فتح الهجوم الذي تعرضت له صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية، وما تلاه من تبعات في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية، الجدال من جديد حول ماهية حرية التعبير وحدودها، ولماذا يختلف مفهومها عندما تتعرض لقضايا مثل الهولوكوست ومعاداة السامية؟

حلقة الثلاثاء (21/1/2015) من برنامج "الاتجاه المعاكس" ناقشت هذا الملف، وتساءلت: لماذا لا يتجرأ الإعلام الغربي إلا على المقدسات الإسلامية؟ ألا تتجنب وسائل الإعلام الغربية الاقتراب حتى من قضايا سياسية وتاريخية بسيطة تخص إسرائيل؟

وهل الحرية تتلخص عند الغرب في شتم الإسلام والمسلمين؟ ألم يحن الوقت لوضع تشريعات دولية لتجريم المساس بكل الأديان والعقائد بلا استثناء؟

ولكن في المقابل، ألا يسخر الغرب من الديانة المسيحية ورموزها؟ ألا يتمتع الإعلام الغربي بحرية مطلقة؟ متى يعلم العرب والمسلمون أن حرية التعبير مقدسة في الغرب؟ ومتى يتوقفون عن التصرف بطريقة همجية؟ هل أمرهم القرآن بقتل من يسخر من دينهم ونبيهم؟

وأظهرت نتيجة التصويت الذي عرض على صفحة البرنامج على موقع الجزيرة نت أن 93.3% من المشاركين يرون أن الإعلام الغربي يستهدف المقدسات الإسلامية دون غيرها، في حين رأى 6.7% غير ذلك.

واستضافت الحلقة للحديث حول هذا الموضوع مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات مجدي خليل الذي اعتبر أن تصوير ما قامت به شارلي إيبدو يمثل إساءة هو نوع من "التضليل المتواصل للشعوب" وفق وصفه.

تطرف إسلامي
وأضاف أن الحماية في الغرب هي للأشخاص وليس للأديان التي اعتبرها "عبارة عن مجموعة من الأفكار الخاضعة للانتقاد". وقال إن "هناك خمسة آلاف دين في البشرية بخمسة آلاف إله وكلهم مجرد شخصيات عامة التطرق إليها جزء أساسي من حرية التعبير في الغرب".

وتابع خليل أن كل الأديان، وخاصة الأديان الكبيرة، معرضة لأضعاف ما يتعرض له الإسلام، مشيرا إلى أن النقد الذي تعرض له الدين الإسلامي في شارلي إيبدو أقل بكثير مما تعرضت له المسيحية في نفس الصحيفة.

                        شاهد رأي فيصل القاسم بموضوع ومجريات الحلقة video

 

 وقارن الانتقادات التي نشرتها الصحيفة عن الإسلام وتلك التي قال إنها تطرقت فقط لمسائل تتعلق بالإرهاب، وتلك التي تناولت الديانة المسيحية في صميم عقيدتها والاستهزاء بالثالوث المقدس والسخرية منه بإيحاءات جنسية، وأورد أمثلة عن كتابات وأفلام غربية هاجمت المسيحية واليهودية.

ولكن عندما يتعلق الأمر بمعاداة السامية والتشكيك في محرقة اليهود على أيدي النازيين، يقول خليل إن المحاكم الأوروبية والأميركية اتفقت على أن السجال التاريخي ينبغي ألا يتطرق إلى الحقائق التاريخية الثابتة كالهولوكوست والعبودية في أميركا والفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

وأضاف "العالم كله اتفق على ملايين القتلى في المحرقة، فلماذا فقط المسلمون هم من ينكرونها؟".

وبشأن تصريحات بابا الفاتيكان التي انتقد فيها الإساءة للأديان، قال خليل "البابا لا يمثل الحضارة الغربية التي قامت على تحطيم المقدس وعلى موت الإله، ولا يمثل إلا نفسه" مستطردا "جاء من أميركا اللاتينية من خلفية ثقافية وسياسية لم تعرف محورية حرية التعبير في الغرب".

جريمة مدبرة
في المقابل، استغرب أستاذ الفكر الإسلامي والناشط الإعلامي شاكر الشرفي حديث خليل عن "الخمسة آلاف ديانة وإله". وأعلن رفضه وإدانته للعملية "الإجرامية" التي تعرضت لها صحيفة شارلي إيبدو.

وحيا الشرفي بابا الفاتيكان الذي أعلن أن الإساءة للمقدسات عموما لا تعتبر حرية تعبير، وقال "البابا يعلم أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس شخصية عادية".

وشكك الشرفي في الهجوم على شارلي إيبدو، وقال "تم تصويرها في مكاتب المخابرات قبل تنفيذها ولم نشاهد لا قتلى ولا ضحايا، والهدف كان استهداف المساجد والمسلمين في فرنسا وأوروبا" مؤكدا أن العرب والمسلمين أبرياء من اتهامات الإرهاب.

وتساءل "هل ما فعلته شارلي إيبدو يُعد انتقادا؟ لماذا التركيز على الصور الجنسية التي تخدش المشاعر" معتبرا أنها محاولات لتشويه حقيقة الدين الإسلامي الذي يتحدث عن الآخر وهو يبحث عن القيم المشتركة مستشهدا ببعض آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

وفسر الشرفي ما يحدث بأنه رد فعل من جانب الغرب على ما قال إنها صحوة إسلامية ورجعة للدين، في الوقت الذي فشل فيه الغرب في تقديم جملة من الإجابات عن قضايا نفسية واجتماعية يعيشها الإنسان المعاصر.

وتابع "الغرب أدرك أن المسلمين يعيشون ثورات، والأمة الإسلامية بدأت تتعافى وتعيش صحوة بقيم الحداثة والديمقراطية، لذلك كثرت مثل هذه الأحداث لتشويه الصورة".