مقدم الحلقة

غسان بن جدو

ضيوف الحلقة

- جوزيف الهاشم، الوزير اللبناني السابق
- ناصر قنديل، رئيس المجلس الوطني للإعلام
- جوزيف سماحه، الكاتب والمحلل السياسي المعروف

تاريخ الحلقة

29/05/2000


جوزيف سماحة
ناصر قنديل
جوزيف الهاشم
غسان بن جدو
غسان بن جدو:

مشاهدينا المحترمين.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم من جنوبي لبنان ومن (معتقل الخيام) تحديدًا.

كل ما في لبنان اليوم جميل.

عودة أهل الجنوب إلى أرض الجنوب

فجرٌ واسع بلا احتلال.

مساءٌ آمن على الشرفة

بلاغة العجائز في التشبه بالشجر العتيق.

تحطم سجن الخيام أو (الباستيل).

تعميم النصر على جميع طوائف الشعب اللبناني وقواه السياسية، وعلى (قصر بعبده) أيضًا

الأرز المنثور على المحرَّرين وعلى المحرِّرين.

والأرز القادم من الشمال إلى الجنوب.

تبادل الشتائم على جانبي الحدود الدولية.

سخرية الأطفال ممن كانوا يروعون.

وآثار الاحتلال أيضًا جميلة حين تتحول مقتنيات للمتاحف، دبابات وآليات وغنائم حربية تشير إلى أن احتلالاً ما كان هنا، وفر قبل الفجر دون أن يجد الوقت الكافي لارتداء ملابسه الفولاذية.

هذه المقتطفات أشير إليها من كلام قاله بعد ظهر هذا اليوم الشاعر الفلسطيني المعروف (محمود درويش) في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وستنشر غدًا في صحيفة "الحياة"، أردنا أن نبدأ بها ونحن في معتقل الخيام، وإن كنا سنتحدث بعد قليل عن السياسة.

نستضيف في حوارنا المفتوح وعلى الهواء مباشرة الأستاذ (جوزيف الهاشم) الوزير اللبناني السابق، والسيد (ناصر قنديل) رئيس المجلس الوطني للإعلام، والأستاذ (جوزيف سماحه) الكاتب والمحلل السياسي المعروف.. مرحبًا بكم، أودُّ أن أشكركم على الهواء لأننا نحن في (الخيام).

لعلَّ السادة المشاهدين في العالم العربي وفي غير العالم العربي يعلمون بأن (معتقل الخيام) على مشارف الحدود اللبنانية الفلسطينية، المسافة بعيدة بين بيروت وهذا المكان، ناهيك على أن المناخ الآن هناك طقس بارد، فأود أن نستسمحكم وأن تتلمسوا لنا كل الأعذار، إن وجدتم في حلقتنا هذه بعض الخلل التقني أو الفني.

قبل الدخول في السياسية.. أستاذ (جوزيف الهاشم) ونحن في معتقل الخيام.. كيف يمكن أن تبدأ بإيجاز وأنت في معتقل الخيام؟ ماذا يوحي لك هنا؟

جوزيف الهاشم:

لابد أولاً من هنا أن أوجه تحية إجلال وإكبار لشهداء التحرير، وللشهداء الأحياء الذين كانوا معتقلين في هذا المعتقل الذي أصبح كما ذكرت رمزًا للحرية والتحرر منذ أن أقدم الأهلون على اجتياحه وإطلاق الأسرى، تمامًا كما قام الفرنسيون إبان الثورة الفرنسية بتحطيم جدار الباستيل، ومنذ ذلك اليوم كُرِّس في فرنسا الرابع من تموز عيدًا وطنيًّا، وهكذا نحن في لبنان نكرس الخامس والعشرين من آيار عيدًا وطنيًّا، لأنه أثبت أن لبنان استطاع أن يحطم الأسطورة الإسرائيلية بفعل صموده ومقاومة بنيه، وصمود الأسرى في هذا المعتقل.

غسان بن جدو:

السيد قنديل ماذا يوحي لك وأنت في الخيام؟

ناصر قنديل:

الحقيقة أن نلتقي هنا في الخيام كان حلمًا! وكان حلمًا وتحقق، لنا أن نحلم أيضًا ويحلم أيضًا شعبنا العربي في فلسطين بأن نحيي -وإن شاء الله- نحيي قريبًا جدا سهرة في القدس، حلمٌ بعيد قد يكون ذلك صحيحًا، ولكن مع تحقق الأحلام أقرب مما كنا نتوقع، لنا أيضًا أن نحلم.

غسان بن جدو:

أستاذ جوزيف؟

جوزيف سماحة:

قبل أن أزور سجن الخيام كنت أشعر بنوع من الفخر بأن هذا السجن سقط، أما بعد الزيارة فإن شعوري هو قدر كبير من الحزن لأن هذا السجن كان قائم، وكان بإدارة لبنانية وضد لبنانيين وبإشراف إسرائيلي، تحضرني كلمة قالها (مناحيم بيغن) بعد مجازر صبرا وشاتيلا قال: (غوييم) يقتلون (غوييم) فلماذا يتهمون اليهود؟ ورد عليه مثقف فرنسي قائلاً: إنهم شاباك (غوييم) الذين يقتلون (الغوييم)، وشاباك (غوييم) تعني: الأغيار الذين يعملون عند اليهود يوم السبت، لأن اليهودي لا يشتغل يوم السبت.. سجن الخيام هو نوع من (شاباك غوييم)، وبالتأكيد إن السجون الإسرائيلية أرحم من هذا السجن، أي أن الاحتلال لا يهين ولا يعذب ضحاياه، إنما يهين عملاءه عندما يرمي عليهم تبعة الأعمال الأكثر قذارة.

غسان بن جدو:

أود أن أشير أو ألفت عناية السادة المشاهدين إلى أن حلقتنا هذه هي في سجن الخيام، ولكن في الباحة الخارجية أو مدخل سجن الخيام، كان يمكن أن نعقد هذه الندوة في إحدى الزنزانات، ربما لاعتبارات فنية أو تقنية.. ولكننا آثرنا أن تكون هذه الحلقة على الهواء في الهواء الطلق لأن حوارنا هو مفتوح، وأود أن أشير إلىأن هذه الطاولة التي نجلس عليها الآن هي ذاتها الطاولة الخضراء التي كان يحقق بها السجانون في معتقل الخيام.. هذه الطاولة كانت هي طاولة التحقيق طبعًا لم تعد طاولة تحقيق الآن، هي طاولة..

جوزيف الهاشم [مقاطعًا]:

طاولة تحقيق هدف إعلامي.

غسان بن جدو:

ربما من زاوية أخرى هي طاولة حوار.. أبقى معك (جوزيف سماحة) إذا سمحت، من زاوية سياسية تحليلية بحتة، منذ سنة تقريبًا (إيهود باراك) أعلن بأنه سينسحب في ظرف سنة، وقبل أشهر أعلن بأن السابع من تموز هو موعد الانسحاب، ولكن فوجئنا بأن انسحابه كان سريعًا مفاجئًا، واعتبره البعض مرتبكًا، هل تعتقد بالفعل أنه كان مرتبكًا؟ وهل تعتقد أن ما حدث كان مفاجئًا له ولغيره؟

[فاصل إعلاني]

جوزيف سماحة:

إن العناصر التي دفعت (إيهود باراك) إلى اتخاذ قرار الانسحاب من طرف واحد أعتقد أنها يمكن أن نعود إليها، إنما باتت شبه معروفة، هي نفسها التي دفعته إلى التسرع في هذا الانسحاب، بمجرد أن حدد موعدًا، وبمجرد أن صادق مجلس الأمن على تقرير (كوفي عنان)، أصبح (إيهود باراك) في وضع حرج، لأنه كان يقول إنه إذا انسحبنا من لبنان فإننا سنغير قواعد اللعبة، طالما أن الانسحاب تم بدون اتفاق، وكانت هناك المعارضة اليمينية والقومية في إسرائيل التي تضغط عليه وشرعت تضغط عليه من أجل البدء فورًا بتغيير قواعد اللعبة طالما أنه حاسمٌ في أمر الانسحاب.

إذن بعد قرار الموافقة على تقرير (عنان) البقاء ستة أسابيع في لبنان، كان يمكنها أن تكون حافلة بمخاطر لا يريدها باراك، لأنه كان مضطرّا خلال هذه الفترة إلى أن يبدأ ممارسة قواعد اللعبة الجديدة، إذن كان لابد أن يعجل بهذا الانسحاب تجنبًا لهذا الوضع الصعب جدًّا على الصعيد السياسي له في وضعه الداخلي.

هذا عنصر.. العنصر الثاني أنا أعتقد بأنه أراد هذا التعجيل بالانسحاب المفاجئ، والذي لم يبلغ به حتى العاملين معه في مليشيات جيش لبنان الجنوبي، أراد دفع هذه المليشيات إلى الانهيار حتى لا يخطر في بال أحد ضباطها أو أحد قادتها أن يبقى أو أن يقاتل أو أن يقاوم عودة الشرعية وعودة المقاومة إلى الجنوب اللبناني، إذن..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

إذن تعتقد بالفعل أن (باراك) كان يريد لمليشيا لحد أن تنهار؟

جوزيف سماحة:

أعتقد ذلك، كان يريدها أن تنهار لأسباب عديدة منها أنه أما وقد قرر بقاء هذه المليشيا والقتال كان سيطرح عليه أسئلة صعبة: هل يسندها؟ هل يتركها؟ هل يتخلى عنها؟ ثم أن مجلس الأمن طالبه في تقريره بتفكيك البنية العسكرية لقيادة هذه المليشيا، وهذه مهمة كان يمكن أن تؤدي إلى مواجهات، كان يمكن تفكيك القيادة وبقاء عناصر أخرى ربما قاتلت لو حدث انسحاب منظم وهادئ.

إذن أعتقد أن ثمة عاملين: الوضع الداخلي الضاغط عليه كان يمكن أن يكون ضاغطًا عليه، لو بقي من أجل تعديل قواعد اللعبة، مع ما يعينه ذلك من مخاطر على الوضع برمته، والرغبة في الانتهاء السريع، وبأقل تكلفة ممكنة من جيش لبنان الجنوبي، حتى لو كلفه ذلك بعض التشهير به من أنه يتخلى عن حلفائه.

غسان بن جدو:

أستاذ قنديل، أنت واكبت قمة (كلينتون/الأسد) في جنيف، هل تعتقد بأن فشل قمة جنيف ربما دفع بباراك إلى التعجيل بانسحابه من لبنان من أجل سحب ما يعتبره ورقة المقاومة في يد سوريا (حافظ الأسد)؟

ناصر قنديل:

أنا الحقيقة بدي أسجل استغراب، اللي حكاه الأستاذ جوزيف ما كنت أتوقع أنا حنختلف من بداية الحلقة، أنا أعتقد أنه لازلنا نعيش على المستوى الفكري والسياسي (الرُّهاب) الإسرائيلي، نريد أن نتخيل الإسرائيلي قويًّا إلى درجة أنه يملك القدرة على إدارة الصراع ورسم السيناريوهات، وضمان تنفيذ السيناريوهات كما يرسمها، ولا نريد أن نقتنع حتى رغم الذي جرى أن الإسرائيلي قد أفلتت الأمور بين يديه، أنا أعتقد أن بقمة جنيف -نعم- كان هناك مسعى للوصول..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

لا.. عفوًا قبل الوصول إلى قمة جنيف هل أنت تعتبر أن الأمور فلتت من إسرائيل؟

ناصر قنديل:

لا أنا أعتقد أكثر من هذا، أنا باعتقادي ما جرى في مجلس الأمن كان مشروع صفقة قدمها (كوفي عنان) مبنية على فرضية قدرة جماعة لحد على الصمود، اللي بيقرأ جيدًا تقرير (كوفي عنان) يقوم على معادلة تقول: إن على لبنان أن ينسى المطالبة بمزارع (شبعا)، أن ينسى المطالبة بالمعتقلين اللبنانيين داخل السجون الإسرائيلية، مقابل ضمان دولي يوفر للبنان أمرين، الأمر الأول تحرير سجناء الخيام لأن ذلك لن يكون بمستطاع لبنان دون هذه المداخلة الدولية، تفكيك جيش لحد وبالتالي تفادي الفتنة الأهلية التي كانت ولا تزال مطلبًا إسرائيليًّا حقيقيًّا.

لم تكن أبدًا في حسابات إسرائيل أن تنتزع فتائل الفتنة، بالعكس تمامًا كان المشروع الإسرائيلي قائمًا على تعميق الانقسام الأهلي، وإظهار المقاومة كمشروع مليشيا تحاربية في الداخل اللبناني، وإسقاط هالتها الوطنية التي نجحت في تكوينها طوال السنوات الماضية.

وبالتالي إن خروج لبنان من هذا المستنقع الحتمي أمر غير ممكن دون الرعاية الدولية، الذي حصل أنه في اليوم الأول لبدء تفكيك مواقع ست قرى من أصل مجموع المنطقة المحتلة والتي تتجاوز مائة وثمانين بلدة ومدينة وقرية، انهارت المليشيا وبدأت تتداعى في داخل المناطق التي لازال الإسرائيلي في مرحلة التفكيك الأولي لمنشآته بداخلها، وبدأت عمليات الانتقاض الشعبي والزحف الشعبي من الخارج، كان الإسرائيلي أمام أحد خيارين: إما قرار الاحتلال المباشر والعودة عن مبدأ التفكير بالانسحاب، والدخول في الصدام الدموي مع مقاومة مجهزة ومدعومة شعبيًّا، وإما التسريع بالانسحاب ولتواجه مليشياته قدرها، وكان رهانه أن في بعض المناطق سيكون أمام المليشيا بسبب ما تورطت به من أعمال، وبسبب حالة الغضب التي تنتظرها، وبسبب جزء من موروث انقسامات الحرب الأهلية؛ ستكون عملية الصمود لأسابيع تتيح لوفد الأمين العام المتحدة أن يساوم على جلد رأسها.

الحقيقة أن الوقائع فاجأت القيادة الإسرائيلية، وفرضت منطقًا هو الأساس الآن في تعديل خطاب باراك، وخطاب الأمم المتحدة نفسها.

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

وهو؟

ناصر قنديل:

لأن عرض الصفقة سقط جاؤوا يعرضون علينا ما قد حققناه بأيدينا، فالآن هم مضطرون للحصول على التغطية الدولية أن يعرضوا شيئًا آخر، أن يبدو الاستعداد للانسحاب من المرتفعات على طول هذا الخط الحدودي الدولي -والذي كان بنية إسرائيل الاحتفاظ بها لمساومات لاحقة- مزارع (شبعا) بدأ باراك بزلة لسان، وقال في حوار مباشر مع الرئيس الفرنسي نشرته (فرانس برس) France Presse إننا مستعدون للانسحاب من مزارع (شبعا)، الأمم المتحدة اعتبرت بأن ماء وجهها قد أهرق لأنها تبنت منطق باراك وبه يعرض هذا الأمر للمساومة، الفرملة التي يبديها باراك تجاه المعتقلين داخل السجون الإسرائيلية، وتجاه مزارع شبعا ليست إلا تراجع خطوة إلى الوراء لمرة أخرى يعطي الدور للأمم المتحدة، لتستعيد ماء وجهها بعدما تبين أن باراك استخدمها كما استخدم مليشيا لحد، وبالتالي لم يقم لها حتى حساب الحفاظ على كرامتها وماء وجهها، وهو يبدي الاستعداد للتنازل عن الأوراق المتبقية بين يديه.. الآن يقول أنسحب من جزء، ولكن (لارسون) في المقابل يقول: إذا تبلغنا من لبنان وسوريا ترسيمًا بينهما لحدود دولية تدخل ضمنه مزارع شبعا في السيادة اللبنانية فإن مجلس الأمن سينظر في ذلك ويعدل تبعية هذه المناطق من (الإندوق) إلى (اليونيفل). أما بالنسبة للمعتقلين فيقول: رغم أنها ليست جزءًا من القرار 425 فقد تمنيت على رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يبذل مساعيه من أجل ذلك.. ما يجري الآن هو سيناريو إعلامي بين القيادة الإسرائيلية والأمم المتحدة لتخريج الأثمان المطلوبة من إسرائيل من أجل ضمان مقايضتها بتغطية دولية مع لبنان.

غسان بن جدو:

عفوًا، هذا كلام خطير بصراحة، أنت تتهم الآن وكأن فيه تناغم ما أو صفقة ما بين الحكومة الإسرائيلية والأمم المتحدة، ما رأيك سيد جوزيف الهاشم؟ وما هو تفسيرك؟ سأعود إلى (قمة جنيف) لو سمحت سيد قنديل، لكن ما هو تفسيرك لهذا الانهيار السريع والمفاجئ لمليشيا لحد؟

جوزيف الهاشم:

أولاً أريد أن أصحح عبارة وردت على لسان الأستاذ جوزيف "الانسحاب من طرف واحد"، هذه العبارة طالما كررها الإعلام اللبناني والعربي، وطالما ترددت على ألسنة كثير من السياسيين والرسميين، عندما نقول الانسحاب الإسرائيلي الأحادي، أو الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد، فماذا نعني؟ وكأنما نحن نعني أو نطالب طرفًا آخر بالانسحاب. أعتقد أن هذه الكلمة تدل على مغالطة كبيرة، والصحيح إذا شئنا أن نشير إلى أحادية هذا الانسحاب، فنقول الاتفاق من طرف واحد، وكأنها إسرائيل قد اتفقت مع نفسها فانسحبت، أما أن نظل نكرر، ولابد من توضيح هذا التعبير هنا، حتى لا يظل يتكرر على ألسنة المسؤولين وألسنة الإعلاميين.

الناحية الثانية أنا أوفق بين وجهتي النظر، أنا أتصور أن إسرائيل بوغتت بعملية الانسحاب، صحيح قررت أن تنسحب في توقيت مسبق للتوقيت الذي حُدد، ولكن لم تكن ترسم خطة ضرب ما يسمى بجيش لبنان الجنوبي قبل أن تفاجئ المقاومة هذا الانسحاب الاندحاري. بمعنى آخرأن (أنطوان لحد) طالما كرر مع كثير من فلول جيشه أنه سيرسم خطًّا جديدًا من جبل الشيخ إلى النافورة، ليكون رادعا في وجه المقاومة إذا شاءت المقاومة أن تستكمل هجماتها على إسرائيل.

وطبعًا كان هناك شيء آخر أو هدفٌ آخر عبر عنه السيد (حسن نصر الله) في مقابلته معكم على ما أظن أن جيش لحد كان يريد أن يساوم أو يفاوض الدولة اللبنانية مقابل وجوده على حدود جديدة؛ أن يمنح العفو من الدولة اللبنانية، إذن هذا الإرباك، هذا الهجوم الشعبي، والهجوم المقاوم الذي لحق بالانسحاب المتواطئ، وسنشرح لماذا هذا الانسحاب المتواطئ، وماذا تريد إسرائيل عمليًّا من جنيف ومن شعبنا، ومن هذه البهلوانيات التفاوضية على شتى المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية؟

ولكن أنا أعتبر أنه كان هناك مخطط ما لاستبقاء جيش لحد على حدود من أجل مرحلة انتقالية تفاوضية، وبانتظار أن تأتي قوات الطوارئ والأمم المتحدة لرسم الحدود..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

على كل حال سنتحدث عن قضية التواطؤ، وسنتحدث عن قمة جنيف، وسأعطي المجال لجوزيف سماحة ليوضح بعض النقاط.. إذا سمحت لي بعد النشرة الموجزة.

[فاصل إخباري]

غسان بن جدو:

سيد جوزيف سماحة.. كنا نتحدث عن مليشيا أنطوان لحد، الآن معظم عناصرها فروا إلى داخل إسرائيل، هل تعتقد بأن إسرائيل بالفعل ستتخلى عنهم نهائيًّا هناك؟ أم يمكن أن تستفيد منهم، تستخدمهم أمنيًّا، استخباراتيًّا، سياسيًّا لست أدري، يمكن أن يكونوا جيشًا احيتاطيًّا ما في يوم آخر؟

جوزيف سماحة:

أود -قبل الإجابة على السؤال- أن أعود إلى ما طرح قبل دقائق في الموضوع، أنا أعتقد بأن إسرائيل أقدمت على تقديم موعد انسحابها من لبنان، هذا بالنسبة لي أمر مؤكد، أما وقد قدمت موعد هذا الانسحاب من تموز أو حوالي تموز إلى ما قدرته أكثر من شهر، فليس بالتأكيد أن السيناريو الذي وضعته للانسحاب هو السيناريو الذي تحقق أو الذي حصل على الأرض، وإن كان إيهود باراك قال: إن ما حصل كان متوقعًا، قد لا يكون ما حصل هو المتوقع، إنما حصل تقديم في موعد الانسحاب، وأنا مصر على القول بأن أحد أهداف ذلك كان توجيه ضربة لمليشيات لحد.. أما الحديث عن..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

يعني حينئذ لا تتوقع أن يستفيدوا منه؟

جوزيف سماحة:

سنتكلم عن الموضوع، أما الإشارة للصديق ناصر حول (الرُّهاب) الإسرائيلي، فأتمنى أن نعود إلى ذلك لاحقًا، لأني أخالف الكثيرين ممن يعتقدون بأن ما حصل في جنوب لبنان يمكن أن يكون قد غير صورة المعطيات العامة في المنقطة، من جهة التأكيد على أن إسرائيل هي الدولة الأقوى إلى آخره، هذا يمكن أن نعود له، ويمكن أن نتفق أو نختلف.

حول موضوع لحد أبدأ بالقول: ليس دقيقًا القول إن معظم عناصر لحد فرت، معظم عناصر لحد استسلمت إلى الدولة للبنانية، وهناك لنقل أقلية كبيرة فرت إلى إسرائيل، أريد أن أطرح سؤالين: السؤال الأول هل تنوي إسرائيل استخدامهم في أعمال أمنية؟ في عمليات مخابراتية لاحقة؟ لم لا؟ على الأرجح أن مَنْ يبدي منهم استعدادًا لذلك قد تحاول إسرائيل إغراء أكبر عدد منهم بالسعي إلى الاستفادة منهم بشكل أو بآخر، بدلاً من إحالتهم إلى نوع من البطالة المديدة لأن بعضهم شباب بكير على البطالة، إنما سيطرح بالمقابل مهمة على الدولة اللبنانية وعلى اللبنانيين جميعًا بما يمكن تسميته -حتى مع بعض المبالغة- الصراع على هؤلاء العملاء.. على الدولة اللبنانية أن تبذل جهدًا حقيقيًّا لاسترجاع هؤلاء العملاء من أجل محاسبتهم ومحاكمتهم، لأنه كما قلت في البداية: إذا كان بعد ما شاهد المرء معتقل الخيام يشعر بقدر من الحزن، أنا يحزنني جدًّا أن يكون لبناني أو عربي فرَّ إلى إسرائيل، وفضّل الإقامة الذليلة على الأرجح في إسرائيل؛ على تلقي الحساب في وطنه، نعم إسرائيل قد تستخدم، إنما يجب أن نخوض معركة مع إسرائيل من أجل استرجاع أكبر عدد ممكن من هؤلاء الذين فروا لمحاكمتهم ومحاسبتهم.

غسان بن جدو:

ومع ذلك سيد (ناصر قنديل) المليشيات في السابق في الحرب الأهلية سيئة الذكر، استخدموا أساليب سيئة وقاتمة وكريهة من تعذيب وقتل، ولكن بعد ما حصل في (الطائف) تم حل المليشيات وتم العفو عنهم جميعًا، لماذا لا تتعاطى الدولة اللبنانية مع مليشيا لحد بهذا المنطق؟ أولاً وأخيرًا هؤلاء لبنانيون، ربما أخطؤوا، ربما أجرموا، ربما خانوا أيضًا، لكن لماذا لا تتعاطى بهذا الشكل تفاديًا ربما لأية آثار سيئة وسلبية داخلية؟

ناصر قنديل:

الحقيقة بالبداية ما في شك لابد من التمييز بين الحرب الأهلية وبين التعامل مع العدو، وأعتقد أن أي دعوى لاعتبار الصراع اللي شهده الجنوب امتدادًا من امتدادات الحرب الأهلية، ويخضع لقوانين وقواعد الحرب الأهلية؛ إنما هو صب الماء في الطاحونة الإسرائيلية.

التعامل مع العدو يحتاج على المستوى القانوني إلى أن يرفع إلى درجة من الحرم تجعل مما جرى في الجنوب ومما يلقاه الذين تعاملوا درسًا وعبرة، لا يمكن أن تتيح فرصة تكرارها مرة أخرى في الجسد السياسي والاجتماعي اللبناني.

من جهة أخرى أعتقد أنه في مستقبل العلاقة مع إسرائيل، الدرس الذي قدمته إسرائيل في تعاملها مع هؤلاء العملاء، والذي اختصره قائد هذه المليشيات بقوله: "إن أربع وعشرين سنة من الخدمة لإسرائيل اختصرتها إسرائيل بأربع وعشرين ساعة من النسيان"، هذا درس أعتقد بأنه سيكون ماثلاً في ذهن كل من يمكن أن يعطي مجرد أذنه لسماع الكلام الإسرائيلي لاحقًا.

هل يعني ذلك أن الحساب الذي سيلقاه العملاء سيكون بمستوى ما تحاسبت به المليشيات في الحرب الأهلية؟ الدولة تخضع لقوانين وأنظمة وعقوبات القانون اللبناني، أعتقد أنها ستكون أرحم بكثير مما لو طبقت القوانين الثورية التي شاهدناها في كل بلدان العالم التي خاضت حروب تحرير، ويحضرنا هنا المثال الذي قدمه أمين عام حزب الله على قناة الجزيرة مثال (ديغول).. ديغول نموذج الدولة والمؤسسات والقانون والديمقراطية، أباح باريس أما المقاومين مدة شهر قبل وضع القوانين والأنظمة قيد التطبيق، وشهدت فرنسا محاكمات ميدانية تُوِّجت بإعدامات فاق ضحاياها عن ثمانية عشر ألف من الذين اتهموا بالتعامل مع النازية. بعد الحرب شهدت شوارع باريس ظاهرة القبعات بين السيدات، لأن ثمانين ألف امرأة حلقت شعورهن فقط لأنهن استضفن في بيوتهن بعض الضباط النازيين.. قبل أن يضع اللوائح والأنظمة قيد التطبيق في اليوم الأخير من الشهر المفتوح، وَقَّعَ ديغول شخصيًّا قرارات بإعدامات ستة عشر كاتبًا اتهموا بإضعاف الحالة المعنوية للشعب الفرنسي في مواجهة النازية، وبالترويج للعلاقة مع النازية.

طبعًا نظرًا للخصوصية اللبنانية وهي ليست خصوصية على الإطلاق في موضوع الطائفة، أي أن إسرائيل لم تكن قد جندت مسيحيين ولم تجند مسلمين، العمالة التي عانى منها أهل الخيام كانت من أبناء الخيام، والتي عانى منها أهل (بنت جبيل) كانت من أبناء بنت جبيل، جيش لحد المكون من (2200 عنصر) منهم (482) مسيحي و(1200) شيعي و(160) درزيّ و(220) من السُّنة، غير صحيح على الإطلاق أن العمالة كانت ذات لون طائفي وبالتالي..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

و29% من عناصر لحد مسيحيين فقط.

ناصر قنديل:

تمامًا، فليس مسموحًا على الإطلاق أن يسقط التكوين الطائفي لقائد هذه المليشيات ليقال بأن هذا فتح لجرح أهلي، وهذه مليشيات ذات لون طائفي والتعاطي معها يمكن أن يسحب نفسه على مناخات طائفية.

في الحقيقة اليوم حرق منزل كبير المتعاملين في قرية (عايتة الشعب) وهو شيعي من(آل شلبي)، وأما بيت (عقل هاشم) فلا زال محميًّا ولم يتقدم أحد لإحراقه، لا يجوز أن تقدم المسألة من زاوية أنها واحدة من الجروح القابلة للفتح في تاريخ وذكريات الحرب الأهلية اللبنانية..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

يعني أنت مع التعاطي معهم بالقانون، بالمحاسبة وبالمحاكم..

ناصر قنديل [مقاطعًا]:

وأعتقد أن هذا الباب الذي يسهم في لأم [التئام] الجرح الداخلي وفي تقديم دولة القانون فوق الجميع، وعلى ذات السوية خاصة في مسألة فتح باب العلاقة مع إسرائيل واعتباره أمرًا قابلاً للأخذ والرد.

جوزيف سماحة [مقاطعا]:

يمكن أن نضيف أنهم أخرجوا أنفسهم من قانون العفو، أولاً: قانون العفو صدر في اختتام مرحلة كانت الدولة فيها شبه منهارة، فمع قيام الدولة صدر قانون عفو يمنع على كل من ارتكب جرمًا في السابق أن يرتكب جرمًا آخر، وإلا فتح الملف منذ البداية، عندما صدر هذا القانون هناك فئة أخرجت نفسها منه بأن استمرت برغم قيام الدولة وبرغم انتفاء عنصر الوجود الفلسطيني الذي شكل مبررًا في مرحلة سابقة، استمروا على السياسة نفسها.

غسان بن جدو:

ومع ذلك طبعًا ثمة وجهات نظر أخرى موجودة في الساحة اللبنانية، سنحاول أن نستمع إلى وجهة نظر الوزير السابق جوزيف سماحة [الهاشم].

[فاصل إعلاني]

غسان بن جدو:

سيد جوزيف الهاشم كنا نتحدث عما حصل لمليشيا لحد، هل تعتقد أن من الضروري محاكمتهم أم ينبغي أن يشملهم على الأقل جزء من العفو؟

جوزيف الهاشم:

ليس هناك وجهتي نظر لبنانيتين حيال الاقتصاص من العملاء والمتعاملين، هناك إجماع لبناني حول محاكمتهم، لسبب تاريخي ووطني -إذا صح التعبير- ولمحو الذاكرة، طبعًا ورد على لسان الزميلين في هذه الندوة أن هناك تمييزًا يجب أن يراعي بعض المتعاملين بأن هناك عميل وهناك متعامل، الذين ذهبوا إلى إسرائيل من أجل أن يفتشوا على رغيف خبز لأبنائهم، فهؤلاء لا يمكن محاسبتهم وإدانتهم كمثل الذين كانوا يسجنون المعتقلين هنا في الخيام، هذا أمر يجب أن يتعاطى به القضاء.

ولكن لا يصح أن يترك هؤلاء إما أن يشكلوا جزيرة أمنية في إسرائيل تستخدمهم لأهوائها ولأغراضها الأمنية لاحقًا، وإما أن تهجّرهم كما سمعنا أو قرأنا اليوم بأن ثمة فريقًا منهم يحاول أن يسافر إلى تركيا القبرصية (قبرص التركية).

يعني يجب أن تسعى الدولة اللبنانية بكل إمكاناتها الدبلوماسية من أجل استعادة هؤلاء، وأنا أعتقد أن الاقتصاص منهم بفعل ما لاقوه من ذل على البوابة الإسرائيلية أصبح يشكل حافزًا لهم لأن يكونوا في وطنهم مهما كان العقاب قاسيًّا.. المطلوب إذن أن نسعى من أجل استعادتهم، ولا سيما استعادة المدنيين، بعد فيه [لا يزال هناك] باعتقد عدد كبير من العائلات..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

بدأت تعود.. بدأت تعود..

جوزيف الهاشم [مكملا]:

أنا أتصور أنه لو لم تكن هناك تجاوزات ما أعقبت عملية الانسحاب، لنقل بصراحة، لو لم تكن هناك تجاوزات لكان خَفَّ هؤلاء إلى العودة إلى وطنهم مهما كانت العقوبة..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

ما هي التجاوزات التي حدثت؟

جوزيف الهاشم:

حدثت تجاوزات في بعض القرى، وهذه التجاوزات أحدثت حالة من القلق -إن لم أقل الذعر- ويعني أعتقد الآن -حتى لا نسترسل في هذا الموضوع- أعتقد أن الموضوع يسير نحو الأفضل، ويسير نحو الطمأنة التي تشكل حافزًا لهؤلاء من أن يعودوا.

غسان بن جدو:

صحيح نحن تحدثنا عن أن معظم (عناصر لحد) هم من الشيعة أو من المسلمين، تقريبًا 21-29% فقط من المسيحيين، ولكن سؤالي (جوزيف سماحة) لماذا معظم الشيعة سلموا أنفسهم للدولة اللبنانية؟ ومعظم المسيحيين من هذه المليشيا لجؤوا إلى إسرائيل؟

جوزيف سماحة:

إذا أردنا أن نواجه الأمور بصراحة، إحصائيًّا أكثرية عناصر لحد غير مسيحية، إنما هذه الأكثرية غير المسيحية كان إلى حد بعيد مقطوعة الجذور ومعزولة عن الحركة السياسية لطوائفها فيما يمكننا تسميته الداخل اللبناني، في حين أن الأقلية المسيحية نجحت في أن تعطي وجهًا عامًا لهذه المليشيا، بالضبط لأن قسم من القوى السياسية المسيحية سواء الموجودة في باريس أو حتى الموجودة في لبنان أقامت علاقة ملتبسة مع هذه المليشيات ومع هذه القيادات المتعاملة، إذن هنا الإحصائيات مهمة لكنها لا تختصر الموضوع، لأنه بقي -رغم كل شيء- وكأن خسارة هذه المليشيات هي إضعاف للموقع المسيحي العام في لبنان، علمًا بأن الالتصاق بهذه المليشيات التي هُزمت هو الذي يضعف أكثر الموقع المسيحي العام في لبنان.

فنحن نعيش في بلد معقد، عندما حدث الانهيار حصل نوع من الفرز، يمكن أن نهزأ من جيش لبنان الجنوبي لأنه يحسن خلق وحدة وطنية بين صفوفه، إنما لسنا هنا في مجال الهزء، حدث فرز، أكثرية مسيحية فرت، وأكثرية إسلامية استسلمت إلى داخل لبنان، أسباب ذلك عديدة، هناك تصور حول السلطة وتركيبة السلطة، هناك صلة بين هذه المليشيات وبين الداخل اللبناني، أي هناك تنظيمات وأحزاب لعبت دورًا في إقامة صلة ما بين هذه المليشيات، ولنأخذ مثلاً الحزب التقدمي الاشتراكي نجح في إقامة صلة بمعنى في إيجاد قناة للعودة إلى الداخل من أجل الاستسلام، وكذلك الأمر يمكن بالنسبة إلى القوى أو العناصر من الطائفة الشيعية.

بالنسبة للمسيحيين الوضع المسيحي الداخلي لم يكن عنصرًا مساعدًا، هنا ليست بس فقط مسؤولية الدولة أو مسؤولية الأفراد، الأحزاب المسيحية لم تقم بدورها، هناك أحزاب قامت، هناك أحزاب لم تقم، يمكن القول بأن الكنيسة المسيحية لم تقم بدورها، وأنا فعلاً أستغرب استغراب شديد أن يكون البطريك الماروني الآن في غرب إفريقيا، في وقت ثمة ضرورة لوجوده هنا، ليس من أجل حماية العملاء إنما من أجل إيجاد أو مساعدة في إيجاد قنوات جذب لهؤلاء إلى حضن القضاء اللبناني لمحاكمتهم.

غسان بن جدو:

يعني أستاذ (جوزيف الهاشم) بالفعل هناك مَنْ يتساءل: لماذا بقي البطريك في الخارج؟

جوزيف الهاشم:

يعني فيه مطارنة إيجو ولعبوا دور معين، بس كان فيه مرجعيات معينة هون تعطي شيء من الاطمئنان لفريق من الناس إذا ما استسلموا إليه، يعني فيه مرجعية معينة إذا ما استسلموا إليها كانوا بيحسوا باطمئنان، أنا قلت إن بعض التجاوزات التي حصلت في أماكن معينة ومحددة شكلت شيء من القلق، البطريك ليس عنده.. المشكلة أن المسيحي هنا ليس عنده المرجعية المحلية من أجل أن تؤمن هذه القناة التي تكلم عليها الأستاذ جوزيف، وهون كان يفترضأن يعني الدولة يفترض أن تؤمن هذه القناة كبديل من المرجعيات السياسية أو المرجعيات الحزبية الأخرى التي تولت تأمين هذه القناة.

فيه شغلة أخرى يعني أن هذه صلة الاتصال بين ما يسمى بجيش لبنان الجنوبي وبين بعض المواقع المسيحية الخلفية، أنا بدي أؤكد حسب الغالب بهذا الكلام، أنه لم يعد هناك أية قنوات اتصال بين جيش لبنان الجنوبي وإسرائيل وبين أية مرجعية أو أية جيوب أو ما كان يسمى بالجيوب المسيحية في الداخل..

غسان بن جدو [مقاطعا]:

وفي الخارج؟

جوزيف الهاشم:

وفي الخارج.. في الخارج بعض الذين كانوا يلعبون على الوتر يلعبون على الوتر السياسي وليس على الوتر القومي اللبناني إن صح التعبير..

جوزيف سماحة [مقاطعا]:

اسمح لي أستاذ جوزيف أنا باقرأ تصريحات (دوري شمعون) ما باشوف فيها قطع حقيقي وإفهام المليشيات بالحدود بأنه "نحن متبرئين منكم"، فيه حدث صار ليس بسيطًا، ليست التعزية بعقل هاشم، الكلام اللي قيل فيها بيوحي أنه القطع ليس جذريّ بين الأجواء المسيحية وبين هذه المليشيات، لو حصل القطع كان ممكن أكثر اللي بيعمل هذا القطع أن يكون اليوم خشبة خلاص بمعنى ما لهذه المليشيات من أجل استعادتها إلى حضن الدولة.

جوزيف الهاشم [مقاطعا]:

عزيزي فيه فرق بين القطع الوطني والقطع الإنساني، هناك علاقات إنسانية بين الناس..

جوزيف سماحة [مقاطعًا]:

أنا عمدت القطع السياسي.

جوزيف الهاشم:

القطع السياسي والقطع الوطني قطعًا أنا أزعم أنه ما فيه بقى قوى، عم باحكي بلبنان في الداخل، ما فيه قوى معينة كانت بتعمل قنواتها عميلة أو عمالة، علاقات إنسانية إيه.. الأهالي اللي هون، كداش بيعدون [كم عددهم]? 60 ألف 70 ألف، يمكن عندهم أقرباؤهم، يمكن عندهم أنسباء بين لبنان الحدود ولبنان الداخل، علاقات إنسانية، ومنها قصة..

جوزيف سماحة [مقاطعًا]:

مفهوم، لو أنا عنصر مسيحي في مليشيا لحد، وباقرأ تصريحات (دوري شمعون) صدقني ما بيحس بأن هذا بيقول لي: انتبه أنت بتعمل خطأ كبير، عم بتعمل خيانة، ما بيقول له هيك، هذي التصريحات لا تقول هذا الشيء، للأسف..

جوزيف الهاشم [مقاطعًا]:

خلينا نفتح مزدوجين.. بعض الإخوان اللي جيش لبنان الجنوبي من ضمن الأسباب، طبعًا فيه أسباب، السبب الأول ارتزاقي، السبب الثاني عمالي، السبب الثالث واللي هم يؤجلو فيه أنه يا أخي نريد أن نحمي أهالينا، نحمي عائلاتنا، نحمي..، أنا لا أريد أن أقول هؤلاء الناس -الذين ارتكبوا أعمال خيانة- أن هذا عمل مسلَّم به، وأن هذا عمل معذور، ولكن بالنسبة لهم أنا سمعت على التليفزيون بأن هناك تجنيدًا إجباريًّا فرض عليّ هذا التجنيد، ومن ثم إذا أنا لم أتجند، إذا أنا كنت أريد أن أذهب بزوجتي، أو بنتي، أو أختي إلى طبيب يطببها، فليس هناك من يعالجها، إذن هناك بعض الظروف القاهرة حتمت على بعض الناس أن يكونوا يا سيدي عملاء أو غيرهم، الفرق أن هناك صلة اتصال بين اللبناني الداخل على صعيد العمالة، لا (دوري شمعون) انظر بماذا يصرح؟

ربما من الجانب الآخر، أنا لا أريد أن أدافع عن (دوري شمعون) أو غيره، وأيضًا هناك قضية أخرى، وهو أن الاتهام الملصق بفريق من اللبنانيين أكثر من غيره والذي صار فيه مبالغة؛ لأن من الممكن أنه كان هناك سوابق أكثر، كان هناك في الماضي فريق لبناني تعامل مع إسرائيل تعاملاً علنيًّا، وأخذت هذه التهمة تتفاعل على كل الأطراف، وعلى كل الناس، دونما تمييز، ودونما تدقيق..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

تقصد قوات لبنانية؟

جوزيف الهاشم:

بالضبط، قوات لبنانية لم تنكر أنها كانت على اتصال، وتتعاطى مع إسرائيل، وليست قوات لبنانية فقط، أنا قلت: إنه كانت هناك قوات كثيرة، كانت تتعامل مع إسرائيل، وهناك قوات أيضًا حاليًا، تتعامل مع إسرائيل تضمر بخلاف ما تعلن.

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

من؟

جوزيف الهاشم:

لا أعرف من.

غسان بن جدو:

كيف لا تعرف؟ إذا كان هذا فهو شيء خطير؛ لأنه الآن تتحدثون على أي إنسان أو أي طرف يتعاون مع إسرائيل فهو خائن وعميل، فإذا كنت تعلم أن هناك أطرافًا لا تزال تضمر شيئًا فهذا..

جوزيف سماحة [مقاطعًا]:

ليس سرًّا أن هناك مَنْ تعامل مع إسرائيل.

غسان بن جدو:

لا، أنا أعرف السبب..

جوزيف سماحة:

وليس سرًّا أن مشروع التعامل الأكبر مع إسرائيل هُزِم في 1982م، المشروع الأكبر للتعامل، وليس سرًّا أن مراجعة حدثت ضمن بعض الأحزاب والقوى السياسية، وبينها أحزاب محترمة، أجرت مراجعة، وفحص ضمير، وخلصت إلى نتائج.

باعتقادي أنه كان هناك تفاوت بهذه المراجعة، وباعتقادي أن بقايا التجربة الفاشلة كانت ممثلة في الشريط الحدودي، وكان من المطلوب، ربما أن مجموع هذه القوى في المركز بين الزوجين اللبناني، أن تكون جذرية أكثر في مراجعتها، وأن لا أقول عندها الصلة بالمليشيات إنما ..

جوزيف الهاشم [مقاطعًا]:

هذا اليوم درس كبير، هذا الذي حدث، هذا التحرير، هذا الانسحاب الاندحاري كان درسًا كبيرًا لكل اللبنانيين الآن، ولاحقًا، وعبر المستقبل، ولا سيما بالنسبة للذين فرُّوا إلى إسرائيل.

غسان بن جدو:

سيد قنديل أولاً: ما رأيك في هذا؟ وثانيًا عفوًا كيف توضح استمرار الانتقادات حتى الآن لغياب الدولة؟ ولهذا الفراغ ما يسمى بالفراغ الأمن الموجودة في المناطق المحررة؟

ناصر قنديل:

أنا أعتقد أن الموضوع أخذ أكثر من حجمه الحقيقي، لأن هذه الظاهرة على الصعيد السياسي انتهت من الحياة اللبنانية السياسية، وبالتالي نقاشها تقييمها وتحليلها من قبيل التسجيل للتاريخ أمر واجب، ولكنه ليس أمرًا سياسيًّا راهنًا إلا بالقدر الذي يفتح فيه الباب لمناقشة مدى قدرة المجتمع السياسي اللبناني على استيعاب معنى هذا الانتصار الكبير الذي تحقق في الجنوب خارج إطار ذاكرة الحرب الأهلية.

غسان بن جدو:

عفوًا، ما أشار إليه جوزيف سماحة يتجاوز الآن الحديث عن ظاهرة..، نحن نتحدث الآن عن هذه التركيبة، نعم.

ناصر قنديل:

أريد أن أمُر على الموضوع أنا يا أستاذ غسان أقول: إن جزءًا من أزمة التعاطي مع ظاهرة العملاء، ووقوعها في بعض اللحظات الصعبة على خطوط التماس الطائفية في الداخل هو أننا لم نتحرر في التعامل مع المقاومة من ذاكرة الحرب الأهلية، رغم إن الخطاب السياسي كثيرًا ما كان يحاول أن يتحرر، ويكون بعيدًا، وهناك مثال قريب جدًّا إلى ذاكرتنا، وهو مثال (جزين)، الخوف الذي سكننا جميعًا من تضخيم الأهوال، والمخاوف التي تحيط (بجزين) كلما أعلن الإسرائيلي أنه سينسحب منها، فنتلاقى للتداول والتباحث، كيف نُحصِّن (جزين)؟

كيف نحول دون المجازر؟ ساعة نريد أن نأتي بموفد (للفاتيكان) وساعة نريد أن ندوِّل (جزين) وتبين أن الأمر أسهل من رمش العين، خرج العدو من (جزين) خرج معه كبار المتعاملين، الباقون سلَّموا أنفسهم للدولة، ضربة كيف لم تحدث في (جزين) الحديث عن التجاوزات الحقيقة أنا أشارك الأستاذ (جوزيف) أنه قد يكون حدث بعض التجاوزات، حدثت بعد التحرير والنزوح إلى إسرائيل حدث قبل التحرير، لم تكن قد حدثت التجاوزات، بالحديث التجاوزات من ثاني يوم، وثالث يوم، لكن الفرار كان تم قبله بكثير، الأمر الثاني..

جوزيف الهاشم [مقاطعًا]:

لو لم تحدث التجاوزات..

ناصر قنديل [مقاطعًا]:

خليني أكمل أستاذ جوزيف، عني أنا كنت أسمعكم بكل تأنِّي حتى أكوِّن فكرة عن اتجاه النقاش، اللي رحلوا على إسرائيل.. نعم أسر مسيحية كانت الغلبة في العدد، أما في المتعاملين، كمان مش صحيح مرة أخرى، بالنسبة للعددية، وخلينا نأخذ اللوائح التي سجلها الصليب الأحمر الموجودين بشمال (طبرية)، الستمائة عنصر المتعامل هم الذين راحوا على شمال طبرية، الباقي هم أسر، أسر خُلق عندها مناخ من التفزيع، أنه فيه مذابح ستحدث، فيه بيوت بدها تحرق، فيه قرى بدها تُجتاح، خاصة أن المسلحين الذين أحاطوا بهذه الأسر قد سبق وشاهدت أسرهم كيف تعاملوا مع المناطق المجاورة؟ عندما كانت بين أيديهم سلطة الأمور، حرقوا بيوت، وأعدموا ناس بالشوارع، ونكَّلُوا وتعرضوا لأعراض، فكان فيه شعور بأن فيه ردة فعل ستكون من ذات النوع ومن ذات المستوى على القرى المسيحية، لذلك الغالبية العامة من النزوح بين الأُسر نعم مسيحية، وعلى الدولة مسؤولية وواجب في أن تستعيد هذه الأسر إلى حضن الوطن، لأن هذا جرح في جبين الوطن لا يجوز أن يستمر، وأعتقد أن ثمة جهد يبذل في هذا الاتجاه، بدءًا من النداء الذي أطلقه فخامة الرئيس من كنيسة (رميش) وكنيسة (مرج عيون) ووصولاً إلى الاتصالات للآن عبر الصليب الأحمر الدولي لتقديم كل الضمانات لهذه الأسر، بين المتعاملين الستمائة اللي فروا فيهم ميتين وخمسين مسيحي والباقي مرة أخرى مسلمين، والآن أنا أتوقع أن يكون المسيحيون أكثر جُرأة على العودة انطلاقًا من تقدير بأنه بعضهم سيكون متورطًا بمناخ الخوف، أما المسلمين فيسكونوا الأكثر ترددًا في العودة لقناعتهم بأنهم أضاعوا فرصة الرحمة عندما قرروا (المغادرة) إلى إسرائيل.

غسان بن جدو:

عدم انتشار القوى الشرعية للدولة اللبنانية ألا ربما يشكل هذا حافزًا..؟

ناصر قنديل [مقاطعًا]:

لا، أنا أشارك الرأي بأننا تأخرنا في هذا الموضوع، وأنه إذا كان من المُسَّلم به بين اللبنانيين أن انتشار الجيش في المناطق المحررة هو أمر سياسي كبير، لا يجوز أن يخضع لضغط ابتزاز المطالبة بالحضور الأمني.. إنما ذلك لا يبرر على الإطلاق أن يكون حضور قوى الأمن ضعيفًا وهشَّاً وليس بالمستوى الذي يمكن أن يوفر الشعور بأعلى درجات الاطمئنان ويوفر أعلى مستويات الأمان، ولكن أيضًا أعتقد حسب المعلومات التي تتواتر إعلاميًّا، أن اجتماع غدٍ للجنة الوزارية سوف يوصي لرفع عدد قوى الأمن المراسلة إلى الجنوب إلى ألف وخمسمائة عنصر، ومن الممكن لمجلس الوزراء أن يرفع العدد أكثر، انطلاقًا من تقدير أن وجود قوى الأمن الداخلي فعلاً يستطيع الجيش اللبناني المزود بعتاد وإمكانيات وعديد كبير، أن يتولى مهام أمن الداخل اللبناني دون أن يثير أي التباس سياسي، وأن يتفرغ الجزء الأساسي من قوى الأمن الداخلي لمهام أمن المناطق المحررة، دون أن يوقعنا في المحظور المرتبط بشبهة ترتيبات أمنية فيما لو دخل الجيش اللبناني إلى الجنوب.

غسان بن جدو:

أود أن نبقى معك سيد ناصر قنديل، الطرف الآخر لإسرائيل ولحد ثمة مقاومة، طبعًا أطراف عدة شاركت في هذه المقاومة، ولكن لنكن صريحين، حزب الله يشكل العمود الفقري لهذه المقاومة، ألا تعتقد أنه بعد ما حدث من انتصار الآن أن حزب الله سيُكثف من عمله السياسي من أجل استثمار هذا النصر سياسيًّا؟ وبالتالي ألا يمكن أن يؤدي هذا الأمر إلى خلل ما في التركيبة السياسية والمتغيرات اللاحقة؟

ناصر قنديل:

أولاً: أنا الحقيقة أريد، حول موضوع الدور السياسي لحزب الله بدي أبدأ بالقول: بانه ما فيه شك فيه إجماع على أن حزب الله كان طوال السنوات العشر الماضية العنوان اللبناني الأبرز في المقاومة، ولكن لا حزب الله ولا نحن يجوز أن ننكر أدوار الآخرين، وإحدى محاولات زرع الفتنة الآن لإجهاض الانتصار هي فتح النزاعات حول الأحجام والأدوار، واللي أعتقد أن أهم الحصانات فيها الانسجام والتكامل في الأدوار بين كل من حزب الله وحركة أمل، واللي ظهر بالأحاديث وبالتحرك المشترك بين الطرفين خلال الأسبوع الأخير الذي أعقب عملية التحرير، أعتقد أن حزب الله كي يتمكن من أن يُنجز انتصاراً بهذا الحجم، فهو يملك درجة من النضج والحكمة لا يمكن تفسير إنجازه عبرها بالمصادفات وتراكم المصادفات، وهنا أنا أعتقد أن ما جرى على مستوى الساحة الجنوبية في حد ذاته كإنجاز كفيل بأن يُطمئننا لمواجهة التحديات الأقل وزنًا التي ستواجه مرحلة ما بعد التحرير.

على المستوى السياسي لا أعتقد أنه في الأولويات الآن هو التثمير السياسي للانتصار، في الأولويات هو تطوير مفاعيل هذا الانتصار، وأنا من الناس اللي عندهم قناعة أنه فيه منظورين لبنانيين مختلفين نموا مع مرحلة الدخول الإسرائيلي في النسيج السياسي والاجتماعي اللبناني وبعض الموجودين، وقيمة هذا الانتصار أنه رجَّح كفة أحد هذين المنظورين على الآخر.

فيه منظور يقوم على مبدأ غير المنظور اللي دعا للتعامل واللي فتح حساب مفتوح مع إسرائيل، لا، بالمنظورين الوطنيين اللي على قاعدة القطع في رفض العلاقة مع إسرائيل، فيه منطق بيقول: إن هذا الاحتلال الإسرائيلي تنتهي مشكلتنا معه بتطبيق القرار 425، وينطلق من أن لبنان البلد الصغير الذي لا يمكن أن يحقق سيادته إلا بالاستعانة والارتكاز على الدعم الدولي، تأتيه الآن فرصة ذهبية أحد عناصرها المقاومة ولكنها ليست في نظره العنصر الأبرز، العناصر الأبرز هي من تشكّل اللوحة الإسرائيلية، من حضور الأحادية الدولية في النظام العالمي الجديد، من مناخات أوروبية معينة، من صعوبات تطور المسار السوري الإسرائيلي وتقدمه، وبالتالي هذه الفرصة الذهبية يجب ألا تضيع في أوهام سياسية.

المنظور الآخر يقول عكس ذلك تمامًا، يقول: إن جوهر السلم الداخلي اللبناني وجوهر قدرة لبنان على التماسك يتوقف على حسمه لأمرين استراتيجيين، نفترض أن الطائف كان قد حسمهما: الأمر الأول أنه دون الدخول إلى سلام دائم وشامل على مستوى المنطقة سيبقى لبنان يعيش حالة التوازنات القلقة والعرضة للاهتزاز، وبالتالي إن صناعة السلام بهذا المفهوم يجب أن تشكل هدفًا لبنانيًّا صرفًا، وليس وهمًا بأنها وحي سوري لتحرك لبناني.

الأمر الثاني هو جعل العلاقة اللبنانية السورية تتجاوز منطق تلازم المسارات إلى مرحلة الشعور والإيمان بالتكامل في صناعة السلام.

أعتقد أن حزب الله -الذي لا يقبل السلام ولا يعترف بمفهوم السلام- إنما ينطلق من مفهوم استدامة الصراع برؤية عقلانية تأخذ موازين القوى في عين الاعتبار، طالما أن لحظة السلام غير ناضجة -وأنا من المقتنعين بأنها قد لا تنضج في المدى المنظور- فدعاة السلام ودعاة إدامة الصراع يقفون في خندق واحد الآن، ولذلك حزب الله سيجعل قضيته الأساسية في تثمير النصر لإطلاق مسارات التحرك التثويري الأخرى وخصوصًا في الساحة الفلسطينية.

غسان بن جدو:

ولكنه حزب يتعاطى بالسياسة وقد بدأ في التعاطي مع السياسة، صحيح أنه يقاوم ولكن في النهاية هو ليس جمعية خيرية، وبالتالي يعني يقاوم من هنا ولكن من حقه أن..

ناصر قنديل [مقاطعا]:

لماذا نعتبر العمل السياسي عمل (ديكانجية) دفاتر حسابات، العمل السياسي هو خدمة الشأن العام، وعندما تكون خدمة الشأن العام هي في طرح القضايا الوطنية وجعل الجسد الحزبي وسيلة لتحقيقها وليس عبادة هذا الجسد الحزبي هدفًا قائمًا بذاته، كلنا وحزب الله نخرج من رحم تجارب حزبية، سقطت هذه التجارب الحزبية في اللحظة التي اعتبرت أن الحزب هو الهدف وليس الوسيلة، قدرة حزب الله الآن وحتى في خطاب الانتصار أنه استطاع أن يرفع القضية إلى مستوى الهدف، وأن يبقي الحزب وسيلة من أجل الهدف، وأعتقد أنه -وإن شاء الله لا يصل إلى هذه اللحظة- في اللحظة التي يصل فيها حزب الله إلى أن يعتبر الحزب هدفًا قائمًا بحد ذاته؛ سيبدأ عدَّه التنازلي كما بدأت أحزاب تاريخية -شهدتها المنطقة- عدَّها التنازلي.

غسان بن جدو:

سيد جوزيف الهاشم، بعدما حدث الآن من هذا التحرير، هل تعتقد أن التركيبة السياسية في لبنان -سواء كانت مسيحيًّا، إسلاميًّا، بشكل عام- ودخول حزب الله بهذا الشكل القوي، هل تعتقد بأنها من الممكن أن تشهد تغيرات؟ وثانيًا: هل تعتقد أن حزب الله -الذي له حجم سياسي في الوقت الحاضر- سيحاول أن يكون له حجم سياسي أكبر؟ وأنت سياسي عريق وكنت قياديًّا سابقًا في (حزب الكتائب) ولديك علاقات مع هذا الجانب، كيف تُحلل وترى هذا الأمر؟

جوزيف الهاشم:

سندور حول نقطة، أنه هل سيستثمر حزب الله هذا النصر أو الانسحاب الإسرائيلي إذا سميناه..؟

غسان بن جدو:

بصرف النظر، ولكن ألا تعتقد بأن المرحلة المقبلة ستشهد تغيرات في التركيبة السياسية في المنظور..؟

جوزيف الهاشم:

مثلما قال الأستاذ ناصر: إن المرحلة المقبلة ستشهد تغيرات على مستوى المنطقة، لأنه ذُكر أنه لم ينضج السلام بعد، صحيح لم ينضج السلام بعد، ليش؟ لأنه لا نعرف شو بدها [ماذا تريد] إسرائيل؟ إذا قدرنا وحللنا إلى حدٍ ما ماذا تتوخى إسرائيل من خلال الانسحاب ومن خلال تعطيل المسارات، ومن خلال الدور الذي تلعبه على المستوى الدولي وعلى مستوى المنطقة، تندرك إذ ذاك كيف يمكن أن نتعاطى نحن كذلك في الداخل وفي الخارج مع إسرائيل ومع اللعبة الدولية؟

أنا أتصور أنه حتى نبعد قليلاً عن الساحة اللبنانية لأن الساحة اللبنانية لها ارتباط وعلاقة بما يجري في المنطقة ككل، والمنطقة كمان أنا أعتبر وأتصور أنها تشهد عملية شد حبال.. حرب أعصاب، بعد هذا الانسحاب ماذا سيحصل؟ شو فيه [ماذا هناك]؟ فيه علامات استفهام كبرى، ونحن وطبعًا وقت ما بنحكي عن الجيش وعلاش نفك الجيش؟ الجيش كذلك ينتظر هذه العلامات الكبرى، أنا أتصور أن إسرائيل خاضت في المنطقة ثلاثة حروب على مراحل ثلاثة: المرحلة الأولى كان اسمها مرحلة التوسع والسيطرة على الأرض، والمرحلة الثانية كان اسمها مرحلة (الكانتونات)، والمرحلة الثالثة والأهم والمرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمرحلتين الأخريين، وهي مرحلة الصراع على المياه، نحن اليوم بصدد صراع جديد وحرب جديدة على ما يسمى حرب (ماء الحياة)، المياه اللي حتصبح المياه بكثير أثمن من البترول، إذن معليش خليني أقوم بعمل جرد بمستوى هذا..

غسان بن جدو:

تفضل.

جوزيف الهاشم:

يعني إذن من خلال ما نقرأ ومن خلال ما نسمع ومن خلال ما نحلل، يتضح أن في إسرائيل أزمة مياه كبرى، وأن إسرائيل في السنة الماضية قد قننت المياه على المزارعين وعلى السكان بنسبة 40%، وأن هناك خبراء واختصاصيين أخذت توظفهم من أجل أن يفتشوا عن مشاريع أو ينشئوا مشاريع لتحلية مياه البحر، وأن إسرائيل التي تستخدم الآن ما يقارب 600 مليون متر مكعب من المياه، وهذه مصادرها من داخل المنطقة الغربية يعني الضفة الغربية يعني الحوض (الجرفي) للضفة الغربية وكذلك من منابع الجولان، 600 مليون متر مكعب، تعطي منهم 125 متر مكعب للفلسطينيين.. للسلطة الفلسطينية، ولكن شو بتعمل بالباقي؟ وهذا كيف يصير؟

كذلك في معاهدة السلام التي تمت سنة 1994م بينها وبين الأردن أخذ تحنث بهذه المعاهدة إسرائيل إذن دعنا تفتش، عندما نرى أن اللقاء الذي تم في (جنيف) وهذا ما سبق وذكرته أنت مع الأستاذ ناصر، كان السبب الأساسي التعطيل المسار التفاوضي على الجبهة السورية هو (طبرية) والمياه، جبل الشيخ وهذا جزء من..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

هذا السبب الظاهري بطبيعة الحال.

جوزيف الهاشم:

هذا هو السبب الأساسي، هذا السبب الذي من أجله لا يمكن أن تتخلى إسرائيل عن شيء يسمونه (مزارع شبعا) هناك مركزين تخلت عنهما إسرائيل واستبقت الباقي، لأنها تريد أن تحتفظ بخزان المياه الذي يضمه (جبل الشيخ).

غسان بن جدو:

لا، هذا السبب الظاهر، ثمة قراءتان استراتيجيتان مختلفتان تمامًا بين رؤية سوريا و(الأسد) والسلام والمنطقة وبين الرؤية التي يريد أن يترجمها باراك.

جوزيف الهاشم:

أنا باحكي عن رؤية إسرائيلية، أنا أحكي عن ماذا تريد إسرائيل.. (إسحق رابين ) رئيس الوزراء الراحل قال: إنه إذا اتفق الإسرائيليون والعرب على كل المشاكل ولم يتفقوا على حل مشكلة المياه، ستبقى المنطقة فوق بركانٍ متفجر، وبدليل أن كذلك الرئيس (كلينتون) حسبما قرأت منذ مدة أنه كان يفكر بأن يقدم مشروعًا من أجل منشآت لتحلية البحر على الوسط، على الساحل المتوسط الممتد بين العرب وإسرائيل حتى العقبة، من أجل تحلية مياه البحر، وقيل: إن هذا المشروع بيكلف من مائة وخمسين إلى مائتي مليون دولارًا.

فالمشكلة أننا نواجه حرب من نوع آخر، فإذا قصرنا -نحن كدول عربية- على أنا نشكل وحدة مشتركة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وإذا قصرنا عن أن نشكل هيئة مشتركة لمواجهة الواقع العسكري، فعلى الأقل علينا الآن أن نتفق على وحدة مشتركة.. على لجنة مشتركة.. على طريقة مشتركة.. لمواجهة حرب المياه.

غسان بن جدو:

(جوزيف سماحة) نود أن نسألك، كل ما يحدث الآن.. لا شك أنه سيكون له تداعيات إقليمية وحتى دولية، جزء من هذه التداعيات الإقليمية والدولية الدور الأمريكي، يعني ما حدث الآن في الانسحاب الإسرائيلي من هذه المناطق، وما يحدث الآن ثمة من يقول: إن هناك بهتة أمريكية لكل ما يحدث، وأن دورها يكاد يكون غائبًا تمامًا، وأنه هو فقط مرسال لا أكثر ولا أقل.. كيف تحلل الدور الأمريكي فيما يحدث وفيما يلحقه من الزمن، هل أن هذا الدور الأمريكي يمكن أن يتفعّل فيما يتعلق بالمعادلة اللبنانية والإقليمية أم لا؟

جوزيف سماحة:

لنعترف بأن أمريكا في هذا الظرف الذي تعيشه الآن مع افتتاح الحملة الرئاسية، كان من المتوقع أن الدور الأمريكي والحضور الأمريكي والفاعلية الأمريكية أن هذه الأمور ستشهد بعض التراجع.. وهذا ما هو حاصل، أعتقد أن ذروة الجهد الأمريكي للدفع باتجاه حل على المسار السوري كانت في (جنيف)، هذا لا يلغي احتمال استئناف المفاوضات فيما تبقى من ولاية (كلينتون)، إنما ليس في اعتقادي أن في المجال التوصل إلى حل فيما تبقى من ولاية كلينتون، يحتفظ الأمريكيون بجهدهم من أجل محاولة الدفع لاتفاق إطار على الصعيد أو على المستوى الفلسطيني الإسرائيلي، والواضح أن ثمة لقاء قريب ممكن بين (باراك) و(كلينتون) من أجل رؤية ما يمكن القيام به في هذا المجال.

غسان بن جدو:

يعني عفوًا هل يعقل أن دولة عظمى بهذا الحجم لأن ثمة انتخابات على الأبواب، قضية أساسية ومصيرية كما يحصل الآن، وتعتقد هي من مصالحها الاستراتيجية، بما أنها في حلف كبير مع إسرائيل، هل يعقل أن هذه الاستراتيجية تجعله باهتًا أم أن أمريكا أصلاً لا تملك بالفعل الآن.. الإدارة الأمريكية الحالية لا تملك مشروعًا وبالتالي دورها يكاد يقتصر فقط على أن تكون..

جوزيف سماحة [مقاطعًا]:

هي من القوة بحيث تستطيع أن تسمح لنفسها بإدارة نزاعات وبإدارة صراعات، هل يمكن أن نقول هل هناك شيء يجري في المنطقة جديًّا يجعل أمريكا تستشعر خطرًا ما على مصالحها الحيوية والاستراتيجية بشكل يدفعها إلى التحرك وتجاوز فكرة أن هناك مرحلة انتخابية لا يمكن فيها التحريك، لا.. عندما ينظر المرء إلى المنطقة ككل بقواها الرئيسية والجوهرية، بقواها الوازنة، وبرغم ما جرى في لبنان من رسالة قوية إلى الجمهور العربي وللشعوب العربية أنه بالإمكان فعل شيء، وبرغم ذلك يستطيع أي أمريكي مسؤول أن ينظر إلى المنطقة ويراها منطقة لا زالت تحت الضبط، ليس هناك شيء يجري فيها يهدد بالعمق المصالح الاستراتيجية الأمريكية، إذن قدر ما من التجاهل، هذا القدر من الاهتمام يكفي لمنطقة الشرق الأوسط.

غسان بن جدو:

سيد قنديل سألتك في البداية وأعود الآن إلى قمة جنيف، أنت واكبت قمة جنيف وقمة الأسد وكلينتون في (جنيف)، وسألتك هل فشل هذه القمة عجل أو دفع (باراك) للتعجيل بالانسحاب؟ ولكن أتجاوز هذه القضية لأدفع بسؤال آخر في هذه القضية بالتحديد، ألا تعتقد أن فشل قمة جنيف يعني هذا أن مسار التسوية الآن هو مجمد بالنسبة للإدارة الأمريكية وبالنسبة لإيهود باراك على الأقل على المسار السوري، وأنه اندفع للانسحاب لإخراج ورقة المقاومة من يد سوريا والتوجه فقط إلى الفلسطينيين، وبالتالي: هل أن أمريكا في الوقت الحاضر تملك مشروعًا ما للإدارة في المرحلة المقبلة، أم أن كل شيء مرهون بيد باراك؟

ناصر قنديل:

أنا أختلف جزئيًّا مع الكلام الذي قاله الأستاذ جوزيف في تقدير المرحلة المستقبلية على مستوى الصراع حول السلام وقراءة الدور الأمريكي، انطلاقًا من ما جرى في قمة جنيف، أنا أعتقد أن الأمريكيين ينطلقون في التعاطي مع الأمن الإقليمي -إذا صحت التسمية- من الشرق الأوسط.

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

هذه هي التسمية، أمريكا تنظر إلى..

ناصر قنديل [مقاطعًا]:

نعم، من معادلة قوامها التالي: باراك يقف على توازنات قلقة ودقيقة داخل المجتمع السياسي الصهيوني، فمنسوب الاندفاع الإسرائيلي باتجاه الانسحاب من لبنان الذي أتى بباراك حوالي 70% من المناضلين، يعني حوالي 67%، لم يسمح لحزبه أن يحصل على أكثر من سدس مقاعد الكنيست، فيما الليكود قد حصل على سدس آخر، أي أن كليهما -الحزبين التاريخيين في قيادة إسرائيل واللذين تناوبا على قيادة إسرائيل- لم يملكا 40% من إجمالي مقاعد الكنيست فيما تشظَّى الباقي على الأحزاب الأخرى الأقلية التي تعبر عن منابت إثنية عرقية أكثر مما تعبر عن ألوان سياسية قابلة لتشكيل قاعدة سياسية عريضة لمشروع السلام.

بالمقابل (ياسر عرفات) القضية المركزية قضية فلسطين، يقف هو الآخر على حبل توازنات دقيقة وقلقة داخل الشارع السياسي الفلسطيني، من جهة شركائه في منظمة التحرير الفلسطينية الداخلين والخارجين يومًا بعد يوم، الشعبية والديمقراطية يومًا في السلطة ويومًا خارج السلطة، والتيار الإسلامي الذي رغم القمع ورغم المطاردة ورغم كل محاولات الضبط لا يزال يشكل النصف الآخر من اللوحة السياسية الفلسطينية.

القراءة الأمريكية تعتبر أن مصير كل من عرفات وباراك مرتبط بمصير الآخر، وأن سقوط أي منهما أمام تداعيات التوازنات القلقة المحيطة به يهدد مصير الآخر، وأن بديل الآخر هو بديل غير قابل للتعايش.. بدأ كلينتون قمة جنيف بأن يعرض أمام الرئيس الأسد قراءته للوحة السياسية الداخلية الإسرائيلية قائلاً: لقد خسرنا رابين، خسرنا (بيريز)، وآخر (خرطوشة) هي باراك، وإذا خسرنا هذه الفرصة فلن يكون متاحًا أمامنا الحديث عن آفاق مستقبلية للسلام في الشرق الأوسط.

غسان بن جدو:

يعني هكذا قال..

ناصر قنديل [مقاطعًا]:

تمامًا هذا التوازن الدقيق والترابط المصيري بين كل من عرفات وباراك يقرأ بامتداده وانعكاسه على الأمن الإقليمي في كل من مصر والأردن، لأن الحركة الإسلامية الفلسطينية إذا قُيض لها أن تمتلك ناصية القرار في الساحة الفلسطينية، الضفة امتداد الأردن وغزة امتداد مصر، والحركة الإسلامية الفلسطينية كلنا يعلم جذورها في كل من الأردن ومصر داخل المجتمع السياسي لكل من البلدين، لذلك المسار السوري لم يكن يُشَكِّلُ أولوية، في القراءة الإسرائيلية وفي النظرة الأمريكية الاستراتيجية هو القطب الأساسي التي يمكن من خلالها أن تحصن حالات التسوية بعضها بعضًا، لدى أمريكا قراءة تقول بأن التسوية فلسطينيًّا لا يمكن أن تتحصن وتعيش وتستقر، ما لم تستكمل حلقات التسوية الأخرى، المجتمع السياسي الإسرائيلي ناضج للانسحاب من لبنان، غير ناضج للسلام، لذلك كانت مواكبة أمريكية لسيناريو إسرائيلي.

وكما قلت مرة، تواكب أمريكا إسرائيل، إذا نجح السيناريو الإسرائيلي فهي تنخرط في الشراكة، إذا فشل السيناريو الإسرائيلي ووقعت إسرائيل في مأزق، يستيقظ من نومه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ولو عشية الانتخابات ليعقد مجلسًا للأمن القومي ويتخذ قرارًا سياسيًّا استراتيجيًّا بإنعاش مفاوضات السلام، أنا أعتقد أن الفترة الفاصلة -من الآن وإلى حوالي شهر- ستكون موضع ترقب دقيق في انعكاسات الوضع الفلسطيني تحت تأثير ما جرى في جنوب لبنان، فإما أن يؤدي ذلك إلى قناعة إسرائيلية بأن الدخول في تسوية فلسطينية وفق المفهوم السابق لاتفاق الإطار بات مستحيلاً، وبالتالي لابد من العودة إلى مفاوضات سلام شاملة، وإما أن يكون ذلك متاحًا، فعندها ستقفل عملية السلام حتى الانتخابات الأمريكية.

غسان بن جدو:

على كل حال إذا كان الملف السوري مجمدًا لدى إسرائيل فلا شك أن الملف السوري ليس مجمدًا لدى لبنان، وسنعود للحديث عن هذه القضية.. عن الوجود العسكري السوري في لبنان بأكثر تفصيلاً بعد الفاصل.

[فاصل ]

غسان بن جدو:

أستاذ جوزيف الهاشم.. القوات السورية لا تزال موجودة في لبنان، ثمة من يطرح بشدة ويتساءل: ما مبررات استمرار وجود هذه القوات السورية وقد انسحبت القوات الإسرائيلية؟

جوزيف الهاشم:

أولاً: وجود القوات السورية في لبنان ليس مرتبطًا بوجود القوات الإسرائيلية، وثانيًا: هذا الموضوع إن طرح سيطرح للإحراج وليس للإخراج، اليوم قرأنا أن اليهود الأمريكيين يتظاهرون في الولايات المتحدة مطالبين بانسحاب الجيش السوري من لبنان، الجيش السوري في لبنان مرتبط باتفاق الطائف.. وثيقة الوفاق الوطني، وثيقة الوفاق الوطني التي تقول بانسحاب أو إعادة تمركز القوات السورية في لبنان بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني وإجراء الإصلاحات الدستورية.. وهذا الأمر محكوم بقرار بين الحكومتين اللبنانية والسورية، عندما ترى الحكومة اللبنانية أن القوات السورية في لبنان لم تعد بحاجة أمنية إليها، فهذا الأمر يمكن أن يتم التداول به بين الحكومتين، وليس مطروحًا لا على بساط الشارع، ولا على ألسنة غير الحكومة اللبنانية والحكومة السورية..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

لكن ثمة شخصيات تعتبر ربما أساسية تدعو صراحة إلى انسحاب القوات السورية، العماد (ميشيل عون) من باريس بعد أن انسحبت القوات الإسرائيلية طرح ودعا مباشرةً الأمم المتحدة بأن تتدخل حتى تواجه القوات السورية هنا بالعنف؛ من أجل إخراجهم من لبنان، هل توافق على هذا الرأي؟

جوزيف الهاشم:

لا، أبدًا، إطلاقًا بالعكس، خلينا نحصر الموضوع بقرار بين الحكومتين..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

سيدي نحن الآن نناقش قضية مطروحة، فأرجو أن نتحدث بأكثر صراحة، ما هو موقفك من هذا الأمر؟ العماد (ميشيل عون) يطرح ضرب القوات السورية وإخراجها بالقوة من لبنان، ما هو موقفك؟ ما هو رأيك؟

جوزيف الهاشم:

العماد (ميشيل عون) عندما كان في السلطة، كان كذلك يحاول ضرب القوات السورية ويشن حربًا عليها، وطبعًا كانت له أهداف تختلف تمامًا عن الأهداف التي نحن نراها ونرى مصلحة لبنان بها، الآن نحن نعتبر أن وجود القوات السورية في ظل التطورات التي حصلت نرى أنه وجود ضروري، وعندما تشعر الحكومة اللبنانية نحن نعتبر أن الحكومة اللبنانية تمثلنا في هذا الأمر، وعندما ترى الحكومة اللبنانية بالتوافق والتنسيق مع الحكومة السورية ضرورة هذا الانسحاب فهما اللذان يقرران..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

عفوًا أين الضرورة؟

جوزيف الهاشم:

هناك ضرورة ربما أمنية، نحن نقول صار فيه سلام وأمن وما بعرف شو.. بالأمس خرقت إسرائيل هذا الانسحاب خرقت الأجواء اللبنانية بالطيران، إذن لا تزال هناك أمور ملبدة ولا يزال هناك احتمالات قد تكون مطروحة، ولا يمكن نحن أن نغامر الآن في الطلب بانسحاب الجيش السوري من لبنان قبل أن تتبلور الأمور المستجدة.

غسان بن جدو:

سيد جوزيف سماحة في هذه القضية بالتحديد.. ما هو رأيك؟

جوزيف سماحة:

أنا أعتقد أنه لابد من تغيير شكل العلاقات اللبنانية السورية، أصلاً هذه العلاقات في وضعها الراهن ومنذ سنوات تشكو من شوائب، أما الآن..

جوزيف الهاشم [مقاطعًا]:

هذا غير ...

جوزيف سماحة:

ما بنحكي.. تشكو من شوائب كان يجب تصحيحها قبل، الآن وغدًا يجب النظر جديًّا على صعيد لبنان وسوريا بتغيير شكل هذه العلاقة، هذه العلاقة كانت قائمة على مثلث: أمن، سياسة، واقتصاد، نحن قادمون إلى مرحلة العنصر الأمني بين الدولتين هذه العلاقة سوف يضمر تدريجيًّا لحساب صياغة عقلانية أكبر لهذه العلاقة تجعلها مرتكزة على أسس مختلفة عما هي عليه اليوم.

هل.. يجب أن نعرف مثلاً أن العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا، العلاقات التجارية بين لبنان وسوريا ضعيفة وضئيلة جدًّا وتشبه المعدل الوسطي للعلاقات البينية بين الدول العربية؟

عسان بن جدو [مقاطعا]:

سنتمتع أكثر بحديثك بعد هذا الفاصل الإعلاني

[فاصل إعلاني]

غسان بن جدو:

كنا نتحدث عن العلاقة السورية اللبنانية.

جوزيف سماحة:

كنت أقول أنه لابد من التفكير ومناقشة شكل العلاقات اللبنانية السورية الراهنة باتجاه تغييره ربما باتجاه تطويره، هناك علاقة باتت منذ فترة تمت إلى الماضي ولا تخلو من شوائب عديدة، إن ما جرى ويجري في لبنان اليوم، وما جرى ويجري في سوريا نفسها يستوجب إعادة بحث هذه العلاقة باتجاه إرسائها على أسس مخالفة عما كانت عليه حتى الآن، لأنه حتى الآن كانت هذه العلاقة تقوم على تنسيق عالٍ على المستوى الأمني والسياسي، وعلى علاقات اقتصادية ضعيفة ومتراجعة، ولا تتجاوز إطلاقًا المعدل الوسطي للعلاقات التجارية البينية العربية، إلا إذا أضفنا إلى ذلك العمالة السورية وبعض شراء البضائع وتبادل البضائع، وهي بالمناسبة شكل للعلاقة المتخلفة بين بلدين متجاورين رديئة، وربما كانت الأكثر رداءة والإثارة للحساسيات، إذن لابد من تغيير شكل هذه العلاقة باتجاه إرساء هذه العلاقة على أطروحات على أفكار على برامج تكاملية اقتصادية، خاصة في ضوء ما يجري في سوريا، وفي ضوء ما جرى في لبنان، مع ما يعنيه ذلك من إعادة إعطاء أولوية أكبر للموضوع الاقتصادي، لأن إرساء هذه العلاقة على هذه الأسس التكاملية التي تمثل مصالح فعلية للطرفين يجعلها في منأى من أن تهزها تطورات إقليمية أو عواصف ما.

وموضوع وجود الجيش السوري في لبنان يجب أن يوضع في هذا السياق وضمن منظور الدفع نحو أرقى أشكال العلاقات العقلانية والطوعية والحرة بين اللبنانيين والسوريين، بين الشعبين اللبناني والسوري، وبين الدولتين اللبنانية والسورية.

غسان بن جدو:

سيد ناصر قنديل الآن -كما قلت- انسحبت القوات الإسرائيلية، وثمة من كان يربط بين الوجودين، الآن في هذه المرحلة الجديدة، هل ترى بحكم ممارستك أن العلاقات اللبنانية السورية مرشحة لمزيد من التطور، ولكن في إطارها الاستراتيجي على رغم انسحاب القوات الإسرائيلية أم أن الأمور ستشهد بعض المتغيرات؟ بمعنى آخر هل أن هذه العلاقات بين البلدين إطارها يتجاوز البعد الاقتصادي والبعد الحياتي اليومي، أم هو متعلق بالفعل بقضايا استراتيجية وأمنية أكبر؟

ناصر قنديل:

أنا بدي أبلش بالنقطة اللي أثارها الأستاذ (جوزيف الهاشم) حول موضوع اتفاق الطائف.. صلب اتفاق الطائف أي البعد الدستوري في اتفاق الطائف تناول العلاقة اللبنانية السورية في بند واحد، هو الدعوة لإقامة علاقة مميزة بين لبنان وسوريا تترجمها معاهدات بين الحكومتين، تجسد اقتناع اللبنانيين أن علاقتهم بسوريا هي بوابتهم للعروبة.

الحديث عن الجانب الأمني ورد في الخطة الأمنية الملحقة باتفاق الطائف، وهذه الخطة قامت على فرضية الانخراط الطوعي لجميع المتحاربين في لبنان في خطة تسليم الأسلحة وإعادة بناء الدولة، وقد سقطت بتمرد القوة الأساسية على التسليم الطوعي وهي قوة العماد (عون) مما استدعى لاستبدال هذه الخطة بخطة عسكرية استدعت إزالة التمرد بالاستعانة بمزيد من القوات السورية، وصولاً إلى استعانة بالطيران السوري لإزالة التمرد.

الأمر الثاني هو أن الانتصار الذي نتحدث عنه اليوم والذي أدى إلى إنجاز انسحاب إسرائيل، سوريا شريك مباشر وليست شريك غير مباشر بالواسطة، لا هي شريك مباشر في هذا الإنجاز، عندما بدأت طلائع المقاومة عام 1982م، كان الكثير من السياسيين والمثقفين والنخب اللبنانية يعتبرون أن الرهان على دحر العدوان الإسرائيلي -إذا استطاع أن يحتل العاصمة بيروت- هو رهان مجنون لا يستند إلى أية وقائع ومعطيات، وجاءت الوقائع تباعًا لتلحق نخب إضافية بمنطق الإيمان بفاعلية المقاومة.

ولا أعتقد أنه كان في حساب القيادة السورية في تلك اللحظة أنها تهيئ لقطف ثمار معينة من خلال دعمها للمقاومة، بقدر ما كان حاضرًا في ذهنها البعد الاستراتيجي للصراع مع إسرائيل الذي بات لبنان الآن ليس مجرد شريك ضعيف ليستند إلى الدعم السوري ليحضر في ساحة المواجهة، بل شريك في البعد الثاني من عملية المواجهة، أي نموذج المقاومة الشعبية والمسلحة.

نعم نحن بحاجة إلى مستوى أعلى في العلاقة اللبنانية السورية، هذا المستوى الأعلى لا يجوز أن يخضع لابتزاز فيفضيتين: قضية أن نناقش العلاقة مع سوريا تحت وطأة مفهوم الصفقة الداخلية اللبنانية، كما كان يرمم لبنان دائمًا على صفقات متبادلة يتخلى المسلمون عن الدعوة للانضمام إلى دولة الملك (فيصل) في دمشق ويتخلى المسيحيون عن طلب الحماية الفرنسية عام 1943م، وعام 1958م يتخلى المسيحيون عن طلب حلف بغداد ويتخلى المسلمون عن الانضمام إلى دولة الوحدة المصرية السورية، ما نحن أمامه هو قفل لباب الصفقات والتخليات المتبادلة على قاعدة الالتزام الطوعي اللبناني بقناعة استراتيجية في زمن التكتلات الكبرى، في زمن أوروبا الموحدة، في زمن يتجه فيه العالم كله نحو هذه التكتلات، كيف ونحن على أبواب مواجهة مستمرة ومفتوحة مع عدو يتربص بلبنان أكثر مما يتربص بأي بلد عربي آخر؟

خطورة الابتزاز الثاني هو أن نطرح مسألة الوجود الأمني السوري ليس تحت ضغط الاحتياجات اللبنانية وماهية الفهم اللبناني للدور الأمني السوري، بل تحت ضغط الإثارة الإسرائيلية التي تحاول أن تستبدل عنوان التحرير الذي أجمع عليه اللبنانيون خلال السنوات العشر التي أعقبت (الطائف)، وشكل قضيتهم المركزية لطرح شعار بديل في التداول يشكل أساسًا فتنويًّا لانقسام مفترض في الذهن الإسرائيلي وفي ذهن بعض الثأريين من الساسة اللبنانيين الذين أخرجوا أنفسهم من المعادلة اللبنانية ويريدون أن يتصوروا بوهم أن طرح مثل هذا الشعار يمكن أن يشكل مدخلاً لهم لاستعادة مواقعهم المفقودة.

العلاقة الاستراتيجية مدعوة لمزيد من التبلور، هذا صحيح، بوجود فخامة الرئيس عماد لحود على رأس الدولة وهو أول من بادر وطرح أولا استحالة الاستمرار في السماح بتوظيف العلاقة مع سوريا لمصالح فئوية ضيقة، فيما هي في الأصل مهيأة ومجهزة ومعدة للصالح الوطني العام، وفي القيادة السورية القراءة النقدية التي أعلنها د. بشار الأسد في مقابلته مع جريدة الحياة حول مفهوم هذه القيادة لنمط العلاقة الواجب إقامته مع لبنان.. نعم نحن بعد هذا الانتصار على أبواب مرحلة جديدة في التكامل الاستراتيجي بين لبنان وسوريا، ليس فقط في مواجهة ما تحضره وتعده إسرائيل، بل أيضًا في مواجهة استحقاقاتنا الداخلية في كل من لبنان وسوريا، لأن عناصر التكامل السياسي والاقتصادي والثقافي هي أكبر بكثير مما يمكن أن يوجد بين دولتين أخريين.

غسان بن جدو:

أستاذ جوزيف الهاشم على ماذا برأيك يقوم تطوير العلاقات اللبنانية السورية؟ ما هي المفردات الأساسية التي ننتقل بها إلى مرحلة أكثر تطورًا -إيجابيا بطبيعة الحال- لفائدة لبنان.. نحن نتحدث في لبنان الآن؟

جوزيف الهاشم:

هناك ناحيتان، أولاً الناحية الاستراتيجية اللي ذكرها الأستاذ (ناصر)، نحن نعرف أنه من أهداف هذا الانسحاب عندما أعلن؛ محاولة لفصل المسارين ومحاولة لاستفراد سوريا، نحن نعرف أيضًا أن وضع لبنان وسوريا الآن في كفة يواجهها كفة أخرى كفة إسرائيلية.. هذا الوضع يشكل تلاحمًا بقدر ما يكون هناك تنسيق وتعاون أكبر في مواجهة ما تخبئه الأيام لنا معًا، بقدر ما نحقق انتصارًا مشتركًا.

على الصعيد الآخر.. الصعيد الإنساني والصعيد الاجتماعي والصعيد الاقتصادي، هناك اتفاقات تبلور حالة التنسيق اللبناني السوري، لا نستطيع -في أي حال الآن- أن نطرح شعارات، نحن عم نحكي عن الانسحاب، لا نستطيع أن نطرح شعارات في ظل هذا الوضع القلق قبل أن تتبلور الأمور وقبل أن يمكّن لبنان وضعه الداخلي أكثر، ولابد من أن يكون التعاون اللبناني السوري في شتى المجالات: الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية تعاونًا تامًا وكاملاً.

غسان بن جدو:

في 20 ثانية إذا سمحت، في بداية الحديث طرحت أن الساحة المسيحية الآن تفتقد المرجعية، هل تعتقد بأنه طالما هي ضرورة أن المرحلة المقبلة ستشهد مراجعة للساحة المسيحية من أجل إيجاد مرجعية، ليس على المستوى الشخصي بطبيعة الحال، ولكن على مستوى الرؤية والاستراتيجية أم لا؟

جوزيف الهاشم:

خلق المرجعيات هذا لا يصير بواسطة المظلات.

غسان بن جدو:

قلت ليس على مستوى الأشخاص على مستوى الرؤية والاستراتيجية.

جوزيف الهاشم:

ما فيه رؤية واستراتيجية إلا من خلال أشخاص، ما فيه شيء وهمي، الأشخاص يبلورون الرؤية والاستراتيجية، من أجل ذلك نحن نتوقع، وهذا يمكن أن يكون كذلك من ضمن إطار التنسيق اللبناني السوري، نحن نتوقع أن تفرز الساحة المسيحية فاعليات جديدة، لأن الفاعليات المسيحية التاريخية انطوت، ولابد من أن يكون هناك فاعليات جديدة تفرزها الانتخابات النيابية.

وأعتقد أنه بقدر ما يمكننا أن نحقق انتخابات نيابية نزيهة تُمكن أصحاب الأهلية من أن يصلوا إلى مواقع القرار، بقدر ذلك ما يمكننا من أن نُؤمن فاعليات أو مرجعيات مسيحية جديدة.

غسان بن جدو:

شكرًا لك أستاذ (جوزيف) أعلم جيدًا أن الجميع لديه حديث كثير، ولكن الوقت داهمنا، شكرًا لك أستاذ (جوزيف الهاشم) على هذه المشاركة، شكرًا لك سيد (ناصر قنديل) على هذه المشاركة، شكرًا لك أستاذ (جوزيف سماحة) على هذه المشاركة في معتقل الخيام رغم هذا البرد القارس، شكرًا لكم مشاهدينا المحترمين على حسن عنايتكم ومتابعتكم، أود أن أشكر بشكل خاص الفريق التقني الذي واكبنا من الدوحة إلى هنا، الإخراج في الدوحة، والفريق التقني الذي ساعدنا بكل أمانة، الفريق التقني لتلفزيون المنار شكرًا لكم، شكرًا لكم مشاهدينا المحترمين على حسن المتابعة وإلى لقاء آخر -بإذن الله- في منطقة محررة أخرى.