مقدم الحلقة سامي حداد
ضيوف الحلقة - الأب بولص ملحم، راعي الكنيسة المارونية في لندن
- د. صلاح نيازي، أستاذ الدراسات العليا-معهد أكسفورد
تاريخ الحلقة 25/01/1999






د. صلاح نيازي
د. محمد عبد الحليم
الأب بولص ملحم
سامي حداد

سامي حداد:

مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة من برنامج (أكثر من رأي).

أصبحت كلمة الأسف أسلوباً لمعالجة تراكمات في أخطاء الماضي، فقد قالها الرئيس (كلينتون) معتذراً عن تجارة العبيد، وقالها (توني بلير) لتورط (بريطانيا) في القحط الذي أصاب (أيرلندا)، والآن يكاد البابا يوحنا بولس الثاني أن يعتذر عن الحروب الصليبية، بعد أن برأ الفاتيكان اليهود من صلب المسيح وفي وقت يتنبأ فيه البعض أن ينشب صراع حضاري بين الإسلام والمسيحية ليحل محل الحرب العقائدية الباردة.

هل يمكن أن يطفئ الاعتذار عن الحروب الصليبية نيران الخوف، وسوء الفهم بين العالم الإسلامي والغرب؟

فعندما نشبت حرب الخليج حركت الأوجاع، وعاد طبخ أوراق الصراع العربي-الإسرائيلي مع بقية المشاكل الإقليمية في المنطقة، لتعيد إلى الأذهان صور الحروب الصليبية، فهل يمكن للاعتذار أن يزيل الخوف التاريخي المتراكم، وأن يبدد عدم ثقة كل طرف بالطرف الآخر، أم أن عبارات مثل هذه لن تكون كافية لغسل جراح الماضي العميقة، حتى وإن صدرت من الفاتيكان نفسه؟

ترى هل ستكون لعبارات الاعتذار وحدها قيمة مهما بلغت رقتها بدون مساع لمصالحة حقيقية؟

وهل من الحكمة أن يتم الحكم على أحداث التاريخ على أساس ما إذا كانت صحيحة أم خطأ؟

للبحث في هذه الأمور وغيرها نستضيف اليوم في البرنامج الأب بولص ملحم (راعي الكنيسة المارونية بلندن) والدكتور محمد عبد الحليم (أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة لندن) وأخيراً وليس آخراً الدكتور صلاح نيازي (الأستاذ بمعهد أوكسفورد للدراسات العليا، ورئيس تحرير مجلة الاغتراب الأدبي).

أهلاً بالضيوف، ولو بدأنا بالأب بولص ملحم، بعد 900 عام على بدء الحروب الصليبية، ما الذي حدث الآن حتى يعتذر الفاتيكان عن تلك الحروب؟

الأب بولص ملحم:

أولاً في اعتقادي أن دولة الفاتيكان تلعب دور للتقارب بين الشعوب، وقداسة البابا يوحنا بولس التاني دوره الشهير والحثيث في كل سفرياته، يتحدث عن ما نادى به السيد المسيح: "طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يدعون".

ليس بالجديد على الكنيسة أن تدعو إلى السلام، وأن تدعو بذات الوقت لنظرة للتاريخ موضوعية، وضع كل الأمور إلى نصابها الحقيقي، هذا بيساعد على تقارب الشعوب.

سامي حداد:

إذن تريد أن تقول أن هنالك تفكيراً جديداً لدى الكنيسة الكاثوليكية للنظر إلى أحداث الماضي، أم أن هذه الفكرة متزامنة متتالية طوال عهد الكنيسة الكاثوليكية؟

الأب بولص ملحم:

أنا أعتبره تواصل بالكنيسة الكاثوليكية، ولكن بوضوح أكثر مع قداسة البابا يوحنا بولس التاني.

سامي حداد:

ولكن هنالك من يقول: "إن أسباب الحروب الصليبية هي دعوة البابا (أوربانوس الثاني) للقيام بهذه الحروب -كما تقول المسيحية- لإنقاذ الأماكن المقدسة من يد المسلمين، لإنقاذ ما يتعرض له الحجاج -كما تدعي الكنيسة- من سوء المعاملة من قبل المسلمين" إذن..إذن هنالك فرق بين الكنيسة في القرون الوسطي والكنيسة الآن، أليس كذلك؟

الأب بولص ملحم:

لست بالمؤرخ، ولكن بأعتبر إنه الحملات الصليبية بالأساس كان إلها هدف تأمين طريق الحجاج إلى القدس، ولكن مع التاريخ ومع تراكمات -فيما نسميها- سياسية، واقتصادية لتأمين خط تجاري بين أوروبا، وبين الممالك الموجودة على ساحل الشرقي البحر المتوسط، أصبح فيه كيانات وممالك

أخرى، فالعلاقات بين ممالك الشرق وأوروبا استدعت أن يتحول هدف تأمين طريق الحجاج إلى أهداف أخرى اقتصادية، وربما تكون سياسية.

سامي حداد:

د. محمد عبد الحليم، هل توافق على هذا التفسير من الأب بولص ملحم؟

د. محمد عبد الحليم:

يعني نحن نرحب -إذا صح- أن البابا سيعتذر للمسلمين عن الحروب

الصليبية، وهذا الاعتذار في الواقع واجب لأسباب عديدة، أولاً: للتناسق في الموقف، وعدم الكيل بمكيالين، فإذا كانت الكنيسة رأت أنه عليها أن تعتذر لليهود، وهم الذين قالوا على مدى التاريخ كله: "إن المسيحيين قتلوا..إن اليهود قتلوا المسيح" والآن اعتذروا، فيجب ألا تكيل بمكيالين، وتعتذر للمسلمين

أيضاً، لأن المسلمين أولاً:لم يقل أحد أنهم قتلوا المسيح، وإنما المسيح في الإسلام على درجة عظيمة من التبجيل والتكريم له ولأمه كما تعلم، وأنا ممكن أذكر النصوص من القرآن، فأول شيء التناسق في الموقف يقتضي الاعتراف بالمسلمين أيضاً، وإلا فلماذا يعترف بالعبيد، ويعترف للأيرلنديين، ويعترف باليهود؟! أما المسلمين فهذا حلَّ وقته، السبب الثاني: هو الرجوع إلى الحق في المسيحية في الواقع، لأن..

سامي حداد [مقاطعاً] :

ماذا تقصد بالحق..الرجوع إلى الحق؟

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

الرجوع إلى نص الإنجيل نفسه، يعني المسيح -عليه السلام- في موعظة الجبل -كما ذكر الأب- يقول: "طوبى لصانعي السلام، طوبى للرحماء، طوبى للمساكين" ولم يكن الذين شنوا الحروب الصليبية صانعي سلام، ولا مساكين في القلوب، ولا كانوا مما يعني كما ذكر السيد المسيح، يقول السيد المسيح في الموعظة أيضاً: "فإن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت أن لأخيك

شيئاً، فاترك هناك قربانك، واذهب أولاً واصطلح مع أخيك" ففي المسيحية هذا التصالح ضروري..

سامي حداد [مقاطعاً] :

والآن تأتي المصالحة..والآن تأتي المصالحة بعد 900 عام، ولم تحدث حتى

الآن، يعني من المتوقع أن يصدر الفاتيكان هذا في الفتوى الجديدة، نعم.

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

وإذا كانت المصالحة مطلوبة في المسيحية، والاعتذار مطلوب في المسيحية، فهو أوجب عند الكاثوليك، لأن -كما تعلم- الكاثوليك كل أسبوع على كل إنسان، أو مخطئ أن يذهب إلى كرسي الاعتراف، ويعترف للقديس بما

أذنب، ويعد بأن يسير على الطريق، فإذا كان هذا جزء أساسي من عمل وروح وتفكير الكنيسة كلها، فقد طال الوقت، وإذا جاء الاعتذار الآن يكون في هذا السياق، ثم أيضاً فيه مسألة تالتة: وهو الاعتذار تقتضيه المصلحة في الوقت الحاضر، ويدعو إلى مزيد من التعاون بين المسيحية والإسلام، وهذا ما نريده الآن.

سامي حداد:

هذا سنتطرق إلى ذلك ضمن الحوار الذي يجري الآن بين الديانات السماوية الثلاث، أرى الأب بولص ملحم يريد أن يعقب على ما قلته، نعم أب ملحم.

الأب بولص ملحم:

أعلق على كلام الأستاذ محمد إنه الحرب الصليبية ما فينا نحكم عليها حكم نهائي، إلا من عدة أسباب ومحاور ذكرت أنا، تحولت إلى..أعطت إلها عدة أشكال، هلا فيه من الأخطاء، وفيه من الدور الإيجابي اللي لعبته المنطقة أساساً -تأمين طريق الحجاج- ولكن ما ننظر إلى الحكم عليها حكم نهائي بأنها فقط هي..الشيء..النتيجة النهائية اللي وصلت لها سلبياً، بالأساس يمكن كان طريق الحجاج لو تأمن، ما كان عندنا وصلنا للنتيجة السلبية الأخيرة…

سامي حداد [مقاطعاً] :

طريق الحجاج هذه -ربما- من وجهة نظر غربية مسيحية أنهم كانوا

يتعرضون، والمعروف يعني خلال..منذ مجيء الإسلام وحتى الآن، وأهل الذمة يعيشون في كنف الإسلام، ساهم أهل الذمة في الحضارة الإسلامية، سواء كانوا يهوداً أم مسيحيين في الأندلس في زمن الدولة الأموية، وحتى الدولة

العباسية، أليس كذلك د. صلاح نيازي؟ يعني حتى..عفواً حتى أن صلاح الدين الأيوبي يعني قائد المسلمين في زمن الحروب الصليبية كان طبيبه يهودياً، وقائد جيشه ابن مماكي مسيحياً، د. نيازي، نعم

د. صلاح نيازي:

هذا صحيح، أود أن أرجع إلى البداية واعتذار الفاتيكان عن الحروب الصليبية الأولى،يعتمد ذلك على نوعية الاعتذار، عمن..ما الأشياء التي قامت بها الحملات الصليبية الأولى حتى يعتذر منها الفاتيكان، في الوقت الحاضر

لننتظر، أما في الوقت..في أثناء ذلك إن اعتراف الفاتيكان بالأخطاء مهما كانت ولا نعرفها ما هي، هي خطوة أولى، لكن قبل ذلك يجب أن تتم عمليات ثقافية كبيرة، معظم الموسوعات الإنجليزية، والكتب التي ألفت عن الحروب الصليبية مازالت تكتب أن هذه الحروب -خاصة الحملة الصليبية الأولى- ذهبت لتحرير بيت المقدس.

وثانياً: تقول أو تصف المسلمين بأنهم Sarances أوinfedals كفرة أو

ملحدين، يجب أن تغير هذه المناهج في البداية في كتب التاريخ، حتى نتوصل إلى حقائق ممكن أن نتفق عليها، هل المسلمون فعلاً ملحدون؟ هل هم وثنيون؟ هل؟..هذا ما تكتبه الكتب الغربية عن المسلمين.

أما بالنسبة للحروب الصليبية والحملة الصليبية الأولى، فهناك أسباب واقعية اقتصادية وتجارية، ولا أخفي أن هناك أيضاً أسباب دينية، أو أن أسباب دينية وراء كل هذه الحملات، فالمعروف أن أوربان الثاني كان قد تألم..

سامي حداد [مقاطعاً] :

البابا أوربان الثاني.

د. صلاح نيازي [مستأنفاً] :

البابا أوربان الثاني كان قد درس في دير (أوكنوني) وهذا الدير كانت له قوة كبيرة في..قبل الحروب الصليبية، ومن الجديد بالذكر أن القرن الذي ظهرت فيه الحملة الصليبية الأولى، ويجب ألا تؤرخ الحروب الصليبية بالحملة الصليبية الأولى، لأنه كانت هناك حملات قبلها، ولكنها أرخت لأن البابا دعا إليها وحملوا الصليب، فكل دعوة أو كل حملة دعا إليها البابا سميت فيما بعد بالحروب الصليبية، وعددها ثمانية..

سامي حداد [مقاطعاً] :

مع أن د. صلاح..مع أن يعني الفكرة بدأت عام 1000…878م، زمن البابا (يوحنا الثامن) وعد بحل خطايا من يموت في سبيل المسيحية، أما كحروب أصلاً -كما تقول كتب التاريخ- سنة 1071م بعد اندحار البيزنطيين أمام السلاجقة وبداية التقدم نحو بيزنطيا..عفواً يعني البابا (جريجوري السابع) وعد بإرسال سفن لحماية مسيحي الشرق، يعني هنالك كانت قبل الحروب يعني..فكرتها كانت موجودة -إذن- قبل وجود البابا أوربانوس الثاني.

د. صلاح نيازي [مستأنفاً] :

هذا بالتأكيد، إلى أن وصلت الصراعات في قمتها في القرن الحادي عشر الدينية الفكرية في الدول الإسلامية، وكذلك في أوروبا، أن أوربان..البابا أوربان كان يخاف من النورمانديين، الذين تقوت شوكتهم وقوتهم بحيث احتلوا جنوب فرنسا، وكذلك احتلوا (صقلية) وكذلك ظهور المدن البحرية الإيطالية خاصة (بيزا) مثلاً، (البندقية)..

سامي حداد [مقاطعاً] :

و(جنوا)؟

د. صلاح نيازي [مستأنفاً] :

وجنوا، هذه المدن كانت تريد أن تحتل الطرق البحرية المؤدية إلى البلدان العربية وإلى بيزنطيا بشكل خاص، فأوربان حينما دعا إلى الحملة الصليبية، كان في ذهنه أيضاً -كما تقول بعض المصادر التاريخية- هو التخلص من

النورمانديين، لذلك وعدهم بإقطاعات كبيرة في البلدان التي سيحتلونها في الشرق الأوسط، وهذه دعوة غريبة جداً..

سامي حداد [مقاطعاً] :

إذن..إذن فكرة تأمين الحجاج في الأراضي المقدسة، وادعاء أن المسلمين كانوا يعني يضيقون عليهم، كانت مجرد أعذار من قبل الفاتيكان في سبيل -تريد أن تقول- في سبيل درء خطر النورمانديين، ومن ثم -كما قلت- خلق ممالك، أو مستوطنات أوروبية في المنطقة؟ يعني ليست أسباباً دينية 100%؟!

د. صلاح نيازي [مستأنفاً] :

أولاً: هناك طريقان للوصول إلى الشرق الأوسط، إما الطريق البري، أو الطريق البحري، الطريق البري خاصة بوجود الدولة البيزنطية التي تؤمن

بالأرثوذكسية، بينما كنيسة (اللاتي) تؤمن بالكاثوليكية، وكان البابا يريد أن تتوحد كل أوروبا تحت لواء الكاثوليكية.

الطريق البري غير مضمون، بدليل أن ملك (المجر) أباد بعض الصليبيين إبادة تامة، وهم مسيحيون أيضاً، ثم البيزنطيون كانوا يخافون من الحملات

الصليبية، لأنهم كانوا مسلحون حينما يذهبون إلى هناك، وبنت الإمبراطور البيزنطي خلفت تاريخاً كبيراً اسمها (آن) -أتصور- تسجل آراء أبيها (وشهد شاهد من أهلها) بالكنيسة الكاثوليكية، فالطريق غير مأمون مطلقاً بالنسبة إلى البر، بالنسبة إلى البحر، لأذكر هذه الحادثة مع الأسف..

سامي حداد [مقاطعاً] :

باختصار -د. صلاح- نعم.

د. صلاح نيازي [مستأنفاً] :

أنه في الحملة الصليبية الرابعة، حينما وعد أوربان البحارة الإيطاليين بـ30 ألف تنقلهم السفن الإيطالية، لم يصل منهم إلا 12 ألفاً، وبهذه الحالة وقع بأيدي البحارة أنهم أعدوا السفن لـ30 ألف شخص، ولم يجيء إلا 12 ألف، فاتفقوا مع هؤلاء الصليبيين للهجوم على المجر، فأخذوا ميناء (زار) لأنه ينافس ميناء جنوا وبيزا…

سامي حداد [مقاطعاً] :

إذن، بعبارة أخرى كانت هنالك منافسات، تنافس بين هذه القوميات التي أتت من الغرب، أن نذهب إلى الشرق مغامرة ربما للحصول على ثروات، ربما لبناء ممالك كما حدث وبنيت أربع، خمس ممالك في مملكة القدس، ومملكة (قبرص) و(إنطاكية)، و(طرابلس) أبونا نعم.

الأب بولص ملحم:

أريد أن أعقب على كلم الأستاذ صلاح، مجمع الفاتيكان الثاني وهو آخر مجمع في الكنيسة الكاثوليكية انتهى سنة 65، عنده إعلان من بين دساتيره علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية، والقسم الأول حول علاقة الكنيسة بالأديان السماوية الأخرى اليهودية والإسلامية، وهذا يؤكد نظرة الكنيسة من جديد حول الدين الإسلامي والدين اليهودي.

سامي حداد:

إذن..إذن تريد أن تقول أن الفاتيكان -بعبارة أخرى- شعر بخطأ -كما ذكر د. محمد عبد الحليم- ولذلك عليه أن يعتذر لأخطاء الماضي؟

الأب بولص ملحم:

بأعتبر أنه وضح أكتر رأي الكنيسة، لم يعطي وجهة ما قبل المجمع

الفاتيكاني، وجهة أنه حكم نهائياً، ولكن..

سامي حداد [مقاطعاً] :

أبونا، ألا تعتقد إنه الآن أن فكرة الاعتذار إلى العالم الإسلامي للحروب الصليبية هو من نوع من..يعني دغدغة مشاعر المسلمين، حفاظاً على المسيحيين العرب الذين يعيشون في العالم؟

الأب بولص ملحم [مستأنفاً] :

البابا اعتذر من الكنيسة الأرثوذكسية -البابا بولس السادس- وحادث

شهير، وقت اللي البابا ذهب إلى القسطنطينية واسطنبول، واعتذر من الكنسية الأرثوذكسية، التقارب بين الكنيستين اللي صار مش معناه إنه جزء من الشرقيين فقط، وباقي الشرقيين العرب مش راح يتصالح معهم.

سامي حداد:

إذن..إذن الحكاية عبارة عن اعتذار، فاعتذار، فاعتذار، اعتذرت الكنيسة -الكنيسة الشرقية- اعتذروا لليهود وبرؤوهم من دم السيد المسيح -عليه السلام- الآن الكنيسة أيضاً تعيد الاعتبار إلى (جاليليو) لأنه حكم عليه بالحرق

بالزيت، لأنه كانت الكنيسة تعتقد أن الأرض هي محور العالم، وهي

ثابتة، ولحسن حظه أن البابا في تلك الفترة كان مؤمناً بنظرية جاليليو، فوضعه تحت الاعتقال الجبري في البيت، ولم يحرق بالزيت، يعنى اعتذار، باعتذار باعتذار، أليس كذلك؟

الأب بولص ملحم:

نحو الإنجيل..الرجوع إلى الإنجيل -اللي ذكره الأستاذ محمد- إنه بالحقيقة الرجوع إلى ينابيع الإنجيل كما قال السيد المسيح.

سامي حداد:

إذن..إذن، هل يحق -دعني أسأل هذا السؤال أبونا- يعني هل يحق للكنيسة -الفاتيكان- أن يغير ما في الإنجيل؟ بعبارة أخرى عندما يقول الإنجيل عن اليهود: "دمه علينا وعلى أبنائنا" عندما صلب المسيح حسب الاعتقاد المسيحي، هل يجوز للفاتيكان أن يغير ما في الإنجيل..يفسر كما يشاء؟

الأب بولص ملحم:

عندما يقول الشعب اليهودي: "دمه علينا وعلى أولادنا" آنذاك ليس من المعقول أن يظل كل اليهود مسئولين 100% عن صلب المسيح، ولكن المسيح ذاته غفر لصالبيه على الصليب، الإنجيل واضح، الكنيسة ما بتيجي مناقضة لكلام السيد المسيح في الغفران والتسامح، فإذن نحن قدام واقع بالإنجيل، المسيح

غفر، والكنيسة تغفر، والكنيسة لم تبرئ الأشخاص المسؤولين مباشرة عن صلب المسيح.

سامي حداد:

د. محمد عبد الحليم.

د. محمد عبد الحليم:

أنا أحب أن أرجع إلى مسألة تأمين طريق الحجاج، وأقول..

سامي حداد [مقاطعاً] :

لا، عفواً..قبل ذلك، قبل ذلك يعني بتبرئة اليهود..كيف بتفسرها؟ يعني لا نريد أن ندخل في جدل لاهوتي ديني، وإنما برأيك هل هنالك دواع سياسية وراء ذلك مما حدا بالفاتيكان أن يعتذر لليهود؟

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

أنا كمسلم لو كنت في مكان..

سامي حداد [مقاطعاً] :

كمسلم وكعربي.

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

لو كنت مكان أقول، إذا كان..إذا صح أن اليهود الأولون في وقت المسيح -عليه السلام- هم اللي قتلوه، فلا ذنب لأحد بعدهم، وإلا ندخل في

قضية، حكاية الذئب والغنم كما يقولون، أنا كمسلم، إنما أنا أقول أن تغير فيما قال الإنجيل، هذا لا يصح، وللأسف أن الأوروبيين المسيحيين -وليس هذا عندنا عند المسيحيين..الأخوة المسيحيين في الشرق- يغيرون.

هنا في أواخر السبعينات أصدروا قانون جديد للطلاق، وجاءت الكنيسة البروتستانتية وقالت: "يجوز" مع أن النص في الإنجيل -إنجيل متى- واضح صريح على أن من يطلق امرأة يجعلها ترتكب الزنا، ولو تزوج غيرها يرتكب هو الزنا طولحياته، والمسيحية، الكنيسة قالت: "لا"..

سامي حداد [مقاطعاً] :

عفواً، عفواً..دكتور، دكتور، الكنيسة آه، ولكن المذهب البروتستانتي كله في إنجلترا مبني على قصة طلاق (هنري الثامن) معروف -يعني- كل المذهب مبني على قصة طلاق.

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

يعني هم قالوا: "هياخدوا، لا بأس، ومن طلق ممكن إن هو يعاد تزويجه بالكنيسة" إذن ليس جديداً على الغربيين -والحق يقال- ليس جديداً على الغربيين..

سامي حداد [مقاطعاً] :

عوداً إلى ما..عوداً إلى ما كنت تريد أن تعقب عليه، فيما يتعلق بتأمين طريق الحجاج.

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

ليس صحيحاً أن الحروب الصليبية نشأت لتأمين طريق الحجاج، بدليل أن طريق الحجاج كان مؤمن طول حياته في وقت..ثم إنها نشأت عندما انتصر السلاجقة على إمبراطور الدولة البيزنطية، وعند (هيمانوس نيوجيناس) بعد ذلك الإمبراطور (أليكسيوس الأول)..

سامي حداد [مقاطعاً] :

فطلبوا..طلبوا النجدة من الفاتيكان.

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

مش لتأمين الكنيسة، لتأمين طريق الحجاج، وإنما لتأمين..

سامي حداد [مقاطعاً] :

لحماية البيزنطيين من السلاجقة.

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

لحماية عرش البيزنطيين، حماية عرش البيزنطيين، هذه مسألة مهمة، تجيء بعد ذلك أن هذه الحروب التي قالوا إنها قامت لتخليص بيت المقدس، أو لحماية طريق الحجاج، أول ما بدأت..أول ما عملوه في أوروبا ذبحوا اليهود، ما شأن اليهود في أوروبا بتأمين طريق الحجاج عند المسلمين؟ هذه شيء، ثم دخلوا على المجر وما..وحصلت..

ثم لما تيجي تنظر في التاريخ فيما حصل بعد ذلك، يعني في الحملة الأولى والفظائع التي ارتكبوها –لابد أن نذكر هذا- كان فيه واحد من القواد اسمه (تانكريد) ده في سنة..في السنة اللي سقطت فيها القدس، وهي سنة

1099م، هذا القائد في آخر النهار -وهذه مذكورة في نصوص الإنجليز نفسهم في التاريخ، عندي النص إذا تحب أجيب لك المصدر الإنجليزي- في آخر النهار تجمع 70 ألف من المسلمين تحت banner ، أو اللي هو علم..

سامي حداد [مقاطعاً] :

الراية.

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

تحت راية هذا الرجل، وكان التقليد أنه إذا تجمع إنسان تحت الراية خلاص يبقى محمي، فطلبوا حمايته، وقالوا: "نحن ندفع لكم كل ما تشاؤون من الأموال لحمايتنا" فقالوا..وعدهم بالحماية، وتاني يوم الصبح ذبحوهم جميعاً، ذبحوهم جميعاً، وهذا الرجل تانكرد بعث يبشر البابا أوربانوس بما فعلوا وقال: "لقد كانت خيولنا تخوض إلى الركب في دماء هؤلاء المشركين" هذا ما قالوه.

بدأت الحروب الصليبية بتضليل في أوروبا وجهل بحقائق المسلمين، فكانوا يقولون عن المسلمين: "إنهم politest " يعني مشركين، ويقولون: "أنهم أعداء عيسى" مع أن الإسلام..ما رأي اليهود في المسيح؟ وما رأي المسلمين في المسيح؟ قارن بين الاثنين، نحن لسنا أعداء المسيح ولا شيء من هذا، ويقولون وقالوا: "إن هؤلاء الناس المسلمين يصلون، لكن صلاتهم -وهذا نص الإنجيل موجود أما مي- باطلة، لأنهم يصلونها لصنم أقاموه باسم محمد" فعملية هذا التضليل اللي سرى على مدى التاريخ حتى الآن، الحروب الصليبية قائمة إلى الآن، في تضليل الناس في الغرب عن حقيقة الإسلام.

سامي حداد:

د. صلاح نيازي.

د.صلاح نيازي:

أؤيد ما قاله د. محمد، الحقيقة أن الإعلام قد لعب دوراً مهماً في الحروب الصليبية، من ناحية كان صلاح الدين الأيوبي من كبار الإعلاميين في وقته، وقد هيأ له الله القاضي الفاضل، الذي كان يكتب سبع رسائل مرة واحدة لسبعة كتبة، وهيأ له كذلك عماد الدين الأصفهاني، أما بالنسبة إلى الأوروبيين، فقد جاء الإعلام عن طريق أوربان، بما وعد الفلاحين من أنهم سيدخلون الجنة، وأن ذنوبهم ستغتفر، وكذلك وعد..هذه كلها أشياء إعلامية، ليس فيها مردود مادي، فعلي، عملي، ثم ظهور (بطرس الراهب) أو..الناسك..

سامي حداد [مقاطعاً] :

بطرس الناسك الفرنسي هو الذي ألب..ألب جماهير، أو عواطف الجماهير في..

د. محمد عبد الحليم [مقاطعاً] :

وأحرق اليهود..وبدأ يذبح اليهود.

د. صلاح نيازي [مستأنفاً] :

نعم، هذا الرجل يعني جانبه الإعلامي أكبر من جانبه النظري، مثلاً كان حافي القدمين، كان ممزق الثياب، كان وسخاً، كان يركب حماراً، لدرجة آمن به الناس، أن من يعثر على شعرة من حمار هذا الناسك كأنما هي هدية كبري في العالم، فما الذي حدث بعد ذلك؟

ذهب إلى ألمانيا، وظل يلقي الخطب في كل مكان، فاضطهد اليهود اضطهاداً كبيراً في (كولونيا)، وكان قبل ذلك قد أرسل اليهود في شمال فرنسا رسائل إلى اليهود في ألمانيا، لم يؤيدوا فيها الحروب الصليبية، لأنها ستأتي بالوبال

عليهم، وفعلاً هذا ما حدث، فهي فيه نعره دينية.

أنا أتصور أن القرن الحادي عشر هو قرن النعرات الدينية بدليل ظهور الإسماعيلية النزارية في ذلك القرن، وكانت شوكة في..ضد..في خصر السلاجقة، وكذلك عند صلاح الدين الأيوبي، وهددوه عده مرات

بالقتل، فظهرت أيضاً في هذا الزمن حركات دينية متطرفة بأوروبا، هو انتقالات كبيرة في الفكر الغربي..

سامي حداد [مقاطعاً] :

خاصة..حتى نضع المشاهد العادي في الصورة، يعني ظهور محاكم التفتيش بعد ذلك بفترة قصيرة على ضد الهراطقة، وكل من لا يمشي في الخلق القويم، ويعبد الله كما ترى الكنيسة يحرق بالزيت، وتحاكمه الكنيسة، يعني عصور مظلمة كانت في تلك الفترة، هل توافق على ذلك خاصة فيما يتعلق بالمسيحية؟

الأب بولص ملحم:

الاعتذارات بتثبت إنه الكنيسة فيه وضوح رؤية أكتر، فيه تقارب أكتر بين الشعوب، اعتذارات قداسة البابا بولس السادس للبابا يوحنا بولس التاني، نظرة مجمع الفاتيكان التاني لكل الشعوب، وخصوصاً الأديان غير المسيحية تثبت ها الشيء كمان، بس أنا بيهمني أعقب على إنه..حول الفصل بين دور الكنيسة الروحي، وأكيد هو في نفس الوقت الزمني، ودور العلمانيين أو المسؤولين في أوروبا، حتى لا نمزج دور الكنيسة الكاثوليكية، ودور الانشقاق اللي صار بالغرب البروتستانتي.

سامي حداد:

يعني أنت تريد أن تفصل..تريد أن تقول أن دور الكنيسة روحي وليس مادي؟

الأب بولص ملحم:

ولكن من خلال ها الشيء الروحي بتبني الإنسان نحو تطبيق تعاليم المسيح.

سامي حداد:

ولكن، ولكن أحداث التاريخ في الوقت الحاضر، لننسى الحروب الصليبية وبارك البابا، وبعثوا بالآلاف ليقتلوا، ويقتلوا المسلمين..وحتى اليهود والمسيحيين الشرقيين، ولكن يعني الكنيسة لو أخدنا في القرن..في الفترة الحالية الآن، لها دور، تتدخل في الأمور الدنيوية، وليست الروحية فقط، على سبيل المثال وليس الحصر، يعني إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان أكبر حزب شيوعي يعارض خطة Marshal plan ، خطة مارشال الأمريكية لإطعام أوروبا

وإنعاشها، كانت كل الأحزاب الشيوعية ضدها، وأوروبا الشرقية بشكل خاص التي وقعت تحت الاتحاد السوفيتي.

الإيطاليون كان أكبر حزب شيوعي في أوروبا في إيطاليا، وكادوا أن يكسبوا الانتخابات للوقوف أمام الخطة الأمريكية، الكنيسة بالتعامل مع CIA سخرت كل كنائسها، وخطب الكنيسة في سبيل دحر الشيوعيين، وانتصر لأول مرة الحزب الديمقراطي المسيحي، بالإضافة إلى هذا وذاك -أبونا..يعني- دليلاً على أن الكنيسة تتدخل في الشؤون الدنيوية، يعني البابا يوحنا بولس الثاني هو الذي حرك -قس من منذ مجيئه عام 78- وهو الذي حرك قصة الاتحاد السوفيتي و(بولندا) بلده الأصلي، وساهم في تهديم الاتحاد السوفيتي، إذن الكنيسة تتدخل في الأشياء الدنيوية.

الأب بولص ملحم:

الكنيسة هي مجموعة بشرية تعيش على الأرض، ما هي مجموعة سماوية تطبق تعاليم الإنجيل اللي بتآمن فيه، فلما بتكون الكنيسة بإيطاليا -الكاثوليكية- تلعب ها الدور في سبيل الدفاع عن الإيمان المسيحي والإنجيل، ما بتكون عم بتقوم بشيء خطأ، ما بتكون عم بتقوم بشيء خطأ.

د. محمد عبد الحليم:

أنا بس عاوز أقول كلمة أخيرة علشان حكاية طريق الحجاج دي، ولنتذكر أن الحملة..

سامي حداد [مقاطعاً] :

مالنا ومال الحجاج؟ ما حجوا وخلصوا، هلا، نعم.

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

ولنتذكر أن الحملة الخامسة والحملة الرابعة..آه الرابعة والخامسة أثارها البابا (إنوسنت الثالث) مش ليؤمن طريق الحجاج، أو ليسترد القدس، وإنما ضد مصر، واستولت أولاً على دمياط، ثم جت الحملة الخامسة مثلاً كان فيها..

سامي حداد [مقاطعاً] :

كانوا يريدون الدخول للقاهرة لاستبدال القاهرة بالقدس.

د. صلاح نيازي [مقاطعاً] :

في المنصورة.

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

في المنصورة، وحبسته في المنصورة هناك..حبسته شجرة الدر -الملكة المصرية- ولم يتخلص إلا بدفع فدية كبيرة، فعملية..

سامي حداد [مقاطعاً] :

يعني تريد أن تقول..؟

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

يعني أنا أريد أن أقول في الواقع -الحق يقال- يجب أن نفرق بين المسيح والمسيحية وما فعله هؤلاء، والله لو قام المسيح اليوم لتبرأ منهم مما فعلوه، ولو قام اليوم وقرأ ما يذكر في القرآن عن المسيح وأمه، لكان أول من يمد يده ويدعو أتباعه في الكنيسة الكاثوليكية، وغيرها إلى مد اليد للمسلمين والمصافحة..

[حوار متداخل غير مفهوم]

سامي حداد:

عفواً عفواً..مع نهاية..عفواً عفواً، مع نهاية الحرب العالمية الأولي، وتمزيق العالم العربي بين نفوذ بريطانيا وفرنسا، وحنث الحلفاء بوعودهم للعرب لقيام دولة عربية مستقلة بعد انهيار الدولة العثمانية، دخل الجنرال الفرنسي (جور) إلى دمشق، وذهب إلى قبر صلاح الدين حيث هو مدفون، وقال: "الآن انتهت الحروب الصليبية"، ألا يدل ذلك على أن النزعة الاستيطانية الاستعمارية كانت مهمة فيما يتعلق بهذه الحروب، وليست دينية فقط كانت؟ د. صلاح نيازي.

د. صلاح نيازي:

فكرة الاستيطان قائمة منذ البداية، يعني وكأنما أرادت أوروبا أن تنتقل إلى البلدان العربية، نظراً للغنى، نظراً للثراء الموجود، نظراً للدعاية الكبيرة، لأن كثيراً من الأوروبيين كانوا يزورون الأماكن المقدسة بشكل خاص، لكن بالنسبة للحملة الصليبية الرابعة والخامسة، وقد انتقلت إلى مصر فعلاً، كان السبب هو ما يسمي بالإنجليزي Sprint Bold أي موضع قدم للانطلاق ضد الجيوش الإسلامية في فلسطين، بدل المجيء من أوروبا.

يجب أن يكون لهم موضع قدم، هناك بعض المؤرخين يعتقدون أنه في أثناء الحملتين الصليبيتين الرابعة والخامسة إنما كان الأوروبيون يفكرون بالسيطرة على البحر الأحمر، وهو الخط التجاري الواصل إلى الصين والبلدان الأوروبية، وهذا رأي معقول إلى أبعد الحدود.

سامي حداد:

بالإضافة، بالإضافة إلى تأمينهم الموانئ على طول الساحل السوري، وبذلك انتعشت التجارة بين الجمهوريات الثلاث جنوا وبيزا والبندقية.

د. صلاح نيازي:

وعلى هذا الأساس -عزيزي- أن ظهور السلاجقة ووصولهم إلى بحر (إيجة) كان يهدد بالدرجة الأولى الموانئ البحرية الإيطالية، لذلك هجموا على القسطنطينية وهم مسيحيون!! قصدي أن الأوروبيين -وفي المقدمة الإيطاليون- هجموا على القسطنطينية ونهبوها، وكذلك أحرقوا الكنائس وما فيها..

د. محمد عبد الحليم [مقاطعاً] :

وهذه حملة من الحملات التي فعلت هذا، حملة صليبية..!

سامي حداد [مقاطعاً] :

مع إنه..مع إنه من الغريب يعني..

د. صلاح نيازي [مستأنفاً] :

لكن لم يكن، لم يكن البابا قد وافق على ذلك، بمعنى أن احتلال زارا، واحتلال القسطنطينية لم تكن بموافقة البابا، وإنما حرمهم من الكنيسة أيضاً.

الأب بولص ملحم:

آه، نعم.

سامي حداد:

مع أنه، يعني عندما نجد في الأدب الذي أتى بعد تلك الفترة، فترة الحروب الصليبية، لو أخذنا على سبيل المثال الشاعر الإيطالي (دانتي) صاحب "الكوميديا الإلهية" وكان جده فارساً، وشارك في الحروب الصليبية، نجد هذا الشاعر الإيطالي يتحدث بشيء من الإيجابية نحو البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي، ويضعه على سبيل المثال في النشيد الرابع في فصل الجحيم، يضع صلاح الدين، وابن رشد، وكذلك ابن سينا في منطقة الأعراف، أو ما يسمى عند المسيحيين في المطر، يعني ليس مع المنبوذين، أو المحكومين بالإعدام ،أو الذهاب إلى جهنم.

يعني حتى في الأدب، بالرغم من وجود الأدب..القدس، القدس المحررة، والشعب المغتصب عن المسيحيين في تلك الأغاني الشعبية، وذكرت بطرس الناسك سابقاً على المستوى الشعبي، ولكن على مستوى المثقفين كان هنالك شيء من الاحترام بين المثقفين وحتى بين القادة، حتى أن صلاح الدين يقال -كان يقول أسامة بن منقذ مؤرخ تلك الفترة-: "أن صلاح الدين كان يحارب الصلبين في النهار، ويجالسهم مساءً، ويبعث بأطبائه لمعالجة فرسانهم، أليس كذلك د. صلاح؟"

د. صلاح نيازي:

هذا صحيح، أود أن أذكر مرة أخرى الجانب الأدبي من الإعلام أنت تعرف أنه أثناء الحروب الصليبية أعيدت قصيدة (رولان) وأعيدت كذلك قصة (شارلمان) بأسلوب صليبي آخر، لتهيئة الناس ومشاعر الناس ضد المسلمين، بالنسبة إلى (دانتي) وغير دانتي، طبيعي هؤلاء تأثروا، ليس عن طريق الحروب الصليبية مباشرة، وإنما عن طريق الأندلس والترجمات اللاتينية، بالنسبة إلى الأدب العربي الحقيقة أضرت الحروب الصليبية ضرراً تاماً بالعلوم، بالتقدم الطبي

الموجود، وظهر نوع من الأدب، هو الشذوذ الجنسي خاصة بمصر، لأنه كان أنت تعرف أن هناك بين الحملتين الرابعة والخامسة كان قد جمع الأوروبيون 30 ألف طفل أو فتى للذهاب إلى بيت المقدس وهم عزل، وظلوا يمشون من ألمانيا وفرنسا إلى أن وصلوا إلى مرسيليا، ولم يبق منهم إلا الثلث، وبعدئذ باعهم الجنويون والبيزيون إلى البلاد العربية كعبيد، فهؤلاء كثير من الشعر خاصة بمصر وبسوريا..

د. محمد عبد الحليم [مقاطعاً] :

فين..فين الكلام ده؟ أي شعر؟ أنت تقول ظهر نتيجة الحروب الصليبية الشذوذ الجنسي، شعر الشذوذ الجنسي ظهر في العراق من الأول أيام الدولة

العباسية، قل لي كده..اذكر لي اسم شاعر من الذين ذكروا شذوذ جنسي في الحروب الصليبية.

د. صلاح نيازي [مستأنفاً] :

لو تشوف كتاب "الأدب في عصر الحروب الصليبية" للمؤلف نصر حمزة، يبدو أنك لم تطلع عليه، وهذا مشهور -عزيزي- أنه حتى في تلك الفترة ظهرت أبيات شعرية، وفيها الحشيش لأول مرة في تأريخ الشعر العربي، على أية حال إذا كانت هذه note point يعني ممكن مناقشتها فيما بعد.

د. محمد عبد الحليم:

لا صلة لها بالحروب الصليبية.

سامي حداد:

حتى لا ننقل ذلك، ولا نخرج عن الموضوع، دعني أشرك الأب بولص

ملحم، الآن البابا بولس يوحنا، أو يوحنا بولس الثاني زار العديد من دول العالم، وحتى زار لبنان، وأنت لبناني يعني، ولم يزر بيت المقدس حتى

الآن، برأيك لماذا؟

الأب بولص ملحم:

البابا يوحنا التاني دعا إلى زيارة الشرق..الشرق الأوسط، مش فقط

لبنان، ولكن لم يزر إلى الآن القدس، لأنه أكيد موقف البابا هو موقف رئيس الكنيسة الكاثوليكية، وبنفس الوقت هو رئيس دولة الفاتيكان، من الناحية الدبلوماسية، بأعتقد خطوات البابا لا تؤخذ في المنطقة إلا من أجل تقارب الشعوب، فإذن هذه الخطوة تبحث وتدرس، إتمام خطوة مثل هذه لا تكون إلا في سبيل تقارب الشعوب في المنطقة..

سامي حداد [مقاطعاً] :

ولكن، ولكن البابا بولس السادس، البابا بولس السادس زار الأماكن المقدسة..

الأب بولص ملحم [مقاطعاً] :

زارها فقط.

سامي حداد [مستأنفاً] :

كانت تابعة للأردن في تلك الفترة، ومن ثم ذهب إلى إسرائيل لزيارة النصر عام 64، وذهب كحاج، وليس كرئيس للكنيسة..

الأب بولص ملحم [مقاطعاً] :

تماماً.

سامي حداد [مستأنفاً] :

الآن يوجد علاقات دبلوماسية بين الفاتيكان وإسرائيل منذ عام 94.

الأب بولص ملحم:

لم تكن العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل إلا بعد عدة خطوات، إذا بدك نرجع للتاريخ، لقاء البابا يوحنا بولس التاني مع الرئيس عرفات سنة 82، بعدين اتفاقية (أوسلو) وبعدين سنة 94 تبدأ العلاقات الدبلوماسية بين الفاتيكان ودولة إسرائيل، وإذن معناته ها العمل اللي عم بيصير بين الشعوب في المنطقة من تقارب نحو السلام، الفاتيكان بيساهم فيه، يلعب دور السلام، مش بيلعب..

سامي حداد [مقاطعاً] :

مع أن البابا..مع أن البابا الحالي، يعني أبدى رغبته مع بداية الألفية الثالثة، يعني بعد عامين من الآن -إذا بقي على قيد الحياة- لأن يزور جبل سيناء -د. محمد عبد الحليم- ليصلي مع رؤساء الديانات الثلاث.

د. محمد عبد الحليم:

جميل..جميل جداً، التقارب بين الشعوب هو هدف خلق الإنسان في القرآن، ما قلناه عن الحروب الصليبية، أنا أحب أن أقول: إنها في الواقع اتهام للمسيحية أن نلصق بها هذه الحروب، واتهام للمسيح أن يقال: "أن هذه الحروب نشأت لخدمته أو باسمه" يبقى ذلك عملية التقارب بين الناس، إذا كان هؤلاء -يعني- إذا كانت..هذا هدف إنساني نبيل، وهدف جميع الأديان، وإذا كانت الكنيسة الكاثوليكية تقاربت مع هذا وذاك، فأحق الناس بالتقارب معهم هم

المسلمون، لنقرأ، وليذكروا للمسيحيين ما يقوله القرآن عن المسيح، أعظم التكريم والتبجيل، وعن السيدة مريم بالذات، هذا ما يجب أن يحصل، الآن..

سامي حداد [مقاطعاً] :

هذا كلام جميل، الآن..الآن يوجد حوار بين الديانات الثلاث، خاصة بين الفاتيكان والأزهر، وهنالك في بريطانيا، لديكم هنا الآن حوار بين المسلمين والمسيحيين، يعني إلى أين سيؤدي هذا الحوار؟

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

سيؤدي..يجب أن يستمر..

سامي حداد [مقاطعاً] :

يعني كيف يمكن إيصاله إلى الإنسان عادى اللي في الشارع؟

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

يجب أن يستمر، ويتوسع في كل..إحنا هنا، مثلاً أنا اشتركت في هذا اللون من ألوان الحوار، كتبنا كتاب عن الحرب والسلام في المسيحية والإسلام، واجتمعنا مع الأخوة المسيحيين، وكنا نجتمع في كنيسة لمدة سنتين، وخرجنا في الآخر بعد نظر عميق لما هو في الديانتين، تقارب الدينين في هذا الأمر، يجب أن نتوسع في هذا، يجب أن نعمق معرفة المسيحيين بالإسلام الصحيح، وليس الإشاعات التي أشاعوها على مدى التاريخ.

فهنا مثلاً واحد مستشرق مسيحي، وهو أيضاً قسيس، وقال: "لم يتعرض إنسان في التاريخ للتشويه كما تعرض اسم محمد في أوروبا"، هذا اعتراف واحد قسيس بريطاني، يجب أن نصلح من هذا، وهذا البيان الحق، والحق هو أساس الدين، الأديان جميعاً، وعلينا أن نتقدم جميعاً للعمل خصوصاً الديانتين، أقول 3 أديان، هذا ما ينفع، لأن إيه؟..

سامي حداد [مقاطعاً] :

عفواً، كيف يمكن التقريب بين هذه الأديان، في الوقت يوجد تراكمات

الماضي، الحروب..عفواً، عفواً، يعني أنتم كأكاديميين تجتمعون، كرؤساء جاليات دينية، الفاتيكان، الأزهر، يذهب بعض الممثلين فيه تحت سقف واحد، أبواب مغلقة، لا يعرف الشارع عما يجري الآن، كيف يمكن نقل هذا إلى الشارع؟

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

إذا قداسة البابا أصدر هذا الاعتذار، وقال..ده هيؤدي، لأن هيخلي الناس يتكلموا عن هذه الأشياء، ويبدأ لون جديد من الأدب عن الإسلام، عن الإسلام ويعرف الناس إن المسلمين، هذا هو الإسلام الصحيح، وأن إحنا أخوة، نتعاون فيما ينفع، وعلينا الآن أن نتعاون، لأن من الآن فصاعداً الحرب أو الخلاف ليس بين المسلمين والمسيحيين، وإنما هو بين المسلمين والمسيحيين من جانب، وبين العلمانيين وأعداء الدين من جانب آخر.

نحن يجب أن نقف في صف واحد وخندق واحد عشان نحمي الأسرة، وهي محترمة في المسيحية وفي الإسلام،وعشان نحمي البيئة، وهذا مطلب إسلامي ومسيحي، وعلشان نتجنب خطر العولمة، يجب أن نقف جميعاً في صف واحد.

سامي حداد:

مع أن وزير خارجية بريطانيا (روبن كوك) في مطلع هذا الشهر، في أثناء مؤتمر حزب العمال السنوي، طالب بتحسين العلاقات بين الغرب وأوروبا والدول الإسلامية، هل يكفي ذلك -د. صلاح نيازي- أم أن هناك خطوات إيجابية يجب أن تتخذ؟

د. صلاح نيازي:

بالتأكيد هناك خطوات إيجابية يجب أن تتخذ، لكن المسألة الأساسية، وأرجو ألا يغتاظ مني المتدينون، أن الأديان ساهمت في الحروب كثيراً، والآن يريدون أن يصرف الأمر، لقد جربوا الصلح سابقاً، ولم ينجح، ولعدة قرون لم ينجح، لماذا لا نجد طريقاً آخر أن نتعامل كبشر؟ إنسان أمام إنسان آخر، بغض النظر عن الدين، أو الطائفة، أو المذهب، لأن ما حدث خلال التاريخ، ونتيجة تفسير العامة لأفكار الخاصة، قد جر الناس إلى مذابح كثيرة.

وقد رأينا في بيروت أمثلة عديدة أن المسيحي يتقاتل مع المسيحي، الشيعي يتقاتل مع الشيعي، السني يتقاتل مع السني، لماذا لا نبني علاقاتنا على أسس بشرية كإنسان؟..أحترمك وتحترمني، لنصبح أواني مستطرقة لا استعلاء فيها على أي سائل.

د. محمد عبد الحليم:

ننتظر طويلاً حتى يتخلى البابا عن مسيحيته، ويتخلى المسلمون عن

إسلامهم، ولن يحدث هذا، وإنما القرآن يطالب الناس..

د. صلاح نيازي [مقاطعاً] :

لا، لا، أنت لا تفهمني..أنت لا تريد أن تفهم..

د. محمد عبد الحليم [مستأنفاً] :

القرآن يطالب الناس، نحن نتحدث، يعني يقول: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) يبدأ من المنطقة الوسط بين الجميع، ويبدأ من المنطقة الوسط بين جميع البشر جميعاً، لتعارفوا..(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً) ناس مش المسلمين ولا المسيحيين (لتعارفوا..لتعارفوا).

د. صلاح نيازي:

يا د. محمد، أرجوك..أرجوك عزيزي، أرجوك، هذا الكلام الذي تقوله وتفسره جميل، ولكن المسلمين الأوائل فسروه تفسيرات مختلفة، بدليل المعارك فيما بينهم، بدليل المذاهب الشديدة، لكننا..

سامي حداد [مقاطعاً] :

ونفس الشيء، ونفس الشيء يمكن أن يقال فيما يتعلق بالكنيسة، المذاهب المختلفة والحروب..

د. صلاح نيازي [مستأنفاً] :

إن هذه النصوص الجميلة التي توضع في كتاب لا يمكن أن تحتوي على أية عدوانيات، لكن التفسير هو الغالب، والتفسير يختلف من بيئة إلى بيئة، ومن عصر إلى عصر، ومن شخص إلى شخص، بدليل وجود تفاسير كثيرة

للقرآن، تفاسير كثيرة للتوراة والإنجيل..

سامي حداد [مقاطعاً] :

دعني أشرك الأب بولص ملحم.

الأب بولص ملحم:

أعتقد أنا إن وجهة نظر أستاذ محمد، والأستاذ صلاح ممكن نختصرها، إنه وجهة الإنسان وبناء الإنسان قاسم مشترك بالحياة البشرية دون إعطائها صفة

دينية، مش بتلغي الدين للإنسان، بالعكس، ولكن بتقوي وتنمي تعاليمه الدينية، فتنمي إنسانيته، فيلتقي مع أخيه الإنسان من خلال كتابه السماوي اللي بيآمن فيه.

د. محمد عبد الحليم:

صح..صح، كلام عظيم.

سامي حداد:

ولكن..عفواً، في نهاية البرنامج ذكرت -دكتور- عالم العولمة، وتقارب المسافات، وإلغاء الحدود، الانتقاص من دور الدولة أو الحكومة، هل نحن أمام عصر إخاء وتسامح ومصالحة، أم أن العالم يتجه نحو صراع حضارات ما يروج الأمريكي -عفواً- الأستاذ في العلوم السياسية (صامويل هانتنجتون) الذي ملخص فكرته يقول: "إن هناك صراعاً حتمياً بين الغرب والعالم الإسلامي ليحل محل الحرب الباردة التي كانت بين الشرق والغرب" هل توافق على هذا؟

د. محمد عبد الحليم:

كلمة حق أريد بها باطل، زي ما أنشؤوا الحروب الصليبية، ومسحوها في المسيح، واتهموا المسيحية بها، وهي ليست كذلك، وهذا إنسان حتى هو نفسه تراجع عن كلامه، لسنا الآن في منطقة صراع، والصراع -كما قلت- يجب ألا يكون بين أهل الأديان، وإنما أن يقف الأديان جميعاً لحماية، مش لمحاربة أي أحد، وإنما لحماية الأسرة، وحماية البيئة، وحماية القيم الإنسانية السامية التي بشرت بها جميع الأديان، من الآن ويجب أن يقوم هذا على فهم صحيح لكل الأديان، هذا واجب على المسيحية، وواجب على المسلمين -يجب أن أقول هذا- يجب على المسلمين أن يكتبوا عن دينهم بغير اللغة العربية.

عايزين كتب عن الإسلام، مش كتب يكتبها يعني..يعني نحن عندنا وزارة الإعلام، وزارة الثقافة، وزارة الشؤون الدينية، وكل هذه تعمل في الداخل، لو أنها صرف واحد في المليون مما ينفق على هذه في كتابة كتب جيدة عن الإسلام باللغة الإيطالية، وبالفرنسية، وبالإنجليزية، وبالألمانية، والروسية وكل

الأديان، لنشرح للناس، ونتقارب مع الخلق جميعاً، فكلنا جميعاً عبيد لرب العالمين، وليس رب المسلمين، أو المسيحيين، أو اليهود، أو غيرهم.

سامي حداد:

د. عبد الحليم تداركنا الوقت، ولم يبق لنا مشاهدينا الكرام إلا أن نشكر ضيوف حلقة اليوم الأب بولص ملحم (راعي الكنيسة المارونية بلندن) والدكتور محمد عبد الحليم (أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة لندن) وأخيراً وليس آخر الدكتور صلاح نيازي (الأستاذ بمعهد أوكسفورد للدراسات العليا) رئيس تحرير مجلة (الاغتراب الأدبي).

مشاهدينا الكرام حتى نلتقي في حلقة أخرى من برنامج (أكثر من رأي) تحية لكم من سامي حداد، وإلى اللقاء.