسطيني الشهير ناجي العلي الذي اغتيل عام 1987 بالعاصمة البريطانية لندن.

كان هؤلاء الثلاثة هم المخرج عاطف الطيب، وبطل الفيلم نور الشريف، ومؤلف الفيلم بشير الديك.
برنامج "خارج النص" في حلقة (2016/11/6) ذهب ليعاين محنة طاقم الفيلم الذي بادر بتقديم عمل فني عن ناجي العلي والذي تعرض لحملة صحفية شككت في وطنية أفراده، بل طالبت بسحب الجنسية المصرية منهم.

أول امتحان
كان مهرجان القاهرة السينمائي أول منعطف يعرفه الفيلم، حين قرر مدير المهرجان سعد الدين وهبة جعل "ناجي العلي" فيلم الافتتاح.

يقول منتج الفيلم وليد الحسيني إنه وقبل عرض الفيلم تلقى الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك رسالة من الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يحتج على الفيلم ويطلب وقفه.

ويضيف الممثل محمود الجندي أن مبارك كلف مستشاره أسامة الباز بمشاهدة الفيلم والتأكد مما لو كان يحمل إساءة ما، فكانت خلاصة الباز أن الفيلم لا يتضمن ما يسيء، فتقرر عرضه.

لكن مزاجا حادا أعقب عرض الفيلم في الصالات المصرية عبر عنه كتابٌ في الصحافة المصرية، وكان على كل من شارك فيه أن يتحمل وجها من المعاناة.

لماذا ناجي العلي؟
الناقد السينمائي مجدي الخطيب قال إن الفيلم عرض يوم الاثنين الثاني من ديسمبر/كانون الأول 1991 وما إن جاء يوم السبت حتى بدأت الحملة بمادة في صحيفة أخبار اليوم موقعة باسم "مصري" تسأل "لماذا فيلم عن ناجي العلي وليس رخا؟" (رخا فنان كاريكاتير توفي 1989).

ومضى يقول إن الحملة بلغت حد افتعال استطلاعات صحفية كانت تطلب من الصحفيين وتجهز في بيوتهم وتظهر فيها آراء مفبركة تسيء للفيلم ولشخوصه.

مؤلف الفيلم بشير الديك يعيدنا إلى سجالات تلك الأيام، فيقول إن التهمة كانت أن ناجي العلي يكره مصر فيرد "ناجي لم يكن يكره، بل هو ضد سياسة مصر وكامب ديفد تماما مثلنا، فنحن أيضا ضد هذه السياسة وضد كامب ديفد".

تمويل القذافي
من ضمن ما رشح من الحملة والنقد والسجال الاتهام بأن العقيد الليبي الراحل معمر القذافي هو من موّل الفيلم، ولفت الكاتب الصحفي إلى أن بوستر الفيلم تضمن عبارة مستهجنة تشير إلى الإشراف السياسي لوليد الحسيني، موضحا أن هذا يعني أن الحسيني فرض ما يريد على الجميع. لكن الناقد سمير فريد نبه إلى أن من المعتاد في الأفلام السياسية وجود مستشار، وهذا لا يعيب الفيلم.

دفعت الضغوط الفنان نور الشريف إلى الهجرة من مصر ووجد صعوبة في مواصلة مشواره السينمائي بعد أن صار محاصرا.

الناقد مجدي الخطيب يقول إن أقسى تجليات الحملة ما قاله المخرج عاطف الطيب عن والده الذي همس لابنه بالسؤال "هل صحيح أنك خنت مصر يا عاطف؟".

توقيت الفيلم
في الختام يطرح البرنامج سؤاله حول ما إذ كان الفيلم غير محظوظ في توقيت عرضه، فقد هدأت الحملة أخيرا، بل إن الصحافة شهدت كتابة معاكسة لكل ما سبق.

الكاتب الصحفي عبد الله السناوي يقول إن مشكلة الفيلم كانت في التوقيت، وإن كل من شاركوا في ذلك السجال لو كتبوا اليوم ستختلف شهاداتهم بصورة قاطعة.

وانتهى إلى القول إن غالبية من كانوا طرفا في الشد والجذب في تلك المرحلة رحلوا وبقي الفيلم وثيقة هامة على مرحلة مهمة ولا يمكن أن يطويها أي إنكار.