مقدم الحلقة:

خديجة بن قنة

ضيوف الحلقة:

بشير نافع: محاضر في التأريخ الحديث
د. صلاح نيازي: أستاذ الدراسات العليا-معهد أكسفورد
عمر بن قينة: جامعة قطر

تاريخ الحلقة:

27/12/1999

- هل توجد ديمقراطية في الوطن العربي؟
- كيفية رسم سياسات جديدة للدول العربية تتلاءم والقرن الجديد

- أزمة الديمقراطية، وحقوق الإنسان في الدول العربية

- أسباب سيطرة نظرية الحاكم الواحد في الوطن العربي

- هل التصادم ضروري بين الشعوب والأنظمة لتحقيق الديمقراطية؟

- آليات تفعيل ثقافة الديمقراطية لمواجهة قرن جديد

- مشاكل الوطن العربي بين الديمقراطية الزائفة وغياب المشاركة الشعبية

- أوجه الخلاف والاتفاق بين الديمقراطية والإسلام

- ضرورة تحديد معنى الديمقراطية وحقوق الإنسان

د. بشير نافع
صلاح نيازي
عمر بن قينة
خديجة بن قنة
خديجة بن قنة: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في جولة جديدة من برنامج (أكثر من رأي).

بضعة أيام ويبدأ قرنٌ جديد، وقد استعدت الأمم والشعوب لدخول الألفية الثالثة برسم سياسات تتلاءم مع المتغيرات والتحديات التي تواجهها، سواء كانت على الصعيد الداخلي أو الخارجي.

والعرب-كغيرهم من شعوب العالم الثالث-يدخلون القرن الجديد بإرث ثقيل من الهموم تتراوح بين مشاكل الفقر، والبطالة، والأمية، والتطرف، والإرهاب، ناهيك عن النزاعات الحدودية التي غالباً ما تستغلها القوى الخارجية للتدخل في شؤونهم الداخلية، وتوسيع شقة الخلاف فيما بينهم..

يجمع.. يُجمع قادة الفكر وأغلب المثقفين أن أخطر المشاكل التي يواجهها العرب -على الإطلاق- هي غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويرون في ذلك السبب الرئيسي للنكبات والمآسي التي حلت بالعرب خلال الخمسين سنة الماضية، ففي غياب الديمقراطية كُممت الأفواه، وانتُهكت كرامة الإنسان، وأصبح من يتربع على قمة السلطة حاكماً مطلقاً يُسير أمور البلاد والعباد كما يرى، بل ويقرر بمفرده قضايا الحرب والسلم لا يجرؤ أحد.. أحد على مناقشته، فكانت النتيجة سلسلة من الكوارث والنكبات انعكست آثارها على الأمة بكاملها.

لمناقشة أولويات العرب في القرن المقبل وسُبل الخروج من المأزق الذي يعيشونه، نستضيف اليوم في الأستوديو الدكتور عمر بن قينة (الأستاذ بجامعة قطر)، وعبر الأقمار الصناعية من استوديوهاتنا في لندن الكاتب والمؤرخ الدكتور صلاح نيازي، والكاتب الدكتور بشير نافع الأستاذ بجامعة لندن.

للمشاركة مشاهدينا يمكنكم الاتصال بالهواتف التالية:

88840 –41 –42 والفاكس رقم: 885999، ومفتاح قطر الدولي هو: 974، ولكننا نستهل بداية هذا اللقاء بالتقرير المصور التالي من معد البرنامج الزميل أحمد الشولي.

تقرير/ أحمد الشولي: منظر هؤلاء الفلاحين في صعيد مصر من المناظر المألوفة التي يمكن للمرء أن يشاهدها في المناطق الريفية في أي بلد عربي، فهؤلاء الملتصقون بالأرض يكدون طوال النهار، معتمدين على أساليب تقليدية في ري الأرض، وبذر الحبوب، وجني المحاصيل، بطرق لا تختلف كثيراً عن تلك التي كان يوظفها أباؤهم وأجدادهم منذ مئات السنين، وإذا كان الهم اليومي للبسطاء من الفلاحين والعمال هو تأمين لقمة العيش، والحد الأدنى من التعليم لأطفالهم، فإنهم ليسوا بعيدين عن الهموم التي تواجهها الأمة من تخلف وانقسامات وتآمر خارجي.

ولعل من أكثر المفردات تداولاً على ألسنة المثقفين في العالم العربي هي الحريات العامة، والمشاركة الجماهيرية، والمساواة، والتعددية الحزبية، وتداول السلطة، وغيرها من التعبيرات الديمقراطية، فقضيتا الديمقراطية وحقوق الإنسان ظلتا على مدار العقود الثلاثة الماضية تحتل قمة اهتمام وهموم المثقفين العرب.

ومع تعاظم الأخطار المحدقة بالأمة، وتزايد الإحباط نتيجة التدهور المستمر في النظام والعمل العربي المشترك، أصبحت قضية المشاركة الشعبية الفاعلة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، باعتبارها الضمان الأكيد في مواجهة التطرف بجميع أشكاله، وما يفرزه من عنف وإرهاب، والأهم من ذلك للحيلولة دون تفرد شخص واحد أو مجموعة من الأفراد بالسلطة بدون حسيب أو رقيب.

لقد أثبتت تجارب العرب في العصر الحديث أن احتكار قرارات الحرب والسلام بيد فرد واحد مهما كان عبقرياً أو ملهماً جر عليهم الكثير من المآسي والويلات فمعظم الصراعات المسلحة بين الدول العربية أو الحروب مع دول الجوار التي دمرت الأخضر واليابس لم تستشر بها الشعوب، وإنما كانت بقرار من فرد أو مجموعة من الأفراد.

غياب الديمقراطية لم يورث الإحباط والقنوط في الداخل فقط وإنما انعكس على الصراع مع إسرائيل، وكان سبباً في إحراج الأنظمة نفسها، فإسرائيل ما انفكت عن طرح نفسها في المحافل الدولية على أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وبالرغم من أنها كلمة حق يراد بها باطل، فقد صدقها العالم، وترسخ الاعتقاد بأنها واحة للديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، وقد بررت الأنظمة العربية إلغاء أو تعطيل الديمقراطية في الخمسينات والستينات بحجة أنه تدبير فرضته ضرورة التنمية، والتحولات الكبيرة، ومقتضيات مواجهة إسرائيل، فظهر شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، ولكن من المفارقات أنه بعد أنْ انتهت المعركة، وأصبح العدو شريكاً في السلام ظلت الديمقراطية والحريات العامة معلقة، واستمرت الأنظمة في اعتماد الأسلوب الأمني بدلاً من الحل السياسي والحوار مع الذين يخالفونها الرأي.

حسين عبد الرازق (حزب التجمع الوحدوي الوطني في مصر): المشكلة الحقيقية إن أغلب هذه الأنظمة هي أنظمة غير ديمقراطية أنظمة بوليسية لا تقبل الحوار حتى مع القوى السياسية التي لا تمارس العنف.

أحمد الشولي: ومجاراة لروح العصر أخذت النظم السياسية العربية خلال السنوات الأخيرة بأشكال متباينة من التعددية، والتنوع الإعلامي، والانتخابات البرلمانية والبلدية، ولكنها في الغالب ظلت تجارب قاصرة لا تلبي تطلعات المطالبين بمشاركة كاملة.

سميح القاسم (شاعر فلسطيني): هناك مؤسسات تقول إنها لا تقتل المواطنين في الشوارع، وهي لا تمنع المواطنين من الضحك، أو تنفس الهواء، وتعتبر ذلك ديمقراطية، ولذلك يجب قبل كل شيء أن نحدد معنى الديمقراطية ومعنى حقوق الإنسان.

أحمد الشولي: آخرون لا يرون الصورة قاتمة وسوداوية لهذه الدرجة.

عبد الرؤوف الروابدة (رئيس وزراء الأردن): الديمقراطية كائن حي يولد وينمو لا يُخلق كاملاً، ومن يطلب الشيء قبل أوانه يُعاقب بحرمانه، والمولود الأكبر من حجمه يموت، يا أمه، يا الاثنين سوا، هذه الديمقراطية كائن حي ينمو ويتطور على دفعات تمثل كل منها مرحلة من مراحل عمر مجلس النواب.

أحمد الشولي: مع الإقرار بأهمية المسألة الديمقراطية يعتقد البعض أنه في عصر التكتلات الاقتصادية فإنه لا سبيل أمام العرب سوى تعزيز التعاون الاقتصادي توطئةً لخلق تكتل عربي يؤهلهم لدخول عصر العولمة.

الشيخ حمد بن خليفة آل ثان (أمير قطر): طبعاً إحنا موقفنا في قطر موقفنا موقف واضح.. وهذا أعلنتها أنا في مجلس الشورى أكثر من مرة إن لابد من عقد قمة عربية تجمع شتات الأمة العربية، ثم إحنا داخلين هذا القرن، ولابد إنه نواجه معركة اقتصادية، طيب إحنا على هذا المستوى ومعركة القرن القادم هي معركة اقتصادية، فأعتقد إنه لابد أن نوحد حل لهذا الموضوع.

أحمد الشولي: ونفر آخر يرى أن التدهور العربي يتعدى مجرد قصور التجارب الديمقراطية في أجزاء من العالم العربي، ويرد هذه الحالة إلى تدهور ثقافي، اجتماعي، وسياسي يمكن وصفه بتدهور حضاري يشمل العرب جميعاً.

أحمد الربعي (كاتب ومفكر كويتي): هو موجود تفاوت بلا شك، ورغم أن العالم العربي ليس صورة مكررة من بعضه البعض، إلا أن الشكل العام لأوضاع الإنسان ولحقوق الإنسان واضح، أن هناك أزمة وكارثة حقيقية تتمثل بداية في العنف، والعنف العنيف جداً في الجزائر وتنتهي بغياب حرية الإنسان في الانتخاب، حريته في التقاضي أمام القضاء، التمييز ضد النساء واضح في العالم العربي، موجود في العالم العربي، أوضاع السجون، موضوع الاعتقالات.

أحمد الشولي: أياً كانت الأسلوب والمبررات فإن الأنماط الديمقراطية السائدة سواء في الأحزاب الحاكمة أو المعارضة لا تعبر عن ديمقراطية حقيقية، فهي إما تجسيد لواقع طائفي، أو قبلي، أو في أحسن الأحوال تنظيمات هامشية تدين بوجودها للحاكم نفسه، ففي كل ديمقراطيات العالم تُشكل الحكومة من حزب الأغلبية، أما في بلادنا فإن الحاكم هو الذي يُشكل حزب الأغلبية.

[فاصل إعلاني]

خديجة بن قنة: دكتور عمر، ونحن ندخل القرن الجديد يعني نتساءل: هل هناك فعلاً أزمة ديمقراطية في الوطن العربي، أم لدينا أولويات أهم؟

هل توجد ديمقراطية في الوطن العربي؟

د. عمر بن قينة: بسم الله الرحمن الرحيم، أولاً وقبل كل شيء أُحيي أمتنا العربية في كل مكان، وينبغي أن نقول إن أزمتنا هي أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، خصوصاً في هذا القرن الذي امتلأ بالمآسي، وامتلأ أيضاً بكثير من المشاكل التي أحبطت كل مشاريع التنمية التي كانت تتوق إليها أمتنا العربية، هي أزمة ديمقراطية في الأساس، وهذه الديمقراطية تقريباً أنها غُيبت تغييباً كاملاً لسوء الحظ بعد إحرازنا انتصارات على الاحتلال الأوروبي.

فللأسف الشديد نحن خضنا معاركنا منذ بداية القرن، ودخلنا هذا القرن بكل ثقة وأمل، وخضنا هذا الصراع مع الاحتلال الأوروبي من المحيط إلى الخليج، وكان هذا الصراع قائم على.. على أسس وقيم كانت تحرك هذه الجماهير، وكانت تحكم هذه المعايير البسيطة الديمقراطية يوماً بكل بساطتها، لكن بعد انتصاراتنا، سواء في المغرب العربي وفي المشرق العربي أجهت هذه الديمقراطية-لسوء الحظ، صادرها من؟ صادرها حُكامنا حين بات الحاكم هو الصوت الفرد، وغيبت إرادة الجماهير.

الجماهير العربية أعطت ثقتها وعلقت آمالها في حكامها التي نظرت الذين نظرت إليهم هذه الجماهير نظرة كنوع حتى دنت القداسة، حتى بات الحاكم لدينا في الوطن العربي أنه يمكن أن لا يسأل عما يفعل، أما هذه الجماهير فإنها هي وحدها التي قد تُسأل عما لم تفعل.

خديجة بن قنة: نعم، طيب، أنتقل إلى دكتور صلاح نيازي من لندن، يعني دكتور صلاح هل يمكن يعني لشعوب مازالت تبحث عن الخبز أن تسعى إلى البحث عن الديمقراطية، يعني أليس من.. هل الديمقراطية أولى أم الخبز في رأيك؟

د. صلاح نيازي: طبيعي الخبز أولى، ولكن يجب أن يؤكل بكرامة أيضاً، وكما قال المسيح: "لا يعيش الإنسان بالخبز وحده"، أود قبل ذلك –ست خديجة- أن أعلق على ما جاء في التقرير عن ديمقراطية إسرائيل، وأخذها كما يقال في الإنجليزية FOR OGRANTED أن هناك ديمقراطية حقيقية في إسرائيل، ودائماً ما نقارن الديمقراطيات العربية بديمقراطية إسرائيل.

أولاً: أنا أفهم الديمقراطية عملياً نتيجة معيشتي الطويلة بهذا البلد أنها الحفاظ على مصالح الأقليات، وهذا الطبيعي غير موجود في إسرائيل، أضيفي إلى ذلك أن في مدارس المتدينين المتطرفين يُدرسون في كيفية كره العرب وتاريخ العرب، وأذكر بهذه المناسبة أن جريدة "الديلي تلجراف" عندما شبت الحرب بين ألمانيا وبريطانيا وجهت إليها انتقادات كثيرة لأنها كانت تؤلب الشعب البريطاني ضد الشعب الألماني، هذه المدارس اليهودية المتطرفة تؤلب شعباً ضد شعب لذلك أنا لا أؤمن

–حقيقة- بديمقراطية ناقصة.

الشيء الآخر نعود إلى السؤال أن الديمقراطية وكثيراً ما تتردد على ألسنة السياسيين، وكل كلمة تتكرر تفقد معناها، الديمقراطية لا تعني التطاول على حقوق الآخرين، إنما هي مسؤولية الحفاظ على كرامة المقابل، يبدو لي أن ما نحتاجه بالبلاد العربية.. ولأكن أكثر تفاؤلا ليست الديمقراطية، أي أن الأولية ليست الديمقراطية، وإنما القانون والنظام، حينما أزور البلاد العربية -ونادراً ما أزور البلاد العربية وليست لدي خبرة بأنظمة البلاد العربية- أول ما يواجهني من المطار وإلى الفندق، ثم إلى الشارع هو انعدام النظام والقانون، فلو جئنا بأكبر شخصية ديمقراطية تحكم بلداً عربياً فإنه سيفشل.

خذي مثلاً سوار الذهب في السودان لقد ضرب مثلاً فريداً بالتنازل عن السلطة العسكرية، ولكن الديمقراطية فشلت فيما بعد، لو رجعنا إلى عام 58 وجاء عبد الكريم قاسم بوزارة تمثل معظم الأحزاب أو كل الأحزاب السياسية في العراق، لماذا فشلت؟ لأن النظام والقانون والجهاز الإداري كان متخلفاً.

الأولوية بالنسبة لي شخصياً على الأقل أو في الأقل هو النظام، والقانون، والجهاز الإداري.

خديجة بن قنة: شكراً، دكتور صلاح أشير فقط إلى أنك أشرت إلى أن إسرائيل.. إلى أنه في التقرير ورد أنه إسرائيل تعتبر ديمقراطية، لكن ورد بوضوح أنه كلمة حق أُريد بها باطل الديمقراطية الإسرائيلية.

أنتقل إلى الدكتور بشير نافع، دكتور بشير، يعني ما الذي ينقصنا كشعوب عربية لنكون شعوب ديمقراطية؟ يعني هل هناك مواصفات معينة يجب أن تتوفر لدى الشعوب العربية لتكون شعوب ديمقراطية؟

كيفية رسم سياسات جديدة للدول العربية تتلاءم والقرن الجديد

د. بشير نافع: أنا أظن أن المسألة أبعد من مسألة غياب الديمقراطية، ومن ما إذا كنا أهل لحياة ديمقراطية أو لا؟

هناك –بلا شك- خلل فادح في العلاقة بين المجتمع والدولة في بلادنا، ولكن هذا.. هذا الخلل ليس.. ليس سمة خاصة ببلادنا، هذا الخلل جاء نتيجة لعملية تحديث هائلة فُرضت على شعوب المنطقة، وعلى مجتمعات المنطقة منذ منتصف القرن التاسع عشر.

وبدون دخول في تفاصيل الجوانب العديدة لحركة التحديث فالمهم أن الناتج عن.. عن مشروع التحديث في المنطقة العربية، في منطقة المشرق الإسلامي كان تشظي في المجتمع وانقسام هائل في المجتمع، غياب الإجماع داخل المجتمع.

وكان فيه تغيير جوهري حدث في بنية الدولة، الدولة التقليدية في بلادنا دولة لم تكن تملك حق التقنين، لم تكن تسيطر على التعليم، لم تكن تسيطر على الثقافة، لم تكن تسيطر على السوق، لم تكن تسيطر على أنماط الاجتماع في البلاد، الذي حدث أن النخب الحاكمة في بلادنا منذ منتصف القرن التاسع عشر تبنوا نمط الدولة المركزية، في الوقت الذي تشظى فيه المجتمع كنتيجة لحركة التحديث، في الوقت الذي غاب فيه الإجماع عن قوى المجتمع، في نفس الوقت الدولة تغيرت بنيتها.

الدولة أصبحت تملك القانون، أصبحت تملك السوق، أصبحت تملك الإنتاج، أصبحت تملك الصناعة، أصبحت تسيطر على كافة جوانب الحياة الإنسانية، هذا في النهاية أدى إلى هذا الخلل الكبير بدون النظر إلى هذه المسألة الأصل، بدون النظر إلى التغيرات النوعية الهائلة التي حدثت في بلادنا في خلال مائة، والمائة وخمسين عاماً الأخيرة، بدون هذا لا يمكن إصلاح هذا الخلل الفادح في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وموضوع الديمقراطية أو الخطاب الديمقراطي يبقى.. يبقى خطاب وهمي بالحقيقة، النخبة (الإنترجينسيا) العربية تبنته بدون تأمل كبير، بدون نظر إلى التجربة التاريخية للمنطقة، وهو بشكل من الأشكال يحمل قدر كبير من الأوهام، يعني فيه هناك تجربة ديمقراطية في تركيا، فيه هناك تجربة ديمقراطية صغيرة قصيرة في الجزائر، فيه هناك تجربة ديمقراطية في فترة بين الحربين في مصر.

كل هذه التجارب في الحقيقة كانت الديمقراطية فيها إما سرعان ما أُجهضت، أو أنه النمط.. النمط الديمقراطي كان نمط زائف، وكان تم الاحتيال عليه بشكل أو بآخر كان من قِبل النُخب الحاكمة.

فالمسألة هي أبعد من مسألة الديمقراطية، فالخلل جوهري في العلاقة ما بين الدولة والمجتمع، وهذا هو –أظن- الذي ينبغي التنبه إليه.

[موجز الأنباء]

خديجة بن قنة: الآن دكتور عمر بن قينة، يعني هل نحن شعوب لا تصلح للديمقراطية؟ هل العيب في الشعوب العربية أم في الأنظمة التي تحكم هذه الشعوب؟

أزمة الديمقراطية، وحقوق الإنسان في الدول العربية

د. عمر بن قينة: أخت خديجة أرجو أن تسمحي لي-قبل كل شيء-بكلمة خفيفة حول ما باح به الأستاذ.. الأستاذ صلاح نيازي حين أشار إلى أن الخبز أولاً، لا أعتقد أن الخبز المعجون بالذلة والمهانة أمتنا العربية هي في غنى عنه تماماً، لكن الأستاذ صلاح نيازي أشار إلى نقطة مهمة فيما يتعلق بالمواطن العربي في وطنه العربي، المواطن العربي عبر تاريخه منذ فجر الإسلام كان انتماؤه في لسانه، في عقيدته، هذه هويته أنه مواطن عربي في العراق، في بغداد، وفي الرباط، انتقل من.. من الرباط إلى بغداد هويتي.. أنها في لساني، في عقيدتي، جاءت الأنظمة فدمرت هذه الهوية، وبنت أسواراً هي أسمتها "الحدود".

الأستاذ بشير نافع يشير إلى أن المجتمع تغير، ولكني أعتقد أنه تغير سلبياً، مجتمعنا العربي كان إبان عهود الاحتلال كان.. كان شعباً عنيداً، وبنى ديمقراطيته التقليدية من تلقاء نفسه، وبهذا استطاع أن يجلي كل جحافل الاحتلال أوروبي، الإنجليزي، الفرنسي، والإيطالي، ولفت نظري في كلام الأستاذ الكريم بشير نافع أن الدولة أصبحت تملك قوانين، وألح -يبدو لي- أصر على هذه الكلمة، وأعتقد أن فعلاً أن هذه شعوبنا العربية أو دولنا العربية سنت قوانين، ترسانات من القوانين وهي قوانين جميلة، وعذبة، ومغرية جنات في الدنيا، أي جدوى.. أي جدوى لقوانين من دون.. من دون فعل في حياة الناس؟

إذا سمحتي فقط أشير مجرد إشارة لنموذج من دساتيرنا العربية، عندي في إحدى الدساتير: "لا يمكن أن تكون الوظائف في مؤسسات الدولة مصدر.. مصدراً للثراء، ولا وسيلة لخدمة المصالح الخاصة هذه نقطة، وتلاحظين الآن: كيف حالنا في شعوبنا العربية؟

أننا حتى هؤلاء الديمقراطيون إنهم يهرعون للمسؤولية لخدمة مصالحهم، إنهم يهرعون للمسؤولية من أجل الثراء غير المشروع، "يعاقب القانون على التعسف في استعمال السلطة" نلاحظ في حياتنا العربية، عندي نموذج آخر من دساتيرنا العربية: "ظروف معيشة المواطنين الذين لم يبلغوا سن العمل، والذين لا يستطيعون القيام به، والذين عجزوا نهائياً مضمونة"، ونحن نراعي اليوم شباب أمتنا العربية كيف حاله؟ أي أن هناك ترسانات من القوانين في وطننا العربي ولكنها مغيبة، أما حكامنا يسنون القوانين في الصباح، ثم يبيدونها أي يدوسونها في المساء، والآن نأتي إلى السؤال..

خديجة بن قنة] مقاطعةً[: حول إن كنا شعوب تصلح للديمقراطية، لكن أود أن أنتقل إلى الدكتور بشير ليعلق ربما على ما قلت، أشار الدكتور عمر بن قينة إلى أنه تقريباً الشعوب العربية كلها مرت بفترات احتلال طويلة، يعني هي في الواقع الدول العربية دول فتية، يعني هل ليس من الظلم أن نحكم على هذه البلدان الآن في خلال هذه يعني المُدد الزمنية التي تعتبر قصيرة في حياة الشعوب بأنها دول غير ديمقراطية؟

د. بشير نافع: يا أخت خديجة أنا في الحقيقة يبدو أن الدكتور عمر يبدو إنه لا يسمعنا جيداً، أنا ما حاولت أن أقوله هو التالي: أن هناك حركة تحديث فُرضت على شعوب المنطقة فرضت على شعوب المنطقة من قِبل النخب الحاكمة سواء النخب العثمانية الحاكمة محمد علي، أو فيما بعد إدارات الاستعمار المباشر، حركة التحديث هذه المستمرة منذ منتصف القرن التاسع عشر أدت إلى انهيار وحدة مجتمعاتنا، إلى انهيار الإجماع، إلى إضعاف المؤسسات المدنية في مجتمعاتنا الحقيقة إلى تقويض المؤسسات المدنية في مجتمعاتنا، وإلى تقسيم هذه المجتمعات، فيما بعد المنطقة ككل قُسمت.. قُسمت سياسياً، وقُسمت جغرافياً.

هذا.. هذا التحول الذي رافقه أيضاً تحول في بنية الدولة نفسها، الدولة التقليدية في بلادنا دولة لم تكن تقنن، لم تكن تملك حق التقنين، الدولة التقليدية في بلادنا لم تكن تملك المؤسسة التعليمية، الدولة التقليدية في بلادنا لم تكن تستطيع التحكم في السوق، وفي أصحاب الحرف، وفي التجار.

الدولة الحديثة هذه الدولة المركزية-التي بدأ بروزها منذ منتصف القرن التاسع عشر-تملك كل هذا، هذه الدولة الآن تغولت، هذه الدولة الآن تقنن كما تريد، تتحكم في كل مؤسسات المجتمع، وفي كل مناشط الحياة، في الوقت الذي يوازيها مجتمع ضعيف، مجتمع ضاع إجماعه، ومجتمع دون مؤسساته المدنية، هذا هو أساس الإشكال في بلادنا.

المسألة ليست في نوعية البشر، ليست في نوعيتنا نحن، إما إذا كنا نحن لدينا قابلية للاستبداد بينما الإنسان الغربي ليس لديه قابلية للاستبداد، هذا.. هذا طبعاً هذا كلام عنصري، هذا كلام (الإنثروبولوجيا) الإمبريالية أكل عليه الدهر الآن وشرب.ولا أحد يتحدث فيه في العالم.. المسألة أنه..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: طب هذا.. هذا يقودنا-دكتور بشير-إلى التساؤل إن كان يعني الموروث الثقافي والاجتماعي العربي الذي أفرزته يعني من زمان مجتمعات البدو القبلية، والعشائرية، والمجتمعات الزراعية، هل تجعل من هذه المجتمعات العربية الآن يعني صعب أن تنشأ فيها الديمقراطية التي نتحدث عنها دكتور صلاح؟

د. بشير نافع [مستأنفاً]: يا أخت.. يا أخت خديجة المُجتمعات التقليدية في بلادنا مجتمعات..المجتمع فيها كان مستقل عن الدولة إلى حد كبير، مجتمع يتحكم، له سلطة ذاتية، مجتمع يتحكم في مؤسسات تعليمية، المؤسسات التعليمية يتحكم في السوق، يتحكم في الإنتاج، يتحكم في ثقافته، يتحكم في تشريعه، والدولة لا تتدخل في هذا.

المشكلة الرئيسية-أنا في نظري-هي عكس ما يقول القطاع الأكبر من المثقفين العرب، المشكلة الرئيسية -في نظري- هي التحديث، المشكلة الرئيسية ليست الموروث التقليدي، وإنما موروث حركة التحديث، موروث حركة التحديث هو الذي جاء بالاستبداد، هو الذي جاء بالدولة المتغولة، هو الذي أدى إلى تقويض مؤسسات المجتمع المدنية، هو الذي أدى إلى إضعاف المجتمع، وإلى انهيار الإجماع في بلادنا.

أنا أعطيك فقط يعني مثال صغير هناك -طبعاً- في الدول الغربية الديمقراطية في بريطانيا، في الولايات المتحدة الأميركية، في فرنسا –بالفعل- فيه هناك أكثريات وأقليات والأكثرية هي التي تحكم.

ولكن قبل مسألة الأكثرية والأقلية، يعني الأكثرية والأقلية تتداول في موضوع الضرائب، تتداول في موضوع بعض جوانب العملية التعليمية، لكن قبل هذا.. قبل هذا كله خلال عدة قرون من التاريخ الغربي حدث إعادة لبناء الإجماع في هذه المجتمعات، هذه الإعادة لبناء الإجماع في معظم الأحوال حدثت بالقوة، حدثت عبر حروب أهلية، عبر انقسامات داخلية، وعبر أنه في النهاية طرف حقق انتصار نهائي، وقاطع على الأطراف الأخرى..

خديجة بن قنة: طيب دكتور بشير.

د. بشير نافع: وراء الديمقراطية في الغرب هناك إجماع في المجتمعات الغربية، في بلادنا ليس هناك إجماع، غاب الإجماع في بلادنا منذ أكثر من مائة وخمسين عاماً.

خديجة بن قنة: طيب يعني في نفس السياق-ربما-النظرة التشاؤمية قليلاً، لكن هناك من يرى من المفكرين أنه يعني الديمقراطية يمكن أن تتحقق أو تنشئ في كل دول العالم إلا في دول العالم العربي، ما رأيك في ذلك؟ دكتور صلاح عفواً.

د. صلاح نيازي: إذا.. إذا سمحت، لقد تحققت بعض أوجه الديمقراطية في العصر العباسي، حينما انتقل الفكر العربي من.. أو الذهنية العربية من الشفاهية إلى التدوينية، أي أن التأريخ العربي لم يشهد إلا فترة واحدة هي تدوينية، ولا أعني بذلك القراءة والكتابة، وإنما العقلية التوثيقية والمسؤولية، وقد نتج هذا عن تطور الفقه الإسلامي في العصر العباسي، ومثال على ذلك كتابات عبد الله بن المقفع أو أبوحيان التوحيدي.. إلى آخره.

وظهرت لأول مرة في البصرة على زمن شمس الدين باسكين، وكان ملكاً على البصرة، وكل الولاة على المدن كانوا يسمون ملوكاً، لقد بنى مدرسةً للمذاهب الأربعة، هذه أول جامعة في التاريخ، ثم جاءت بعد ذلك مدرسة "المستنصرية" التي تعتبر غَلطاً هي الجامعة الأولى إذن طبقت الديمقراطية في فترات قليلة.

ولكن -على العموم يا ست بهجة- أتصور أن التاريخ العربي لم يشهد حقيقًة الديمقراطية في كل تاريخه، الآن لدينا مجتمع مُحدث -كما قال الدكتور- ولكنه مجتمع مختلف عما سبق، أولاً ظهور الطبقة المتوسطة التي لم تكن موجودة فيما قبل.. فيما سبق، ثم وجود المدارس، والتعليم، وطلاب الجامعات جعل المجتمع حقيقًة جديدة.. جديداً على الحكام وعلى المنظرين السياسيين إلى حد ما.

أود أن أذكر أن الديمقراطية لا تُبنى بين عشية وضُحاها، لقد ابتدأ البرلمان البريطاني-كما تعرفين في القرن الثالث عشر، وهو نتج عن مجلس شورى الملوك (الأنجلوساكسون) بالبداية، ومن المجلس الاستشاري للملوك (النورمانديين) لمدة سبعة قرون، هذا البرلمان يتطور، ويتطور، ويتطور إلى أن وصل لهذه الدرجة من الديمقراطية.

من ناحية أخرى أود أن أذكر المشاهدين أن الأدب العربي، ولاسيما الشعر يخلق الشخصية الديكتاتورية بمعنى أن النابغة الذبياني حينما يقول:

كأنك شمٌس والملوك كواكٌب إذا ظهرت لم يبد منهن كوكب

هذا الشعر..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: دكتور صلاح هذا سيقودنا إلى الحديث عن مشكلة ثقافة الديمقراطية..

[فاصل إعلاني]

خديجة بن قنة: الدكتور عمر بن قينة، يعني المجتمعات العربية يعني مجتمعات لم تنشأ على ثقافة الديمقراطية لأن الديمقراطية في النهاية ليست مجرد صيغة حكم، وإنما هي ثقافة تنشأ عليها المجتمعات وتتربى إلى أن تترسخ في أذهانها، كيف يمكن برأيك -دكتور- إخصاب التربة لإنماء ثقافة الديمقراطية في المجتمعات العربية، يعني حتى لا تصبح فقط مجرد ثقافة نفي وإقصاء وتسلط؟

د. عمر بن قينة: هي الحرية، هي الحرية أولاً وأخيراً، وحين يشعر للمواطن العربي أنه حٌر في تفكيره، حٌر في عمله، وأنه ذو مسؤولية، يمكن حينئذ أن نقول إن الديمقراطية في الطريق إلى أُمتنا العربية، وفي تاريخنا العربي منذ العصر الإسلامي الأول منذ البعثة المحمدية فيه مؤشرات لذلك أن شعوبنا العربية منذئذ هي شعوب مهيئة ثقافياً لإخصاب هذه الديمقراطية –بتعبيرك الجيد-لكن فقط عندما حدثت الكارثة في تاريخنا العربي، واستولى الطلقاء القدماء على السلطة في العهد الأموي.. الأموي صودرت هذه الديمقراطية، لنا تاريخنا الديمقراطي في هذه المرحلة، واحتجنا تقريباً إلى أن يحتلنا الغرب، ويصدر لنا نظرياته بعد الاستقلال الأميركي، بعد الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر.

وتأتي.. يأتي عصر الاحتلال الأوروبي للعالم العربي في القرن التاسع عشر، بدأنا نصارع هذا الاحتلال، ونتعلم الديمقراطية من هذه المصارحة، وفي ثوراتنا نتعلم الديمقراطية بدأنا نتعلمها، وأعتقد أن كل الثورات العربية كان فيها هذه الروح الديمقراطية، الثورة المصرية، والثورة العراقية، والثورة الجزائرية، ثم الثورات العربية، ثورة العروبة والإسلام جسدت الديمقراطية في الميدان ميدان الثورة المسلح، فكان القرار قرار ديمقراطي.

لكن بعد الاستقلال.. بعد الاستقلال أجهض كل شيء.. وأجهض كل شيء على أساس أن حتى المواثيق... مواثيق الثورة الجزائرية بيان أول نوفمبر، مؤتمر.. ميثاق الصومال، ميثاق طرابلس، دستور 63، 76، 89..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: لكن كل هذه لم تستثمر فيما بعد؟ نعم.

د. عمر بن قينة [مستأنفاً]: بل تم تحييدها تماماً، هناك فرق كبير بين.. بين هذه.. حتى دساتيرنا مستمدة من مواثيقنا الثورية الوطنية، ولكن المشكلة أننا...

خديجة بن قنة [مقاطعاً]: طيب، دكتور اسمح لنا أن نبدأ الآن بأخذ المكالمات الهاتفية معنا على الهاتف مبارك العنزي من السعودية أخ مبارك، أهلاً بك تفضل.

مبارك العنزي: السلام عليكم، السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام، نعم، نعم نحن نسمعك.

مبارك العنزي: تتكلمون عن الديمقراطية في كل العالم العربي، ما عدا في الجزيرة العربية إحنا عندنا نحتاج إلى الديمقراطية، لكن عندنا الحمد لله ملك عزيز وأسرة مالكة كريمة دائماً نتذكره وإخوانه بالآية الكريمة التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم (الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد) وشكراً لكم، صدق الله العظيم.

أسباب سيطرة نظرية الحاكم الواحد في الوطن العربي

خديجة بن قنة: شكراً لمبارك العنزي، يقودنا هذا إلى نفس يعني السؤال، يقول فاكس من السيد جلال العكري من لندن، كيف يمكن أن ندخل القرن المقبل؟ وكيف يمكن أن تتحدثوا الآن عن الديمقراطية ورؤساؤنا مازالوا ينتخبون بنسب 99.99، دكتور بشير هل ترى في ذلك إفراطاً في التشاؤم؟

د. بشير نافع: أنا في الحقيقة الموضوع هنا ليس موضوع تفاؤل أو تشاؤم، الموضوع هو محاولة الوصول إلى تشخيص صائب للوضع الذي تمر به المنطقة العربية، والمجموعات العربية، أنا أولاً لا أوافق على أن هناك موروث ثقافي في المنطقة جعل هناك الاستعداد للاستبداد، ولقبول الاستبداد من الشعوب، هذا ليس صحيحاً، ونحن لم نفق على الحرية والديمقراطية بوصول القوات الأجنبية إلى المنطقة، ووصول الإدارات الاستعمارية إلى المنطقة.

العكس هو الصحيح، الذي حدث في تاريخنا أن المجتمعات العربية الإسلامية نجحت في تحجيم دور الدولة نجحت في تحجيم دور الدولة لأكثر من حوالي ثلاثمائة أو أربعمائة ألف وثلاث مائة وألف وأربعمائة عام الذي حدث أن الإدارات الاستعمارية والنُخب التحديثية الداخلية سوية هم الذين زرعوا حالة الاستبداد في المنطقة، وليس...

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: ولكن دكتور بشير كيف تفسر إنه.. نعم، يعني العقل العربي يعني يتهم دائماً بأنه عقل يعني قمعي، تسلطي، أحادي الرؤية، يعني لا يقبل بالآخر، يريد دائماً إلغاء الأخر، حتى هناك دراسات نفسية ودراسات اجتماعية في المجتمعات العربية يعني تؤكد إنه يعني النسيج الثقافي والاجتماعي العربي مبني على التسلط، وعلى الاستبدادية، وعلى أُحادية الرأي؟

د. بشير نافع [مستأنفاً]: لا الدولة.. الدولة العربية مبنية على التسلط والاستبداد وليس النسيج الاجتماعي العربي الذي حتى بداية القرن التاسع عشر المجتمعات العربية كانت تعيش أوضاعاً صحية إلى درجة كبيرة جداً، مجتمعات كانت لها تحكم كامل في.. في حياتها بمعزل عن الدولة، مجتمعات كانت تدير شؤونها التعليمية، تدير شؤونها الثقافية، تدير شؤونها الاقتصادية بمعزل عن الدولة. التحديث والإمبريالية هما الذين.. اللذين عملا على تقويض هذا الوضع وعلى إنشاء دولة الاستبداد، هذه الظاهرة حديثة في بلادنا وليست ظاهرة تاريخية تقليدية.

ومن الخطأ.. من الخطأ إلى درجة كبيرة جداً أن نتصور أن هناك موروث ثقافي جعل هناك استعداد في هذه المنطقة لتقُبل أنماط الاستبداد وتقبل قمع الدولة، خلي بل أقول -دقيقة واحدة فقط- المسألة الآن أنا أظن أنه إما أن تترك المجتمعات العربية لتعيش سلسلة من انفجارات العنف كما حدث في التاريخ الأوروبي، يعني.. يعني الاتفاق على.. على هوية الدولة، وعلى هوية المجتمع، والاتفاق على النمط الديمقراطي في الحياة السياسية في الغرب، مر هذا بعدة قرون، خلال عدة القرون هذه كان هناك حروب أهلية، وكان فيه هناك عنف هائل داخل المجتمعات، وكان فيه هناك حروب أوروبية هائلة أيضاً.

إما أن نمر بنفس هذا.. يعني إما أن تترك المنطقة لأن تمر بحالة مثل حالة الجزائر، ومثل حالة الانفجار المتكرر في داخل تركيا، وحالات من الحروب الأهلية، ومن انهيار النظام، ومن.. ومن الصراعات الداخلية، حتى تصل إلى إعادة بناء إجماعها من جديد، أو أن يحدث شيء من التوافق الداخلي خول الهوية، وحول المشروعية لهذا النظام العام..

هل التصادم ضروري بين الشعوب والأنظمة لتحقيق الديمقراطية؟

خديجة بن قنة [مقاطعاً]: طيب دكتور.. دكتور بشير هذا.. هذه النقطة تقودنا تحديداً إلى التساؤل عن ضرورة التصادم، هل التصادم ضروري بين الشعوب والأنظمة لتحقيق الديمقراطية دكتور عمر؟

د. عمر بن قينة: هنا.. أنا لا أعتقد أنه ضروري، لو أن هذه الأنظمة لم تصادر الإرادة الشعبية لا أعتقد أن هذا التصادم كان ضرورياً، إنما الشعوب تضطر إلى هذا التصادم بفعل الممارسات الخاطئة للأنظمة، الأنظمة أيضاً حتى الأنظمة.. الأنظمة العربية تختلف من وطن عربي إلى آخر، أو من قطر عربي إلى آخر في تعاملها مع الأنظمة حسب المستوى القمعي في هذه الأنظمة، فأعتقد أن أساس التصادم آت من السلوكات..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: الأنظمة هي التي تدفع..

د. عمر بن قينة [مستأنفاً]: هي التي فرضت.. اسمح لي أخت عائشة..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: ربما الأمثلة كثيرة في الوطن العربي كثير من الـ..

د. عمر بن قينة [مستأنفاً]: نعم، رئيس الجمهورية.. رئيس الجمهورية باح بهذا الحقيقة أن الذين.. أن الذي يأخذ السلاح وينطلق إلى الجبل..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: هذا رئيس الجمهورية في الجزائر...

د. عمر بن قينة [مستأنفاً]: نعم رئيس الجمهورية قال هذا، رئيس الجمهورية والذي أتى مزوداً بالإرادة، والأمل فوجد نفسه أمام إرث رهيب فقال إن الذي وصل للسلطة قال عن نفسه حين وصلت وجدت أن للمرء إما أن يفقد عقله، وإما أن يطلع للجبل ما معنى هاذ؟! معنى ذلك أن هناك مؤامرة خطيرة جداً تجعل هذه المواجهة باتت الشعوب..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: أنت الآن تحكي يعني تتحدث عن تجربة الجزائر..

د. عمر بن قينة [مستأنفاً]: طبعاً.

آليات تفعيل ثقافة الديمقراطية لمواجهة قرن جديد

خديجة بن قنة: ننتقل إلى أخذ المكالمات الهاتفية معنا من الدنمارك، علي الصلحاني، أستاذ علي تفضل.

علي الصلحاني: مساء الخير.

خديجة بن قنة: مساء النور.

علي الصلحاني: تحياتي إلى الجميع.

خديجة بن قنة: أهلاً وسهلاً.

علي الصلحاني: يعني إحنا بالفعل مصيبتنا مش مع أنظمتنا لوحدها يعني، مصيبتنا أصبحت مع مثقفينا اللي دائماً بيجدوا الحجج والأمور التي تبرئ هذه الأنظمة الموجودة الآن، نحن بالفعل بدأ العد العكسي لدخول الألفية الثالثة، ويبدو أن العرب سيدخلون القرن القادم مع عفشهم القديم، والذي لا يتلاءم مع متطلبات العصر القادم، والأنظمة العربية جميعاً وبدون استثناء هي أنظمة متخلفة تقوم على القمع، والفساد، ونهب ثروات شعوبهم.

أنا لا أفهم كيف سندخل القرن القادم بهكذا حكام، يقبعون على صدور شعوبهم، ونظامهم يقوم أجهزة الأمن، وخاصة جهاز أمن الدولة الذي يتحمل القسط الأكبر من العمل لأن همهم هو كيفية قمع شعوبهم، ومنعهم من التفكير والتطور والحداثة.

أنا لا أفهم كيف سندخل القرن القادم بحكام عرب أكثرهم لا يحمل حتى الشهادة الإعدادية وفاقد الشيء لا يعطيه؟

وحكام آخرون يدخلون انتخابات الرئاسة في استفتاء يحصلون على أصوات تفوق عدد السكان أحياء أو أموات، ومرشح آخر يتسابق مع نفسه في مناخ احتفالي واسع للإشادة بمنجزاته العظيمة، رغم تفشي الفقر، والبطالة، وانتشار التسول، وتشغيل الأطفال..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: وصلت الفكرة، وهذا طبعاً ما نشاهده يومياً على شاشات التليفزيون من احتكار الصورة دائماً للرؤساء والمسؤولين، أنتقل إلى السيد محمود سحبان من أبو ظبي سيد محمود.

محمود سحبان: مساء الخير

خديجة بن قنة: أهلاً.

محمود سحبان: أولاً: أود القول أنه لو لم يكن في عالمنا العربي ديمقراطية لما كُنا نشاهد قناتكم الموقرة وضيوفكم الأفاضل في هذه اللحظات، ثانياً: أرجو عدم المقاطعة..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: باختصار، لو سمحت سيد محمود.

محمود سحبان: أنا طبعاً -بمنتهى الاختصار- رداً على الأخ صلاح في لندن بأن ما يُدرس في إسرائيل نحو كره العرب أقول له هم لا يدرسون لأبنائهم كره العرب فقط، بل هم يكرهون حتى أبناء بلدتهم المغلوب على أمرهم، وهذا طبيعي بالنسبة لهم، فمنذ الأزل هم يكرهون كل الشعوب وكل الديانات ورب الديانات بما فيها ديانتهم.

ثالثاً: من قال لكم سادتي بأن الشعوب العربية لا تنعم بالديمقراطية فمنذ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم -للتذكير فقط- وهو الديمقراطي الأول منذ

"بيعة العقبة" وحتى يومنا هذا، فكل شعوب الجزيرة العربية تنعم بالرخاء والازدهار، ولا يمكن لشعب أن ينعم بالرخاء وهو مستعبد أو مستعمر فهذه النظرية لا تتطابق على الإطلاق..

خديجة بن قنة [مقاطعاً]: طيب شكراً.. شكراً محمود سحبان من أبو ظبي، الدكتور صلاح استمعت إلى محمود سحبان عما تتحدثون؟الشعوب العربية تنعم بالديمقراطية والحمد لله، رأيك؟

مشاكل الوطن العربي بين الديمقراطية الزائفة وغياب المشاركة الشعبية

د. صلاح نيازي: والله هو رأي متطرف بلا شك، والجواب عن هذا التطرف لابد أن يكون بتطرف آخر، قد يقول أحدهم أن الشعوب العربية-كما سمعنا الأخ علي يقول-إن الشعوب العربية متخلفة، ولا تنعم بأي نوع من الديمقراطية، في الواقع أن الخلفاء العباسيين بشكل خاص لم يكونوا ديمقراطيين، مثلاً (أبو العباس) في أول خطبة له في الكوفة سمى نفسه السفاح، ثم جاء الخلفاء، وتقاتلوا فيما بينهم بعيداً عن الشعوب، وهناك أيضاً فتن وثورات طائفية موجودة، المشكلة أن شخصية الحاكم أو الخليفة كيف تتطور إلى ديكتاتور؟

في البلدان الغربية الفلاسفة، وعلماء النفس، والكُتاب، والمثقفون دائماً يرصدون الشخصية حتى لا تصبح ديكتاتورية، سواءً باستمرار الحكم أي مواصلة الحاكم للحكم أكثر من مدة معينة فيصبح ديكتاتوراً، أو بالثقافة الموجودة ومثلاً الشعراء الذين يمدحون هؤلاء الحكام فيجعلونهم فوق.. أُناساً خارقين فوق طاقة البشر.

هذا يُكون الديكتاتورية عند الحُكام، بودي لو أرى بعض المؤلفات عن الديكتاتورية وتطورها ليس فقط في العالم العربي، وإنما في العالم، وإذا لم يوجد مثل هؤلاء الكُتاب الذين يتبرعون للكتابة عن هذا الموضوع، فمن الأفضل ترجمة بعض المؤلفات المهمة في الأدب الياباني، والأوروبي، والأميركي إلى اللغة العربية، يجب أن نفهم كيف تتكون شخصية الديكتاتور في العالم العربي.

خديجة بن قنة: نأخذ مكالمة من السعودية حسين عبد المؤمن، تفضل.

حسين عبد المؤمن: مساء الخير ست خديجة.

خديجة بن قنة: مساء النور.

حسين عبد المؤمن: مساء الخير عليكِ، وعلى كل الموجودين معاكي، وعلى (الجزيرة)، وعلى مستمعين (الجزيرة) في كل أنحاء العالم..

خديجة بن قنة: شكراً.

حسين عبد المؤمن: يا أخت خديجة يعني تصوري أولاً أنا من القاعدة العُمالية لا من قاعدة الدكاترة، ولا المثقفين، ولا المتعلمين كمان يعني، لكن متعلمين الحِرف الصنايعية، والعمال في الدول العربية.

تحقق الديمقراطية في الدول العربية -يا أخت خديجة- والدول الإسلامية هي في الاقتصاد الدول العربية إذا اتحدت الدول العربية في الاقتصاد، وعملت مصانع، حتى ولو في السعودية، ولو في الكويت، ولو في الإمارات، ولو في مصر، ولمت الخبراء المصريين، والخبراء السوريين، والخبراء اللي في الدول العربية كلها، والسعوديين، والكويتيين اللي في كل الدول العربية، وعملوا مصانع ومولتها الحكومات في الدول العربية، ومولتها أغنياء الدول العربية، وأمراء الدول العربية، وكل اللي معاهم فلوس في الدول العربية وبيستثمروا بره في الخارج ويستثمروا أموالهم.. جوه داخل الدول العربية.

خديجة بن قنة: شكراً سيد حسين عبد المؤمن من السعودية، لقد أشرت إلى نقطة مهمة، وهي علاقة الديمقراطية بالاقتصاد، دكتور بشير يعني لو نلاحظ يعني في العالم تقريباً كله كل الديمقراطيات، أو كل انفتاح ديمقراطي اقتصادي –عفواً- يصاحبه بالتوازي انفتاح ديمقراطي، إلا في العالم العربي نلاحظ أنه هناك انفتاح اقتصادي.. هناك انتقال نحو اقتصاد السوق، نحو ليبرالية اقتصادية، لكن لا يصاحبها انفتاح ديمقراطي ما تفسيرك لهذه المفارقة في رأيك؟

د. بشير نافع: هو في المنطقة العربية يصعب الحديث على أن هناك ارتباط بين البنى الاقتصادية والبنى السياسية في هذه.. هذه الدولة في المنطقة العربية، هذه الدولة متغولة، هذه الدولة مستبدة، هذه دولة ليس لديها استعداد لأن تقدم أي نوع من التنازلات للمجتمع ولجوءها إلى الليبرالية الاقتصادية هو جزء من المناخ العالمي، يعني جزء من ارتباطها بالمناخ العالمي ليس أقل ولا أكثر.

إنما فيه هناك في النقاش-أنا أظن فيه هناك-نقطة غائبة، وهي دور الخارج باستمرار أنه في المنطقة العربية فيه هناك دور مهم جداً للخارج، فيه هناك دور مهم جداً للقوى الدولية، للقوى الكبرى في التوازنات الداخلية داخل كل دولة عربية.

هذا الأمر بدأ منذ عصر الاستعمار، ثم تواصل بعد رحيل القوات الأجنبية، يعني بدون الدخول في تفاصيل كبيرة حول التجربة الجزائرية لا يمكن القول أن فشل حركة الإصلاح السياسي في الجزائر التي بدأت منذ مطلع التسعينات كان فقط نتيجة لأن هناك طرف داخلي وحده مستقل عن الخارج انتصر على طرف آخر..

لا، في الحقيقة القوى الخارجية كان لها دور كبير جداً في إخلال التوازن بين المجتمع وبين المجموعة الانقلابية في الجزائر، ومازال للخارج هناك دور يعني عندما.. عندما في الجزائر مثلاً، في دول عربية أخرى، في تركيا عندما تُفتح أبواب البنوك الأجنبية لإعطاء القروض الهائلة للحكومات المستبدة، وللأنظمة القمعية، عندما تقدم.. تقدم حالة من الشرعية السياسية، من الدعم السياسي في المحافل الدولية للأنظمة القمعية، هذا كله تدخل.. وهذا كله تدخل من القوى الخارجية في التوازنات الداخلية في بلادنا، وإصلاح الأحوال في بلادنا يستدعي.. يستدعي قطع يد الخارج من التدخل في الشأن الداخلي.

أوجه الخلاف والاتفاق بين الديمقراطية والإسلام

خديجة بن قنة: طب ننتقل إلى بسام الجوهري مكالمة هاتفية من بسام الجوهري من أميركا، بسام.

بسام الجوهري: آلو، سلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام.

بسام الجوهري: بس عندي سؤال كيف.. كيف استطاع رجل واحد-الرسول عليه الصلاة والسلام-أن يقف في وجه العقائد الفاسدة، والقيم الساقطة والأنظمة الظالمة، والحقوق المهضومة، رسولنا محمد -عليه الصلاة والسلام- لم يناد بالديمقراطية، ولا بالشيوعية، ولا بغيرها، ولم يتمسكن ليتمكن بل أُمِرَ أن يقول لهم: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابٌد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين).

وعلى أي حال بإن هذا المنهج غير عملي ولا واقعي، ولا توافقه.. فطرة البشر وجميع الهجمات الوحشية من قِبلهم، من قبل الصهاينة التي شنت عليه لأكثر من ألف عام دليل على عدم إدراك الخونة من طبيعة هذا الدين، ولحقيقته التاريخية لأي منهج أخر كالديمقراطية والشيوعية بالانهيار فيما لا يزيد على قرن واحد، وهذا الفارق الأساسي بين منهج الله ومناهج العبيد، وكان للصهاينة من وراء ذلك غرض خبيث هو إشاعة اليأس، وتخذيل الجهود التي تبذل لرد البشرية إلى هذا المنهج القويم، ووجدوا في الفتنة التي بدأت بقتل عثمان -رضي الله عنه-ملاذاً لهم، وعلى الرغم من جميع الانتصارات العلمية في أميركا وأوروبا وروسيا، ولكن ما أثر هذا كل في حياتنا.. في حياتهم، هل وجدت السلام؟ هل وجدت الطمأنينة والعنف الذي يتفشى في جميع بلادها؟

خديجة بن قنة [مقاطعة]: أستاذ بسام أنت.. أنت تشير إلى نقطة مهمة وهي علاقة الإسلام بالديمقراطية، الدين بالديمقراطية يعني لدينا أيضاً فاكس في نفس سياق هذا المحور من الدكتور محمد نور يقول إن بعض الأنظمة تحارب الديمقراطية، وتسخر منها بدعوى أنها تتناقض مع الإسلام، فهل الاختباء خلف نصوص الإسلام يبرر شريعة الغاب والسيف دكتور عمر؟

د. عمر بن قينة: نعم، هي الوطني، الموضوع ذو شقين، أن هناك المتمسحون بالإسلام الذين أساءوا للإسلام، واعتقدوا أن الإسلام هو مناهض للديمقراطية، بل أعلنوها بسقوط الديمقراطية، وهناك تيار آخر الذي نسميه تيار لائكياً وتيار (…) كما في مصطلح إخواننا في الشرق العربي-علمانياً هو الذي يرى أن الإسلام هو خطر على الديمقراطية، ويرى حتى أن الأذان يُرفع في التلفاز أنه خطر على الديمقراطية.

وأعتقد أن الإسلام كرس القيم الديمقراطية حرية الإنسان، كرامة الإنسان، وأيضاً أعطى الكلمة للشعوب من أجل تقييم الحاكم، وأيضاً قيد.. قيد الحاكم في فعله وقوله، وجعل الحاكم حقيقة إماماً يحكم بين الناس بالعدل.

قال له تبارك وتعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، (فاحكم بينهم بما أنزل الله)، (وأمرهم شورى بينهم)، (وشاورهم في الأمر) وشاورهم هنا نصاً في ظله أمر.. أمر أي رباني، (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)، (إن الله يأمر بالعدل والإحسان).

والأحاديث النبوية "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده إلى آخره.. "، "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". سيم الخلفاء الراشدين أبي بكر –رضي الله عنه-: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".

هنا إرادة الشعوب عليها أن تقمع حكامها المستبدين، عمر بن الخطاب: "أيها الناس من رأى فيَّ اعوجاجاً فليقومه فقال أحدهم: لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا"، فقال عمر: "الحمد لله أن في أمتي من قال هذا".

خديجة بن قنة: نعم، أنتقل إلى دكتور صلاح في لندن، دكتور صلاح يعني غالباً ما تُصور الحركات الإسلامية على أنها العدو الأول والأخير والأساسي للديمقراطية، ويعني حتى لو وصلوا يعني الإسلاميين إلى السلطة في نظر البعض فإن أول عمل لهم بالنسبة لـ.. يعني بعد وصولهم إلى السلطة هو إلغاء الديمقراطية، ما رأيك في هذا القول؟

د. صلاح نيازي: بودي أن أرجع إلى السيد بسام من أميركا الذي قال لم توجد في زمن النبي محمد ديمقراطية أو لا توجد البرلمان، ولكن حلت المشاكل في ذلك الوقت، هذا ما فهمته منه..

أولاً: أن الديمقراطية كانت تسمى في السابق العدالة الاجتماعية، وكانت موجودة كما ذكر الدكتور عمر بعض الأمثلة الحنيفة حقيقة.

أما بالنسبة للبرلمان فكان هناك مجلس للشورى هذا معروف، لكن لم يكن الوضع سليماً 100%، وإلا لماذا قامت الحروب..حروب الردة؟

المشكلة بالنسبة للأحزاب السياسية الدينية ليست هي مشكلة في الدين، وإنما مشكلة التفسير السياسي للدين، فمثلاً في العصر العباسي قامت هناك حركات آمن بها بعض الخلفاء هو خلق القرآن، كان كل أحد لا يؤمن بخلق القرآن إما يقتل، أو يسجن، أو يذبح، أو يُنفى من البلد، لدرجة أن –اسمحي لي أن أذكر هذه الحادثة التاريخية-أنه في زمن الواثق قرر البيزنطيون تبادل الأسرى مع المسلمين فبنوا جسرين أحدهما للمسلمين والثاني لهم، فحينما تبادلوا الأسرى كان ولاة الواثق يسألون كل عائد مسلم: هل تؤمن بخلق القرآن؟ فإذا لم يؤمن يُرجع إلى الروم، هذا التطرف الديني لا يستفيد منه بعض المتطرفين في الوقت الحاضر.

الحقيقة إن التفسيرات الكثيرة-وإن أجمعت على الأصول للقرآن الكريم-تجعل الآراء مجرد اجتهادات، وليست اختلافات، بودي أن المتطرفين المتدينين لا يعطون لأنفسهم سلطة القانون والدستور في البلد بحيث يكفرون الآخرين حتى على شاشات التليفزيون، ويحرضون الآخرين تقريباً على قتلهم مما يحرمه القانون المدني، لو كان هذا الرجل الذي يُحرض على القتل في التليفزيون البريطاني لقُدم إلى المحاكمة..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: عفواً على المقاطعة، نأخذ مكالمة من الدنمارك، من منذر عبد الله، منذر تفضل.

منذر عبد الله: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام ورحمة الله.

ضرورة تحديد معنى الديمقراطية وحقوق الإنسان

منذر عبد الله: حقيقة.. يعني حقيقة إن إشكالية الديمقراطية والموقف منها يحتاج إلى يعني بحث وتفصيل، إلا أن المقام هنا لا يتسع، وأنا كنت أتمنى من الإخوة المشاركين أن يقفوا على مفهوم واقع الديمقراطية أي تحديد معنى المصطلح تحديد واقعه، قبل تحديد الموقف منه.

يعني أولاً نحن نحتاج إلى تحديد واقع، ومعنى، ودلالة هذا المصطلح، ثم بعد ذلك نحدد من نحن؟ هل نحن مسلمون أم غير مسلمون؟ يعني ما هي الخلفية والقاعدة التي نحكم أو يصدر حكمنا بناءً عليها، ثم نستطيع ببساطة أن نتوصل إلى تحديد الموقف من الديمقراطية، الديمقراطية، باختصار هي نظام حكم يقوم على عقيدة، وهذه العقيدة التي وُجدت في أوروبا بعد صراع هي عقيدة فصل الدين عن الحياة فالديمقراطية وصفها بوصفها نظام سياسي، نظام حٌكم، تقوم على أساس أن السيادة للشعب، الشعب هو الذي يختار نظام حياته بنفسه، الشعب هو الذي يُشرِع، هو الذي يُحلِل ويُحرِم، والتحليل والتحريم والسيادة في الإسلام من منطلق أننا مسلمين لله وحده (إن الحكم إلا لله) بل إن العقيدة الإسلامية تقوم على أنه لا معبود إلا الله، فلا إله إلا الله بينما الديمقراطية تقول بأنه لا إله إلا الشعب. الأمر الثاني..

خديجة بن قنة [مقاطعاً]: سيد منذر، نعم، الفكرة واضحة جداً، دكتور بشير يعني أي نمط من الديمقراطية يصلح لنا؟ النمط الغربي، ديمقراطية شورية على الطريقة الإسلامية، وإن لم يكن هناك نموذج إسلامي لديمقراطية في الدول الإسلامية، كيف ترى هذه المسألة؟

د. بشير نافع: طبعاً موضوع الإسلام والديمقراطية موضوع بالغ التعقيد، ولا أظن يمكن أنه نصل إلى حل في خلال الدقائق العشر التالية، ولكن فيه هناك مجموعة ملاحظات عامة يمكن أن تقال بهذا الشأن:

أولاً: ليس هناك في التجربة التاريخية الإسلامية تجربة ديمقراطية لأن موضوع.. موضوع الديمقراطية كله موضوع حديث يعني هذا.. هذا الموضوع برز في الفكر السياسي في أوروبا الغربية بشكل أساسي في خلال 200-300 سنة الأخيرة، فهذه المسألة مسألة جديدة.

المسألة الأخرى: أنه يعني ليس هناك أحد يسوغ العنف في داخل المجتمعات العربية الإسلامية بأي شكل من الأشكال، ليس هناك أي مسوغ لقوى إسلامية كانت ماركسية، أو ليبرالية، أو مهما كانت، بأن ترفع السلاح ضد أي قوى أخرى داخل المجتمعات العربية الإسلامية.

ولكن الملاحظ أنه في معظم أنحاء المنطقة العربية عنف القوى الإسلامية السياسية هو في الحقيقة رد فعل، هو رد فعل لقيام الدولة بعزل المجتمع، لقيام الدولة بالاستبداد، لقيام الدولة بالقمع، لقيام الدولة بالتفرد، وبالتسلط.

أنا الحقيقة أنه ما لم يتم يعني بالنسبة لعلاقة الإسلام بمستقبل الوضع السياسي في المنطقة العربية، ما لم يتم الاتفاق ما لم يكن هناك حالة من تبلور إجماع في داخل المنطقة العربية حول مرجعية السياسة في المنطقة، حول هوية المنطقة، يعني لا يمكن استدعاء الإسلام الآن، ومناقشة النظرية السياسية الإسلامية بينما ليس هناك اتفاق أساساً حول مرجعية هذه المجتمعات، مرجعية السياسة في هذه المجتمعات.

إذا كان فيه هناك اتفاق على أن هوية هذه المنطقة هي هوية عربية إسلامية فعندئذ يصبح إثارة الحوار حول تصوير رؤية سياسية إسلامية تناسب واقع هذه المجتمعات يصبح هذا الموضوع موضوع مُلِح.

إنما الملاحظ حقيقًة أنه فيه هناك أصوات إسلامية في غاية الأهمية، أصوات ذات نفوذ كلها تقول إنه الديمقراطية في الحقيقة مسألة ديناميات للتداول على السلطة الديمقراطية ليست أيديولوجيا، وأنه بالتالي هناك توافق كبير بين الإسلام والديمقراطية، من هؤلاء مثلاً الاتجاه الإسلامي في تونس، وفي السودان-لولا التطور الأخير اللي لا نعرف حقيقة أين اتجاهه-كان فيه هناك الأمور تتطور باتجاه نظام تعدد سياسي في ظل نظام إسلامي.

فيعني الإسلام يقبل.. الإسلام يقبل أن تتطور نظريته السياسية التقليدية أن يتطور نموذجه السياسي التاريخي نحو الاتجاهات معاصرة متعددة تستوعب.. تستوعب العصر الحديث، ولكن في النهاية المسألة الأساسية هي مرجعية مجتمعاتنا وهويتنا، هل هناك اتفاق في المنطقة؟ هل هناك إجماع في داخل بلادنا حول هوية هذه البلدان حول مرجعية هذه البلدان؟

خديجة بن قنة: يعني من هنا يمكن القول أنه لا يحق للأنظمة العربية أن تقمع الحركات أو الأحزاب الإسلامية بحُجة أنها حركات غير ديمقراطية، نأخذ مكالمة من سيدي ولد أمجاد من الإمارات، سيدي ولد أمجاد.

سيدي ولد الأمجاد: سلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام.

سيدي ولد الأمجاد: بداية أود أن أقول بإن مصطلح الديمقراطية هو مصطلح شديد الإغراء كثوب فضفاض يمكن لأي مجتمع حضاري أن يستورده ليفصله على مقاسه بأي شكل من الأشكال، الحقيقة أننا في العالم العربي نشتغل-ولا نزال نشتغل-بفقه الكلام والشعارات أكثر مما نحن مشتغلون بالواقع، وتنمية المؤسسات العربية والوطنية بشكل خاص.

لذلك أنا أعتقد أن مصطلح ما يسمى بالديمقراطيات الوطنية هو أحوج ما نكون إليه في دولنا العربية والإسلامية، ما معنى مصطلح الديمقراطيات الوطنية؟ هي تلك الديمقراطية التي تأخذ في حُسبانها الظروف الاجتماعية، والتاريخية لمجتمع من المجتمعات لازال يعيش إشكالية الصراع مثلاً بين البداوة والحداثة..لماذا نجرى دائماً وراء محاولة الحوار مع الغرب، والتفاهم مع الغرب في إطار استيراد نمطية معينة؟

ليست هناك نمطية محددة في الديمقراطية يمكن أن نفرضها على الشعوب العربية، أو في شعب من الشعوب ولذلك نجد الكثير من المحاولات الديمقراطية التي يتم الترويج لها تنتكس في نهاية المطاف دون أن تحقق الأهداف المطلوبة منها في المجال التنموي، وهذا المثال عندنا في (ساحل العاج) حدث أول انقلاب على الديمقراطية لماذا؟ لأن الجوع عندما ينتشر وعندما تضعف المؤسسات التنموية..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: يهيئ الأرضية لللاديمقراطية، شكراً لك سيدي ولد الأمجاد من الإمارات، لدينا فاكس من فيصل العنزي من السعودية يسأل عن يعني يقول: إن فئة البدون في دول الخليج الأشخاص -طبعاً- الذين لا يحملون الجنسية رغم وجودهم منذ سنوات طويلة في دول الخليج، ويعملون، ويقدمون خدمات لدول الخليج يعني ألا يتنافى هذا مع الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تدعيها هذه الدول في رأيه؟ دكتور صلاح.

د. صلاح نيازي: الذي أعرفه حتى الزائر الأجنبي في هذا البلد حينما يبقى لمدة خمس سنوات، ويعمل يُعطى الجنسية كاملة له ولزوجته ولأطفاله، لا أفهم هذا الموقف حقيقًة في الكويت أو في الخليج، يجب أن يعطوا الجنسية كاملةً، أكثر من ذلك سمعت أن العربي إذا تزوج كويتية فإن أولاده سيذهبون إلى مدارس غير حكومية، لا يجوز لهم الدخول في المدارس الحكومية، هذا حقيقة نرجو من الحكام المسؤولين أن يتدبروا هذا الأمر الإنساني الخطير لأن ليس لديهم بلد آخر يذهبون إليه.

خديجة بن قنة: أشرفنا على نهاية البرنامج دكتور صلاح في النهاية يعني كتقييم هل هذه الديمقراطية يعني هل هي فاكهة الجنة يعني هل هي المفتاح السحري لكل مشاكلنا؟ كيف؟ هل أنت متفائل بدخولنا الآن إلى القرن الجديد في الأوضاع التي نحن فيها الآن كشعوب عربية؟ في دقيقة واحدة لو سمحت.

د. صلاح نيازي: أنا متفائل بحذر لقد ركزنا على الديمقراطية السياسية حقيقًة، وتجاهلنا الديمقراطية الاجتماعية، الديمقراطية الاقتصادية، الديمقراطية التربوية، هذه الديمقراطيات لا يمكن تجزئتها في أي مجتمع ديمقراطي، أما بالنسبة إلى فشل البرلمانات العربية لأنها قلدت أوروبا مثلاً في البرلمانات، هي حقيقة الفشل في النظام، وليس في البرلمان.

خديجة بن قنة: دكتور شكراً دكتور صلاح دكتور بشير في دقيقة واحدة لو سمحت.

د. بشير نافع: طبعاً الحياة غير قابلة للاستمرار بدون تفاؤل يعني الإنسان لابد أن يكون متفائلاً، وأنا أظن أنه يعني خلال العقود القليلة التالية ستفرض المجتمعات العربية على الدولة التراجع، وسيكون هناك انفراج -بلا شك- في الحياة العربية السياسية.

خديجة بن قنة: شكراً لك في النهاية دكتور عمر بن قينة، يعني هل ترى الصورة بيضاء، نصف بيضاء، سوداء ونحن ندخل القرن الجديد؟

د. عمر بن قينة: يا أخت خديجة تقريباً لا أبالغ في تفاؤلي، ولا أُدين التفاؤل غير المبرر، وأنا –شخصياً- حين أنظر إلى واقعنا صحيح أن واقعنا يمر بإرهاصات قد تؤذن بخير، ولكن قد تؤذن أيضاً بشر، ونحن نرى القوى العالمية تتكالب حولنا، وترسم لنا مصائرنا، المختلف، دخلنا هذه الألفية، ونحن أكثر تفاؤلاً، وأملاً، وقوة، وعملاً وانتهينا منها، ونحن أكثر انهزامية، شعوبنا، أنظمتنا مهزومة أمام القوى الخارجية، رغم أن ديننا يأمرنا بالأمل، وبالتفاؤل، ومع ذلك كل أمل وتفاؤل ينبغي أن يصحبه عمل، فإذا حضر العمل نستطيع يومئذ أن نقول –إن شاء الله- إننا متفائلون.

خديجة بن قنة [مقاطعاً]: يعني نحن نملك أسلحتنا، ولكن يجب أن نوظفها حتى لا ينطبق علينا قول: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم..

د. عمر بن قينة [مستأنفاً]: بطبيعة الحال، وأحييك على روحك الشعرية هذه، هذا التفاؤل -كما قلت لك إذا عملت لذلك وعملت هذه الشعوب، واستجابت هذه الأنظمة للحس الشعبي في الوطن العربي فحين تنسجم هذه الأنظمة مع شعوبها فأعتقد أن باب الأمل سيكون (مصرعاً) بإذن الله.

خديجة بن قنة: شكراً لك، مشاهدينا الكرام في نهاية هذه الحلقة من برنامج (أكثر من رأي) لا يسعُنا إلا أن نشكر ضيوفنا هنا في الأستوديو، ضيفنا في الأستوديو الدكتور عمر بن قينة (من جامعة قطر)، وفي استوديوهاتنا في لندن الكاتب والمؤرخ الدكتور صلاح نيازي، والكاتب الدكتور بشير نافع (الأستاذ بجامعة لندن).

مشاهدينا الكرام، حتى نلتقي بكم مرة أخرى تحيًة لكم من فريق البرنامج، وهذه خديجة بن قنة تستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.