شهدت حلقة (28/6/2016) من برنامج "الاتجاه المعاكس" مواجهة فكرية حادة بين ضيفيها، الناشط في حزب التحرير أحمد القصص، ووزير مجلس شورى حركة النهضة عبد الكريم الهاروني، وذلك خلال نقاشهما قرار النهضة الأخير الخاص بفصل السياسي عن الدعوي.

فقد انتقد القصص بشدة قرار حركة النهضة بحجة أن الخطوة هي انتصار للغرب وتكريس لعقيدته، وأن الحركة التونسية تخلت عن كل المضامين الإسلامية، وباتت تقبل بالعلمانية المرفوضة في الإسلام.

وأشار إلى أن زعيم الحركة راشد الغنوشي كان قد صرح بأن "العلمانية الجزئية مقبولة"، واستدل -أي الغنوشي- في موقفه بكون الإسلام هو "نظام شامل"، وأن التشريع في الإسلام هو لله سبحانه وتعالى، وهو الذي يحلل ويحرم، بينما الشعب هو الذي يقرر في الأنظمة الديمقراطية.  

وخلص القصص إلى أن ما فعلته النهضة هو "إنجاز جديد لحرب الأفكار التي شنها الغرب علينا".

بالمقابل، رأى الهاروني أن القصص لم يطلع على وثائق النهضة ولوائح مؤتمرها العاشر، وقال إن "الإسلام السياسي" مصطلح فرض على الحركات الإسلامية ولم تختره، وإن النهضة هي "حركة سياسية، مدنية، ديمقراطية، ووطنية ذات مرجعية إسلامية".

لكن القصص رد عليه بالقول: إن مصطلح "الإسلام السياسي" أصيل في الإسلام.   

واستبعد الهاروني أن تكون حركة النهضة قد تحولت إلى العلمانية "لم ولن تفصل بين الدين والسياسة، ولن تكون حركة علمانية"، لكنها تميز بين "العلمانية الملحدة" وتلك التي تعادي الإسلام، وبين ما أسماها علمانية بريطانيا التي تجمع بين الدولة والدين "نرفض العلمانية التي تقترن بالإلحاد أو تعادي الدين".

ودافع الهاروني في نقاشه عن قرار النهضة من منطلق أن الدولة التونسية دينها الإسلام، وأن الحركة مرجعيتها الإسلام، وقد انتصرت في معركة الهوية التي قال إنها حسمت في دستور تونس الجديد.

كما أكد أن النهضة ترى أن النظام السياسي هو جزء من الإسلام، لكن شكل النظام تركه الإسلام للعصر ولاجتهاد المسلمين، وبمرونة عالية حتى يكون الإسلام صالحا لكل زمان ومكان.

وبشأن ما إذا كانت النهضة قد أصبحت نسخة مما يسمى الإسلام الأميركي، رد الهاروني بالقول إن إسلام الحركة يعود لجامع الزيتونة في تونس، وإنها استفادت من كل الحركات الإسلامية، وهي تريد أن تكون نموذجا لحركة إسلامية عصرية.

"ديمقراطية" و"حداثة"
وفيما يتعلق بمصطلحات "الديمقراطية الإسلامية" و"الحداثة" التي تتبناهما النهضة التونسية، أوضح الهاروني أن الديمقراطية ليست حكرا على الغرب والعلمانيين، و"يمكن التعايش بين الإسلام والديمقراطية"، وأن الحركة لها "فكر إسلامي منفتح على العصر وقيم الحداثة".

غير أن الناشط في حزب التحرير قال إن الحداثة تعني أفكار الغرب المعاصرة التي أتت في مرحلة ما بعد فصل الدين عن الدولة، وأن الديمقراطية تعني حكم الشعب، والمسلمون هم الأمة الوحيدة في العالم التي تشريعها من عند الله سبحانه وتعالى.

وأشار القصص إلى أنه في سياق فصل الدين عن الدولة، قال الغنوشي "لم يعد مقبولا أن نجرم المثليين" بحجة احترام خصوصيات الأشخاص.   

في حين شدد مسؤول النهضة على أن حركته "ضد المثلية" (الشذوذ الجنسي)، لكنها لا تتدخل في الحياة الشخصية للناس، وما يفعله الشخص خارج بيته يفصل فيه القانون العام.

من جهة أخرى تجادل ضيفا حلقة "الاتجاه المعاكس" بشأن علاقة الحركات الإسلامية بالغرب، فبينما رأى القصص أن الغرب طرح مجموعة أسئلة على الحركات الإسلامية بشأن بعض المسائل، وأنه قبل بتلك التي أجابت بوفق ما يريد، رد الهاروني بالقول إن النهضة فرضت نفسها كحركة معتدلة بعيدا عن الغرب.

يذكر أن المؤتمر العاشر لحركة النهضة الذي انعقد أواخر مايو/أيار 2016 شكل منعطفا نوعيا في مسارها الفكري والسياسي، حيث قرر مجلس شورى النهضة فصل العمل السياسي للحزب عن الأنشطة الدعوية.