- حين يتحدث الشعر بلسان الجرح
- بغداد في رمضان والشعر الصوفي

- أجواء رمضان الروحانية في غزة

- تفاعل الشعر مع الواقع وعلاقته بالدين


غسان بن جدو
محمد علي شمس الدين
خضير عمير
 
خضر أبو جحجوح
وائل الذرد
تامر المسحال
 حين يتحدث الشعر بلسان الجرح

محمد علي شمس الدين: أهلا بكم في قلب الجنوب هنا في هذه القرية الجميلة بأهلها بغيمها بكل شيء، تزداد بكم جمالا. القصيدة التي سأقولها هي بعنوان "دموع الحلاج" مقاطع من "دموع الحلاج" من ديوان "اليأس من الوردة" وهو آخر ما صدر لي في بيروت في مطلع هذا العام.

يا نسيم الريح خبر للرشا

لم يزدني الوِرد إلا عطشا

أعليت دموعي كي تبصرها يا الله

وقلت أعيد لك الأمطار

فلتنشر غيمك حيث تشاء

فإن الغوث يعود إليك

والحزن يعود إلي

وأنا حين ربطت الريح بخيمة أوجاعي

جمّعت ينابيع الأرض ففاضت من ألمي

هذا ألمي قرباني لجمالك

لا تغضب

فأنا لست قويا كيما تنهرني بالموت

يكفي أن ترسل في طلبي

نسمة صيف فأوافيك

وتحرك أوتار الموسيقى

لأموت وأحيا فيك

هذا ألمي

فاخفف من وقع جمالك فوق فمي

كم دمعة فيك لي ما كنت أجريها

وليلة لست أفنى فيك أفنيها

لكنني وأنا عان ومنتهب

وحدي على وحدتي أطوي فيافيها

ساءلت واسط عن نار تؤرقها

والأرض تنشر موتاها وتحييها

فلم تجبني

فلما غاب شاهدها

أبصرت خيط دماها في سواقيها

فجئت واسط محمولا على فرس

والريح تدفع ريحا في نواصيها

فما رأيت على أبراجها قمرا

ولا سمعت أنيسا في مبانيها

أرسلت غزالا نحو الشمس لينطحها

وأسلت بكائي في القصب

ليس نبيذا ما يعصره العصارون

ولكن فيض دمي في العنب

وأنا لست بعراف ينظر في النجم

ويقرأ ما سطره الأفاكون من الكذب

هيمان على وجهي أسأل عمن يسقيني الماء

فلا أسمع غير طنين ذباب الأعراب على الكتب

من حولي سبعة أنهار

وبحار تذرعها الحيتان

وأذناب يخوت من ذهبي

وأموت بصحرائي عطشا

شرد العقل وأفلتت الكلمات

وجن المتدارك في الخبب

وسأقتَل أعلم يقتلني نسبي

وسأصلب ما بين اللد ومكة والنقب

غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين سلام الله عليكم، اسمعوا ما سأقدم به أمسيتنا ولا تجهدوا في الإنصات فللإنصات طقوس تبدأ بالسمع ولا تنتهي بالتدبر والتأمل وحين يتكلم الشعراء بمثل ما استهل به ضيفنا هو الذي في "دموع الحلاج" رسم نفسه بصرخة هذا الخوف وعرّف

"أنا الذي حركت في الشجن الرواية

وانتدبت أصابع الشعراء كي تثب القصيدة

في فراغ جنونهم كالظبي"

يستضيفنا الشاعر محمد علي شمس الدين في مخياله المتنقل ما بين الشام والحجاز وأريحا وبابل والنيل والفرات وجبل الريحان، ومن أين؟ من عرب صاليم في إقليم التفاح في جبل عامل في جنوبي لبنان يصبح إنصاته من حقه ويمسي تقديمنا مجرد ضرورة مهنية وربما مجرد رفع عتب ذاتي لذا أستسمحكم في ديباجة قصيرة في بعض سمع. أنصتوا لما ستجترحه بغداد من مفردات وهي الجريحة حتى في شهر رمضان المبارك على وقع الاحتلال والتفجير والقتل والدم، هناك في بغداد الصمت يتكلم بدمعة القلم يساءل ضيفنا ماذا يجدي البكاء إذا لم نتوثب للبناء؟ ويستحضر أياما خوالي كان يغني أطفالها موطني، سوف نسمعه إياها.

[نشيد موطني]

غسان بن جدو: موطني كان النشيد الرسمي للعراق وكان يفترض أن يكون بيننا أيضا ضيفا في هذه الحلقة من قدمت بالحديث إليه الشيخ خضير عمير ولكن أبلغت قبل لحظات بأنه يتعذر عليه المشاركة بسبب خلل تقني ومع ذلك أسمعناه وأسمعنا العراقيين موطني، لم؟ لأن ضيفنا الذي كان يمكن أن يشارك معنا قال في قصيدة دمعة قلم أحلام ترملت جزءا يسيرا أستحضره وهو في غيابه

"أيتها الطرق الكالحة والشوارع الموصدة

افتحي صدرك للسائلين والعابرين صوب أحلامهم المؤجلة

أيتها النوارس المهاجرة أسرابا خارج الوطن

عودي وغردي في رياضة فوق سنبلة

أيتها الأيام السود والرؤوس البيض

استعيري من قوس السماء ألوانا للأرامل

أيتها الأمطار التي طال اشتياقها لها

وفأس الشوق تهشم رؤوسنا والقلوب

عودي واسق تربة وطني بنسغ الحياة والربيع والشذا

واغسلي أشجاره الباكية وورده الذابل

حتى تغني القبرات في الحياة

ويضحك السوسن والبنفسج

ويغني الأطفال بمدرسهم ملء حناجرهم

موطني"

لذا غنينا له موطني.

محمد علي شمس الدين: أنا سأكمل عن بغداد، لو سمحت لي.

غسان بن جدو: تفضل أستاذ محمد.

محمد علي شمس الدين: مقطع صلة وصل لبغداد..

غسان بن جدو: طبعا بالمناسبة أود أن أذكر فقط بأنك بدايتك الشعرية كانت بالبصرة عام 1974.

محمد علي شمس الدين: في المربد، مربد الشعر العربي أحسنت عام 1974 كنت صبيا خائفا صغيرا وقلت هناك في مربد الشعر العربي في البصرة قصيدة "قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا" وكان لها صدى كبير، بكل الأحوال أنا أقول بنفس القصيدة "دموع الحلاج"

صليت ببغداد صلاة الدم

ونفرت بغزة أوجاعي

وعبرت الجسر الواصل ما بين الموت وأضلاعي

دمعي أصل الطوفان وقرباني جسدي

فاقطع إن شئت يدي

ستموج الغابة بالأغصان

ويعلو للأشجار عويل

حتى يثقب سقف القبة

من لم يعرف وجع الإنسان وغربته في الأرض

فلن يعرف ربه

غسان بن جدو: قلت كان يفترض أن يكون معنا من بغداد لأننا اخترنا بغداد الجريحة حتى تكون معنا في هذه الأمسية الرمضانية ولكن أيضا اخترنا أن تكون معنا غزة، أتمنى أن نكون معها بعد قليل، وبعد أن قلت أنصتوا إلى ضيفنا هنا أقول أنصتوا إلى ابن عسقلان صاحب مرثية الوطن الذبيح وهو من غزة يتذكر كيف أسند ظهره إلى جدار في أحد أزقة المخيم الجديد وفتح خياله الصغير على أمد ممتد لا محدود وتخيل المخيم ملكا له ولرفاقه الأطفال الجالسين معه يتسامرون في فيء الجدار قبل العصر ويتفقون على أن يحضر كل واحد منهم قطعة من الخبز وحبة بندورة وقليلا من الملح والبصل والدقة والزعتر ليصنعوا منها وليمة جماعية كانوا يسمونها غديوة، أهلا بك من غزة بعد قليل الشاعر خضر أبو جحجوح يفترض أيضا أن يكون معنا من مسجد العمري الكبير في غزة حيث نستزيد بإيمانه أيضا الشيخ وائل الذرد. أستاذ محمد طبعا أنا أود أن أشير أننا هنا في عرب صاليم كما قلت في إقليم التفاح في جنوبي لبنان ونحن في دارة الشيخ علي مغنية، الشيخ علي مغنية هنا يستضيفنا، شكرا لك سيدي وبين أبنائه وأحفاده سوف نتحدث بعد قليل. أستاذ محمد علي شمس الدين أنت تستقي من ابن عربي الفيلسوف الكبير قوله "الحروف أمم" وتزيد عليها "اللغة عندي أمم بكاملها"، هكذا قلت، يعني من ابن عربي الذي يقول الحروف أمم أنت تقول اللغة عندي أمم، هل أمتنا الآن للغة هذه التي تقول إنها أمم لا يزال هناك لها مكانة؟ واستطرادا هل للشعر مكان في أمتنا الحالية؟

محمد علي شمس الدين: الشعر صديقي الآن الشعر العربي الحديث والمعاصر الآن شبيه بربابة مقطوعة الأوتار ربابة محطمة، هذا ليس إدانة للشعر، تبقى الربابة المحطمة لغة ما لأن الروح الحيوية للأمة في جانب كبير منها محطمة، بالطبع الشعر أبعد من الكلمات الشعر زهرة اللغة واللغة زهرة التاريخ والشعر مشى في انكسارات كثيرة وارتفاعات كثيرة مع الزمن لأنه كائن متحرك ومنذ وقف المتنبي من ألف عام وأكثر على قمة الشعر العربي وأشرف من عل إلى الحضيض فشاهد الإنسان العربي في ثلاث غربات

"وتلق الفارس العربي فيها

غريب الوجه واليد واللسان"

وما زالت هذه الغربات تتدحرج في الأودية العربية، الآن حصلت محاولات للنهوض في خلال يقظة الروح العربية في خمسينات القرن الفائت ثم الانتكاسات ثم جاء التحدي الأكبر من خلال إسرائيل ثم جاءت تحديات أخرى نتحدى فيها أنفسنا بأنفسنا ومع ذلك وبالرغم من انتصارات المقاومة وهي انتصارات نوعية وجديدة ولا بد من الإصغاء لها فإن الروح العامة للشعر العربي شبيهة بالربابة المحطمة لا تزال.

غسان بن جدو: والسبب؟

محمد علي شمس الدين: السبب يبدو أن الشعراء يقينهم صعب، إنهم بحاجة لكثير من الانتصارات لكي.. أي هم بحاجة لانتصار روح الأمة كلها، إن انتصارا واحدا لا يكفي، أنا شخصيا ربما أمدني هذا الانتصار بروح حيوية غادرت به ألحان الانكسارات الرتيبة العربية وألحان يعني شو بدي أقول نعيب البوم في الشعر العربي وآخرها حيث سجل خليل حاوي بدمه احتجاجه يوم أطلق النار على رأسه في الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، بكل الأحوال هذه الروح منكسرة الآن الروح العربية العامة أقول برغم الإضاءات والتي تبدو أحيانا وكأنها تنفخ في كير بارد أو في نار هامدة.

بغداد في رمضان والشعر الصوفي

غسان بن جدو: أنا أستسمحك أستاذ محمد علي لأنهم يخبرونني الآن بأن الوضع تحسن بعض الشيء مع بغداد وربما الشيخ خضير عمير معنا الآن من بغداد، مرحبا بك شيخ أهلا بك في هذه الحلقة ربما لدينا مجال ضيق جدا للحديث معك ولكن السؤال كيف هو رمضان شهر رمضان المبارك في بغداد الجريحة؟ وأنت القادم من الأنبار طبعا.

خضير عمير: رغم الألم رمضاننا أمل فرغم أن الموت لا زال يمتطي صهوة جواده ويمتشق سيفه وسيفه يشخب دما هنا وهناك وهنالك على طول وعرض خارطة الوطن لكن أبناء العراق عامرة قلوبهم بالأمل بالله بوحدتهم وإخوتهم وتطلعهم إلى مستقبل زاهر فهم يكدحون من أجل أن يتشكل البيت العراقي على بحر الكامل أو الوافر.

غسان بن جدو: طيب هذا كلام جميل ولكن عمليا في العراق الآن يعني أنتم تشعرون برمضان؟ لديكم أجواء رمضان بشكل كبير بشكل عادي بشكل طبيعي رغم التفجيرات رغم القتل رغم كل ما يحصل رغم الاحتلال طبعا؟

خضير عمير: أجازف وأخدعك حينما أقول الأمر طبيعي ولكن بسبب الإصرار وبسبب قوة الإيمان حيث أن ناسنا يكافحون من أجل أن تستمر شمس الإيمان تتربع..

غسان بن جدو: وإذا استسمحتك في عدم خداعي بما تقول؟

خضير عمير: أنا لا أريد أن أخدع المتلقي ولكن أقول يعني الأمر ليس طبيعيا ولكن بسبب الإصرار وبسبب عمق الإيمان فناسنا يكدحون من أجل أن تتربع الشمس في سماء الوطن، نعم.

غسان بن جدو: أستاذ خضير أنت لديك قصيدة "أقول لكم" تبدأ فيها "أمر بطرقات الحبيبة بغداد" أسألك ماذا ترى؟

خضير عمير: والله بغداد قصيدة بل هي أغنية خضراء لكن حل بها ما حل وتهدم فيها ما تهدم واحترق منها ما احترق لكن المخلصين والأوفياء وأبناءها النجب يحاولون ترميم وضعها..

غسان بن جدو (مقاطعا): سألتك كي تجيبني بلغة الشعر من فضلك، هذه قصيدتك تقول فيها في البداية في المطلع "أمر بطرقات الحبيبة بغداد" وتكمل "أرى.." أسألك أرجو أن تجيبني بلغة الشعر ماذا ترى؟ لأن أمسيتنا هي أمسية شعرية هنا.

خضير عمير: نعم أرى صورة يعني حينما أرى أبواب المحال وكبريات يعني الأسواق مغلقة ومن وقت مبكر في النهار خلاف ما عهدناه فأشعر برغبة عميقة في البكاء تتحشرج الحسرة بل العبرة في صدري حقيقة، الأمر ليس سهلا، لولا بصيص أو شعلة الإيمان والأمل، الأمر ليس سهلا، بغداد ليست بغداد الأمس بغداد حل فيها ما حل، بلغة النثر يعني حضرتك تقول ليس بالأسلوب أو باللغة الشعرية، نعم بغداد أمرها صعب ولكن نحن نتطلع إلى ما هو.. فبغداد..

غسان بن جدو (مقاطعا): أنت تقول أستاذ خضير أنت تقول سيدي العزيز

"أمر بطرقات الحبيبة بغداد

أرى مبانيها بين راقد وقاعد ومحروق ومسروق

أتألم كثيرا مستذكرا على مدار التاريخ

حضارات سادت ثم بادت

يسكنني شجن دافئ خفي

وتجلد للشامتين أريهم أنني لريب الدهر لا أتضعضع"

هل تتذكر هذه القصيدة؟ إذا لم تكن تتذكرها ما الذي يمكن أن تحدثنا عنه بلغة الشعر عن رمضان في العراق إذا سمحت؟

خضير عمير: والله يعني طبعا هذا صحيح في بغداد لكن الذي يجعل الإنسان يتفاءل هو الناس الذين يحاولون ترميم ما حصل بالحبيبة بغداد التي بيوتها وبناياتها بين راقد وساجد يعني الأمر ليس سهلا وبانوراما الأحزان متشكلة ولكن الذي يجعل خارطة الفرح يعني تزحف على خارطة الحزن هو هذا العزم العراقي والأخوة والتكاتف والأمل رغم أن الأمر صعب والقتام ليس غائبا عن المشهد، نعم.

غسان بن جدو: شكرا جزيلا لك شيخ خضير كنت أتمنى أن تحدثنا بلغة الشعر، شكرا جزيلا وكل عام وأنتم بخير هناك في بغداد. أستاذ محمد علي شمس الدين في "لغز عشتار" فراس السواح يقول ما يلي "حكمة الشمس إضعاف للروح وحكمة القمر إضعاف للعقل وبين عالم النور وطوايا الظلام قد يتوقف الفرد ليختار عالم الظلام ويغلق على نفسه تماما في رحلة لا عودة منها رحلة يسميها الناس جنونا ويختبرها أهلها انجذابا وكشفا ولنا في مجاذيب التصوف خير مثال على ذلك" ما الذي يعنيه الشاعر الصوفي وشاعر الابتهال في زمننا هذا؟

محمد علي شمس الدين: الشعر الصوفي هو مر في مرحلتين من حياته وتاريخه، المرحلة الأولى مرحلة زهدية مرحلة الزهد يعني في القرنين الأولين للهجرة والزهد المقرون بالخوف من الله عز وجل حيث الله هو العظيم القهار المتجبر، هذه المرحلة توجها أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" حيث من يقرأ هذا الكتاب يرى مقدار الزهد والخوف من الله قديش هم متداخلين، المرحلة الثانية هي مرحلة الحب حيث بدأ تأسيسا على القرآن الكريم {..يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ..}[المائدة:54] إن الحب هو اللحمة أكثر من الخوف وعلى الحب أسس المتصوفة الإسلاميون أشعارهم العظيمة التي ما زالت تقطع الزمن ككرات من نار حتى اليوم والتي تغزو الآن الآن حتى الولايات المتحدة الأميركية أشعار الحب لجلال الدين الرومي حيث يغنيها مغنون وترسل بين الشباب والعشاق SMS أبياته في الحب، الحب هو لحمة الكون والحب هو العرفانية في الشعر في مقام ما هي أعلى من الشعر، العرفانية مقام أعلى من الشعر..

غسان بن جدو (مقاطعا): ولذا أنت نقلت للعربية حافظ الشيرازي؟

محمد علي شمس الدين: أنا أسست على حافظ الشيرازي..

غسان بن جدو: في ديوانك "الشيرازيات".

محمد علي شمس الدين: في ديواني "الشيرازيات" 75 قصيدة في الحب في الغزل 75 قصيدة في الغزل. النص تبع فراس السواح يشير لا إلى الحب بل إلى تعطيل العقل أمام قوى الروح..

غسان بن جدو: طيب ماذا تقول في "الشيرازيات"؟

محمد علي شمس الدين: أقول بالشيرازيات قصيدة بعنوان "رأسي يدور" وهنا أريد أن أشير إشارة ليست للعارفين، العارفون يعرفون أن الخمر الإلهية في شعر التصوف هي غير الخمرة المادية المحسوسة الآن كما تعلم.

غسان بن جدو: تستبقنا منذ الآن لأن في قصيدتك هناك حديث عن الخمرة، نعم.

محمد علي شمس الدين: نعم حيث يقول ابن الفارض

"شربنا على ذكر الحبيب مدامة

سكرنا بها من قبل أن يولد الكرم

صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى

ونور ولا نار وروح ولا جسم"

في قصيدة "رأسي يدور" التي هي ذات بيان عربي يعني أنتمي إليه وذات روح صوفية أقول:

رأسي يدور على ما رق من جسدي

حتى كأن به مس الأساطير

أو أنني كرة في كف حاملها

ألقى بها الله في أرض المقادير

تشرب الراح من دن بلا شغف

ولا تسلم عليه غير مخمور

فالله أودع فيما كان من خبر

سر الخليقة في كأس من النور

حتى إذا مسها موسى على عجل

والبرق خاطبه من جانب الطور

وصب عيسى على الموتى سلافتها

كأنما صب فيهم نفخة الصور

جاءت إلينا على ساقين حاملة

ماء الحياة بأحشاء القوارير.

غسان بن جدو: هل تحفظ "قلبي بعيد"؟

محمد علي شمس الدين: قلبي بعيد..

غسان بن جدو: إذا كنت تحفظها أسمعها بعد الفاصل أستاذ محمد علي شمس الدين، مشاهدي الكرام أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا وقفة نعود بعدها لاستكمال حوارنا المفتوح من هنا من عرب صاليم في جنوب لبنان.

[فاصل إعلاني]

أجواء رمضان الروحانية في غزة

غسان بن جدو: أهلا بكم مشاهدي الكرام، معنا كالعادة الأستاذ محمد علي شمس الدين الشاعر اللبناني وأيضا الآن ينضم إلينا من المسجد العمري الكبير في غزة الشاعر خضر أبو جحجوح ومعه أيضا الشيخ وائل الذرد ومعهما على ما أعتقد زميلنا تامر المسحال، مساء الخير في غزة وكل عام رمضان كريم وكل عام وأنتم بألف خير. ثامر أولا كيف أوضاع شهر رمضان لديكم هناك في غزة؟

تامر المسحال: يعني بالبداية كل عام وأنتم بخير أخ غسان ولضيفك الكريم ولجميع المشاهدين أينما حلوا وأينما تواجدوا بحلول شهر رمضان المبارك أعاده الله علينا وعليكم جميعا باليمن والخير والبركات، عند الحديث عن رمضان في غزة نتحدث عن أجواء مختلطة يعني أجواء فيها كثير من الاهتمام الفرح ويعني أجواء إيمانية وروحانية جميلة ولكن في ذات الوقت هي أجواء المعاناة تستمر والألم والمأساة بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي المشدد على قطاع غزة وأيضا بآثار الحرب هناك نتحدث عن آلام وقصص من المآسي تتواصل وتتزايد وربما في مثل هذه الأجواء في شهر رمضان تتزايد حالات التكافل الاجتماعي والتواصل الاجتماعي لتجاوز كل هذه الأزمات، نستطيع أن نقول هي صورة من الصمود من التحدي وإرادة الحياة فوق إرادة الألم وفوق إرادة الحصار والاحتلال، أطل عليكم هذا اليوم من غزة من المسجد العمري الكبير وعند الحديث عن المسجد العمري نتحدث غسان عن أعرق وأقدم وأهم مسجد في غزة وأيضا على مستوى الأراضي الفلسطينية نتحدث عن هذا المسجد الذي يقع في وسط مدينة غزة في المدينة القديمة في محيط السوق القديم، قبل دقائق معدودة كان هذا المكان الذي أجلس فيه مع ضيوفي مكتظا بمئات من المصلين من مناطق مختلفة في مدينة غزة جاؤوا لصلاة العشاء ومن ثم صلاة التراويح، في هذه الليلة وهذه النافذة التي نطل عليكم في حوار مفتوح من غزة معنا الشاعر الفلسطيني خضر أبو جحجوح وأيضا إمام المسجد العمري الكبير الدكتور وائل الذرد. يعني للشعر أستاذ خضر مكانة خاصة في هذه النافذة وهذه الحلقة من حوار مفتوح كما استمعنا من ضيفينا في لبنان وأيضا في العراق، لنبدأ برمضان بلغة الشعر، كتبت بعض الأبيات هل لنا أن نسمعها مع بداية هذه النافذة؟

خضر أبو جحجوح: كل عام وأنتم بخير، الأجواء الإيمانية لا بد أن تتغلغل في منظومة الشعر رغم الألم والمعاناة وفي هذا كتبت قصيدتين أقرأ إحداهما "رحيق العفو"

رمضان هل فزان دنيانا

فانثر رذاذ النور ألوانا

وتنسم الأشواق من نفحاته

وارشف رحيق العفو غفرانا

واسفح دموع القلب سفح تذلل

ترجعك بعد الوجد جذلانا

رمضان قبل مهجتي

فتأوهت ولهانة لاقته ولهانا

وتهدجت مني الضلوع

وسبحت بتذلل تزداد إيمانا

وتلألأت روحي كأني سابح

والكون مد النور شطآنا

واخضوضرت في الأماني بهجة

وتضوعت طيبا وريحانا

وتنسمت صفو الرضا فتقطرت

نبعا نديا فاض قرآنا

وسكبت وجدي في صفاء تضرعي

فترقرق التحنان وازدانا

وهمت دموع الحب ذابت حنينها

تجلو الدجى وتزيل ما رانا

يا شوق روحي للجنان وروحها

ولوجه ربي يوم لقيانا

تامر المسحال: يعني أستاذ خضر نحن نعيش في رمضان، أنت تكتب الشعر ولغة الأدب عند الحديث في رمضان في غزة كيف تصفه بكلمات أنت من واقع معايشتك؟

خضر أبو جحجوح: رمضان هو نفحة قدسية أهدانا إياها الله سبحانه وتعالى لتخرجنا من هذا العذاب بالصبر والأمل في جنة عرضها السماوات والأرض، لو نظرت إلى جموع الناس في هذا الشهر الكريم رغم معاناتهم وآلامهم فإن قلوبهم تتشوق وتتحرق للحظة لقاء مع الله سبحانه وتعالى وفي هذا دليل أن هذا الشعب العظيم المصابر لا ينحني مهما ادلهمت الخطوب.

تامر المسحال: وفي هذه النقطة يعني إذا أعطينا الميكروفون للأستاذ والداعية وائل الذرد إمام المسجد العمري الكبير يعني لاحظنا هناك يعني قبل قليل كان هذا المكان مكتظا بمئات من المصلين من مناطق مختلفة من غزة، هناك أجواء إيمانية بالفعل نستطيع أن نقول إنها مميزة في غزة، هل لك أن تطلعنا على يعني خصوصية الأجواء الإيمانية في غزة في شهر رمضان المبارك.

وائل الذرد: بسم الله الرحمن الرحيم، نحمد الله تعالى ونصلي على رسوله الكريم وكل عام وأنت وجميع المشاهدين بخير. ربما رمضان له طعم آخر عندما تكون في غزة وربما شعر بهذا الطعم الأخ غسان عندما جاء إلى غزة أيضا، رمضان له طعم آخر في غزة بشكل واضح يشعر به كل من دخل غزة فرمضان لم يعد عندنا في غزة للركعات والسجدات فقط كما هو موجود في كثير جدا من البلاد العربية والإسلامية بل هو رمضان الخير رمضان الوصال رمضان المواساة رمضان المحبة والتوادد رمضان الصفح، كثيرة يعني هي الصور الإيجابية الكريمة الكبيرة التي نراها في غزة وتبعث فينا الأمل بشكل كبير جدا بل إن الصور التي نراها في كل رمضان قادم في رمضان يعني سابق ولاحق تزيدنا أملا بأن هذا الشعب كما قال أخي لن ينكسر إن شاء الله تعالى ولن يهزم ولن يذل.

تامر المسحال: هل لك أن تعطينا صورة يعني من واقع مثلا المسجد العمري الكبير ما هي الصورة الإيمانية والروحانية في رمضان؟ ما هي النشاطات التي تقومون بها وكيف يتقبل ويتعاون ويتجاوب الناس مع هذه الصور؟

وائل الذرد: يعني حتى نكون واقعيين ربما في غزة تحديدا يشتغل الإخوة في المساجد لرمضان قبل مجيئه قبل مجيء رمضان تكثر الأنشطة لتجهيز الناس لاستقبال رمضان فتكثر الليالي الإيمانية والأمسيات الثقافية والتحضيرات لرمضان القادم تجد أن الملصقات تكثر في الشوارع تكثر في المساجد تكثر الحلقات العلمية تكثر الندوات التي تجهز الناس لرمضان من ركعات من قيام قبل مجيء رمضان من اجتماع للصيام قبل مجيء رمضان فإذا جاء يعني أول يوم في رمضان رأيت أمرا غريبا في المساجد رأيت أن الناس عند صلاة العشاء أو عند صلاة المغرب تحديدا تكاد أن تقول ربما تعاد إلى غزة صورة منع التجوال التي كانت تفرض علينا أيام زمان يعني ربما لا تجد رجلا ولا امرأة تسير في الشارع إلا إذا كان مسرعا ليجلس مع أولاده وبناته أما إذا جاءت صلاة العشاء وصلاة التراويح بالمناسبة يعني برغم قطع الكهرباء المتكرر وبرغم موجة الحر الشديدة وهذا أخافنا نحن كدعاة وكأئمة مساجد خفنا من أن هذا الجو ربما نفر الناس من المساجد لكن غريب يعني المساجد بفضل الله تعالى كما هي الناس مصرون في غزة على البقاء في بيوت الله الناس مصرون برغم قطع الكهرباء برغم الحر الشديد لكنك تجد الناس مبتهجين بهذه الطاعة وكلهم يقولون رمضان ما هي إلا أيام

"دقات قلب المرء قائلة له -واعذرنا يا شاعرنا-

إن الحياة دقائق وثواني"

ربما يعني كلنا يصبر بعضنا بعضا بأن رمضان قد انقضى يعني أدرك نفسك صبر نفسك في يعني في المسجد العمري تحديدا تجد بفضل الله تعالى الناس يأتون كما ذكرت حضرتك من كل فج عميق يأتون من كل قطاع غزة تقريبا يأمّون المسجد هذا الكبير لتاريخه لجغرافيته ربما للشباب الذين هم فيه وبهذه المناسبة أنا أبرق تحية كريمة للإخوة كلهم الذين يعني يعملون لتجهيز جو جميل للمصلين في المسجد..

تامر المسحال (مقاطعا): وفي ظل هذه الأجواء يعني شيخ وائل الذرد نعود ما زال يعني دخلنا في الشعر وأجواء هذا الشعر، بالتأكيد أستاذ خضر يعني واقع قطاع غزة يعني صعب ومرارة كبيرة جدا وآلام وهناك يعني مئات بل آلاف من الأيتام وأسر الشهداء والأرامل هناك أوضاع فيها نوع من الألم رغم كل هذا التحدي والصبر، كتبت في كثير من المراحل أبياتا شعرية رصدت فيها واقع غزة، هل لك أن تعطينا بلغة الشعر يعني أبيات كيف ترصد لنا واقع غزة الحالي بالألم والمعاناة جراء الحصار وآثار الحرب الإسرائيلية المستمرة.

خضر أبو جحجوح:

أدمت فؤادي صرخة حرى

ومواجعي في مهجتي تترى

والحزن ينقش في دمي صورا

صبغ الأسى بمدادها القهرا

والعين تنزف لوعة وأسى

على مأساتنا الكبرى

أي المآسي لم تحك كفنا

لجراحنا كي نجرع المرا

والوجد فوق المجد منطلق

حمل الجوى في قلبه جمرا

ومضى يحث جواده أملا

وهوى تكبل بالنوى دهرا

والبحر موج البحر شيعه

والريح مدت عشقها جسرا

حزن الليالي فيه ملحمة

ولظى الدموع ورجفة المسرى

والقدس جلل قلبها كمد

مر تفتت ناره الصخرا

ووراء قضبان الأسى

شجن نزف الحنين وأشعل الصبرا

والهم بات من الضنى جبلا

فوق القلوب يعذب الأسرى

وعيونهم ترنو إلى أسد

يهب الوحوش لموتها جحرا

هزت فؤادي صرخة صعقت

وجع الحنايا فانبرى نهرا

وجرت مواجع أضلعي سفنا

كي ترتقي فوق اللظى نصرا

يا ليل يا ليل مد النور لي قمرا

أمست به زنزانتي قصرا

وتفتحت قضبان أقبيتي

روضا يعانق شوكه الزهرا

تامر المسحال: إذاً غسان يعني بهذه الكلمات وهذه الأبيات الشعرية ترتسم صورة غزة فيها ألوان من الألم والحزن والمأساة ولكن الصورة الأكبر واللون الأكبر هو لون الصمود ولون التحدي ولون التفاؤل والأمل الذي يبقى دائما فوق كل أي لون من ألوان الألم والحزن والمأساة.

غسان بن جدو: شكرا أخ تامر أنا فقط أود أن أشكر أيضا ضيفيك العزيزين، أود أن أشير أنه في المقدمة أشرت إلى ما ذكره الشاعر خضر أبو جحجوح ولكن أيضا فيما كتبه عن الطفولة يضيف وسأعود إليه فقط للحظات "وفرحتنا بشهر رمضان والتزحلق على المنحدرات الطينية المتاخمة للمسجد وانطلاقنا مع صوت المؤذن لتنبيه الناس بصراخنا أفطروا يا صائمين يا صائمين افطروا، إذا لم تكن الكهرباء قد وصلت للمخيم بعد وصوت المؤذن بالكاد يصل من فوق المئذنة القديمة، -يقول- تتزاحم الذكريات بخافقي ولا أكاد أمسكها من خلال الدموع، يا الله إنها دموع حبيسة في القلب تترقرق مع الحنين والشوق وفي لحظات الألم الكثيرة، الذكريات تمسك بتلابيبي وتهزني هزا، خذي مني حياتي وامنحيني طفولة، يعذبني حنيني واشتياقي في الكهولة" هل تشتاق إلى الطفولة أستاذ أبو جحجوج فعلا؟ لماذا؟

خضر أبو جحجوح: نعم أخي نعم، إن لحظات الطفولة هي لحظات الأمل الذي يولد منه الشعب الفلسطيني كطائر العنقاء الفينيق.

غسان بن جدو: وهل أطفال غزة اليوم يمكن أن يشتاقوا لطفولتهم بعد عشرين عاما مثلا عندما يصبحون في عمرك؟

خضر أبو جحجوح: سيشتاقون إليها لأنها ذكريات الألم المعبأ في قلوبهم يشتاقون إليها عندما يكونون رجالا ويحدثون أبناءهم عن هذا الزمن المعذب هذا الزمن الذي تكالبت فيه الأمم على الشعب الفلسطيني عندما تندحر قوات الاحتلال الصهيوني هذا السرطان عندما يزول.

تفاعل الشعر مع الواقع وعلاقته بالدين

غسان بن جدو: شكرا جزيلا لك أعود وأشكر تامر أشكر طبعا مدير مكتب فلسطين وليد العمري وأشكر جميع الإخوان التقنيين الذي شاهدناهم والذين لا أعرف أسماءهم. أستاذ محمد علي شمس الدين واقع التحدي هناك في غزة في فلسطين لا يزال يجترح شعرا يعني وينتج شعراء يصنع شعراء شعراء كبار ورغم كل الأوضاع الأليمة والنكسات التي تحدثت عنها في هذا الزمن طيب هل التحدي هو الذي ينتج شعراء في هذا الزمن أم هو الوضع الرخو الوضع الهادئ؟ طيب نحن قبل قرون وقرون عديدة لم يكن هناك تحديات ومع ذلك عباقرة الشعر عمالقة الشعر في تاريخنا وتراثنا العربي ولدوا آنذاك.

محمد علي شمس الدين: صحيح.

غسان بن جدو: لماذا الآن لا في وضع الرخاء ولا في وضع التحدي كما تقول بطبيعة الحال رغم أن البعض يعتقد أن هناك شعرا وهناك شعراء في هذا الزمن.

محمد علي شمس الدين: بلا ريب هناك شعر وهناك شعراء ولكن ليست هناك كيمياء معينة لتوليد القصيدة أي لا الرخاء وحده كاف للقصيدة ولا الألم أو الشقاء، القصيدة..

غسان بن جدو (مقاطعا): في 23 أيار عام 2008 تقول أستاذ محمد علي شمس الدين "الشعر رقم صعب يقلب الطاولة".

محمد علي شمس الدين: آه صحيح.

غسان بن جدو: كيف يمكن للشعر أن يكون رقما صعبا ويقلب الطاولة؟

محمد علي شمس الدين: قلت لك إن الشعر هو التقاط للذبذبات العميقة للأمة.

غسان بن جدو: يقلب أي طاولة؟

محمد علي شمس الدين: يقلب طاولة السياسة يقلب طاولة المجتمع الذي لا يرضيه يقلب أية طاولة من الثوابت التي لا تنسجم مع روح الشاعر والشعر كيمياؤه كما قلت لك مفاجئة يعني الألم يعطي شعرا والرفاهية تعطي شعرا، ليس ثمة.. لأن الشعر أساسا ليس انعكاسا للواقع الشعر مسلح بالمخيلة بسحر المخيلة، من الممكن أنا أن أكتب الحرب في زمن الحب ومن الممكن أن أكتب الحب في زمن الحرب.

غسان بن جدو: في الشيرازيات تقول في المقدمة "الشيرازي في موطن الأسرار الحب العمق الشمولية وتماهي التناقضات وانصهارها في مرجل الحب، لقد استطاع الشيرازي كما جلال الدين الرومي أن يجعل من الشعر الديني الإسلامي شعرا إنسانيا" ما الذي يعنيه أن يكون الشعر الإسلامي أو الشعر الديني الإسلامي شعرا إنسانيا؟ أهناك شعر ديني إسلامي؟ طبعا أنت وصفت بأنك شاعر ميتافيزيقي بالمناسبة، باحثة جزائرية كتبت عنك وقالت أنت شاعر ميتافيزيقي لكن ما الذي يعنيه أن يجعل من الشعر الديني الإسلامي شعرا إنسانيا؟

محمد علي شمس الدين: نعم، الباحثة الجزائرية هي أستاذة في جامعة بتنا كتبت مقالا في مجلة "نزوة" التي تصدر في عمان طويلة يعني حول "دموع الحلاج". أقصد أن علاقة الشعر بالإسلام علاقة فيها كثير من الالتباس سيما أن الآية القرآنية تقول {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}[الشعراء:224- 226] إذاً الشعر في الإسلام الأصلي مرتبط بالصدق وبخدمة العقيدة ولكن الزمن التاريخي للشعر أي الإسلام التاريخي قبل الشعر، الإسلام التاريخي قبل الشعر في عصر بني أمية في العصر العباسي حتى اليوم ولكن أهم ما أعطاه الإسلام للشعر هو الشعر الصوفي، الشعر الصوفي الذي ينظر إلى الوجود كوحدة وإلى أن لحمة الوجود هي الحب وإلى أن دائما ثمة شيء ما وراء العقل ووراء الحواس لا ينال إلا بالإشراق كما قال الإمام الغزالي "إنني اهتديت بنور قذفه الله في القلب"، ما هو هذا النور؟ لا يستطيع أن يعرفه.

غسان بن جدو: أنا قلبي قريب جدا ولكن قلبك بعيد في الشيرازيات، ماذا تقول فيها؟

محمد علي شمس الدين: هو هنا القرب والبعد والبعد هو القرب، أقول

قلبي بعيد

وإني أرى جسدي ينأى

كريشة عصفور على الأبد

والثالث الروح في أعماق غربته

يرنو ليبصر وجه الواحد الأحد

إني قتيل هوى ما لي بسطوته

إلا بقية ما يعطي من المدد

وقد أخذت من النعمى فرائدها

فإن أضعت فلم أنقص ولم أزد

مالت على شجرات السرو باكية

أنشودتي

ووهى ما كان من كبدي

نالت على يدها ما لم تنله يدي

نقشا على معصم أوهت به جلدي

غسان بن جدو: بقيت دقيقة واحدة وأنت كنت تريد أن تختم بمن جديد من "دموع الحلاج"، بماذا تختم لنا من فضلك؟

محمد علي شمس الدين: أريد أن أختم من "دموع الحلاج" بنبض العنفوان الجنوبي حلاج العصر حلاجنا الآن وأريد أن أقول

افرح افرح فإن أقحوانة الدم تزهر في قميصك يا منصور

وإبرة الموت العميقة تطلع من جسدك

متوجة بقطرة جميلة من ماء الحياة

فمن يجعل السماء تتفتح كعنق الذبيحة في هذا الصباح

ويهز القرى بيديه كما يهز جذوع النخيل

من يثبت أقدام الجبال الخائفة في أماكنها على الخريطة

ويلم شمل الأنهار الشاردة كالقطعان من النيل إلى الفرات

من ينفخ في الصور فينهض الموتى من مقابر الأرقام

من الرجل يا منصور

ذو العباءة السوداء واللحية الموخوطة بخيوط من فضة الفجر

يسند كتفيه إلى جبل الريحان

ويصوب إلى شاطئ المتوسط فتضطرب الأمواج

ثم تنكشف عن سمك القرش وهو يئن من الطعنة

له ينظر الرجال بدهشة الأطفال والأطفال بأحلام الرجال

وله تغني نساء الجنوب أغانيهن الجميلة الزرقاء

لكنني أبصرت تزهر في قميصك يا حسين شقائق النعمان

كادت سرائر سري أن تبوح به

وكاد خوفي عليه لا يسميه

ينأى ويقرب مجلوا ومستترا كالغيب

أجمل ما في الغيب ما فيه

من ذا هو الرجل العالي

ولست أرى إلا بريق نجوم في أعاليه

يلقي على السهل ظلا من عباءته

فينبت العشب في أقصى حواشيه

يكاد يلمس قلب الماء مبسمه

ويهطل الغيم إن صلى بواديه

غسان بن جدو: شكرا شاعرنا أستاذ محمد علي شمس الدين شكرا لكل من ساهم في إنجاز هذه الحلقة وأعاود تكرار الشكر للشيخ علي مغنية بين أبنائه وأحفاده هنا على استضافته في دارته هنا في عرب صاليم، شكرا لكل من ساهم في إنجاز هذه الحلقة من الدوحة زين الزين، محمود رحمة، عبير العنيزي، وائل الزعبي، من بغداد عمر الجميلي، من لبنان كل هذا الفريق بدون استثناء مع موسى أحمد، مصطفى عيتاني، غازي ماضي، زين العابدين شمس الدين، يونس فرحات، طوني عون، جهاد نخلة مع تقديري لكم في أمان الله وكل عام وأنتم بألف خير.