- أبعاد الأزمة الأميركية وتجلياتها الاقتصادية والسياسية
- مؤشرات التصحيح في السياسة الأميركية ودلالاتها
- دور العوامل الداخلية وأثر المنافسة الخارجية
- واقع البنية التحتية وتداعيات الأزمة المالية

فيصل القاسم
 
كمال شاتيلا
جاد الكريم الجباعي
فيصل القاسم: تحية طيبة مشاهدينا الكرام. لماذا يتجاهل الإعلام العربي والدولي التململ الحاصل داخل الولايات الأميركية؟ ألم يبدأ بعضها بالمطالبة علنا بالانفصال عن البيت الأبيض؟ ألم تتحدث بعض التقارير الإلكترونية عن وصول عدد الولايات ذات الميول الانفصالية إلى 11 ولاية والحبل على الجرار؟ إلى متى يمكن أن تبقى الولايات متحدة؟ ألم تطالب ولاية كاليفورنيا بالاستقلال منذ عشرات السنين، فما بالك الآن بعد أن ضاقت ذرعا باعتماد بقية الولايات عليها اقتصاديا بسبب الأزمة المتفاقمة؟ هل يكون الانهيار الاقتصادي المسمار الآخير في نعش أميركا؟ ألا يشبه وضع الإمبراطورية الأميركية الآن وضع الإمبراطورية البريطانية في أيامها الأخيرة؟ أليس من المتوقع أن تؤدي الأزمة الاقتصادية إلى تفكيك القواعد العسكرية الأميركية حول العالم؟ ألم تتغير لهجة أميركا تماما مع أوروبا وروسيا والصين وإيران؟ هل كان راعي البقر سيلجأ إلى الدبلوماسية لو بقي الكثير من الرصاص في مسدسه؟ لكن في المقابل أليست التمنيات بسقوط أميركا مجرد أضغاث أحلام؟ ألم تمر أميركا بأزمة اقتصادية أكثر خطورة عام 1929 ثم خرجت منها أكثر قوة وازدهارا؟ ألم يصل الناتج الإجمالي الأميركي في العالم الماضي إلى أكثر من 14 ترليونا أي ما يعادل مجموع إنتاج أوروبا قاطبة بالرغم من الأزمة؟ ألا تعزز أميركا قواعدها وانتشارها العسكري حول العالم بدل تخفيضه؟ أما زال الاقتصاد الأميركي قادرا على إرباك الاقتصاد العالمي وهز أركانه؟ أسئلة أطرحها على الهواء مباشرة على السيد كمال شاتيلا عميد المركز الوطني للدراسات الإستراتيجية في لبنان وعلى الكاتب والباحث جاد الكريم الجباعي، نبدأ النقاش بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

أبعاد الأزمة الأميركية وتجلياتها الاقتصادية والسياسية

فيصل القاسم: أهلا بكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام نحن معكم على الهواء مباشرة في برنامج الاتجاه المعاكس، بإمكانكم التصويت على موضوع هذه الحلقة، هل تعتقد أن أميركا قادرة على الخروج من أزمتها؟ 60,9% لا، 39,1% نعم. سيد شاتيلا لو بدأت معك بهذه النتيجة، ألا تعتقد أنه من المبكر جدا التبشير بسقوط الإمبراطورية الأميركية؟ الآن يعني الكثير من وسائل الإعلام العربية تحفل بأن أميركا بعد هذه الأزمة الاقتصادية وبعد تخبطها في الكثير من مناطق العالم أصبحت قاب قوسين أو أدنى يعني قريبة من الانهيار؟

كمال شاتيلا: نستطيع أن نحتفل دكتور فيصل..

فيصل القاسم (مقاطعا): نحتفل؟

أميركا هي قيد السقوط الآن كأيديولوجيا رأسمالية وحشية غير إنسانية لا أخلاقية وكدولة، وسقوطها مثل سقوط الاتحاد السوفياتي والفرق بينهما هو الاتحاد السوفياتي كان مركبا من دول قومية في حين أميركا غير مركبة من دول قومية

كمال شاتيلا
(متابعا): ببداية الانهيار الآن ومعك تحديدا لأننا منذ خمس سنوات توقعنا هذا الانهيار في ذروة المشروع الأميركي الاندفاعي الهجومي الذي كان وقتها، ويومها قلنا إن المسألة ليست قضاء وقدرا على الإطلاق فهناك عراقيل ذاتية أميركية اقتصادية وغير اقتصادية وهناك دول صاعدة أيضا وهناك مقاومات لهذه المشروع بشكل أنه على المدى القصير وليس المتوسط أو البعيد سوف ينهار هذا المشروع. وقد مضى عليه خمس سنوات، ملامح انهيار هذا المشروع واضحة فبعد سقوط الشيوعية كأيديولوجيا وسقوط الاتحاد السوفياتي كدولة لأن الشيوعة تصادمت مع الدين والقومية والحرية وإلى حد ما العدالة، مع التنافس على التسلح مع الولايات المتحدة الأميركية، فإن الولايات المتحدة الأميركية هي قيد السقوط الآن كأيديولوجيا رأسمالية وحشية غير إنسانية لا أخلاقية وكدولة. والفرق بين الاثنين أن سقوط الاتحاد السوفياتي كان مركبا من دول قومية في حين أن الولايات المتحدة غير مركبة من دول قومية ففي كل ولاية تعدد إثني وعرقي وهنا الكارثة، لأن هذه الكارثة الاقتصادية الرهيبة التي وصفها مدير المخابرات الأميركية في الكونغرس منذ أسابيع بأنها أخطر على الأمن القومي الأميركي من الإرهاب، هذه الكارثة تستطيع أن تقول إنها ستصيب الولايات المتحدة الأميركية نفسها في الداخل وليس سقوط المشروع الإمبراطوري في الخارج، أما سقوط المشروع الإمبراطوري في الخارج فنستطيع أن نوجزه على الشكل التالي، أولا بالنسبة للولايات المتحدة الأميركة فإن نظرية فوكوياما بشرت -وهو أبو المحافظين الجدد، الفيلسوف المعروف- بأن الأيديولوجيا الأميركية انتصرت نهائيا على العالم وانتهى التاريخ إلى التسليم الأميركي بأنها تسيطر على الكون ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا، الآن الصعود الصيني والهندي والأوروبي والنمور الآسيوية، هناك توازن قاري وليس انفرادا أميركيا بدأ وتقرر في مؤتمر العشرين الأخير حينما أخذ أوباما بنصائح الألمان والفرنسيين والصينيين ولم يقبلوا بنصائحه لمعالجة الأزمة المالية العالمية، يعني  الانتقال من تصدير الأيديولوجيا الأميركية إلى استيراد الحلول من الآخرين. اثنان، محور الشر كان في عنده إيران والعراق وكوريا، كوريا تتحدى وصواريخها تصل إلى ألاسكا وخلال أسابيع إن شاء الله سوف تصل إلى كل الولايات المتحدة الأميركية، وعندك العراق مزقوه صحيح ونجحوا فيها ولكن بدأ الالتحام الوحدوي وراح شبح الحرب الأهلية بين السنة والشيعة وسقط بآخر انتخابات أغلب الفيدراليين التقسيميين، والأميركان بدلا من أن ينطلقوا من العراق لتحطيم سبع دول عربية قال عنهم ويسلي كلارك أمين عام حلف الأطلسي السابق بأنه سوف تجهز عليهم الولايات المتحدة الأميركية خلال خمس سنوات نرى أن هذه الدول وقفت، وبدلا من القضاء على المقاومات العربية انتصرت المقاومات في فلسطين ولبنان والعراق، وبدلا من إسقاط كاسترو قامت ثورة انتفاضة بأميركا اللاتينية، أكثر من سبع دول تعتمد على نفسها وهي الأقل تأثرا في الأزمة الأخيرة لأنها هي والصين اعتمدت على الإنتاج والادخار مش مثل أميركا على الاستهلاك وعلى الدين، في نفس الوقت كان في توقع أيضا بأن الصين تحاصر، هلق الصين مدينة الولايات المتحدة الأميركية أربعمائة مليار دولار ولها استثمارات في بنوك أميركا نحو اثنين ترليون دولار، فالصين تحولت عملاقا رغم أنف كلام المجلس القومي الأميركي اللي قال في الـ 2004 إنه لن نسمح بقوة كبرى منافسة. روسيا اللي طوقوها بحلف الأطلسي وصلت إلى فنزويلا وعم بتقوم بمناورات بحرية مع الناصري تشافيز في فنزويلا على بعد أمتار من الولايات المتحدة الأميركية. هذه المحاور للمشروع الإمبراطوري تجدها واحدة وراء واحدة تنهار ومعها هذه الرأسمالية الأيديولوجية التي وصل فيه الدين الأميركي إلى نحو عشرة ترليون دولار..

فيصل القاسم: 11.

كمال شاتيلا: على الأرقام الأخيرة بحيث ستصبح كما قلت بعد شهور 12 ترليون دولار.

فيصل القاسم: جميل جدا، سيد جباعي.

جاد الكريم الجباعي: أولا أريد أن أغبط زميلي على تفاؤله..

فيصل القاسم: الشديد.

جاد الكريم الجباعي: وعلى تعجيله في الاحتفال. العلوم الحديثة اليوم تميل إلى عدم اليقين تميل إلى اللايقين تميل إلى الاحتمال، هلق أنا لا أستطيع على الإطلاق أن أتنبأ بما ستكون عليه الأمور غدا أو بعد غد، المستقبل هو ممكنات الحاضر لذلك إذا أردنا أن نناقش هذا الموضوع مناقشة جدية علينا أن نبدأ من وصف الحاضر كما هو، ولأبدأ بوصف الولايات..

فيصل القاسم (مقاطعا): هو فعل ذلك، هو وصف الحاضر أيضا.

جاد الكريم الجباعي: وصف الحاضر بكثير من المبالغة والتفاؤل. طيب أنا سأصف الحاضر بطريقة أخرى، سأقول إن الولايات المتحدة الأميركية دولة كبرى لها طبيعة مزدوجة، هي دولة رأسمالية وزعيمة العالم الرأسمالي منذ الحرب العالمية الثانية..

كمال شاتيلا (مقاطعا): كانت.

أميركا دولة رأسمالية متقدمة لا تزال تتصدر الاقتصاد العالمي ولا يزال ناتجها القومي هو أعلى ناتج قومي في العالم وليس لها منافسون في مرتبتها سوى الاتحاد الأوروبي وغيرها من الدول القليلة المتقدمة

جاد الكريم الجباعي
(متابعا): وهي التي انتشلت الرأسمالية من الحضيض وأعادت أمركة الرأسمالية منذ 1945 أو بعد الحرب العالمية الثانية أو حتى يومنا، والرأسمالية ذات طابع أميركي على الرغم من تمايز الرأسمالية الفرنسية والألمانية وما يدور في فلكها. إذاً الطابع الثاني للولايات المتحدة هو الطابع الإمبريالي وهذا ما لا يلتفت إليه لا المثقفين العرب ولا السياسيين العرب، الولايات المتحدة الأميركية دولة رأسمالية ودولة ذات نزوع إمبريالي، النزوع الإمبريالي يتغذى من الرأسمالية ويغذيها ولكننا لا نستطيع أن نختزل الولايات المتحدة الأميركية إلى مجرد شيطان أكبر أو إلى مجرد دولة عدوانية، هي دولة رأسمالية متقدمة لا تزال تتصدر الاقتصاد العالمي وكما تفضلت لا يزال ناتجها القومي هو أعلى ناتج قومي في العالم وليس لها منافسين في مرتبتها سوى الاتحاد الأوروبي بالدرجة الأولى والصين بالدرجة الثانية واليابان وروسيا والهند وألمانيا الغربية وفق تسلسل معين. إذاً هذا التنافس، سنلاحظ أيضا أن هؤلاء الذين ينافسون الولايات المتحدة الأميركية هم شركاؤها في الرأسمالية فحين تسقط الولايات المتحدة الأميركية أو تنهار كنظام اقتصادي هذا يعني أن النظام الاقتصادي العالمي برمته قد انهار وأن البشرية مقبلة على كارثة لا نعرف مداها، ولا يعرف مداها إلا الله. أنا في حلقة سابقة على هذا البرنامج أشرت إلى أن الرأسمالية تنطوي على آليات داخلية للتصحيح الذاتي وهي قادرة على حل مشكلاتها وعلى تجاوز أزماتها وقادرة على تجديد نفسها. ثانيا يجب أن نميز بين نوعين من الأزمات، ما من شك أن الولايات المتحدة الأميركية تعاني أزمة يصفها الأميركيون أنفسهم بأنها أزمة خطرة لكن ما طبيعة هذا الأزمة، هل هي أزمة انهيار أم أزمة نمو؟ ثمة أزمة وأزمة، في السودان على سبيل المثال أزمة انهيار، في أميركا أزمة نمو، هذه الأزمة نتجت أصلا من الوفرة نتجت أصلا من تزايد الإنتاجية من تراكم الإنتاج من التقدم التكنولوجي الهائل، هذه ضريبة التقدم، للتقدم مشكلاته وللتخلف مشكلاته أيضا، من قال إن التقدم ليس له مشكلات؟! هذه واحدة من مشكلات التقدم وهذه الأزمة التي تعانيها، يعانيها العالم اليوم وقد انفجرت في الولايات المتحدة وقد رأينا كيف انتقلت أمواجها..

فيصل القاسم: وشظاياها.

جاد الكريم الجباعي: وشظاياها إلى سائر بلدان العالم، ما يعني أن انهيار الولايات المتحدة الذي يطرب له بعضنا اليوم هو كارثة عالمية، السؤال هل نحن ذاهبون إلى الكارثة؟ إذا كان هناك من احتمال أننا ذاهبون إلى الكارثة علينا جميعا أن نتعاضض لتلافي الكارثة..

فيصل القاسم (مقاطعا): ودعم الولايات المتحدة.

جاد الكريم الجباعي: ودعم الرأسمالية ودعم الولايات المتحدة، أجل. والولايات المتحدة سوف تدعم وقد دعمتها أوروبا..

فيصل القاسم: وحتى الصين.

جاد الكريم الجباعي: ولن تتخلى عنها لا أوروبا ولا الصين ولا روسيا ولا الهند ولا اليابان.

فيصل القاسم: جميل جدا، تفضل.

كمال شاتيلا: ما حدا دعمها يا أخي، ما حدا دعم أميركا، اللي صار أنه في اجتماع الدول العشرين في لندن اللي صار منذ أسبوع أنهم اتفقوا على دعم بحوالي خمسمائة مليار دولار لصندوق النقد الدولي حتى ما تنهار دول ثانية وتصير في فوضى عالمية، بس ما حدا دعم أميركا، يعني الصين باستطاعتها اللي حاطة اثنين ترليون استثمارات بنكية في أميركا، أنت تصور لو سحبت الصين هذه الاستثمارت شو بيصير؟ حاطة اليابان حوالي ترليون دولار أيضا استثمارات وروسيا حاطة نصف ترليون والاتحاد الأوروبي حاطط نصف ترليون، كل اللي صار ما مثل ما تفضل الأستاذ جاد أنه هؤلاء خلوهم ما سحبوهم، افرض أنه سحبوهم، أنا أقول لك لأنه في شركات متعددة الجنسيات طبعا أميركا مختلطة مع أوروبا، هذا اللي هز أوروبا وهز بقية الدول اللي متشابكة مصالحها مع أميركا، لا شك أن هذا اضطراب لأن أميركا منذ سنة 1971 تخلت عن تغطية الذهب للدولار بكل نصب واحتيال عالمي وسرقة مكشوفة عالميا، بالأول كنت أنت تقيم إنتاجك من القرن 16 أيام البرتغال والإسبان على أساس أنه الذهب والفضة هم قيمة العملة، بعد منها صار الذهب وحده، جاءت أميركا بـ 1971 قال ما بدنا الذهب، الدولار بيعادله الدولار، صار يعني أنه أنا بأشتري منك كأميركاني -وأستغفر الله ما أكون أميركاني- بأشتري منك أنا بمائة دولار سلعا بيبقى طابع حقها أنا عشرة سنت، تخيل! بيشتري منك إنتاجك وعرق جبينك على هذا الأساس. فإذاً أنت لما بيكون عندك دين عشرة ترليون وبيكون دين اليابان على أميركا 586 مليار والصين أربعمائة مليار بيكفيك أنه كلفة العجز. عم بيقول التقدم، أي تقدم؟! العجز بالميزان التجاري مع الصين روح اثنين مليون وظيفة بين 2001 إلى 2007، حجم الأزمة الحالية حسب وكالة الأخبار العالمية الأميركية حجمها ثمانية ترليون، ما كان حجمها بـ 1929 لما تجاوزوها بـ 1939 ثمانية ترليون، هلق كل اللي ضخهم أوباما، السبعمائة مليار وفوق منها ثمانمائة مليار وحوالي مائتي مليار للسيارات يا حبيبي قديش بيعملوا قياسا لحجم الكارثة ثمانية ترليون دولار؟ ما رح يقدروا، ما بيقدر هذا لا يسدد الدين اللي عليه اللي هو 10، 11 ترليون وعنده العجز وعنده حالة اجتماعية فوق الـ 45 مليون بلا ضمان صحي، بدل ما يقول ضريبة التقدم يعني الـ 45 مليون بلا ضمان صحي، والـ 37 مليون أمي..

فيصل القاسم: ربع الولايات المتحدة تقريبا.

كمال شاتيلا: يا أخي وفي 25 مليون عايشين على المواد الغذائية من الدولة غير 12 مليون بلا مسكن بأميركا، هول بدك تضعفهم ضرب خمسة بعد خمس سنوات، يعني هذه الأرقام الاجتماعية سوف تتسبب للولايات المتحدة في ثورات اجتماعية وعنصرية -وبتسجل علي مثلما سجلت من خمس سنوات وظبطت معي، هلق بتسجل علي- من هون لخمس سنوات مشكلات طبقية وعنصرية هائلة بأميركا ولا يستطيع لا أوباما ولا أبو أوباما أن يحل المشكلة الاقتصادية اللي هم فيها على الإطلاق، ولا حتى.. شفت لو عملوا إجراءات اشتراكية، اضطروا هذه المرة يعملوا إجراءات اشتراكية، تأميم وشراء الدولة لعدد من الأسهم، هذا شو اسمه؟ هذه معالجات اشتراكية يعني جاب من الأمراض الرأسمالية من الصيدلية الاشتراكية أدوية لحتى يعالج، مع ذلك وزير الخزانة بيقول كل المعالجات الحالية ليست دواء شافيا للأزمة، مش لمرض الاقتصاد الأميركي، هذا مدير الخزانة. يا رجل الفيلسوف جون غراي بيقول لك ما نشهده ليس أزمة مالية للرأسمالية وإنما لأول مرة تحول جيوسياسي تاريخي أطاح نهائيا بالإمبراطورية الأميركية، هذا كلام الفيلسوف جون غراي..

فيصل القاسم: الفيلسوف البريطاني.

كمال شاتيلا: إذا بدك مائتي واحد غربي بريطاني فرنسي أميركي، عهد الحقبة الأميركية انتهى والأزمة هذه ما فيها تطلع منها لا بمشروع إمبراطوري ولا فيها تبقى دولة عظمى، إنها تتحول من عظمى إلى دولة عادية.

مؤشرات التصحيح في السياسة الأميركية ودلالاتها

فيصل القاسم: وبعض الإستراتيجيين الأميركيين الذين تنبؤوا بسقوط وتفكك الاتحاد السوفياتي يقولون الآن بالحرف الواحد إن الولايات المتحدة الأميركية ستشهد في نهاية هذا العام -يعني ثمانية أشهر- ستشهد اضطرابات وثورات وحركات تمرد داخلية ستؤدي في النتيجة إلى تفككها، الذين توقعوا سقوط الاتحاد السوفياتي، بالحرف الواحد هذا الكلام، كيف ترد؟

جاد الكريم الجباعي: في جميع الأحوال التنبؤ دوما والدراسات المسماة دراسات مستقبلية أو استشرافية تقوم على دراسة ثابت أو ثابتين معين أو دراسة متحول أو متحولين، هلق ممكن أحدهم يدرس الولايات المتحدة الأميركية من حيث التنوع الإثني والعرقي، ممكن واحد يدرسها من حيث حاجتها المستقبلية إلى النفط أو إلى الطاقة، ممكن واحد يدرسها من ناحية انحسار نفوذها العسكري والهزائم التي واجهتها بدءا من فييتنام إلى العراق وأفغانستان اليوم، إذاً هذه التنبؤات هي تنبؤات وحيدة الجانب، قطاعية، ليس هناك.. أنا لا أظن أن فيلسوفا أو عالما يستطيع أن يجزم أن الولايات المتحدة بعد سنة أو بعد سنتين سيكون وضعها نحو كذا وكذا. أنا قلت لدينا مؤشرات واقعية الآن، المؤشرات الواقعية سواء على الصعيد الاقتصادي أو على الصعيد المالي أو على الصعيد العسكري أو على الصعيد السياسيي..

فيصل القاسم (مقاطعا): طيب على الصعيد السياسي؟

جاد الكريم الجباعي: إيه على الصعيد السياسي، على الصعيد السياسي، لا تزال تقول لنا إن الولايات المتحدة الأميركية تحاول تصحيح مسارها..

كمال شاتيلا (مقاطعا): كيف بدها بتصحح؟

جاد الكريم الجباعي: اسمح لي، تحاول تصحيح الأزمة التي تسببت..

فيصل القاسم (مقاطعا): لا، خلينا سياسيا.

جاد الكريم الجباعي: تحاول تصحيح الأزمة التي تسببت بها سياسة بوش الأب والأبن..

كمال شاتيلا (مقاطعا): ما بس بوش.

جاد الكريم الجباعي (متابعا): إذاً هذه الأزمة ليست وليدة اليوم ليست وليدة الساعة، هي نتيجة تراكمات لسياسة حمقاء -إذا شئت- هدرت من أموال المواطنين الأميركيين حتى الآن نحو ستين ترليون دولار في العراق وفي أفغانستان وفي غيرها وفي تمويل القواعد الأميركية..

كمال شاتيلا (مقاطعا): أربعة ترليون أفغانستان والعراق، إحصاء، أربعة ترليون دولار تكلفة الحرب.

جاد الكريم الجباعي: إذاً هذا الهدر لإمكانيات الولايات المتحدة على المغامرات العسكرية هو أحد عوامل ضعف ومن ثم يجب أن تعقل الولايات المتحدة الأميركية ويعقل العالم، وقد ذكر أوباما في خطبته الافتتاحية في خطبة التنصيب أن القوة لا تحمي الولايات المتحدة الأميركية، يجب أن يفهم العالم أن القوة لم تعد تحمي أحدا، الاقتصاد هو الذي يحمي التنمية هي التي تحمي السلام هو الذي يحمي الديمقراطية هي التي تحمي إرادات الشعوب هي التي تحمي أنفسها، إذاً لم يعد..

فيصل القاسم (مقاطعا): هي حركة تصحيحية إذاً.

جاد الكريم الجباعي: الحركة التصحيحية كانت واضحة في انتخاب أوباما رئيسا وهذا له دلالات واضحة، دلالات قرئت في العالم كله على أنها محاولة تصحيح ذاتي ومحاولة نقد جذرية للسياسات الماضية ومحاسبة أليمة ومريرة لجورج دبليو بوش..

فيصل القاسم (مقاطعا): طيب بس يا سيدي هلق لماذا لا نقول العكس؟ نحن نعلم أن أميركا منذ نشوئها حتى الآن تتعامل مع العالم سياسيا بعقلية الـ cowboy، طاخ طاخ، OK؟ لماذا لا نقول إن أميركا الآن تشعر بأنها أصبحت في وضع سياسي ضعيف جدا؟ أوباما عندما جاء إلى قمة العشرين الأخيرة في لندن ماذا قال بالحرف الواحد؟ قال جئت لكي أستمع إليكم لا كي أفرض عليكم شروطا وإملاءات. هذا الكلام لم نكن نسمعه من الأميركيين في الماضي، ثانيا انظر إلى الرسالة التي وجهها إلى إيران قبل أسابيع رسالة بعد أن كانت أميركا على وشك أن تغزو إيران وتدمر إيران خرج الرجل وعيد الإيرانيين بعيدهم، انظر إلى اللهجة الأميركية مع الصين، مع أوروبا العجوز، مع روسيا، مع سوريا أيضا، انظر يعني يوم إيه يوم إيه في وفد في سوريا. أميركا الآن لم تعد أميركا اللي أنت عم تطبل وتزمر لها يعني باختصار.

جاد الكريم الجباعي: لا، أنا مسرور لأن أميركا تحولت هذا التحول وعلى العرب أن يسروا وعلى كل العالم أن يسر على هذا التحول أن أميركا صارت تعترف بأن القوة العسكرية لا تحل أية مشكلة وأن تجييش الجيوش وتسليحها والإنتاج الحربي لم يعد يعني مناسبا لعصرنا الحاضر، إذاً يجب أن تتهيأ الولايات المتحدة الأميركية أو غيرها لعصر جديد لا يطيق لا الأسلحة التقليدية ولا أسلحة الدمار الشامل ولا المخابرات العسكرية. لكن اسمح لي..

فيصل القاسم (مقاطعا): باختصار، يعني لكن هذا الكلام..

جاد الكريم الجباعي (مقاطعا): لكن هذه السياسة، سياسة أوباما..

فيصل القاسم (متابعا): هو تصحيح وليس تراجعا.

جاد الكريم الجباعي: هذه سياسة أوباما الذي يذهب لكي يستمع والذي يعيد النظر في علاقته بإيران وفي علاقته بدول الشرق الأوسط وبعلاقته بالاتحاد الروسي، هذه سياسة قوة ليست سياسة ضعف، لو كان أوباما ضعيفا لما ذهب هذا المذهب.

فيصل القاسم: جميل، طيب كيف ترد على هذا الكلام؟ يعني ما هي المؤشرات التي تدل على أنها سياسة ضعف وليست سياسة قوة؟ طيب، عسكريا أنتم تقولون بأن الولايات المتحدة على وشك أن تبدأ بتفكيك قواعدها العسكرية في العالم كما فعلت الإمبراطورية البريطانية في آخر أيامها، أنت تعلم الإمبراطورية البريطانية في آخر أيامها كان لديها حوالي مليون وثلاثمائة ألف جندي في الخارج، وجدت أن كل هؤلاء يجب أن يعودوا بسبب الأزمة الاقتصادية ولم يعد بإمكانها أن تنفق عليهم، أميركا تفعل العكس الآن أميركا سترسل مزيدا من القوات إلى أفغانستان، صح ولا لا؟ طيب، هذا مؤشر ينسف كل المقولة التي تقول إن أميركا بدأت بالانكماش عسكريا.

كمال شاتيلا: لا، يا أخي هذا مش، هذا ما بيدل على هالشغلة، هلق شوف إذا سلمت معي أن أميركا هي فيل بعقل دبور مش بعقل نملة -النملة بتدبر- هيدا عقل دبور عقل عدواني، يعني أنت كيف بتقول في أي عقلانية أو معاهد دراسات علمية تحترم في الولايات المتحدة الأميركية وشعب بيصفق بالكونغرس هو وواقف لبوش لما بده يغزو العراق ويغزو أفغانستان وأغلب مراكز البحث عم تقول لهم أنتم دولة مفلسة طلعتم من السباق مع الاتحاد السوفياتي عليكم خمسة ترليون دولار شوفوا وضعكم الاجتماعي الداخلي وحسنوه وشوفوا كيف أوضاعكم بدون مشاريع إمبراطورية. وقت اللي بيركب رأسه بوش ومعه المحافظون الجدد ومعاهد مثل بروكنز والشرق الأوسط وكل هاللي عندهم هالعوينات السميكة هيدي بتقول أنت يا لطيف على هالفلسفة! بيطلعوا أغبى من الأغبياء، مساطيل أكثر من الأساطيل وبيفوتوا على أفغانستان وبيعتبروا أنه الموضوع انتهى بيجي الطالبان هلق بيأخذ نصف أفغانستان من جديد، بيفوت على العراق لحتى يدمر سبع دول عربية ثانية بيتفركش بالعراق وبيضطر ينسحب والمشروع الإمبراطوري كله ينهار خطوة خطوة خلال خمس سنين. واحد عم يقول لك بدراسته -تصور- مشروع سيطرة أميركا على القرن 21، إيه بعدنا بأول خمس سنين من القرن 21 وتفركشتوا وسكيتوا، وين بقية القرن، مائة سنة؟! أنت لما تشوف هالنتائج هذه بتقول ولك يا خيي ما في مخطط؟ ما في واحد يفكر؟ بتطلع بتلاقي يا أخي رأس الحكم الأميركي مثل الحكم الشيوعي كان، الحكم الشيوعي كان رأسه دب والحكم الأميركاني رأسه رأسين واحد حمار وواحد فيل، بيتنقل بيوطي رأسه مثل هذه لعبة الأولاد بتطرق واحد على رأسه بينط الثاني، هيدي اللعبة نفسها، أشبه بالنظام الشمولي بأيديولوجيته وبفكره الاقتصادي والعسكري، وين أدمغتهم؟ ما هلق اللي عم تقول لي عنه، واحد فيه عقل بيرجع يبعث جنودا لأفغانستان وأنت ما قادر تطعم 12 مليون طفل بلا أكل بأميركا والناس عايشة، وأنت عامل.. بتعرف قديش طلع هلق بس بسنة ونصف فقط بالأزمة الحالية اللي أنت فيها، في عندك راح من صناديق التقاعد لهالمعترين المواطنين الأميركان اثنين ترليون دولار، صاروا يسألوا كم واحد -بإحدى التحقيقات الصحفية شفتها على قناة أميركية- واحد يا حرام عمره 66 سنة قالوا له بعدك عم تشتغل مفروض تكون تقاعد؟ قال لهم إذا ما اشتغلت ما بأكل لأنه راحوا أموال التقاعد. عم بيحكي الأستاذ جاد بعده إنه والله حالة تصحيحية، تصحيحية شو؟ عم تصحح لوراء للخلف، يعني هالعجز اللي أنت فيه حاليا هذا خلال الخمس سنين القادمة بده يزيد لأنه أنت لما تحط رقما، الأزمة وحدها تكلفتها ثمانية ترليون دولار، كل اللي عم تضخه وعم تعمله منين بتجيب؟ أنا حأقول لك شغلة ثانية، أنا بأقول لك بعد الحرب العالمية الثانية كانت أميركا وحدها صناعتها جيدة وقادرة تصدر، كانت آسيا بالأرض، الهند مستعمرة الصين مستعمرة النمور الآسيوية مستعمرة وكانت روسيا بعدها على أولها عم تلفلف قضايا الحرب وأميركا لم تصب لا بالحرب الأولى ولا بالحرب الثانية بقيت وضعها سليم البنية التحتية سليمة وصناعتها متقدمة، بعد الحرب الثانية صدرت أميركا لكل أنحاء العالم والعالم بحاجة لبضاعتها، شوي ما في عشر سنين نط الألماني ونط الياباني اللي انصابوا بالحرب وانضربوا صاروا ينافسوها، بعد شوي طلع الصيني وطلع الروسي هول كلهم كانوا مستعمرات لصفيت أميركا مديونة لهم. هيدي لا بتتقارن بأزمة 1929 ولا بغيرها، أنت الآن في عندك استحالة تنافس أميركي مع آسيا، خلص، انتقل القرن كله سوا لآسيا، الشمس تشرق من الشرق اليوم، بدنا نشوفها هيدي شمس، حقيقة وأرقام علمية، اليوم أميركا انتهى وضعها كإمكانية منافس. خذ مثل بسيط كثير دكتور فيصل، الـ lap top بلشوا فيه يبيعوا بألفي دولار الأميركان، شوي نزلوا اليابانيون والكوريون صار ينباع بألف، قام هلق صار ينباع بمئتين وبثلاثمائة دولار، كيف الأميركاني لو وطا الدولار ولو علا الدولار أو علي لوحده ووطي لوحده كيف بده ينافس هيك بضاعة جاية من آسيا؟ السيارات، كيف بده ينافس؟ هلق أنت عندك جدول، أنت ما خلصت من الأزمة بعد أنت بعدك ببداية الانهيار، بعد في أربع خمس سنين، هلق حينفتح ملف السيارات، ضخ له حوالي مائة مليار، شو بيعملوا المائة مليار؟ طيب أنا فورد وإنترناشيونال مدري إيش سكرت العجز الحالي، كيف بدي أنافس سيارة طالعة من الهند هلق بألفي دولار؟ شو رأيك؟ كيف بدي أنافس سيارات الصين اللي نزلت من خمس سنين؟ ولك كيف بدي أنافس؟ أنت انعدمت صناعة السيارات يعني عد شو في سيارات كانت تتباهى فيها أميركا بالعالم بالتصدير راحت، المواد الإلكترونية راحت، أنت بتعرف من بيتك أو بيت أبيك من حوالي عشرين سنة يا أخي..

فيصل القاسم: شو هي؟ يابانية.

كمال شاتيلا: لما تفوت أنت على البيت..

فيصل القاسم: يابانية وصينية.

كمال شاتيلا: كنت تلاقي، قبله كان أميركاني، البراد والغسالة والمكواية والكناسة كله كان أميركاني، هلق ما بقى أميركاني ما بقى في شيء أميركاني، إذاً في استحالة تنافس صناعي تكنولوجي مستقبلي بين الولايات المتحدة وآسيا يللي انتقلت لها القوة الاقتصادية. اليوم لما بيقف الفيلسوف فوكوياما اللي كل المحافظين الجدد سمعوا منه بيقول بمقالة بنيوزويك بالـ 2008 هيدا اللي بشر بانهيار العالم..

فيصل القاسم: ونهاية التاريخ.

كمال شاتيلا: وركوعه أمام أميركا بيقول "لقد انهارت الولايات المتحدة الأميركية كمؤسسة" هيدا فوكوياما يا أخي مش علي حسين وأبو محمد وأم حسين، فوكوياما! منظر يللي اندفع بوش وكله من ورائه وركب على بساط الريح معه فك رقبته بعد ما شاف أن أميركا انهارت قال لك انتهت أميركا كمؤسسة..

فيصل القاسم: جميل.

كمال شاتيلا: هذا مش كلام مين ما كان. بعد هالكلام بيجي بيقول حركة تصحيح، تصحيح شو؟ في انهيار حتمي بالأيديولوجيا وبالدولة وبالمشروع الإمبراطوري، الثلاثة سوا مش فقط المشروع الإمبراطوري. بالخمس سنين بدها تتصدع نفس الولايات المتحدة الأميركية، وأنت قلت كلمة كثير مهمة دكتور فيصل أنت قلت في ولايات بدأت تطالب بالانفصال.

دور العوامل الداخلية وأثر المنافسة الخارجية

فيصل القاسم: هذا هو السؤال الذي أريد أن أوجهه للسيد الجباعي، طيب بس أنا أسألك سؤالا، كيف تنظر إلى تزايد عدد الولايات الأميركية المطالبة بالانفصال أو الاستقلال عن البيت الأبيض؟ أنت تعلم أن كاليفورنيا وهي أغنى ولاية تقريبا تحاول منذ عشرات السنين الاستقلال عن أميركا، الآن حسب التقارير الإلكترونية وصل عدد الولايات إلى 11 ولاية، ماذا يمكن أن تقرأ؟ لو كانت الولايات المتحدة فعلا قوية وتريد أن تصحح نفسها وأنه هي تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى، لماذا نرى هذا العدد الهائل من الولايات التي تريد أن تنفصل؟ وبالمناسبة حتى ولاية كاليفورنيا حاكم ولاية كاليفورنيا قبل فترة اتصل بالرئيس الأميركي وقال له بالحرف الواحد ليس لدي أموال أدفع للموظفين في الولاية، بالحرف الواحد، ليس لديه. وهذا ما حصل في الاتحاد السوفياتي قبل سقوطه، لم يعد لديه المال الكافي لدفع حتى رواتب الموظفين. كيف ترد؟

جاد الكريم الجباعي: يا سيدي قبل أن أرد أود أن يعني ألفت الانتباه إلى أن السيد أوباما هو الرئيس الـ 44 للولايات المتحدة الأميركية هذه الدولة التي.. هذا الشعب الذي ينتخب رئيسه وينتخب مؤسسته التشريعية كل أربع سنوات هو الذي يقرر اتجاه سيره وهو الذي يعرف إذا كان ذاهبا إلى الانهيار أو إلى التقدم. القول بحتمية الانهيار هذا قول يعني ليس سياسيا على كل حال..

فيصل القاسم: رغبوي.

كمال شاتيلا (مقاطعا): علمي.

جاد الكريم الجباعي: ليس سياسيا ولا علميا، في العلم ليس هناك ما هو حتمي..

كمال شاتيلا: شلون، في أرقام يا حبيبي..

جاد الكريم الجباعي: في العلم هناك..

فيصل القاسم (مقاطعا): طيب هو يتحدث أرقاما، بس دقيقة..

جاد الكريم الجباعي: هو حر يتحدث..

كمال شاتيلا: عم بأحكي أرقام أنا.

جاد الكريم الجباعي: اسمح لي..

فيصل القاسم: طيب كيف حر يا سيد الجباعي، عم يعطيك أرقاما، واحد زائد واحد يساوي اثنين.

جاد الكريم الجباعي: سيدي وأنا عندي أرقام..

فيصل القاسم: لا، أنت تتحدث فلسفة.

جاد الكريم الجباعي: وأنا عندي أرقام، وأنا عندي فوكوياما..

فيصل القاسم: أنت تتحدث فلسفة وليس أرقاما.

جاد الكريم الجباعي: وعندي فوكوياما..

فيصل القاسم: طيب فوكوياما هذا الذي قاله.

جاد الكريم الجباعي: فوكوياما الذي تحدث عن نهاية التاريخ ثم تراجع، الآن يتحدث عن انهيار أميركا وغدا سيتراجع، هذا لا فيلسوف ولا من يحزنون. هلق هناك الواقع هو الفيلسوف..

كمال شاتيلا (مقاطعا): هذا بالنسبة لك، بس بالنسبة للأميركان فيلسوف.

جاد الكريم الجباعي (متابعا): هناك الواقع هو الفيلسوف، هناك الاقتصاد هو الفيلسوف، هناك قوة..

فيصل القاسم (مقاطعا): طيب بس الاقتصاد رايح في ستين داهية.

جاد الكريم الجباعي (متابعا): اسمح لي، هناك قوة المجتمع هي الفيلسوف..

فيصل القاسم: أين قوة المجتمع؟

جاد الكريم الجباعي: هناك الديمقراطية هي الفيلسوف..

فيصل القاسم (مقاطعا): دقيقة، دقيقة، خلينا نأخذهم، الاقتصاد ثلاثة أرباع شركات السيارات الأميركية في طريقها إلى الإفلاس..

جاد الكريم الجباعي (مقاطعا): نعم، نعم..

فيصل القاسم (متابعا): أهم البنوك الأميركية في طريقها إلى الإفلاس، 45 مليون جائع في الولايات المتحدة الأميركية..

جاد الكريم الجباعي: نعم، أجل، أجل..

فيصل القاسم: اجتماعيا؟ اجتماعيا حتى هنتينغتون قبل أن يموت قال في كتابه الشهير بأن لدينا قنبلة موقوتة تتمثل في عدد هائل من اللاتينيين في الولايات المتحدة. هل تعلم أن أكثر من أربعين مليون شخص يعيشون في الولايات المتحدة يتحدثون اللغة الإسبانية وليس اللغة الإنجليزية؟ دقيقة، وهم يشكلون ثقافة خاصة مستقلة بذاتها..

كمال شاتيلا: والسود..

فيصل القاسم: ناهيك عن السود، طيب كل هذه الأمور، اجتماعيا اقتصاديا سياسيا كل هذه الأرقام تشير إلى انهيار وتأتي وتقول لي إنه اقتصاديا وكذا وكذا!

جاد الكريم الجباعي: يا سيدي نحن الذين يعني نعتبر التعدد كارثة -وقد ورد على لسان زميلي- التعدد في الولايات المتحدة الأميركية هو القوة، الصينيون في الولايات المتحدة الأميركية يتكلمون الصينية ولهم صحفهم وإذاعاتهم وتلفزيوناتهم، العرب يتكلمون العربية، الهنود يتكلمون الهندية، الولايات المتحدة الأميركية تجربة غير مسبوقة، نحن يجب أن نتعلم منها فكرة التعدد..

كمال شاتيلا (مقاطعا): العبودية والعنصرية..

جاد الكريم الجباعي (متابعا): فكرة تعايش الأعراق والثقافات والديانات واللغات..

فيصل القاسم (مقاطعا): طيب يا سيدي هذا كان، كان زمان.

جاد الكريم الجباعي: ما كانش زمان، هذا هو الواقع هذا هو الواقع وينمو ويتطور والشعب الذي انتخب رجلا من أصل أفريقي وأبوه مسلم سابقا..

كمال شاتيلا: بيحسبوه عالبيض..

جاد الكريم الجباعي: هذا شعب يتعلم ومعظم الذين انتخبوه من الشباب، هذه مهمة جدا، هناك مجتمع يعني يغتني بالتعدد هناك مجتمع يقوى بالتعدد. وما ذكرته..

فيصل القاسم (مقاطعا): بس دقيقة، صحيح..

جاد الكريم الجباعي: اسمح لي، ما ذكرته حضرتك عن البنوك التي أفلست..

فيصل القاسم: وشركات السيارات.

جاد الكريم الجباعي: وعن مشكلة السيارات نعم هي مشكلة واقعية وهناك منافسة بين السيارات الصينية والسيارات الأميركية وبين كافة البضائع الصينية والبضائع الأميركية لكن أسأل سؤالا، لو كانت الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تضع حواجز جمركية على البضائع الصينية..

كمال شاتيلا (مقاطعا): هلق حتضطر.

جاد الكريم الجباعي (متابعا): ماذا تستطيع أن تفعل الصين؟

فيصل القاسم (مقاطعا): طيب أقول لك شيئا..

كمال شاتيلا: هلق حتضطر..

جاد الكريم الجباعي: تسحب الأربعمائة مليار دولار، شو المشكلة؟

فيصل القاسم: بس دقيقة، بس هل تعلم ما هو الشعار الرائج الآن في الولايات المتحدة الأميركية؟ هل تعلم ماذا هو اقتصاديا؟ نحن نعلم أن أميركا هي التي طبلت وزمرت للعولمة الاقتصادية وسقوط الحدود والحواجز بين الدول والشركات العابرة للقارات وكل ذلك، ماذا حدث في الولايات المتحدة الآن؟ الولايات المتحدة الآن تنطوي على نفسها اقتصاديا والشعار الرائج اقتصاديا الآن في الولايات المتحدة "اشتر البضائع الأميركية". بربك ألا يتناقض ذلك تماما مع شعار العولمة القائم على فتح الحدود وإزالة كذا؟ يا رجل أميركا في الفترة الأخيرة لم تستطع تحمل وجود شركة عربية تدير بعض الموانئ في الولايات المتحدة من دبي، صح ولا لا؟ أميركا الآن حتى تضرب عرض الحائط بالعولمة، بالعولمة الاقتصادية، والعالم الآخر بدأ أيضا يتقوقع ولا يريد أن يذهب إلى أميركا، من يريد أن يذهب إلى أميركا الآن؟ من المجنون اللي بيروح على أميركا وبيحط فلوسه واستثماراته بأميركا؟

جاد الكريم الجباعي: ما بعرف، لكن هناك فرق..

كمال شاتيلا: ها ها..

فيصل القاسم: بس دقيقة.

جاد الكريم الجباعي: عفوا، هناك فرق دكتور فيصل بين شعار "اشتر البضائع الأميركية" وبين الاستمرار في حرية التجارة وفي عدم وضع القيود أمام البضائع الواردة من الصين أو من اليابان أو من غيرها، معروف أن..

كمال شاتيلا (مقاطعا): حيعملوها، حيعملوها هذه..

جاد الكريم الجباعي (متابعا): معروف أن البضائع الصينية تنافس البضائع الأميركية والولايات المتحدة الأميركية تقبل بذلك ومعروف أن الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة كبيرة جدا..

كمال شاتيلا: اثنين ترليون.

جاد الكريم الجباعي: أيوه اثنين ترليون دولار، الاستثمارات اليابانية في الولايات المتحدة..

كمال شاتيلا: ترليون.

جاد الكريم الجباعي: أكثر، خمسة ترليون دولار..

كمال شاتيلا: لا، واحد ترليون.

جاد الكريم الجباعي: طيب على كل حال هناك استثمارات كبيرة، الولايات المتحدة الأميركية بيئة استثمارية لكل بلدان العالم..

كمال شاتيلا: هلق خلص..

جاد الكريم الجباعي: هناك استثمارات عربية..

فيصل القاسم (مقاطعا): بس يا أخي..

كمال شاتيلا: هلق خلص.

فيصل القاسم: ليش ظل استثمارات خليجية عربية في أميركا؟

كمال شاتيلا: كان، كان.

فيصل القاسم: تبخرت وراحت وراحت البيزات، راحت، ما حدا بيعرف وينها، راحت الفلوس، لا تقل لي استثمارات، مين؟ يعني مفكر دول الخليج بدها ترجع على أميركا؟

جاد الكريم الجباعي: راح 20% منها فقط..

واقع البنية التحتية وتداعيات الأزمة المالية

فيصل القاسم: ثانيا، نقطة قبل أن أنتقل، البنية التحتية، هل تعلم أن هناك آلاف الجسور وآلاف الطرق وآلاف المشاريع داخل الولايات المتحدة في طريقها إلى الانهيار وليس هناك ميزانيات لترميم البنية التحتية في الولايات المتحدة؟

كمال شاتيلا (مقاطعا): قال خصص لهم نصف ترليون وهم بحاجة إلى أربعة ترليون للبنية التحتية!

فيصل القاسم: طيب جميل بس أنا أسألك بالاتجاه الآخر، أسألك سيد، أنت تتحدث عن أرقام طيب ما أنا لدي أرقام أصلا، طيب قوة الدول تقاس عادة بالـ GTP الناتج الإجمالي المحلي، صح ولا لا؟ دقيقة، طيب بالرغم من هذه الأزمة الخانقة التي تتحدث عن تفاصيلها أنت الناتج الإجمالي المحلي الأميركي كان في أواخر عام 2008 أكثر من 14 ترليونا، يعني 25 دولة أوروبية من العيار الثقيل لا تساوي بإنتاجها المحلي الإنتاج الأميركي، طيب كيف يعني كل.. كيف أنت تبشر بسقوطها ولسه 14 ترليون GTP؟

كمال شاتيلا: يا مولانا، بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية لا شك أنها هي أكبر سوق لمنتجاتها نفسها ولاستهلاكها نفسها يعني بين إنتاج أكبر لأنه عددها فوق ثلاثمائة مليون زلمة على مساحة، خامات كلها جديدة، قارة بكر، فداخل السوق الأميركي طبعا في اقتصاد، أنا معلوماتي الاقتصاد الأميركي 12 ترليون، الميزانية الأميركية السنوية 3,8 ترليون، عجز الموازنة الأميركية 2009 هلق 1,5 ترليون هلق حاليا، البنية التحتية الكونغرس بيقول لك من جمعتين إذا ما بتخصصوا ترليون دولار فوري الجسور سوف تنهار بأميركا..

فيصل القاسم: أي سنة؟

كمال شاتيلا: هلق، هلق، ومباني حكومية بدها تنهار بأميركا ومياه أنهار بدها تطوف، البنية التحتية خالص، بتكلف أربعة ترليون هلق الكونغرس قرر بأي شكل لازم تعملوا ترليون، قرر لهم أوباما حوالي نصف ترليون..

فيصل القاسم: وهي بدها أربعة ترليون.

كمال شاتيلا: هي بدها أربعة يعني تصور أنت بدك أربعة ترليون، هلق كل اللي تفضلت فيه أنت لو قلت أنت حجم الاقتصاد الأميركي 12 ترليون، حجم الأزمة الحالية ثمانية ترليون وحده، يعني ثلثي الاقتصاد الأميركي وقديش بالنسبة للميزانية؟ الميزانية السنوية، 3,8 ترليون، شيل ترليون للبنية التحتية اللي هلق حيطيروا والمعالجات اللي عاملها أخونا كل ما هبط بنك أو طارت شركة بيروح طارقه مائة مليار، شو بده يصير بالموازنة؟ بيصرف وين هذا؟ أنا ماني عارف بده يصرف وين! لذلك أنا خليني أقول أساس الأزمة، الله يخليك كلمتين بس، في عندك أساسا الدين الأولاني خمسة ترليون لما خلص الاتحاد السوفياتي يعني 1989 كان على الأميركان خمسة ترليون، هلق صاروا بين 10 و12 ترليون، البنية التحتية بدها أربعة ترليون، إيه خيي، هول إذا حطيتهم مع بعضهم عاملين هم أسباب الانهيار لأنه بدك تزيد عليه أربعة ترليون دولار نفقات حرب أفغانستان والعراق، مجموعهم هول قل لي كيف بدك تطلع من هالورطة؟ يعني شو هو السبيل أنك تطلع؟ هلق في عوائد..

فيصل القاسم (مقاطعا): طيب بس دقيقة، كيف بتطلع من هالورطة؟ أميركا مرت بورطة مشابهة وتكاد تكون أخطر بالرغم من أنك تقلل من قيمتها..

كمال شاتيلا: لا يا أخي..

فيصل القاسم: 1929، يا رجل، 1929 العالم انهار بالرغم من ذلك بعد عشر سنوات من 1929 أميركا مولت الحرب العالمية الثانية مولت البريطانيين والفرنسيين والروس ودول الحلفاء كلها مولتها أميركا وبعد ذلك حلت محل المستعمر القديم المتمثل بالفرنسيين والبريطانيين وانظر ماذا فعلت.

كمال شاتيلا: ما كان في إفلاسات أولا بهذا الحجم الموجود الآن، كان في كساد اقتصادي، بنفس الوقت أميركا اللاتينية ما كانت متحررة فكانت حديقة خلفية للولايات المتحدة الأميركية عم تنهبها وتسلب ثرواتها، معادن من ذهب وفضة وبترول واللي بدك إياه، وبين الحربين يعني استغلت أميركا أميركا الجنوبية استغلالا منقطع النظير..

فيصل القاسم: أميركا اللاتينية، نعم.

كمال شاتيلا: ورجعت كانت أخذت هي الفليبين وأخذت كوبا، فهذه الاستعمارات الخارجية..

فيصل القاسم: انتهت.

كمال شاتيلا: وفرت لها في ذلك الحين إمكانات لتتجاوز أزمتها الاقتصادية، الآن أميركا تنتقل يا صاحبي من الاستعمار إلى الانكفاء، ما في موازنة تكفي ولا قادرة استعماريا تعمل حروبا استباقية أخرى، وقعت خلص أميركا وقت.

فيصل القاسم: وقعت خلص. كم تتوقع الأيام بيننا، كي ننهي بجمل بسيطة، تتوقع انهيار أميركا؟

كمال شاتيلا: خلال خمس سنوات.

فيصل القاسم: الكلمة الأخيرة لك، كي تكون موجزة.

جاد الكريم الجباعي: أتوقع أن تتجاوز الرأسمالية أزمتها وأن تتجاوز الولايات المتحدة أزمتها في المدى القريب.

فيصل القاسم: إن شاء الله منضلنا طيبين.

كمال شاتيلا: معقولة بعد اللي قلناه!

فيصل القاسم: إن شاء الله منضلنا طيبين ومنلتقي بعد خمس سنوات، إذا الله أعطانا عمرا. يعطيكم العافية. مشاهدينا الكرام لم يبق لنا إلا أن نشكر ضيفينا السيد كمال شاتيلا عميد المركز الوطني للدراسات الإستراتيجية في لبنان، والكاتب والباحث جاد الكريم الجباعي. نلتقي مساء الثلاثاء المقبل فحتى ذلك الحين ها هو فيصل القاسم يحييكم وإلى اللقاء. شكرا، يعطيكم العافية، بتسلموا على بعض ولا؟

كمال شاتيلا: إيه طبعا، طبعا.

جاد الكريم الجباعي: الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

فيصل القاسم: يعطيكم العافية.