- الهوية الوطنية الإيرانية بين العقيدة والأسطورة
- أثر التفاعل القومي والديني في الإنتاج الثقافي

- مركزية الدولة وتحديات المستقبل


غسان بن جدو: تفضّل سيد موسى.

موسى بيدج: [شعر بالفارسيّة]

عباس الطائي:

حد آخر نفس وياك جيتك لا تصد يا هواي

بسّك لا تعذب الروح، بس انقل قدم وياي

يا بيدر هوى مسطّر، بيوم عياي واطشّر

مشاعل نار زلفك حاج، حين الملت واتنعثر

مشاعل لا، شمس واتمغّطت بفراشها الأصفر

إلك بسمة مثل طرة الفجر، يمتى الفجر يِنطر

وإذا مرّن طواريك، عطر فيّك يا قهوة بهيل تتخدر

يا نسمة تمر بالصيف

مُر بيّا ولو بالطيف أنا سهران واتنطر

وشوفك ذاك، يا محلاك صوب هواك تتبختر

تِطَشْمِرْهُم على جروحي

وطيفك بلسم لروحي وحلم أخضر

أعالج الروح بعقالك

ويا شماغك علم أحمر

وإذا تنقل قدم يا هواي

بطراف الزلف تعثر

أشيلنّك على كتافي

بقدم حافي على شوك البر

وفييلك هدب عيني

وسويلك ذرة من الحر

وقطّر لك دموع الروح

واسقيك بدال الماي

بس انقل قدم وياي.

غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين سلام الله عليكم. أهلاً بكم في هذه الحلقة الخاصة من حوارٍ مفتوح، نقدّمها على الهواء مباشرةً هنا من طهران. نحن في العاصمة الإيرانية طهران، حوار مفتوح هو البرنامج الذي هو جزءٌ يُقدم هنا ضمن أسبوعٍ كامل تخصّصه الجزيرة، عينٌ على إيران. أعذرونا على هذا التأخّر فهذا طبيعي، نحن نعمل في أوضاعٍ قاسيةٍ جداً، يكفي أن نقول لكم نحن الآن على سطح أحد الأبراج، برج زمرّد هنا في طهران، نحن في الهواء الطلق ودرجة الحرارة، اسمعوا معي، 11 تحت الصفر، وحتى نحن نعمل في وضعٍ خاص، وحتى تعيشوا معنا تصوّروا كل واحدٍ منّا وراءه كيس من الماء الساخن حتى نتحمّل كل هذه المسألة. شكراً لكم السادة الضيوف. نحن بدأنا بشاعرٍ إيراني السيد موسى بيدج. قصيدته حال، بالفارسية يُقال هال. قال بالفارسية، قد صنعوا قلبي من التلاطم، يعني تلاطم الأمواج أو البحار، خلقوا نظرتي من الكلام، قالوا أن لساني دليلٌ للألم، صنعوه شبيهاً بألم الناس. شكراً لك سيد موسى بيدج. شكراً لك الدكتور عبّاس الطائي. طبعاً السيد موسى بيدج هو شاعرٌ إيرانيٌّ كردي، ويتقن الفارسية.. يعني شعره بالفارسية، وأيضاً هو مترجمٌ معروف هنا باللغة العربية. السيد الدكتور عبّاس الطائي إيرانيٌّ عربيٌّ من خوزستان، وقد بدأ، حد آخر نفس ويّاك، بهذا الشعر الشعبي. في حلقتنا هذه نتحدث هنا في طهران، هذه الثورة التي عاشت مع مختلف التحديات وتكيّفت مع الضغوط ضمن نظامٍ للحكم يُثير الجدل مُذّاك، منذ عام 1979. وفي هذا الوقت بالذات هناك صراعٌ داخليٌّ حول الهوية والخيارات. يُسعدنا أن نستضيف في هذه الحلقة الخاصة الدكتور علي شمس أردكاني، سفير سابق وهو خبير في القضايا الإستراتيجية وله باعٌ طويل في عدة قضايا اقتصادية والطاقة إلى آخره، ربما سنستفيد منه في حلقات لاحقة. يُسعدنا أيضاً أن نستضيف الدكتور جلال جلالي زاده، وهو نائب إصلاحي نائب سابق وهو أيضاً من كردستان، وليسمح لي بالقول أنه نائب سني. قدمت الدكتور عباس الطائي، قدمت السيد موسى، الدكتور موسى بيدج. ويسعدنا أيضاً أن نقدم الدكتور محمد صادق الحسيني أمين عام منتدى الحوار العربي الإيراني. دكتور علي شمس أردكاني. نحن سيدي، أمام مفارقة ليست غريبة ولكنها لافتة بعض الشيء، الشخصية الإيرانية شخصية مركّبة لها باعٌ في التاريخ، يعني جزء يتحكّم فيها الجغرافية والتاريخ والعقيدة والبيئة، وكل هذه المسائل. إذا أردت أن تحدد معي كيف تُفهمنا الهوية الإيرانية الآن، الهوية الوطنية الإيرانية؟



الهوية الوطنية الإيرانية بين العقيدة والأسطورة

علي شمس أردكاني: بسم الله الرحمن الرحيم. الهوية الوطنية الإيرانية ممكن نشوفها من نظارة التاريخ. في حين الآريين دخلوا إيران اليوم، أو إيران القديم، كان موجودين في إيران الناس، يعني كانوا موجودين في إيران من قبل الآريين. الآريين جاؤوا إلى إيران على أربع أصناف، وما جاؤوا في وقتٍ واحد. البارتيين كانوا في خراسان ومنطقة شرق ماديين في منطقة أذربيجان وكردستان اليوم، أنشانيين في منطقة خوزستان وجنوب العراق الحالي، والفرس. ولازم يعرف الأخوانيين كانوا أنشانيين ما كانوا من عائلة الفرس الأصليين. ولهذا من البداية الهوية كانت هوية جماعية مختلطة مركّبة من هؤلاء الجماعات وجماعات الأوليين الذين كانوا موجودين في هذه المنطقة، وحتى لهجاتهم، ألسنتهم كانت من البداية مختلفة. إذا أنت تشوف الكتابات من القوروس الفارسي، وبعض الناس يتصوّرون هو كان ذو القرنين الذي يعني اسمه في القرآن المجيد، والداريوش والخشاريرشاه كتاباتهم باللغات المختلفة، بالآرامية وبالفارسية، وبالإيلامية آشورية، لهذا الاختلاط كان من البداية ولا زال موجود.

غسان بن جدو: صحيح. لأننا فقط، أحدثكم على الهواء مباشرة خسرنا أكثر من ربع ساعة، فأرجو أن نتراحم سوية بالاختصار الشديد. سيد محمد صادق الحسيني، بطبيعة الحال يعني التاريخ الإيراني هو مركّب. يعني هناك نقطة أساسية تبدو جزء من الهوية الإيرانية، من الشخصية الإيرانية، هي اعتماده على العقيدة، وحتى ربما حتى الأسطورة. يعني الذي يراجع الكتب التاريخية هنا في إيران، هناك من يقول، المؤرخون، أن أول ملوكهم كان آدم عليه السلام، وهناك من تواضع وقال هو جابر بن يافث بن نوح، هناك من تحدث على أنه سادس ملوك إيران الملك فريدون هو نوح عليه السلام شخصياً، طبعاً قوروس الذي تحدث عنه هو ذو القرنين، يعني الجانب العقائدي، الجانب الأسطوري كأنه جزء أساسي من مُكوّن الشخصية الإيرانية. أما زال هذا الأمر حتى الآن هو قائم؟

"
الحضارة الإيرانية القديمة استطاعت أن تحافظ على هويتها الأصلية بقوة، واستقبلت الإسلام بكل ترحاب ولكنها لم تُعرّب بسبب قوة الحضارة الإيرانية التي ظلت مستمرة واستطاعت أن تعجن كل الحضارات القادمة
"
   محمد صادق الحسيني

محمد صادق الحسيني: أعتقد نعم، أن الحضارة الإيرانية القديمة استطاعت أن تحافظ على هويتها الأصلية بقوة، ولذلك يُقال مثلاً أن مصر استقبلت الإسلام وتعرّبت في حين أن إيران استقبلت الإسلام أيضاً بكل ترحاب ولكنها لم تُعرّب، لم تُعرَّب بسبب قوة الحضارة الإيرانية التي ظلّت مستمرة واستطاعت أن تعجن كل الحضارات القادمة إليها وتمزجها في إطار من لوحة بديعة سمعناها نحن في قصائد الشعر، وكأن الله سبحانه وتعالى أعطى لهذا البلد نوع من الإبداع في جمع الملل والأقوام كما يقول محيي الدين بن عربي

مقالاتنا شتى وحسنك واحد

وكلّ إلى ذاك الجمال يشير

طبعاً هو يتحدث عن الله سبحانه وتعالى، ولكن بما أننا نتحدث عن الجمال والجمال هو منتشر في الطبيعة، وإيران هي قارة الجمال وقارة الإبداع والطبيعة فيها وكل شيء هنا في لوحةٍ تكاملية عظيمة، أعتقد أن هذه الاستمرارية موجودة الآن في إيران من خلال هذا الجمع....

غسان بن جدو (مقاطعاً): لكن الجانب العقائدي بالتحديد، حتى لا نعود كثيراً للتاريخ، لأن مقدمة تاريخية مفيدة، ولكن عندما نتحدث عن هوية إيران الآن، هذه الهوية الوطنية، كأن العقيدة كأن الأسطورة هي بحدّ ذاتها لا تزال جزءاً من هذه الشخصية. هل هذا الأمر ما زال قائماً؟

محمد صادق الحسيني: تماماً. بالمناسبة، الثقافة الإيرانية، الهوية الإيرانية تعتمد فعلاً، كما تفضّلت، على عقيدة الاعتقاد كثيراً بالأسطورة. يعني هناك تمايز أو تباين وأنا أسميه تفاوت، بين الإسلام أمة الدعوة القادم من الجزيرة العربية وهو الإسلام الذي يعتمد كثيراً على النص، في حين أن الإسلام في إيران، ومجازاً أقول الإسلام الإيراني، هو الإسلام الذي يعتمد كثيراً على الأسطورة، يعني يأخذ الكثير من رموز الحضارات الأخرى ويحوّلها إلى أساطير قومية داخلية بل حتى ربما إلى ثقافات محلية منتشرة. هذه القدرة على استيعاب الحضارات القادمة من الخارج، السلوكيون حاولوا في زمن الإسكندر أن يحوّلوهم إلى أمة أخرى، العرب في بداية الأمر ربما كان هناك بعض الاحتكاك، لكنهم أصبحوا مسلمين لكن حافظوا على هويتهم الإيرانية. وربما لهذا السبب اللغة الفارسية بقيت قوية رغم دخول اللغة العربية بقوة إليها، وأيضاً ما يسمى بمدنية التشيع، التي أيضاً استلهموها من بلاد العرب ومن جبل عامل من بلد أبو ذر الغفاري، فاستطاعوا بهذين العمودين أن يقيموا قيامتين، قيامة دينية وقيامة قومية تكوّن هذا النسيج الإيراني الخاص به الذي يعتمد الأسطورة من جانب ويعتمد النص القادم من أمة الدعوة من أمة الجزيرة العربية فشكّلوا إيران الخاصة، إسلامها خاص، لغتها خاصة، هويتها خاصة. هذه هي التي استطاعت أن تحفظ هذه الأقوام وهذه الملل بشكل نسيج متكامل بحيث أنه لايستطيع كسرها من قِبل أحد، أمة لا تقبل القسمة وبالتالي تبقى محافظة على نفسها حتى في التحديات الخارجية التي الآن تعاني منها في معرض التحدي الذي نعاني منه نحن في دول منطقة العالم العربي والإسلامي، لا تزال قائمة بسبب هذا التلاحم بين الأقوام والملل في إطار العقيدة الذي تفضلت عنه.

غسان بن جدو: بالمناسبة هيرودوت يقول إن الهوية الإيرانية هي عجينة، على مر التاريخ، 49 قومية كاملة، يعني حتى عندما دخل الآريون قبل 2500 سنة وأكثر إلى شمال شرق ما تسمى بالهضبة الإيرانية، استُقبلوا وكل الأقوام استُقبلوا، لم يتم الصدام ولكن دائماً كان الإيرانيون عصاة على الغزاة. دكتور جلالي زاده، ما تفضل به محمد صادق الحسيني الآن، أن هذه الهوية الوطنية الآن قائمة على العقيدة وقائمة على مدنية التشوع. هل تعنيك هذه، يعني هاتان الدعامتان هل تعنيك أنت كإيراني وككردي وكسنّي؟ تعنيك هذه التي يتفضل فيها السيد محمد صادق الحسيني أم لا؟

جلال جلالي زاده: أنا أولاً أشكركم لهذه البرامج، وأستفيد من هذه الفرصة. إن في إيران، كما تشاهدون، القوميات والأقليات الكثيرة ومتنوعة. وإذاً نحن نشاهد أن في دخول الإسلام إلى إيران آراء ونظرات مختلفة. بعض الناس يقولون ظلم الإسلام على الإيرانيين وخرّب ثقافتهم، وبعضهم يقول الإسلام ساعد الثقافة الإيرانية. وأنا أقول حينما جاء الإسلام إلى إيران، ليس عندنا، بإذن الأساتذة، أساتذة أدب هنا، نحن في محضرهم، أنا اشاهد هذين البيتين للشاعر الفارسي، للحنظل الفازغيسي، يقول [كلام بالفارسية]

يعني أنا أعتقد أن الإسلام...

غسان بن جدو (مقاطعاً): هذا بالكردية؟

جلال جلالي زاده: لا، بالفارسية هذا.

غسان بن جدو: ولكن لم أفهمها!

محمد صادق الحسيني: ولكن بلهجة كردية

غسان بن جدو: بلهجة كردية.

علي شمس أردكاني: أوّل الشعراء العجم.

جلال جلالي زاده: أول الشعراء العجم قال البيتين باللغة الفارسية، يعني أنا أعتقد أن الإسلام ليس مخالف لأي لغة ولأي ثقافة، بل الإسلام ساعد الإيرانيين وساعد الكردية وساعد الأتراك وساعد كل الشعوب...

غسان بن جدو (مقاطعاً): ما تفضل به السيد محمد صادق الحسيني، هل تعنيك؟

جلال جلالي زاده: أنا عندي رأي، أنا أقول بين الإسلام وبين الشيعة وبين السنّي فرق، يعني أنا أعتقد أن الإسلام جاء إلى إيران وساعد الشعب الإيراني وبسبب هذه المساعدة نحن في تاريخنا، يعني في تاريخ شعب إيران، نشاهد الشعراء الكبار، أمثال المولوي والسعدي وحافظ وكلهم من أهل السنّة. وأنا أعتقد أن الإسلام ساعد الأدب الفارسي وليس الشيعة، مذهب الشيعة، ساعد الأدب الفارسي، أنا أعتقد الإسلام...

علي شمس أردكاني (مقاطعاً): الفردوسي كان شيعي.

جلال جلالي زاده: الفردوسي كان من شعراء الزيدية وهو يمدح الخلفاء الراشدين..

جلال جلالي زاده: أنا أعتقد في زمن الصفويين فر كثير من الشعراء الإيرانيين إلى الهند وإذاً نحن عندنا المكتبة الهندية. أما أنا أعتقد في إيران، الشعوب الإيرانية من الأكراد ومن الأتراك ومن الفرس كلهم يعتصمون بحبل الوثنية وكلهم يخدمون الثقافة المشتركة باسم الثقافة الإيرانية. أنا ككردي....

غسان بن جدو (مقاطعاً): ثقافة المشاركة؟!

جلال جلالي زاده: ثقافة المشتركة، يعني ثقافة الإصلاح المشتركة بين كل الشعوب، بين كل الإيرانيين. الآن أشرت إلى الأسطورة، نحن عندنا رجل باسم الكاوا.

محمد صادق الحسيني: أحسنت.

جلال جلالي زاده: الأكراد يعتقدون أن الكاوا كردي، والفرس يقولون أن الكاوا فارسي..

علي شمس أردكاني (مقاطعاً): في طاجاكستان يقولون هو كان طاجيكي..

جلال جلالي زاده: نعم. وإذا نظرنا إلى عيد النوروز، مثلاً كعيدٍ وثني...

غسان بن جدو (مقاطعاً): الأكراد يقولون لهم، الكرد لهم، والفرس....

جلال جلالي زاده: والفرس يقولون مثلاً لهم، مو مخالف..

غسان بن جدو (مقاطعاً): وليست مشكلة، على كل حال، كل هذه المنطقة تحتفل بالنوروز في وقتٍ واحد. دكتور شمس أردكاني. بكل صراحة الآن، في إيران الآن يعني في إيران 2008، بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أنتم ستدخلون الذكرى الثلاثين أو العام الثلاثين لانتصار الثورة الإسلامية. بعد كل هذه الفترة ألا تعتقد بأن هناك صراع حقيقي الآن بين الهوية الإسلامية وبين الهوية القومية في داخل إيران الجمهورية الإسلامية، وليس مجرّد تفاوت لا، نحن نتحدث عن صراع حقيقي؟

علي شمس أردكاني: لا بأس، لا بأس.

غسان بن جدو: قائم هو الآن؟ والسبب؟

علي شمس أردكاني: اختلاف أمتي نعمة. يعني شوف، إذا عندما تشوف هذه السجادة العجمي، السجادة الإيراني، في كل الزهور عندهم لون خاص، ولكن جزء من هذا السجاد، وإذا بأخذ واحد من الزهور بخرّب السجاد. هذا...

غسان بن جدو: لا، لا، دكتور علي.

علي شمس أردكاني (متابعاً): وهذا الاختلاط والاختلاف هو تمييز بين هذا...

غسان بن جدو(مقاطعاً): لا أتحدث عن هذا. نحن قلنا منذ البدء، حتى لا نختلف، قلنا منذ البدء أن ما هو قائم إلى الآن في إيران قائم على التعددية، التعددية القومية والثقافية وهذا كله جزء أساسي إيجابي موجود هنا في إيران. الآن نتحدث عن خيارات، يعني كأن هناك من يريد أن يذهب بإيران باتجاه قومي، وهناك من يريد أن يذهب باتجاه إسلامي. يعني إيران أولاً، أو الإسلام أولاً، أو الثورة أولاً، أو الدولة أولاً، أو النظام أولاً، أو ماذا بالتحديد؟ لأن هذا ينعكس، دكتور شمس أردكاني، ينعكس في سياسة خاتمي وينعكس في سياسة أحمدي نجاد، وهكذا. ليست القضية فقط نظرية وثقافية.

علي شمس أردكاني: ولكن هذا موجود، ولكن ما فيه إفراط أو تفريط، يعني فيه بعض الناس ستين بالمائة وثنيين وبعض الناس ستين بالمائة دينيين، ولكن الوثنية الإيرانية غير ممكن أن يفترقها من الوثنية الإسلامية. يعني كما قال المرحوم الدكتور مصدّر، وقال السيد مدرس (كلام أجنبي) ونفس الشيء(كلام أجنبي) يعني سياستنا هي لب ديننا. وهذا يعني في أوساط الناس موجود، بعضهم مفرطين في هذا المجال وبعضهم فاتلين في هذا المجال، ولكن في الوسط، كثير من الإيرانيين هم أصحاب الوسط، كما يعرّفونهم بالإنجليزية بالمعتدلين..

غسان بن جدو (مقاطعاً): المعتدلين، أصحاب الوسط. سوف نناقش بعد الفاصل، هل بالفعل أن إيران المقبلة ستستكمل هذا الصراع وهذا التدافع الداخلي بشكل طبيعي لأن هناك نظاما مركزيا يعتبر الكل تقريبا بأنه منتم إليه؟ أم هناك هذه الإيران التي نتحدث عنها، صراع الهوية الداخلي قد يكون هو أخطر بكثير من التحديات الخارجية؟ مشاهدي الكرام أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.



[فاصل إعلاني]

أثر التفاعل القومي والديني في الإنتاج الثقافي

غسان بن جدو: مشاهدي الكرام أهلاً بكم من جديد. سيد موسى، أنت إضافة إلى كونك شاعر، أنت مترجم، أنت رئيس تحرير مجلة شيراز مجلة ثقافية، تحضر مؤتمرات عديدة، ترجمت عشرات الكتب، بمعنى آخر أنت تمارس على الأرض. حدثني بكل صراحة، هل أن ممارستك الثقافية والأدبية هذه على الأرض، ما نتحدث عنه من تفاعل قومي وتفاعل ديني وكل هذه الشعوب الآن تتعايش، هل تتجسد على الأرض من حيث الكتب، من حيث الثقافة، من حيث الأمور على الأرض؟ أم تراها بعين أخرى مختلفة تماما عمّا نحن نتحدث عنه؟

موسى بيدج: لا، طبعاً. الواقع الموجود، هو واقع حقيقي وواقعي وموجود على الأرض، الساحة موجودة والكل يشاهدونها. هذا المزيج الثقافي، أو الموزاييك الثقافية موجودة في إيران. أنا لا أفهم لماذا يجب أن يكون صراع بيني وبين نفسي؟! أنا كردي وإيراني ومسلم وشيعي، أنا كل هذه وليس شيئاً واحداً، والكل في المقدمة، لا أؤخر شيئا ولا أقدم شيئا، لأن حياتي مزيج من الثقافات، اللغة والألبسة والموروثات أو الأشياء الموجودة في الحياة الواقعية، لا تجعلني أتأخر عن شيء أو أتقدم عن شيء إلا بعد أن أتلمس الهوية...

غسان بن جدو (مقاطعاً): هذا ربما على مستواك الشخصي سيد موسى بيدج، ربما على مستواك الشخصي ولكن أنت الآن تتحدث وتقول أنا إيراني وأنا كردي، وتتحدث العربية، يعني ثلاثة بواحد ما شاء الله عليك. لكن نحن نتحدث الآن ليس عن فرد نحن نتحدث عن مجموعة، هذه المجموعة الكردية وهذه المجموعة العربية وهذه المجموعة البلوشية وهذه المجموعة الآذارية وهذه التركمانية وهذه الفارسية، كل هذه المجموعات الآن، يعني ما الذي يصهرها ما الذي يبقيها مندمجة في هذا الإطار المسمى الآن إيران؟ هل هي الدولة المركزية؟ هل هو الحاكم؟ هل هو الدين؟ هل هو الأمن القومي؟ ما الذي يجعل...؟ أم هو التاريخ الحضاري؟ أفهمني إذا سمحت.

موسى بيدج: أنا أعتقد أنه عندما نقول أن الإنسان من تراب، إذاً الإنسان يحب التراب، التراب الوطن هو، إذاً أنا أحب وطني، مهما كان انتمائي القومي أو اللغوي. أنا شخصيا أفكر بالكردية وأكتب القصيدة بالعربية والفارسية، ولا أرى فيها أي شيء، لأني أنقل أفكاري من لغتي الأم التي تعلمتها أولاً، هذا كله موجود..

غسان بن جدو (مقاطعاً): إذاً السؤال ذاته، إذا سمحت، بعدئذ سأعود إليك لأننا نريد أن نستمتع بقصائدك. سؤاله ذاته للدكتور عباس الطائي، يعني الشيء نفسه، حضرتك الآن إيراني من خوزستان، عربي، هذه الهوية التي أتحدث عنها، كيف يمكنك أن تعبر عنها بكل صراحة؟

عبّاس الطائي: أنا يعني أرى في التركيب الثقافي طبعاً تكميل لهذه الأسرة الإيرانية، الأسرة الإسلامية التي تتكون من قوميات، كما تفضل الأساتذة وتفضلتم أنتم، وأنا في رأيي أن هذا التركيب وهذا التزاوج وهذا المزيج الثقافي المتواجد على هذه الأرض الطيبة، والتي نحن الآن على، لا أدري في سمائها أو على أرضها، في الحقيقة هذا مكمل لبعض، يعني نحن ندعم بعضنا البعض.

غسان بن جدو: كيف؟

عبّاس الطائي (متابعاً): أنا عندما أتذكر المرحوم الشاعر مثلاً محمد حسين شهريار، هذا رجل تركي كتب بالتركية وله مجموعة في الحقيقة هي ملحمة، تسمى حيدر بابا...

محمد صادق الحسيني (مقاطعاً): بابا..

عبّاس الطائي (متابعاً): بابا حيدر؟ حيدر بابا كما قلت نعم. هذا الرجل عُرف ابتداءاً بهذه القصيدة، وأصبح شاعراً إيرانياً الآن احتُفل بمائة عام على ولادته، طبعاً الرجل توفي في بدايات الثورة الإسلامية. يعني نحن في الحقيقة في هذا التركيب القومي الذي ينبغي أن نحافظ عليه....

غسان بن جدو (مقاطعاً): طيب دكتور عباس، خليني أسألك بأكثر صراحة. الآن نحن نتحدث، الخلاصة أن إيران مزيج من القوميات ومن الدين، وقلنا أن الدين الغالب هنا في إيران هو الدين الإسلامي، فيه يهود، فيه مسيحيين، ولكن الدين الغالب في البلد هو 98% تقريباً من الإيرانيين هم مسلمون. أنت كعربي إيراني أو كإيراني عربي سمّها ما شئت، هل أنك كعربي هنا موجود في إيران هذه ميزة لك، باعتبارك حامل للدين الإسلامي أم هي سلبية عليك، في إيران الحالية؟

عبّاس الطائي: يا سيدي في الحقيقة هذا.. أنا أعتبرها هذه مواهب من الله سبحانه وتعالى، أعطاني لغة وهي....

غسان بن جدو (مقاطعاً): ليس الدكتور عباس الطائي نتحدث، أنا أتحدث عنك ليس فقط كذات شخصية أمامي الآن، مع محبتي واحترامي لك، الذات التي تمثلها أنت كإيراني عربي. هذا هو سؤالي.

عبّاس الطائي (متابعاً): أقول لك، أنا أتكلم عن نفسي ولكن قد يكون هذا قول غيري يعني عن لساني، كأني معبر عن لسان آخر، يمكن يعني. أقول أن هذا التركيب الموجود المتواجد، هذا أن حوفظ وإن حافظنا عليه وإن أحس كل منّا بمسؤوليات وإن دعمه وإن احترمنا حقوق بعضنا بعضاً، طبعاً هذه تكون مواهب إلهية ونِعم لنا. ولكن إذا كانت هناك احتكارات، إذا كان هناك، أعوذ بالله مثلاً من أن.. أنظر أنا يعني في الحقيقة أتذكر أني حضرت في أصفهان مجتمع من قوميات مختلفة....

غسان بن جدو (مقاطعاً): ماذا قلت؟

عبّاس الطائي (متابعاً): أقول لك، وجدت البهجة على وجوه الناس، وجوه الشباب...

غسان بن جدو (مقاطعاً): يعني ذهبت إلى أصفهان وقتذاك، عندما ذهبت إلى أصفهان ماذا قلت؟ قلت جئتكِ يا أصفهان.

عبّاس الطائي (متابعاً): يعني أنا كأستاذ جامعي دعيت على أن ألقي كلمة ولكنني ارتجلت أبيات، قلت

جئتكم.....

غسان بن جدو (مقاطعاً): أو جئتكِ يا أصفهان.

عبّاس الطائي (متابعاً): نعم، طبعاً سأصل إليها...

جئتكم أحمل أفراحي وأحزاني بشوق وحنان

لأغني من تراثي من تراث الأهل من تلك الأغاني

ها أنا يا أصبهان، لو تذكرت عهوداً بيننا منذ زمان

منذ كان القرشي القح يدعى الأصبهاني – يعني صاحب الأغاني –

وابن سينا وأبو الطيب والخيام كانوا دوليين

وكان الدين والعلم مشاعين على كل لسان

وقلتُ أيضاً

ها هنا جئنا على مائدة التأريخ

والإسلام والثورة تحدونا الأماني

لغد نفرح فيه وبه تزدهر الأيام

في حقل الحضارات وتوحيد الكيان



مركزية الدولة وتحديات المستقبل

غسان بن جدو: شكراً. دكتور جلال، يعني سأعود إليكما بعدئذ في النهاية، دكتور علي شمس والسيد صادق الحسيني. سيدي العزيز، هناك سؤال ثقافي سياسي، إذا صح التعبير، عندما نعود إلى المؤرخين هنا في إيران، ما الذي يقولون لنا؟ يقولون لنا، انظروا إلى النحوت، المنحوتات، انظروا إلى النقوش، فسترون أن هذه النقوش بشكل عام كلها تعبر عن شيء مركزي اسمه الحاكم المركزي. يعني بمعنى آخر، كأن هنا في إيران الحاكم كان مرشداً على مدى التاريخ، هو مرشد، هو ليس بالضرورة ذلك الذي يتدخل في الطريق وفي الكهرباء وفي السياسة وفي الطاقة، هذه نتركها للدكتور علي شمس أردكاني، لكن الحاكم هو ذلك المرشد. هل يعني هذا بأن إيران الحالية، إيران الجمهورية الإسلامية التي فيها المرشد أو ما يُعرف بوليّ الفقيه، هو ليس فقط إبداعا فقهيا إبداعا دينيا فقط ولكن هو أيضا امتداد لشيء تاريخي ضمن الثقافة الإيرانية التي تعتمد على المرشد، ذلك الحاكم الملك أو شيء من هذا القبيل؟

"
النظام الحكومي كان سائداً في إيران وكذا والنظام الملكي، وبعد دخول الإسلام سيطرت الحكومات المحلية على المناطق المختلفة، وبعد انتصار الثورة وتغيير النظام الملكي للجمهورية الإسلامية جاء الدستور الأساسي إلى إيران
"
 جلال جلالي زاده

جلال جلالي زاده: نحن إن نقرأ التاريخ الإيراني نشاهد سلاسل الحكومات الإيرانية كلهم سلاطين، يعني السلطان يحكم على الشعب في إيران، وأن النظام الحكومي والنظام الملكي كان سائداً في إيران، أما بعد دخول الإسلام كنا شاهدنا الحكومات المحلية في المناطق المختلفة في إيران كانوا مسيطرين ومتسلطين، وما في الأدوار المختلفة يعني في كل المناطق إيران لهم، في كل منطقة لهم شبه فيدرالية، يعني حتى نحن نشاهد في زمن القجر، الولايات المحروسة مثلاً لإيران. أما كل هذه المناطق يقولون الحكم المركزي، وما بعد انتصار الثورة في إيران وتغيير النظام الملكي للجمهورية الإسلامية والحكم الإسلامي جاء الدستور الأساسي إلى إيران. ولأن في إيران المذهب السائد مذهب الشيعة، طبق هذا المذهب رجل ديني يحكم على الشعب وفي القانون باسم وليّ الفقيه...

غسان بن جدو (مقاطعاً): هذه نفهمها. ولكن نتحدث... غير المسائل، وليّ الفقيه والقضايا الدينية، هذه المسائل الثقافية التي ربما نحيلها للسيد محمد صادق الحسيني، هذه النقطة بالتحديد ماذا تقول فيها إذا سمحت؟ وأنا أعرف أنك تريد أن تعلّق على ما سمعته قبل قليل من الدكتور جلال جلالي زاده.

محمد صادق الحسيني: نعم لأن المسيرة، مسيرة تكوّن وتشكّل الأمم هي مسيرة حضارية هي ليست مقطوعة ثمّة تواصل أجيال، والأمم التي تحفظ هويتها هي الأمم التي يصبح فيها تواصل أجيال. عندما تنتقل إيران من حضارة إيرانية محضة إلى حضارة الإسلام، ثم إلى حضارة التي كان فيها، كما تفضّل، كبار شعراء ورموز الهوية الإيرانية سنّة، ولكنهم يتكلمون في العربية فأصبحوا اليوم شيعة ويتكلمون بالفارسية، هو ليس نقيصة لأحد ولا امتيازاً لأحد. التشيّع اليوم في إيران هو مذهب حضاري، هو هويّة، هذا تعليق...

غسان بن جدو (مقاطعاً): لنترك، من فضلك، لنترك هذه النقطة. أنا أود أن أستفيد من نقطة أساسية الآن. ختمت مع الدكتور علي شمس أردكاني من قضية الصراع، إيران أولاً أو الثورة أولاً، هو قال الأمور تتكامل بشكل طبيعي. حدثني بكل صراحة، أهناك صراع حقيقي يؤدي إلى خيارات إيران في المرحلة المقبلة، أم مسائل عادية هذه؟

محمد صادق الحسيني: نعم، أنا كنت سآتيك إلى هذه النقطة، لأنه استمرار هذه المسيرة الحضارية، الآن نحن أمام ثقافة معولمة أمام هوية معولمة، لذلك الإيراني اليوم عندما تسأله، حتى الإسلام المشتركين فيه نحن ونعتز به، يقول لك أي إسلامٍ تريد؟ هل إسلام أمّة الدعوة، أي الإسلام القادم من الجزيرة العربية الخالص النقي، دون الأسطورة الإيرانية ودون المدنية الإيرانية؟ أو الإسلام الإيراني، أي إيران ذات صبغة إيرانية؟ أو الإسلام الحداثي، الإسلام الذي يساوي الحداثة، كما هو في ماليزيا أو كما هو في أندونيسيا؟ هذا الصراع بين الأجيال الثلاثة الآن يتلاطم في ظل هويات، لكن أنا أقول هذه الهويات غير متقاتلة هذه الهويات غير متصارعة، هذه الهويات متمازجة، متلاحمة لكن أمامها تحدّ حقيقي، عليها أن تحدّد خياراتها أمام الثقافة المعولمة هنا بين الداخل والخارج. أنت سألت سؤال، من يحفظ هذا التلاحم، هل هو الأمن القومي؟ هل هو الدولة المركزية؟ هل هو الحاكم؟ أنا أقول هذه الهوية الثقافية الإيرانية القوية التي يعتز فيها كل الأقوام بهذه الهوية كهوية ثقافية حضارية، سواء كانت اللغة أو المذهب الرسمي، هذه الهوية هي القادرة على أن تحفظ إيران. إيران بالمناسبة ليست فقط سبع أوست أقليات ثمة دراسات لعلم الاجتماع تقول 83 بين لغة وعرق ولغات محلية وثقافات محلية كلها تجتمع في بوتقة واحدة، تستطيع أن تجزئها كما الآن الشرق الأوسط الكبير يريدون أن يقسمونه، وتستطيع أن توحدها، الوقوف أمام دولة مركزية تحافظ على هويتها المركزية هو الذي يجعلك أن تحافظ على هذه الأمة وتصبح الرقم الصعب الذي لا ينكسر.

غسان بن جدو: كلكم مبدعون، كلكم رائعون تستحقون أكثر من حلقة، وأنا أتمنى أن تتاح لكم الفرصة، وأنا قلت أرجو أن نتراحم فيما بيننا، لقد خسرنا أكثر من ربع ساعة. سيد محمد صادق الحسيني، سيد موسى بيدج، سيد عباس الطائي، سيد جلال جلالي زاده، سيد علي شمس أردكاني مع محبتي واحترامي لك، شكراً لكل من ساهم في إنجاز هذه الحلقة، أود أن أشكر بشكل خاص الفريق الذي قدم من الدوحة مع يوسف الشوري، محمد أبو زناد، رياض عبّود، خالد الخميري، علي العمادي، أود أن أشكر مكتب طهران بكامل طاقمه بطبيعة الحال مع مديره العزيز محمد حسن البحراني، أود أن أشكر الفريق الذي صاحبني الإخوة طوني عون، عصام مواسي، إيلي برخيا، وطبعاً الإخوان في الدوحة التقنيين جميعاً بدون استثناء مع عبير العنيزي ومنصور الطلافيح، مع تقديري لكم هنا من طهران، في أمان الله.