رحيل الترابي.. فقد للثقافة والفكر والسياسة
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق

رحيل الترابي.. فقد للثقافة والفكر والسياسة

06/03/2016
ليس أنصاره ومريدوه هم وحدهم من سيفتقدونه بل الثقافة والفكر والسياسة كلها أصيبت برحيل الدكتور حسن الترابي نصف قرن أو يزيد من العمل وعرف خلالها عن الرجل شغفه بالمعرفة اطلاعا وإنتاجا وميله إلى التجديد والنسج على غير من نوال في الفقه والسياسة مغادرا قيود القوالب المألوفة حتى وصف برائد مدرسة التجديد الإسلامي شجاعة فكرية أثنى عليها البعض وجعلته في مصاف التقدميين خاصة في نظرته إلى المرأة ومساواتها بالرجل تجاوز في ذلك أحيانا حتى أحزاب اليسار والقوى الاجتماعية ناهيك عن جماعة الإخوان المسلمين التي انضم إليها أواخر الستينيات فقد أباحها زواج المرأة المسلمة من كتابي كما شهدت على جرأته تلك فتاوى كثيرة في الحجاب والميراث وإمامة المرأة وغيرها جلب عليه لذلك السخط والعداء إذ كفره بعض المتشددين لكن الرجل كان لا يبالي سلاحه علم غزير وعميق وتمكن من اللغات الأجنبية بيد أن ثقافته الموسوعية تلك لم تسجنه في صومعة المفكر ولا في علياء النخبة بل رمت به إلى أرض الواقع حد الغرق في تعقيداته وتفاصيله هنا أيضا لم تنقص الترابي الشجاعة ولا الجرأة جولاته الفكرية المثيرة للجدل قابلتها مغامرات سياسية مناكفا ومتحديا حينا وشريكا في الحكم حينا آخر تحالف مع العسكر وانقلب عليهم أيضا اختلف مع النميري فأدخل السجن مرات قبل أن يتصالح معه على أساس تطبيق الشريعة تبنى الديمقراطية لكنه أطاح بها أيضا فقد كان مهندسا ما عرف بثورة الإنقاذ التي جاءت بالجنرال عمر البشير إلى السلطة عام تسعة وثمانين قبل أن يتفارقا أيضا بعد ذلك بعشر سنوات ويتحول الترابي بحزبه الجديد المؤتمر الشعبي معارضا شرسا للنظام موقفه ومواقعه المتبدلة يبررها هو بالتوق إلى الإصلاح والتصحيح بينما يعدها خصومه تلون سياسيا وسعيا للسلطة والجاه والمصالح جرت عليه السياسة كذلك الويلات والسجون لكنه كان في كل مرة يخرج أقوى وأكثر تماسكا بمواقفه لم يخرج من عباءة الإخواني فحسب بل انفرط عقد التنظيم في السودان بدافع بحثه عن اطر أوسع من التنظيمات والأحزاب شكل الجبهات والمؤتمرات سعيا إلى رص الصفوف وجمع أكثر ما يمكن من القوى الوطنية والفكرية والإسلامية إيمانا منه بأن التعامل مع الغرب حضارة وثقافة وسياسة كل لا يتجزأ بالنسبة للترابي ذلك مشروع أمة إن هو كما يعتقد الالتزام الذي يوجب الجمع بين التنظير والتجريب وبين القول والفعل تلك هي جدلية الفكر والسياسة في حياة ترابي وها هي تتحول بوفاته إلى إرث سيظل مثار جدل مثلما كان في حياته