"أدعى حبيب سويدية.. أنا ضابط سابق في الجيش الجزائري، وإذا قررت مع هذا الكتاب أن أشهد، فذلك بالدرجة الأولى من أجل تحرير ضميري، لأنني لا أريد بأي حال من الأحوال أن أشعر بأنني شريك في جرائم ضد الإنسانية".

هذه العبارة التأسيسية هي التي ستقود القارئ داخل كتاب "الحرب القذرة" للجزائري حبيب سويدية، الضابط السابق في وحدة مكافحة الإرهاب التي التحق بها لمدة ثلاث سنوات.

أما برنامج "خارج النص" في حلقة الأحد (2016/11/20) فاستمع إلى جملة من الأصوات المتضاربة حول شهادة سويدية التي جاءت في 260 صفحة حول عقد من العنف اصطلح على تسميته بالعشرية السوداء.

عايش سويدية الأحداث الدامية منذ العام 1992 حتى 2002 عقب إلغاء فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أول انتخابات برلمانية تعددية بتاريخ البلاد، وأجبر الجيش الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة ودخلت البلاد دوامة الدم.

من يقتل من؟
كان سؤال "من يقتل من؟" يعبر عن هول الموت الذي اندلع في البلاد، وكانت السلطات الرسمية تتهم الإسلاميين، والأخيرون يتهمون الجيش والمخابرات.

صحفي التحقيقات الفرنسي جون باتيست ريفوار يقول إنه في العام 1993 كانت هناك اغتيالات كثيرة للصحفيين والمثقفين، "ولدى تحققي من عدة حالات ثبت أن أجهزة الاستخبارات هي من فعلت ذلك".

والخبير في القانون الدولي سعد جبار بدوره يقول إنه كانت هناك حرب قذرة قتل فيها مئتا ألف شخص وعشرات الآلاف ما زالوا مفقودين، مبينا أن "النظام كان يغضب حين يطرح سؤال من يقتل من؟".

في هذا الخضم مارس صاحب كتاب "الحرب القذرة" دوره ضابطا إلى أن رفض -بحسب قوله- أوامر المشاركة في الدم، فزج به في السجن ثم أفرج عنه وهرب إلى فرنسا، وخلال عشرة شهور سجل شهادته التي أثارت عاصفة من الغضب الرسمي.

بأم العين
يؤكد سويدية أن ما يرويه ليس عنعنات، أي نقلا عن فلان وفلان، بل ما شهده بأم عينه، موضحا أنه رأى زملاء له يحرقون طفلا في الخامسة عشرة من عمره حيا، وضباطا يقطعون رؤوس مدنيين وينسبون الفعل إلى إرهابيين، وضباطا يعذبون إسلاميين حتى الموت.

"لا أستطيع السكوت" هو ما جعل كتاب "الحرب القذرة" لحبيب سويدية يستمر حتى آخر صفحة منه.
في أبريل/نيسان 1999 تولى الرئيس عبد العزيز بتوفليقة الحكم، وكانت أولى مهامه السعي إلى استتباب الأمن عبر إقرار قانون الوئام المدني الذي وافق عليه الشعب في استفتاء شعبي، وكذلك استعادة هيبة الدولة.

جاء كتاب "الحرب القذرة" ليوجه ضربة لجهود بوتفليقة على المستويين الداخلي والخارجي، وهو ما دفع وسائل الإعلام المحلية إلى شن هجوم حاد على الكتاب ومؤلفه.

يقول الكاتب والضابط السابق أنور مالك إن عدة اعتبارات وقفت وراء رواج الكتاب، وفي مقدمتها أن الجهة التي نشرته لها خبرة تسويقية وعملت على الترويج له بذكاء، ثانيا أنه الكتاب الأول في البلاد عن القوات الخاصة يؤلفه واحد من داخلها.

تركيع الدولة
بدوره قال الضابط الميداني اللواء المتقاعد عبد العزيز مجاهد إن الكتاب صدر في فرنسا التي لم تأل جهدا منذ استعادة السيادة الوطنية في تقويض الدولة الجزائرية وتركيعها.

أما ناشر الكتاب الفرنسي فرانسوا جييز فيقول إن الجديد في الكتاب أنه كشف طريقة عمل آلة الموت، تلك الآلة السرية التي تشن الحرب على التمرد "تحت قيادة النظام الجزائري" والتي لم تكن معروفة سابقا.

تعرض الكتاب للتشكيك في قدرة الضابط السابق على كتابة بهذا المستوى، كما يشير إلى ذلك أنور مالك الذي قال إنه زامل سويدية في السجن وكان لا يتقن كتابة رسالة لأهله.

أما الناشر جييز فيقول إنه عمل كثيرا مع سويدية في تحرير الكتاب وقام بجملة من المراجعات للسياق العام ليصل إلى قناعة بأن كل ما يروى في الكتاب صحيح.

الحكم بالإعدام
أصدر القضاء الجزائري عام 2002 حكما غيابيا بالسجن عشرين عاما على الكاتب بدعوى المساس بمعنويات المؤسسة العسكرية، وبعد فشل خالد نزار وزير الدفاع الأسبق بمحاكمته أمام القضاء الفرنسي أصدر القضاء الجزائري عام 2006 حكما بالإعدام على سويدية.

يختم كاتب "الحرب القذرة" بالقول إن كتابه شهادة ضابط واحد على ما جرى، مؤكدا أنه يتحمل المسؤولية أمام محكمة مستقلة بوصفه ضابطا شارك في هذه الحرب، "أما طي هذ الملف والقول إن سويدية وضباطا آخرين يكذبون فهو الهراء بعينه".