مقدم الحلقة: جمال ريان
ضيوف الحلقة: الدكتور علي عقلة عرسان: الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب
نبيل عمرو: وزير الشؤون البرلمانية وعضو اللجنة العليا للمفاوضات بالسلطة الفلسطينية
محمد وفاء حجازي: مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق
تاريخ الحلقة: 13/08/1999








على عقلة عرسان
نبيل عمرو
محمد وفاء حجازي
جمال ريان
جمال ريَّان: مشاهدينا الكرام أهل بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج (أكثر من رأي)، والتي نتناول فيها (الخطاب السياسي العربي).

معظم زعماء العالم يخاطبون شعوبهم، ولكن بأية لغة؟! تميزت الساحة السياسية العربية منذ عدة عقود.. عقود بتغير في أنماط الخطاب السياسي، هذا التغير ركَّـز في جوهره على اللغة، وعلى الشكل، والأسلوب.

ويلاحظ المراقب للشأن العربي اختلافاً واضح في نوعية ومضمون الخطاب السياسي العربي الموجه للخارج عن ذلك الموجه لما يسميه البعض الاستهلاك المحلي، يلاحظ أيضاً أن البعض القيادات العربية اختار طواعية اللجوء إلى مفردات لم تكن موجودة في القاموس السياسي العربي، لكن القاعدة الرئيسية التي لا تزال متبعة هي تمحور الخطاب السياسي حول شخصية الزعيم وإنجازاته، والوعود المتكررة بالديمقراطية والمشاركة الشعبية، والنهضة الاقتصادية، بلغة تكون أحياناً بعيدة عن الإدراك الشعبي.

ورغم أن لغة الخطاب السياسي العربي استمرت تتمتع بالرصانة، والرزانة، والبعد عن التجريح،والقدح، والذم، واغتيال الشخصية إلا أن هناك شواهد خطيرة على تردي مستويات هذا الخطاب.

لمناقشة هذه القضية.. قضية الخطاب السياسي العربي معنا في الاستديو السيد علي عقلة عرسان (رئيس اتحاد الكتاب العرب)، ومعنا عبر الأقمار الصناعية من رام الله السيد نبيل عمرو (وزير الشؤون البرلمانية الفلسطيني)، ومن القاهرة السفير محمد وفاء حجازي (مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق)، ولكن قبل أن نبدأ حوارنا لنشاهد معاً التقرير التالي:

لغة العرب لغة الفصاحة، والبلاغة، والتعبير، تميزت عبر التاريخ بأنها الوعاء الثقافي والحضاري الذي يصهر الملايين فيه، وبقدر تمكن الحاكم من اللغة، ومفرداتها، وحيثياتها كانت دعائم الحكم تتعزز أو تنهار.

وكان الخطاب الجماهيري المباشر هو حلقة الوصل الرئيسية بين الحاكم والمحكوم، والسبيل الرئيسي لإقناع الجماهير أو توجيهها وفقاً لمقتضيات الحاجة والمصلحة التي ترتئيها السلطة، ولإن كان الخطاب السياسي العربي يوجه في وقت ما بلغة العرب الفصحى، فإن النصف الثاني من هذا القرن شهد تحول جذرياً، فالعرب في تلك الفترة كانوا يعيشون عهد الناصرية الثورية، ودعواتها للنضال ضد الاستعمار بكافة أشكاله، ودعمها المتواصل لحركات التحرر الوطني في كل أرجاء الوطن العربي.

استحوذ جمال عبد الناصر على قلوب الجماهير العربية أكثر مما استحوذ على عقولها بخطابه السياسي الذي ركز على اللهجة العامية المصرية، لم يكن الأمر مجرد شكليات لغوية، وإنما قراءة متأنية وواعية لعلاقة السلطة بالشعب، فاللجوء إلى اللهجة العامية كان يقرب الحاكم من المحكوم، لأن كلاهما يستخدم نفس التعابيـر والألفاظ.

وسرعان ما حاول الجميع اللحاق بالركب، وأصبح الخطاب الحواري هو النمط السائد في الساحة السياسية العربية، حوار القمة مع القاعدة بقي في معظمه حواراً أحادي الجانب إلا ما ندر، وبقي حوار السلطة مع نفسها حوار المنطق الواحد، والحزب الواحد، والنظام الواحد، فالتعددية لم تعرف بعد طريقها إلى المجتمعات العربية، على الأقل التعددية السياسية.

أما انتقاء المواضيع، والأسلوب، والكلمات فهي أمور لا تزال حكراً على المسؤول، وهو في أغلب الأحيان لا يدين لأحد بتفسير اختياره، وهناك الكثير من الخطب التي لا يفقه مضمونها إلا القلة القليلة من النخب المستنيرة، ثم هناك ازدواجية المعايير في التوجه الخطابي العربي، خطاب موجه للعالم الخارجي ذو مضمون يختلف –غالباً- عن ذلك الموجه للداخل، وهو يهدف من بين أمور كثيرة إلى تلميع صورة هذا المسؤول أو ذاك أمام الرأي العام العالمي، وخطاب موجه للاستهلاك الداخلي لحشد وتعزيز الولاء والشعبية، وأحياناً لتصفية حسابات قديمة جديدة حتى وإن كان ذلك على حساب الرصانة، والرزانة، التي يفترض أن يلتزم بها من يحتل موقعاً متميزاً في سلم الهرم السياسي.

جمال ريَّان: أهلاً بكم من جديد، ونبدأ حوارنا مع وزير الشؤون البرلمانية الفلسطيني نبيل عمرو في رام الله، نبيل.. هل يعبر الخطاب السياسي العربي عن واقع العلاقات العربية العربية؟

نبيل عمرو: ليس بالضبط، الخطاب السياسي العربي هو لغة تختلف كلياً عن حقائق التي تؤثر في العلاقات العربية العربية، خطاب له طابع دعائي، تبريري على الأغلب، منفصل –إلى حد كبير- عن الخطط، والحسابات، وصنع السياسات بالمفهوم العصري، كل هذا بإجماله يشكل حالة من التوجه السياسي غير المستقر الذي ينتقل بسهولة من النقيض إلى النقيض.

شخص الزعيم للحياة هي الحقيقة المركزية أو الموضوع المركزي، الانتقال بالسياسات من مكان إلى آخر هو -أيضاً- عمل يستسهل كثيراً في الخطاب العربي، الإنشاء عالي للغاية في هذا الخطاب، الحسابات بعيدة كل البعد، يكون محتوى الخطاب ولغته أحياناً ذات مضمون عادل، ولكن ليس واقعياً بمنطق الحسابات، لذلك نحن نقول أنا ارتبكنا طويلاً كعرب، ومازالت ديول هذا الارتباك مع تغلب الواقعية في بعض النواحي في السياسة العربية، إلا أن ما ورثناه عن عهود مضت، جعل الخطاب العربي قليل المصداقية على الصعيد الداخلي، ولربما منعدم على الصعيد الخارجي.

جمال ريَّان: علي عقلة عرسان، كيف ترد على ما قاله السيد نبيل عمرو، يقول بأن الخطاب هو خطاب دعائي، الزعيم هو الموضوع المركزي، والخطاب لا يخلو من الإنشاءات، وبعيد عن الحسابات.

علي عقلة عرسان: هناك الكثير مما نتفق عليه في هذا التشخيص أو التصوير، ولكن هناك –أيضاً- إضافات لهذا، وهناك ضرورة للبحث في الأسباب التي تجعل مثل هذا التشخيص موجوداً، الخطاب السياسي العربي ليس واحداً، فهو خطابات، والخطاب السياسي العربي -إلى حد ما- هو خطاب الشخص أكثر منه خطاب الدولة، بمعنى أن النظام يقدم رؤيته أو صورته انطلاقاً من رؤية القائد، أو الزعيم، أو الرئيس، أو الملك، ولكنه لا يأخذ بالاعتبار المؤسسات الموجودة في الدولة، ودور هذه المؤسسات في رسم صورة الخطاب، وفي المحاسبة على الخطاب، بمعنى أن العودة والانطلاق من قاعدة الشعب والاستراتيجية ليست بالضرورة هي قاعدة مفعَّلة.

ثانياً: الخطاب السياسي العربي يبدو في كثير من الحالات متناقضاً إما أمام المتلقي القطري، أو أمام المتلقي القومي، أو أحياناً أمام العالم، والسبب في ذلك -أراه- أن الخطاب العربي مشدود إلى أطراف معادلات متناقضة أو غير متكاملة نتيجة أوضاع ومعطيات، ورؤى حول هذه الأوضاع، والمعطيات.

مثلاً لنأخذ معادلة من المعادلات المتضادة، الأميركي خصم، والأميركي حكم، والأميركي قوة يحتمى.. بها عند بعض الأنظمة، وقوة يخشى من رعبها وتفعيل القتل الذي تقوم به لتحقيق مصالحها، القضية الفلسطينية بعد قومي، وتاريخ قومي، وقضية قومية وهي عند البعض قضية قطرية، وقرار خاص، وقس على ذلك بالنسبة للوضع الداخلي للديمقراطية، للتنمية، للوحدة العربية، للصراع

العربي صهيوني، وأيضاً للتضامن العربي وسواه، هذا يجعل.. نعم..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أستاذ.. أستاذ علي، يعني هل تريد أن تقول بأن الخطاب السياسي العربي هو يعبر عن الواقع العربي الحالي؟

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: الواقع يعبر إلى حد ما، ولكنه –أيضاً- يعكس صورة فيها ازدواجية بين الوجه والقناع، بين السياسة الداخلية المسكوت عن استراتيجيتها، والسياسة المعلنة التي يراد للناس أن يعرفوا عنها أشياء كثيرة.

جمال ريَّان: السيد –طيب- محمد وفاء في القاهرة، يعني هل تتفق مع السيد علي عقلة عرسان في أن الخطاب السياسي المحلي يختلف كثيراً عن الخطاب الخارجي.

محمد وفاء حجازي: هو في الواقع أنا أود أن أذكر أنه من الصعب تعميم حالة على الخطاب السياسي العربي، فالخطاب السياسي العربي هو خطاب في معظمه خطاب أنظمة، ولكن ممكن وضع يدنا على كثير من نقاط الضعف والعيوب التي يتسم بها معظم الخطابات العربية أو معظم الخطابات الصادرة عن هذه الأنظمة.

فمثلاً أنا أتفق مع ما قاله الأخ نبيل عمرو في السابق، ولكن فيه هناك إضافات لابد من إيضاحها، يعني من الصعب جداً أن نعمم حالة أو نشخص حالة تنسحب على كل الخطابات السياسية العربية، ولكن فيه هناك لكل خطاب سياسي عربي توجه، وفكر ، ورؤية تخص النظام الذي يعبر عنه، إنما لو إحنا وضعنا هذه الخطابات في حالة من المراجعة سنجد أنها تتسم بنقاط ضعف وجوانب قصور يمكن أن نلخصها في الآتي:

يعني مثلاً معظمها يعكس -معظم الخطابات العربية، أو الخطابات العربية لمعظم القيادات العربية- تعكس أزمة إدراك، بمعنى أن هذه القيادات لا تتعامل مع الوقائع والحالات، والظواهر السائدة في الساحة العربية بفهم كامل وبعيد لهذه الظواهر، مثلاً أيضاً سنجد أن معظم الخطابات العربية، أو خطابات معظم الأنظمة العربية تخضع لحساسيات شخصية، ولحالات مزاجية، ولنوع من العلاقات المتناقضة والمتعارضة بين الأنظمة وبعضها البعض، وقد لا تتصل بالصالح العربي العام، مثلاً معظم الخطابات العربية، أو نقول الخطابات.. الخطاب السياسي لمعظم القيادات العربية، تتسم بالفردية، وده هنا أثارها الإخوة الذين سبقوني في الحديث، أننا أمام حالة أن في جميع الأحوال أو في معظم الأحوال بلاش -نقول جميع الأحوال- الخطاب السياسي الصادر من القيادات العربية يتسم برأي الفرد، أو رأي العشيرة، أو رأي الأسرة، أو رأي الحزب، ولكنه لا يتسم إطلاقاً بالمشاركة بين القيادة وبين المؤسسات.. مؤسسات المجتمع

المدني -إذا كانت هذه المؤسسات موجودة- أو دون اعتبار للرأي العام السائد في البلاد وفي الأقطار اللي هم موجودين فيها.

أيضاً الخطاب السياسي العربي يتسم –في حالياً الظروف الحالية- بالتراجع، والانسحاب، والملاينة مع القوى المعادية للأمة العربي، يعني حنلاحظ أن معظم أو خطابات معظم القيادات العربية فيها نوع من التراجع، وفيها نوع من التنازل، وفيها نوع من الانسحاب أمام الأخطار التي تتهدد الوطن العربي.

كذلك من ضمن السمات العامة التي تسود الخطابات العربية حالة الخصومة، والفرقة، والتمزق بين البلاد العربية، أو بين أصح.. لعل التعبير الأصح بين الأنظمة العربية وبعضها البعض.

فأنا في اعتقادي هذه السمات هي السمات الغالبة، وفى بعض الأحيان بتتجاوز الخطابات الصادرة من معظم القيادات العربية حدود اللياقة في التخاطب والإيه.. والتحاور مع بعضها البعض، كما رأينا مؤخراً في بعض الحالات، سواء بالنسبة للخطابات السياسية الصادرة من بعض قيادات الخليج نحو العراق، أو بعض الخطابات السياسية الصادرة من قيادات سياسية موجودة في سوريا نحو القيادات السياسية في فلسطين، هذه الجوانب كلها بتجمع أو بتبرز بعض جوانب القصور، وجوانب الضعف والعيوب السائدة في معظم الخطابات العربية.

جمال ريَّان: علي عقلة عرسان، يعني واضح جداً فيما يتعلق بالخطاب السياسي العربي إنه مرَّ في مرحلتين: المرحلة الأولى كانت ما بعد الثورة العربية الكبرى وانتهاء الخلافة العثمانية، ظهرت حركات، خاصة الثورة في مصر في عام 1919م، حركات قومية عربية، يقال إنه هذه كانت قد أثرت كثيراً في الخطاب السياسي العربي، كان الخطاب السياسي العربي قد أصبح أكثر حماسية، خاصة لتعبئة وتوجيه الرأي العام، يعني الرئيس، أو الزعيم، في ذلك الوقت كان حينما يخطب أمام الجماهير يجمع تقريباً مليون مؤيد في.. بعد خطابه، لماذا -بالتحديد- يعني الخطاب السياسي العربي كان حماسياً، كان تعبوياً خاصة بعد انتهاء الخلافة العثمانية والثورة العربية الكبرى؟

علي عقلة عرسان: نحن لا نستطيع أن نفصل الخطاب عن المعطى الواقعي الذي يلامسه الخطاب، أو يعبر عنه، أو ينطلق منه، الفترة التي كان فيها الخطاب السياسي موجه ضد الاستعمار، ويحشد من أجل التحرير، ويحشد من أجل قوة عربية يراها في الوحدة، أو في.. في التضامن العربي بشكل عام، كان هذا الخطاب يحتاج إلى استنهاض الناس، وفى الوقت نفسه يلقى قبولاً لدى الناس، لأنه ينطلق من مصلحة قومية أو قطرية عليا هي الخلاص من الاستعمار، ومن ثم التعبير عن وجدان الناس الذين يتفاعلون مع الخطيب، ويؤيدونه بشكل مطلق، ونلاحظ أن هذا النمط من التلاقي والتفاعل الكاملين –تقريباً- بين متلقي الخطاب والخطيب السياسي، ساد –أيضاً- في فترات خارج فترة الاستعمار المباشر أو الدفاع من أجل التحرير، ساد في فترات العدوان، مثلاً في حرب السويس.. عبد الناصر لم يستقطب المصريين فقط، وإنما استقطب العرب، وأثـَّر في العالم، لأنه يعبر وجدان شعبي يرفض الاستعمار، وعن حق وعدالة، وعن قوة، ويواجه تآمر مكشوف، ولذلك عبـَّر بقوة، وأثر تعبيره –أيضاً- بقوة في الناس، فتعاطفت الناس معه، الحالة نفسها نجدها –أيضاً- في خطاب عبد الناصر فيه في عشرات.. عشرات..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: لكن عبد الناصر.. عبد الناصر -سيد علي عقلة عرسان- يعني هو كان خطابه موجه ليس للشعب المصري فحسب، بل إنما لقضايا قومية عربية، للشعب العربي، رغم إنه كان يخاطب الشعوب العربية والجماهير العربية باللهجة العامية أو المحلية المصرية.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: لأ هو كان في الخمسينات وفي بدايات الخمسينات -خاصة في السويس- كان ينطلق من موقف الدفاع عن مصر، وعن سيادة مصر ضد الاستعمار الإنجليزي البريطاني، وضد العدوان الإسرائيلي، من ثم اكتسب عبد الناصر بعد قناة السويس البعد القومي، وطرح القضية القومية، وأصبح خطابه يلامس وجدان الشارع العربي، ويحشد هذا الشارع باتجاه ما ويؤثر.

كون.. كون عبد الناصر اختار لغة الشارع أي الخطاب العامي، اللغة العامية أو اللهجة العامية المصرية فليس معنى هذا أنه اختيار مخطط له ومدروس، لا، لأن عبد الناصر يتقن الحديث إلى الناس بهذا الأسلوب وبهذا.. وبهذا المنطلق، أما كونه انصرف عن الفصحى، فلذلك أسباب أخرى، وهذا أمر يعني مغاير، أنا أظن..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: ولكن ألا تعتقد -مثلاً- أنه عندما.. حينما تتحدث أنت كرئيس دولة باللهجة المحلية أو العامية -كما ذكرت- يعني تنزلق أو ينزلق اللسان في تعابير –ربما- قد لا ترضي أطراف أخرى، يعني يقال في عهد عبد الناصر، بدأت تداعيات وانحطاط الخطاب السياسي العربي، خاصة بعد عبد الناصر يعني فيما قبل ذلك كانت الخطابات السياسية العربية من حيث الرزانة، ومن حيث الرصانة، ومن حيث تراكيب الجمل يعني أكثر متانة وأكثر تعبيراً يعني أدبياً، ومقبولاً لدى الكل.

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: الخطاب.. الخطاب السياسي لغةً مرتبط بالخطيب، ومرتبط بكون هذا الخطاب مرتجل أم مكتوب، في الحالات التي كنا نرافق فيها عبد الناصر بخطاب مكتوب، كان يخرج أحياناً عن الخطاب في إطار من الانفعال، وكان يؤدي أداءً معيناً، وكان يستعمل –أحياناً- بعض الكلمات غير المقبولة، ولكن ليس معنى هذا أن كل خطيب أتى بعد عبد الناصر أنه استعمل هذا الأسلوب، لا، فهناك رؤساء وملوك يستخدمون الفصحى، والمكتوب، ويرتجلون –أحياناً- ولكنهم لا يسقطون في هفوات معينة بشكل عام، فليس صحيحاً أو دقيقاً أنه عبد الناصر اختط طريقاً فأدى إلى .. أدى إلى..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: طيب، لنسأل.. لنسأْل نبيل عمرو.. نبيل عمرو، مَنْ يتحمل مسؤولية بداية انحطاط الخطاب السياسي العربي؟ هل هو فعلاً من بداية عهد عبد الناصر أم فيما تلى هذا العهد –عبد الناصر- يعني.. يعني فيه رؤساء عرب الآن يخاطبون بلهجات محلية يعني، يقول لك أنا باللهجة المحلية أنا أكون أقرب لشعبي، يعني الحاكم قريب جداً من المحكوم، يعني هل تعتقد أن من أسباب انحطاط الخطاب السياسي العربي هو التحدث باللهجة المحلية أو العامية؟

نبيل عمرو: خلينا نتوقف قليلاً عند ظاهرة جمال عبد الناصر، جمال عبد الناصر شخصية ملحمية في التاريخ العربي، إنجازاته ملحمية، إخفاقاته ملحمية، كان كل شيء كبير يتعلق بعبد الناصر، حتى خطابه عندما كان يختار اللهجة العامية، كان

عبد الناصر يدرك أن اللهجة العامية المصرية هي لهجة تقريباً عامية بالنسبة للعرب جميعاً، بحكم التأثير الثقافي لمصر، فكان مفهوماً لدى الجماهير المصرية والجماهير العربية، وكان يصل عبر هذه اللهجة.

والمسألة بالنسبة للرئيس عبد الناصر لم تكن مسألة فنية، أي لغة يختار..هل يختار اللغة العامية أم الفصحى؟ كانت المسألة هي أن عبد الناصر أول زعيم مصري يخرج من قلب الجماهير المصرية ويحكم مصر، أول زعيم يتناول الطموحات والتطلعات العربية، لذلك كان يطرق مسائل تستقطب الجماهير، ولكن يصل إلى نتائج تكون في حالات عديدة كارثية، بحكم قلة الحسابات، كثرة التآمر، قلة الوعي العربي، المفاجأة، يعني عوامل عديدة جداً.

مثلاً.. عندما طرح عبد الناصر فكرة القومية العربية جنَّد لها الجماهير العربية بأكبر مما تجند جميع الأحزاب العربية، ولكن لم تنجح أي وحدة عربية، بما في ذلك الوحدة التي نشأت، سواء مع سوريا، ثم الوحدة الثلاثية، ثم نوايات الوحدة مع ليبيا، كله كان يفشل، كله كان يفشل تماماً.

قضية الحرب والاستعداد لمقاتلة إسرائيل، كان عبد الناصر صادق ومخلص في كل ما يطرح، صادق بقوة وبإيمان فيما يطرح، ولكن كانت دائماً تأتي هذه النتائج الكارثية، وليس المسؤول عنها خطاب عبد الناصر، وإنما مجمل عوامل أظن أننا لسنا الآن بمعرض الحديث عنها.

انحطاط الخطاب العربي.. حقيقة أنا أرفض الجملة، أعترض على الجملة بأقول: انحطاط الواقع العربي، أو تراجعه بحكم إنه مثلاً لم يكن هنالك نهوض، فيه حيرة في اختيار الفكرة الأساسية التي يلتقي عليها العرب، هل نحن قوميون؟ هذه قضية لم تكن موضع إجماع مطلق بين القوى السياسية العربية، هل نحن دينيون؟ والآن نرى النتائج التي طرحها هذه.. هل نحن...

[موجز الأخبار]

جمال ريان: نبيل، أرجو أن.. أن تستمر في توضيح وجهة نظرك حول هذا الموضوع .

نبيل عمرو: نعم.. نعم سيدي، أنا رفضت فكرة انحطاط الخطاب السياسي العربية، واستعضت عنها بفكرة إن فيه انحطاط أو تدهور في الوضع العربي جميعه.

وفي تقديري أنا الأساس الفكري للخطاب السياسي العربي كان مضطرب غير محسوم، وبالتالي كنا حائرين فيما إذا كنا.. هل نحن الأساس الفكري لخطابنا السياسي أساس إسلامي؟ ماركسي؟ لينيني؟ قومي؟ عروبي؟ أساس إقليمي؟ يعني وكان عندنا كل هذه التشكيلات الفكرية، وأثرت على اضطراب الخطاب السياسي العربي، أثرت على التوجهات نحو الوحدة، أثرت على الوضع الاقتصادي والنمو الاقتصادي العربي، إضافة إلى أننا افتقدنا لفترة طويلة إلى الديمقراطية التي تجعل الشعوب تحسم اتجاهها الفكري من خلال تفاعل الآراء بحرية شديدة.

فأنا بأقول إنه الأزمة هي أزمة واقع عربي أكثر منها أزمة خطاب سياسي عربي، وعندما تكون أزمة كذلك علينا أن نبحث عن جذورها ونحلها، وساعتئذ يكون الخطاب عبارة عن تعبير لغوي عن واقع سياسي قائم.

جمال ريَّان: طيب نبيل، السفير محمد حجازي في القاهرة، يعني باعتقادك هل الخطاب السياسي الرسمي هو مرتبط –فعلاً- بتوجهات ومواقف من الحاكم العربي؟ وهل تعبر في واقع الأمر عن رغبة الجماهير وطموحات هذه الجماهير؟ هل يأخذ الحاكم في الحسبان مشاعر الجماهير في.. في خطابه السياسي؟

محمد وفاء حجازي: أولاً: دعني أنقل إليك أولاً اعتراضي الشديد على ما ذكرته بخصوص انحطاط الخطاب السياسي العربي، وأنك ربطت هذا بعصر عبد الناصر، إحنا أمام قضية هل الخطاب.. المحك الأساسي في الخطاب السياسي العربي هو اللغة أو الرسالة المراد نقلها إلى جمهور المتلقين؟ يعني هل إحنا في محفل أدبي نفاضل بين خطاب سياسي وآخر بأن لغته أكثر رصانة، ومفرداته أكثر أدبية، أم أمام حالة أنه.. أن القائد أو الزعيم، أو الذي يصدر منه الخطاب ينقل رسالة وقضية إلى جموع الجماهير التي تتلقى هذا الخطاب؟

وأنا أحب أن أنوه إلى مسألة ظاهرة كانت موجودة، لماذا كانت تستمع جماهير الأمة العربية من المغرب لغاية البحرين لخطاب جمال عبد الناصر، ولم تستمع إلى خطب أخرى لقيادات أخرى، يمكن كانت هذه الخطب أكثر رصانة، وأدبياتها أعلى، وأرفع مستوى، ومع ذلك كانت لا توليها أي اهتمام؟!

المهم هو أن تنتقل الرسالة إلى الجماهير، المهم هو أن أحمل القضية، ويتبنى هذه القضية الجماهير التي تتلقى هذه الرسالة، وهذا ما حدث في عهد جمال عبد الناصر، وبالتالي من الخطأ البين أن تتورط في خطأ يقول: بأن ذلك كان انحطاط للخطاب السياسي، إطلاقاً هو كان ارتقاءً بالخطاب السياسي، لأنه ربط الجماهير العربية حول قضية واحدة، وتحركت الجماهير العربية حول هذا الخطاب والقضايا.. القضايا التي طرحها الخطاب من المغرب حتى البحرين، أو كما نقول من المحيط إلى الخليج، أنها المرة الوحيدة والحالة الوحيدة التي يذكر فيها أن الخطاب السياسي كان مؤثراً في مجموع الجماهير هي في حالة جمال عبد الناصر، لأنه كان خطاب.. نعم..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يا سيد.. سيد محمد.. سيد محمد، يعني هو كان مؤثر فعلاً لأنه كان عاطفي في واقع الأمر، وفي نفس الوقت كان يعبر عن طموحات الجماهير العربية ما بعد الاستقلال، ولكن في خلال هذه الفترة أيضاً.. يعني أنا لا أقول عبد الناصر -بشخص عبد الناصر- فترة انحطاط، ولكن أنا أقصد أنه يعني في بداية عهد عبد الناصر وما بعد ذلك بدأ الخطاب السياسي من حيث استخدام الألفاظ، ومن حيث استخدام التعابير، بدأ مستواه يهبط، يعني حينما يأتي لك مثلاً أحد الوزراء ويخاطب زعيم عربي بطريقة يعني المفترض بالحاكم في حقيقة الأمر أن يختار الكلمات، أو المسؤول حينما يتحدث في شخص أي زعيم أن يختار عبارات، يعني أنا ألاحظ كثير من المسؤولين الأوروبيين يختلفون في الآراء كثيراً، ولكن حينما يتحدثون عن بعضهم البعض يتحدثون بلغة سياسية ليست ساقطة، هذا ما أقصده، أنا لا أقصد شخص عبد الناصر بالتحديد.

محمد وفاء حجازي: أقول لك مرة أخرى، وأعتقد أنك أخطأت مرة أخرى حينما تقول أنه خطاب عاطفي وليس خطاب عقلاني، العاطفة ممكن إنها تؤثر في الجماهير لموقف.. لساعة، ولكن أن تربط الجماهير بقضية فلا يمكن أن تكون العاطفة هي العنصر السائد، ولا يمكن أن تكون العاطفة هي العنصر المؤثر، ولكن لعقلانية الموضوع، ولطرح الموضوع، يعني مثلاً أن الحطاب.. الذي تميز به خطاب عبد الناصر هو طرحه لمشروع قومي وطني يتناول مستقبل الأمة العربية، ويتناول مصير هذا الوطن العربي، وكان يطرح هذا المشروع بأبعاده السياسية، والثقافية، والاجتماعية، وكان هناك عملية نقل للجماهير، لأفكار، ولرؤى نحو مستقبل نتمناه ونرجوه، ومازلنا نتمناه ونرجوه.

فهنا اسمح لي أن أعترض مرة أخرى على التفريق بين خطاب عاطفي وخطاب عقلي، وكأن فيه هناك من .. مسألة العاطفة دي قد تكون من اختصاص مطرب أو مغني، ولكن القائد السياسي حينما يخاطب الجماهير فهو لا يعتمد على تحريك مشاعرها يعني بنغمات سحرية، ولكن هو يعتمد على تحريك مشاعرها من خلال الفهم العقلي لقضيته، ومن خلال الاستقبال الفكري لهذه القضية، وهذا ما حدث في عصر عبد الناصر، وما زال...

جمال ريَّان [مقاطعاً]: ولكن هذا حدث يا سيد محمد، هذا حدث..

محمد وفاء حجازي [مستأنفاً]: أنا لم أقاطعك.. أنا لم أقاطعك..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: وتم نقل الجماهير العربية.. يا سيد محمد..

محمد وفاء حجازي [مستأنفاً]: أنا لم أقاطعك.. أنا لم أقاطعك..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يا سيد محمد.. يا سيد محمد، أنت تريد مواجهة معي شخصياً، ولكن.. أرجو أن تسمعني...

محمد وفاء حجازي [مستأنفاً]: لأ أنا مش أريد مواجهة معاك، أنا أرى أن في اختيارك أنت في الخطاب السياسي..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أنا أقصد بأن الخطابات العربية حينما بدأت في مرحلة ما بعد عبد الناصر هي كانت خطابات انفعالية تعبر عن وجدان وضمير المجتمع العربي والجماهير العربية، بما يتفق وطموحاتها من أجل التحقيق، ولكن كانت كما يقال -أنا لا أقول ذلك- هي كانت عمليات نفخ للجماهير العربية بدون مضمون، هذا ما أقصده يا سيد وفاء.

محمد وفاء حجازي: إذا كنت بتعتبر إن الجماهير العربية تسير وراء مسائل ممسوخة يبقى أنت أخطأت في حق الجماهير العربية مرة أخرى...

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: يعني إحنا في حوار ثنائي يعني..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: السيد علي عقلة عرسان.. علي عقلة عرسان يريد أن يعقب حول هذا الموضوع.

علي عقلة عرسان: نعم، أنا الحقيقة يعني أتفق مع السيد السفير حجازي في الملاحظتين اللتين أبداهما، وأضيف إليهما أن عبد الناصر في خطاباته لم يكن يهدف إلى نفخ الجماهير -كما تفضلت- وإنما كان يعمل على استنهاض هذه الجماهير، إرسال رسالة وعي وتحريك لها حتى لا تستسلم، وكان -إضافة إلى ذلك- هناك محاولة لزج الأنظمة العربية أو لوضع الأنظمة العربية أمام مسؤوليات تفرضها عليها الجماهير حيال قضايا قومية، فهو يعبر عن وجدان بمعنى ما، ويستخدم العقل، ولكن لديه حماسة قد تكون زائدة.

لكن هناك نقطة في الحسابات.. الحسابات الداخلية -بمعنى القطرية- والحسابات القومية لم تكن في أي وقت حسابات مدروسة في الخطاب السياسي العربي فإذا..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يعني إذن بدأت.. بدأت تتفق معي في ذلك.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: لا لا، في نقاط مختلفة.

جمال ريَّان: لأ، إذن بدأت تتفق بشكل واضح .

علي عقلة عرسان: في نقاط... في نقاط، بينما...

جمال ريان [مقاطعاً]: أنا حينما أعبئ الجماهير يا أستاذ على معلش.. معلش...

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: لأ اسمح لي أكمل.. أكمل فكرتي قبلك يعني..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أنا أريد.. أنت قطعت علي وأيضاً السيد محمد...

علي عقلة عرسان [مستـأنفاً]: أنا لم أقطع عليك، أنا تركتك.. حتى لا تصبح القضية ثنائية بينك وبين الدكتور حجازي، أنا أريد أن أدقق في الحسابات...

جمال ريان [مقاطعاً]: أنا لا أريد أن أدخل في مواجهة معكما.. لالا.. لالا، أنا أريد.. أنا أريد أن أقول بأنك تتفق معي أيضاً في هذه النقطة، يعني أنا حينما أعبئ الجماهير يجب أن أعبئ الجماهير بشكل واقعي ويتعامل مع الواقع، يعني حينما أنفخ الجماهير وأخطب بالجماهير لكي أجعل أكثر من مليون.. عشرة ملايين يؤيدونني بعد ذلك الخطاب، هذا عملية يسموها بالإنجليزية الهدف.. Personality Cult حتى يعبدونني، وليس من أجل تحقيق الهدف الأسمى..

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: لا لا،جمال عبد الناصر.. عبد الناصر لم يكن يطمح في أن يعبده.. يعبده الناس.

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أنا لا أقصد شخص عبد الناصر، أنا لا أقصد.. لا أقصد شخص عبد الناصر، إن ما أقصده -يا سيد علي- هو كثير من الخطب السياسية العربية التي ملأت وعبأت مشاعر العرب هي كانت عبارة نفخ فارغ.

علي عقلة عرسان: اسمح لي أن أعبر عن وجهة نظري يا سيدي.

جمال ريان: اتفضل.

علي عقلة عرسان: أنا أقول فيه هناك خطأ في الحسابات، وهذه الحسابات يعني تنبع... أو هذا الخطأ ينبع من تشبث السياسي العربي بحق، ومبدأ، وثوابت، وقضية، وخلل في توظيف الطاقات، والإمكانات، والحسابات الدولية لخدمة ما يطمح إليه السياسي العربي.

خذ لاءات الخرطوم على سبيل المثال، موقف يعبر عن ثوابت وتوجه سليم، ولكن لم تحشد طاقات حقيقية، وتوظف إمكانات لتجعل لا تحمل معنى لا، ونعم تحمل معنى نعم، ولذلك -في تقديري- انتقلنا على هذه الأرضية من لاءات الخرطوم إلى الهرولة على أعتاب العدو، هذه قضية مغايرة في الحسابات العامة العربية والقومية، لكن قضية المحافظة على الإرادة، زج الناس بقوة خلف القضايا جعل تلك الفترة فترة نهوض برغم الهزائم، ولكن في فترة من الفترات حولنا الانتصارات إلى هزائم، وأمتنا الإرادة العربية بالخطاب السياسي أو بانحراف الخطاب السياسي..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: لأنه يقال بأنه.. الهزائم التي لحقت بالعرب هي كانت نتيجة الخطاب السياسي العربي، والنفخ في تلك الخطب السياسية العربية.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: ليس.. ليس بالضرورة.. ليس بالضرورة، في حرب تشرين التحريرية..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: حرب تشرين...

علي عقلة عرسان: حرب تشرين التحريرية، حققنا انتصاراً وأتى الخطاب السياسي ليحوله إلى هزيمة في الدفرسوار وسواه..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: في الخطاب السياسي كنا نقول يا سيدي.. كنا نقول بأننا سنحرر فلسطين من البحر إلى النهر.

علي عقلة عرسان: مازالت هذه المقولة في الوجدان العربي ترتبط بالمبدئية والحق والثوابت.

جمال ريَّان: ولكن كل الخطب السياسية كانت مبنية على ذلك،كانت لا تتعامل مع الواقع.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: الخطاب السياسي.. الخطاب السياسي خطاب قطري، يضع القطرية صيغة اعتراضية على القومية، ولا يؤسس لجبهة مواجهة على أرضية الثوابت القومية، وإنما يريد أن يحافظ على النظام القطري، والمنطلق القطري، والهيئة القطرية على حساب كل المصالح القومية العليا، ولذلك تستنفر الجيوش العربية للدفاع عن الجانب القطري أكثر مما تستنفر للدفاع عن الجانب القومي...

جمال ريَّان [مقاطعاً]: طيب لنأخذ صادق سالم.. صادق سالم من السعودية.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: هناك نقطة.. هناك نقطة قبل.. هناك نقطة إذا سمحت يا أخ جمال تتعلق بواقع الخطاب أشار إلية الأستاذ حجازي وأشرت إليه أنت..

جمال ريان [مقاطعاً]: بعد.. بعد.. بعد.. لأنه ينتظر منذ وقت، بعد أن.. بعد أن.. ولكن بعد صادق، معلش يا أستاذ علي لأنه منتظرنا.. منتظرنا صادق السالم من السعودية.. صادق تفضل.

علي عقلة عرسان: اتفضل، بعده.. بعده أعود إليه.

صادق السالم: السلام عليكم.

جمال ريان: إن شاء الله.. تفضل يا سيد صادق.

صادق السالم: آلو.. السلام عليكم.

جمال ريان: عليكم السلام.

صادق السالم: عندي –الله يسلمك- خطاب أوجهه للأنظمة العربية.

جمال ريان: بس باختصار الله يسعدك.

صادق السالم: الأنظمة العربية الغير الشرعية والغير المنتخبة من قبل الشعوب، والذين لا يقبلون بتداول السلطة، سؤالي لهم: إلى متى يرغبون البقاء في السلطة؟ وهل يودون التوارث بينهم مدى الحياة؟ وهل الكراسي والدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم؟ وهل يعتبرون الأوطان التي يحكمونها ملكاً لهم؟ هل لديهم صكوك عليها وعلى ثرواتها المستنـزفة؟ ولماذا لا يطلعون الشعوب بذلك؟ وإذا أثبتوا أن لديهم صكوك فتعتبر إسرائيل لديها صك على فلسطين.. ولن تعترض عليها الشعوب العربية...

جمال ريَّان [مقاطعاً]: طيب شكراً يا سيد صادق.. صادق السالم من السعودية.. أشكرك.

صادق السالم [مستأنفاً]: دقيقة يا أخ جمال..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أشكرك يا سيدي..

صادق السالم [مستأنفاً]: لن تعترض عليها الشعوب العربية.. هل يحق للشعوب التي يحكمونهم معرفة ثرواتهم الغير شرعية بينما يحق لـ(C0 I 0A)؟ الشعوب تتمنى سماع الإجابة منهم عبر وسائل الإعلام إذا كانوا يعتبروا أنفسهم شرعيين، وهذا ليس صعب عليهم..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: طيب، شويه.. أنت بتختلف شويه عن موضوعنا، شكراً يا سيد صادق.. شكراً يا سيد صادق..

صادق السالم [مستأنفاً]: وأولهم.. أولهم.. وأولهم صدام حسين الذي أجرم في حق الأمة...

جمال ريَّان [مقاطعاً]: سيد صادق شكراً لك، نبيل عمرو.. نبيل عمرو، والله أنا سأعود إليك، أنا عارف أنك أنت ملآن حول هذا الموضوع، وأنت..

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: لا.. لأنه أثارتوا قضايا وتريدون أن تقفزوا.. أن تقفزوا فوقها.

جمال ريَّان [مستأنفاً]: وأنت رئيس اتحاد الكتاب، يعني هو موضوع –على فكرة- بحره واسع، ولكن نريد أن نحصره في بعض الموضوعات.

علي عقلة عرسان: تفضل.. تفضل.

جمال ريَّان: يعني أستاذ نبيل أنا أريد أن أعود إليك، يعني قبل قليل السيد السفير محمد حجازي، رغم إنه أنا أول مرة بأجري هذا اللقاء معه إلا إنه شن عليَّ هجوم من مصر، وهنا الأستاذ علي يتفق ولا يتفق في بعض النقاط التي أوردها، ولكن سيد نبيل، أنا أطرح عليك الموضوع، وهو هذا الموضوع الذي نحن بحاجة يعني في.. كمثقفين أن نعرفه، ويعرفه المشاهد العربي بشكل عام، إنه الخطاب السياسي.. يعني حينما يتحدث رئيس دولة في خطاب سياسي وينفخ المشاعر العربية من أجل تحرير فلسطين، تحرير القدس، استعادة السيادة العربية، البعث القومي.. وغير ذلك يعني من الشعارات والخطب الرنانة ضد الإمبريالية، ضد الرجعية، ضد الكذا، ضد.. يعني وهذا في الواقع لا يتفق وذلك الزعيم، وحتى جميع إمكانيات الدول العربية مجتمعة، يعني ألا تعتقد أن هذا الخطاب السياسي كان السبب الرئيسي في المرحلة الحالية التي يعيشها الوطن العربي؟

نبيل عمرو: سأساندك أخي جمال لأنه متفقين من البداية، وكان بداية مداخلتي تقول على أن الخطاب لغة الشعار فيه أكثر من لغة الحسابات، بدأنا من هذه النقطة، ومازلت أصر على أن أي خطاب لا يقوم على حسابات يعتبر تضليل حتى لو كان صاحب هذا الخطاب حسن النية، وعلى الأرجح أن يكون حسن النية، أنا لا أتهم أي رجل وصل في مجتمعه وبلده إلى الموقع الأول بأنه غير وطني وأنه سيئ النية، ولكن دائماً يكون هنالك طريقة في التعاطي مع القضايا السياسية ومع الجماهير تؤدي إلى نتائج عكسية.

أنا بأقول بالفعل أن فيه في مصر مثل جميل... خلينا نبسط الأمور، ولا نكثر من الجمل الكبيرة "الملافظ سعد".. زي ما بيقولوا، هذا على الصعيد الفني، هنالك لغة تستوعب أي فكرة تقدم بشكل جميل، وأظنك أنك حاولت تثير هذا الموضوع أخ جمال، ولكن قمعت بتكبير القضية، اللغة أساسية في توصيل الخطاب، اللياقة أساسية، التأثير على الجمهور من خلال لغة محترمة هذا شيء مهم، يخدم الفكرة، ويخدم الجمهور، إنما حشد الشعارات الذي تحدثت به، والذي ضجت به الإذاعات العربية، هذا أورث خيبة الأمل الكبرى في 67، قبل.. قبل الـ 67 بيوم واحد كنا كعرب من المحيط إلى الخليج نعتقد –من خلال التعبئة التي سبقت هذه الحرب- أننا ذاهبون إلى انتصار حتمي، لذلك كان العرب يعني يتمنوا الحرب بين لحظة وأخرى، بعد الهزيمة أصيب العرب بارتداد فأصبح عندهم سخط، أصبح عندهم عدم يقين بأي شيء، أصبح عندهم حالة ارتداد أدت إلى التراجعات التي حصلت وتحصل الآن.

مشكلة الخطاب السياسي العربي أن له لغة للجماهير، وعلى الأرض وتحت الطاولة تجري الصفقات السياسية، ويجري.. كل ما يناقض هذا الخطاب في الواقع، وإذا كان هنالك من مأساة لذلك فأبرز المآسي على الإطلاق فشل الفكرة الوحدوية، ثم فشل العلاقات العربية العربية، في أن تحرز الحد الأدنى من المستوى المطلوب، والمستوى الذي يشعر الإنسان العربي أنه يرتبط بأمة، مغني عربي الآن يربط أكثر من الاقتصاد العربي، الاقتصاد العربي العربي واقعه 8% من العلاقات العربية، من هنا ننظر إلى الموضوع، فأنا أعتبر الخطاب العربي كان خطاباً تضليلياً عندما يتحدث عن شعارات غير مدروسة، ويسوق الجماهير إلى أهداف، هو يدرك جيداً أن الإمكانيات المادية لا تستطيع أن تحققها.

جمال ريَّان: طيب.. معنا أديب البردويل من ألمانيا، أنا عارف أنك تريد أن ترد على ذلك، هو قال لك أنه هو كان خطاباً تضليلياً يعني في مرحلة من المراحل..

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: أنا سجلت هذا..

جمال ريَّان [مستأنفاً]: ولكن لنأخذ أديب البردويل من ألمانيا، أديب تفضل.

أديب البردويل: آلو.

جمال ريَّان: أهلاً بيك، تفضل يا سيد أديب.

أديب البردويل: مساء الخير.

جمال ريَّان: أهلا بيك.

أديب البردويل: ,bأولاأأllllllllكككككككككمممممممأولاً: تحية إلى (الجزيرة)، الرئة والطفرة، أريد أن أقول: إذا ما اعترفنا بالتأخر التاريخي في مجتمعنا العربي، لابد من القول: أن المهام السياسية لتقدم هذا المجتمع هي مهام تاريخية وكبرى، هذه المهام تشترط عقلنة الفكر العربي وتحديثه من أجل عقلنة السياسة في سبيل عقلنة المجتمع، وربط الكل بالواقع والشعب، لأن الإنسان مقياس كل القيم.

من هنا عُرفت السياسة على أنها فن تحريك البشر والأشياء باللهجة العامية كانت أم بالفصحى، لكن على ما يبدو أن كلمة سياسة ما تزال في العقل السلطوي العربي تنتمي إلى معنى اشتقاقها اللغوي، حيث أن فعلها ساس، واسم فاعلها سائس أي مروض الدواب ومؤدبها، وذلك يتجلى في الخطاب السياسي السلطوي، حيث هو يفتقد إلى وعي كوني أولاً، ووعي مطابق لمستلزمات تقدم المجتمع العربي ثانياً، ولا يمتلك برنامجاً سياسياً بالمفهوم التاريخي للكلمة ثالثاً.

فماذا يمكن لهذا العقل أن ينتج إلا خطاباً قوامه الخداع في الداخل، والتهويش في الخارج، وتغطيه عجزه وتخلفه بثوروية فارغة، لا تستطيع أن تقدم شيئاً للناس سوى شخصه المتزمت والمتهافت على التمسك بالسلطة حتى الموت، ويمكن أن نقرأ بوضوح استبدادية ولا عقلانية غالبية الحكام العرب من خلال الأناشيد والشعارات التي تنسج حولهم، تؤبدهم وتؤلههم بشكل مطلق.

فهو إذن لا يمكن إلا أن يكون عدواً للفكر والحوار، وقاتلاً لكل مفكر ومحاور، لأن الحوار والفكر ينفي مبررات وجوده واستمراره..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: سيد أديب.. سيد أديب البردويل في ألمانيا..

أديب البردويل [مستأنفاً]: عفواً، فلا مناص لهذا العقل –أخيراً- فلا مناص لهذا العقل السياسي إلا إما أن يصمت وإما أن يقمع ويقتل شعبه بكل ما لديه من الوسائل المتاحة، ودليلنا الأشد مثالاً على ذلك هو النظام السوري وجلادوه...

جمال ريَّان [مقاطعاً]: شكراً.. شكراً يا السيد أديب البردويل في ألمانيا، سيد علي.

علي عقلة عرسان: أولاً أبدأ من.. أبدأ من..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أنت تريد أن تردَّ على نبيل والسيد أديب أيضاً.

علي عقلة عرسان: أبدأ من كلام الأخ البردويل بأن هذا الذي طرحه من توصيفات تغاير كلياً ما دعا إليه من منطق وعقلانية وأدب حوار، فالذي ينادي بالعقلنة، واستخدامها في السياسة، وفرض (الثقاوفي) في المجال السياسي لا يقول بما ختم به كلامه، وهو وضع مؤسف، أعود إلى موضوع نقاط طرحت، أنت قلت نفخ الجماهير، وأخي الأستاذ عمرو قال تضليل الجماهير، وأدان أو أدينت حالة من الثورية أو حالة من استنهاض الناس،هل تريدون خطاباً تيئيسياً يسوغ ما نحن فيه...

جمال ريَّان [مقاطعاً]: لا.. لا إحنا نقول ذلك يا أستاذ علي..

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: اتركني أكمل حديثي أو أصمت على طول..

جمال ريان [مقاطعاً]: لا لا، أنت وجهت سؤال.. لا لا، أنت وجهت سؤال..

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: أنت تقاطعني دائماً.

جمال ريَّان: أنا لم أقاطعك، أنت وجهت سؤالاً، أنت تقول: أنت تريد خطاباً تيئيسياً، إحنا لم نقل ذلك إحنا نقول إن الخطاب يتفق مع إمكانيات الواقع.. الواقع السياسي الداخلي والخارجي.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: تكلم وحدك.

جمال ريَّان: لأ تفضل .. تفضل عقب، ولكن لا توجه لي سؤال.

علي عقلة عرسان: هل يريد من يطرح هذا الرأي أن يسوغ خطاباً تيئيسياً يؤدي إلى أن تستسلم الجماهير، وتستسلم الإرادة العربية لما هو واقع من اعتراف بالعدو، وتطبيع، وهرولة، وتفريط بالحقوق والثوابت الوطنية؟ أم أن التضليل مستمر في أن الأمة العربية بلا إرادة، بلا قوة، بلا وجود، وما عليها إلا أن تستسلم لهذا الواقع الذي تنزل فيه أميركا قدراً وإسرائيل معطى أبدياً.

أنا أقول إن خطاب الهزيمة هو الذي يكمن وراء هذا التوجه، وإدانة فترة عبد الناصر، أو الخطاب الثوري، أو الخطاب الذي يستنهض الأمة هو المطلوب لتمرير هذا المعطى، ونحن نرفض هذا ونقاومه على أرضية معطى واقعي، معطى مدروس، لكنه لا يفعل، ونريد من الخطاب السياسي، ومن السياسي العربي أن يفعل طاقات الأمة على أرضية وضع المصلحة القومية فوق القطرية، والمصلحة العربية العليا فوق شخصه، ومصلحة نظامه.. ومصلحة بلده فوق مصلحة نظامه، ومصلحة القطري فوق مصلحته الشخصية.

نحن نقول بضرورة حضور الثقافي في ساحة القرار السياسي، ليكون هناك خطاب، ومشكلتنا في الخطاب السياسي والثقافي معاً، وردت نقطة لا أفوت لا أريد أن أقفز فوقها، وهي إشارة منك ومن الأستاذ حجازي حول موضوع وزير يتكلم على رئيس دولة، أو هبوط في خطاب سياسي سوري وعراقي إلى آخره، وأظن أن هذا التلميح هو لما ورد في خطاب العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع حول ما يعني كان قد تكلم به حول موضوع عرفات، الرئيس عرفات.. أولاً: لابد من توضيح حقيقة بأن العماد مصطفى طلاس ليس وزير خارجية سوريا، ولا رئيس الدولة فيها..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: ولكنه في منصب عالٍ جداً، وزيراً للدفاع.

علي عقلة عرسان: أنا أتمم كلامي.

جمال ريان : تفضل.

علي عقلة عرسان: إنه يعبر عن رأيه الشخصي، فإذا ما استخدم عبارة أو كلمة غير مقبولة فيتحمل مسؤوليتها هو كشخص، وتنبع منه كشخص، وأسلوب الخطاب في سوريا تاريخياً لم يكن على الإطلاق أسلوب فيه مثل ذلك الانتهاك..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يعني لو جاء نبيل عمرو وتحدث بنفس الكلام ونفس الألفاظ عن الرئيس السوري، هل تريد أن تفند ذلك بهذه المبررات يا سيد علي عقلة عرسان.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: اتركني.. اتركني..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أنا بأسألك.. أنا بأسألك سؤال نفس السؤال.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: اتركني أكمل كلامي، أو تكلم وأنا أصمت..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أنا وجهت لك نفس السؤال يا أستاذ علي.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: أنا أتمم جملتي فقاطعتني، وأنت تقاطعني منذ بدأنا.

جمال ريَّان: تفضل.

علي عقلة عرسان: العماد مصطفى طلاس يتحمل -كشخص- رأيه، ولكنه لا يعبر لا عن السياسة السورية ولا عن لهجة الخطاب الرسمي السوري، وهذا لا ينفي حقيقة أن مواقف عرفات أو السياسة التي يتبعها لا تستحق النقد..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: هذا موضوع آخر، هذا موضوع آخر، ولكن الوزير.. الوزير السوري كان يتحدث يا أستاذ علي..

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: نعم موضوع آخر لك أن.. لكن الأسلوب.. الكلمات قد تكون غير ذلك..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أستاذ علي، أنت.. أنت رئيس اتحاد الكتاب العرب، وأنت أكثر ثقافة مني، وتعرف ذلك.

علي عقلة عرسان: نعم نعم، سليم.

جمال ريان: وكان يتحدث إلى نخبة كبيرة جداً من الضباط ورجال الجيش في لبنان، وهو كان يحشد الجماهير، ولكن بألفاظ يعني قيل بأنها كانت سوقية، ولكن أريد أن آخذ رأي سعادة السفير..

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: يعبر عن رأيه.. خليني أكمل هذه الفكرة يا سيدي يعبر عن رأيه، وفكرته..

جمال ريان [مستأنفاً]: سعادة السفير.. أنا أريد أن آخذ رأي سعادة السفير في هذا الموضوع..

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: سأعود.. ستأخذ رأي سعادة السفير..

جمال ريان [مستأنفاً]: لأنه إذا...

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: لكن حتى الكلمة التي قيلت واستخدمت من.. يعني، أذكر أن الرئيس عرفات في عام 83.. 1983م في مؤتمر (جنيف) قال كلاماً هو في صلب الجملة التي استخدمها لكن التعابير مختلفة، قال: لقد عملت كل ما يطلبون وحتى أنني لم أبقي إلا ورقة التوت ولم يقبلونها، هذا كلام وذلك كلام..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يا أخي.. يا أخي هو بيتحدث عن نفسه.. هو بيتحدث عن نفسه وهو ما بيتحدث عن غيره.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: يا أخي، نعم.. نعم، لكن العبارة المستخدمة بأشكال مختلفة، ونحن لا نقول إن هذا هو الخطاب السياسي السوري، هذا خطاب العماد طلاس.

جمال ريَّان: إذن هذا ما تريد أن تقوله.

علي عقلة عرسان: شخصي.

جمال ريان: ok، ولكن أنا أريد من السفير حجازي، السيد محمد حجازي في القاهرة، يعني أنت كموجود ومراقب الآن في القاهرة، ولك باع طويل في.. في أنت سياسي مخضرم في حقيقة الأمر،يعني كيف تنظر إلى مثل هذا الطرح في استخدام العبارات والألفاظ البذيئة حين نقد تصرفات رئيس دولة على الملأ وأمام الناس؟

محمد وفاء حجازي: أولاً: أخي جمال، أنا لا –أود أن أصحح- أنا لا أهاجمك إطلاقاً، ولكني اعترضت على بعض الإيه.. الأفكار التي صدرت منك، وعموماً إحنا في حوار..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: سيدي، مهاجمة من سعادة سفير سابق وزير خارجية مصر يعني هذا شيء يشرفنا في الحقيقة.

علي عقلة عرسان: ودي.. ودي.

جمال ريَّان: هجوم ودي.

محمد وفاء حجازي: لا.. لا، ولكن وجدت من واجبي -نحو نفسي حتى- الأقل أن أعلق برأيي حول ما ذكرته في بعض ... أنا تعليقاً على كلام حضرتك أنه ما من شك أن استخدام ألفاظ جارحة أو ألفاظ نابية هذا مرفوض تماماً في سياق أي خطاب حتى.. خطاب سياسي أو غير سياسي حتى، وخصوصاً حينما يجري التحاور والتحادث بين قيادات حاكمة، وسلطات حاكمة، ورؤساء دول، فهذا المفروض أن يتحلى الخطاب بأدب المناقشة، واختيار المفردات التي يليق لمستوى الخطاب نفسه، هذا أمر لا خلاف عليه.

ولكن لو سمحت لي أعلق على ما أبداه الأخ نبيل عمرو في بعض القضايا، فمثلاً هو قال أن فيه هناك يجب أن يتفق الخطاب السياسي مع الإمكانيات الموجودة والواقع، وكأن فيه هناك انفصام بين الواقع وبين الخطاب السياسي في مرحلة من المراحل، ولكن حينما يتناول الخطاب السياسي تفسير هذا الواقع، وتحليله، وإظهاره، وفضحه، ففي هذه الحالة لا يمكن أن تقول إن ده تجاوز أو إنه فيه خداع للناس، بالعكس إنما المفروض أن الخطاب السياسي أن يسبر غور كل الظواهر الموجودة، وأن يفسرها تفسيراً واضحاً.

ولكي أعطي المثل، مثلاً أن للسبب الأزمة الحالية، والتي بدأت منذ 48 حتى الآن، يمكن قبل 48 حتى الآن، هو موقف غربي بالذات حيال المنطقة العربية، وهو موقف متواصل، وتتزعمه النهارده أميركا، فكون النهارده إن إحنا نلجأ إلى الولايات المتحدة، ونعتبر أنها شريك كامل في قضيتنا، فهذا خطأ في الإدراك، أزمة في الإدراك، ويتطلب التفكير، والخطاب الذي يفسر هذا ويفضح هذا ليس خطاباً متغالياً أو متجاوزاً قدراته، ولكن هو يتعامل مع الواقع من حيث أنه السبب المباشر في الحالة التي نعيش فيها حتى الآن، فإذن شرح الواقع وتفسير الواقع برؤية سياسية قادرة على فضح هذا الواقع، وإخراجه، وتبصير الناس بيه، دا واجب وطني قومي على كل قيادة سياسية، وواجب أن يجب أن يتحلى به كل قرار أو خطاب سياسي.

جمال ريَّان: أكرم الحناوي من غزة، أكرم.. تفضل.

أكرم الحناوي: آلو مساء الخير للجميع.

جمال ريَّان: أهلاً بيك.

أكرم الحناوي: الله يعطيكم العافية.

جمال ريَّان: يا مرحباً تفضل.

أكرم الحناوي: يا أخي أنا أتكلم من غزة، سؤالي للإخوة اللي زعلانين على الخطاب السياسي، سؤالي: كل شيء في الدنيا لازم يكون إله هدف، أنا كفلسطيني أضرب المثال على قضيتي الفلسطينية من يوم ما خلقت وأنا أسمع خطابات سياسية منها الجيدة، ومنها المعبرة، إلى آخره، إلى آخره.

السؤال يا أخي للإخوة يعني هل وصل الخطاب السياسي إلى هدفه بالنسبة لقضيتي الفلسطينية في تحرير جميع أراضيَّ اللي موجودة تحت الاحتلال؟ يعني هذا سؤالي أنا بدي يجاوبني عليه الإخوة، يعني هل صار عمرنا أربعين سنة، وإحنا بنسمع خطابات سياسية منها المؤثرة، ومنها المعبرة...إلى آخره.

يعني أنا بدي أفهم هل وصل الخطاب السياسي، أضرب المثال لقضيتي الفلسطينية على أساس إنه تحررت جميع أرضي في هذا الخطاب أو لأ، شكراً..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: سؤال.. سؤال كتير مرتب، بنحوله إلى الوزير نبيل عمرو في رام الله، اتفضل نبيل.

نبيل عمرو: يعني سؤال الأخ من غزة بيؤيد وجهة نظري أنا وإياك –يعني حقيقة- بأنه عندما نتحدث عن الخطاب البعيد عن الحسابات نصاب بخيبة أمل، هذه حقيقة يجب ألا نناقش فيها، ونحن الفلسطينيين بشكل خاص الأكثر تأثراً من الخطابات، لأن القضية الفلسطينية هي قضية مركزية بالمعنى اللغوي ربما، مركزية..أي انقلاب كان يبدأ بوعد تحرير فلسطين، أي فكرة وحدوية.. تبدأ من أجل فلسطين.

وبالتالي نحن كفلسطينيين عشنا أكثر من نصف قرن تحت وطأة هذا النوع من الشعارات، صدقاً لا أناقش ما إذا كانت مخلصة أو لا، وليس الآن وقت لفتح ملفات حول هذا الموضوع، ولكن النتائج، يجب أن تدرس دائماً النتائج.

وأنا بيستحضرني قول الأستاذ علي عقلة عرسان، عندما تحدث عن التيئيس أو الاستنهاض، لا إحنا مش مطالبين أن نكون بين هذين الحدين الأبيض والأسود، فيه خطاب واقعي يقول للناس ما هي إمكانياتها، يقول للناس كيف يجب أن تتصرف حيال هذه القضية، وضع الإمكانيات كما هي يعطي الناس حصانة لكي لا تجري وراء سراب، أنت عندما تعرف الشيء تكون أكثر قدرة على المقاومة إذا كانت الحاجة لمقاومته، إنما عندما.. كل شيء نسجله تحت التعبئة وعدم تيئيس الجماهير، لكن نهاية المطاف، الجماهير عندما تجد نتائج مغايرة تيأس، لذلك أنا بأقول أمامنا ضرورة أن يكون هناك خطاب عقلاني يقوم على الحسابات، يقوم على قراءة الواقع، يعطي الجماهير كل المعلومات، الجماهير لا تعرف شيئاً..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: ويقال -يا سيد نبيل- الرئيس الراحل أنور السادات، هو كان من أكثر الرؤساء العرب واقعية في خطابه السياسي، يعني من المواقف.. الرئيس المصري أنور السادات السابقة أنه حينما عقدت قمة بغداد، وتمَّ إخراج مصر من الجامعة العربية، قال كلمة مشهورة، قال وقد رفضه العرب بعد ذلك قال: إن الدول العربية هي التي ستعيد علاقاتها مع مصر، ولن تكون مصر ملزمة بإعادة علاقاتها مع الدول العربية.

كان يتحدث عن رؤية مستقبلية واقعية، إذن كان هو إنسان واقعي، يعني هو لفظ في ذلك الوقت.. حينما وقع اتفاقية (كامب ديفيد)، الآن بعد اتفاقية كامب ديفيد جاء الفلسطينيون، ومن ثم الأردنيون، والآن السوريون على الطريق، يعني أنا علمت مؤخراً بأن السوريين شكلوا لجان مفاوضات، واللبنانيين شكلوا لجان لبدء هذه المفاوضات، لماذا لا يتم التعبير عن الواقع؟ لماذا لا نتناول الواقع، يقال بأن القضية الفلسطينية ضاعت، لأن العرب لم يتعاملوا مع القضايا المصيرية بشكل واقعي.

علي عقلة عرسان: أولاً أنا أتفق مع الأستاذ نبيل عمرو في بعض ما طرحه، وأريد أن أتوقف عند كلمة واقعية الخطاب، أو ارتباط الخطاب بالواقع، أو تعبير الخطاب عن الواقع، أنا أعتقد أن الواقع الذي ينبغي أن نأخذه في الاعتبار هو الراهن، والممكن، والمتغيرات المعطاة عربياً ودولياً، لأنها ترسم بالنتيجة حدود رؤية، وحدود استراتيجية تنعكس على الواقع، أو تؤثر فيه، وتنطلق منه، وتصب فيه في مستقبلاً.

أنا لست مع القول –إطلاقاً- بأن أكثر واقعي بين الرؤساء في خطابه السياسي هو السادات، إن أكبر منهزم في الخطاب السياسي العربي هو السادات، لأنه حوَّل العبور الرائع لجيش مصر إلى هزيمة للأمة ولمصر، بالخيمة (101) التي أدت إلى كامب ديفيد، أرجوك.. أرجوك اتركني لأكمل رأيي..

جمال ريان [مقاطعاً]: ولكن يا أخي.. مصر.. مصر..

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: أو بالله سأسكت تماماً..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يا سيد علي.. يا سيد علي.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: يا أخي أنت تقاطعني، وتشتت فكري، وتريد..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يا سيد علي، أنت تشن هجوم رهيب جداً على رجل.. اترك للتاريخ أن يحكم.. اترك للتاريخ أن يحكم..

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: لأ، أنا هذا رأيي، أنت قلت رأيك، يا أخي أنا أقول رأيي وأنت تقول رأيك والتاريخ يحكم، أما أن تسود رأيك باسم التاريخ فهذا هو نقيض التاريخ.

جمال ريَّان: ولكن فيما يتعلق بأنور السادات يعني لا نريد أن..

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: أرجوك اتركني أكمل رأيي، أنا أدين هذا الموقف، وأدين الرجل تاريخياً..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يعني هذا موقف شخصي..

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: وأحمله مسؤولية تنفيذ القرار الإسرائيلي الذي بدأ منذ عام 1948م، بإخراج مصر من المواجهة، وهذه كانت خطة، ولعبت عليها.. قوى كبيرة..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يا أخي، ربما تكون استراحة المحارب يا أستاذ علي.. يا أخي.. كيف؟

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: أرجوك.. أرجوك، ليست استراحة المحارب لأنه أولاً..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: ألم تحاربوا أنتم مع المصريين.

علي عقلة عرسان: أخي، حاربنا وكان..

جمال ريان[مقاطعاً]: وكان الخطاب السياسي المصري والسوري واحد في ذلك الوقت؟

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: لأ كان هناك.. لأ.. لا ليس الخطاب السياسي..

جمال ريان [مقاطعاً]: لماذا خرج الخطاب السوري عن الخطاب المصري إذن؟

علي عقلة عرسان: يا أخي اتركني أعبر عن وجهة نظري..

جمال ريَّان: تفضل.

علي عقلة عرسان: لأن الاستراتيجية التي وضعها السادات كانت استراتيجية تحريك الخطاب في حرب 73..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أنا أقصد.. أقصد.. أقصد الجمهورية العربية المتحدة يا أستاذي أنا هذا ما أقصده.

علي عقلة عرسان: أنت.. أنت قلت حاربنا، ولم نحارب إلا في عام 1973م معاً، فأنت.. أنت تهرب من السؤال، أو تحاول أن تحرفه.

جمال ريَّان: لا لا، أنا أتحدث عن الخطاب السياسي كان الخطاب السياسي واحد.

علي عقلة عرسان: في 73 كان السادات.. كان السادات يعتمد استراتيجية تحريك ليصل إلى ما يقول به من سلام أو اتفاقيات، وكانت سوريا..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: ولكنه كان واقعياً في التعامل مع..

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: واقعياً بمعنى..

جمال ريان [مقاطعاً]: ما الذي نشهده الآن في الخطاب السياسي المصري؟ هو واقع، السلطة الفلسطينية الآن.. الخطاب السياسي الفلسطيني، هو واقع لاتفاقات (أوسلو) وما تمَّ تنفيذه على الأرض.

علي عقلة عرسان: أنت باختصار.. أنت باختصار.. أنت باختصار، تريد أن تشوش.. لا لا، تريد أن تشوش...

جمال ريَّان [مقاطعاً]: أنا لا أريد أن أمجد، لأ ولا أريد أن أشوش.. لأ.. لأ.

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: ما يمكن أن أوصله أنا إلى الجمهور.

جمال ريان: تفضل.. تفضل.

علي عقلة عرسان: وأحس بأن هناك حلفاً فلسطينياً.

جمال ريان: لا والله.. لا والله.

علي عقلة عرسان: بينك وبين نبيل عمرو وهو يتحدث مع غزة، اتركوا الناس تسمع لأننا نحن أمام الناس، لسنا في غرفة مغلقة.

جمال ريَّان: طيب أنا بعد قليل سآخذ رأي سعادة السفير في القاهرة إن كان هناك حلفاً أم لا؟

علي عقلة عرسان: خد سعادة.. أولاً أنا أعود.. أنا أعود إلى القول بأنه بالنسبة للسادات أخرج مصر من دائرة المواجهة، وقضى على جوهر المواجهة بذلك، ولذلك وصلنا إلى ما نحن فيه الآن.

ثانياً: عندما قال: العرب سيعودون إلى مصر. نعم، ولكنه ليس هو الذي فعل ذلك، ولكن هناك الغرب، والولايات المتحدة، وإسرائيل، والمتعاونون من العرب مع أولئك، وأنا لا أرفض فكرة المؤامرة ومنطق المؤامرة في بعض الحالات، نحن أمام ضرورة استخدام الواقع، وأمام منطق واقعي في التعامل مع الأمور، ولكنا أمام استقراء التاريخ في تجارب الأمم، الأمم لا تموت بمجرد موت سياسي، أو انحراف سياسي، أو هزيمة جيل، الأمم تبقى قضاياها المصيرية بمتناول أجيالها، وبمتناول وجدان تلك الأجيال وذاكرتها إلى أن تغير الواقع بواقع معطى على أرضية العلم، والمعرفة، والإمكانيات، والوعي، ولكن علينا ألا نسحق الذاكرة والوجدان، ونكرس منطق الهزيمة بهذا النوع من الخطاب، وهذا النوع الذي أرى أنه يحاول أن يدين كل من يقف مع الأمة وقضاياها، وحتى قضية فلسطين، وأن يفرغ المنطق الآخر منه.

قضية فلسطين قضية قومية، دفع السوريون أرضاً وشهداءً، والمصريون أرضاً وشهداءً، واللبنانيون أرضاً وشهداءً -وما زالوا يدفعون- والأردنيون والعراقيون والجزائريون، والمغربيون، هذه قضية قومية، لماذا تجعلها وتحصرها قضية مفرغة من مضمونها، وتحتاج فقط إلى الاستسلام، لأن ليس بالإمكان أفضل مما كان، ليست الأمة العربية هذا الجيل، وليس هذا الجيل من الحكام..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يا سيدي إحنا نتحدث عن قضية قومية، فعلاً هي قضية قومية..

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: هذه قضية قومية، هذه هي أكبر قضية قومية في تاريخنا.

جمال ريَّان: و صدَّام حينما أخذ الكويت وحارب في حرب الخليج الثانية راهن على هذا الموضوع، راهن على الشارع العربي، راهن على كثير من هذه القضايا، ولكنها ليست واقعية..

علي عقلة عرسان [مقاطعاً]: مراهنة غلط.. مراهنة غلط، فيه فرق بين واقعية وفيه غلط.

جمال ريان [مستأنفاً]: هذه القضايا ليست واقعية، هناك اختلاف واضح جداً ما بين الواقعية في الخطاب السياسي وما بين الأحلام والخيالات، مولود حمروش -رئيس وزراء الجزائر الأسبق- معنا على الهاتف، تفضل.. سيد مولود.

مولود حمروش: مساء الخير.

جمال ريَّان: أهلاً بيك ..تفضل سيدي.

مولود حمروش: والله بودي أن أسهم بقدر دقيقة في هذا الموضوع الهام جداً وهو الخطاب السياسي العربي.

جمال ريَّان: نعم، تفضل.

مولود حمروش: الحقيقة أن الموضوع كما هو مطروح فيه كتير من الإثارة، أن الخطاب يحلل من حيث الشكل، أما من حيث الشكل فهو قد استعار كثيراً من الأسلوب الخطابي المسجدي في السابق وفي الدولة العثمانية، إلى الثورة العربية، إلى غير ذلك، اثنين من حيث الغاية في الحقيقة أن.. من حيث الموضوع عفواً ففيه من حيث الموضوع أن الخطاب كان ينقص.. أو ينقصه التحليل المستفيض للموضوع الذي يحلله، أما من حيث المستهدف وهي الجماهير في الحقيقة هذا كان خطاب دقيق حيث أنه توجه بالإثارة والتجنيد للجماهير بطبيعة الحال، أن النتيجة فهي مرتبطة بالمواضيع الأخرى، وأنا شايف تابعت الحلقة هايدي معكم من قليل يعني وكل الإخوة -جزاهم الله خير- على ها المحاولات وعلى الجهود التي يبذلونها، بعيداً طبعاً عن التقديرات والتقييمات الفردية للرؤساء، وغير ذلك، لكن من حيث النتيجة الخطاب العربي السياسي بصفة عامة فلابد من تقديره بالنتائج المتواخاة، والنتائج المتحصل عليها.

فمن هذا الجانب نقول: أن الخطاب السياسي غير موجه.. موجه للجماهير وليس موجهاً للمواطن العربي، لأن فكرة المواطنة لما تتحقق بعد، وأن العمل السياسي في البلدان العربية لم يرتقي إلى العمل المؤسساتي المؤسس على الدراسة المستفيضة التي تأخذ بعين الاعتبار الواقع المر.

بطبيعة الحال أن الخطاب السياسي العربي باتجاهه إلى الأسلوب الإثارة يضفي الضلال والغموض على الواقع المر الذي تعيشه الجماهير، ويعيشه المواطن العربي في كل القطر.. الأقطار العربية..

في الحقيقة أنا نحن لسنا.. لسنا.. لسنا.. بعيدين لازلنا بعيدين كل البعد عن الخطاب العلمي والعقلاني الذي يصب باتجاه معالجة المشاكل المطروحة معالجة حقيقية بما تتطلبه من وقت ومن جهد،ومن تجنيد، ولهذا في الحقيقة القراءة السهلة والبسيطة توحي وأن الخطاب كأنه خطاب.. كهروب إلى الأمام، هروب من الواقع، وأنه مجرد تجنيد للرأي العام للمساندة، فالإخوة الآن.. تعرضن للقضية الجوهرية والمركزية -كما يقال- القضية الفلسطينية بالتأكيد، ولكن الإشكالية المطروحة هي أن إزالة إسرائيل والدفاع عن القضية الفلسطينية -كما قال الأخ- كانت هي المركز في كل انقلاب يحدث في البلدان العربية، واليوم كما توظفت هذه في السابق، وظفت اليوم عملية السلام كذلك للهروب من الواقع المر، واقع المواطن.. واقع المواطن المر الذي يعيشه بدون أن يفهم ما هي الأمور التي تسير أو تجري في الخفاء..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: رئيس.. رئيس وزراء الجزائر الأسبق مولود حمروش نشكرك جداً على هذه المداخلة، وأنا أحيل ما ورد في كلمة السيد مولود حمروش إلى السفير محمد حجازي في القاهرة، يعني انعدام العلمية، .. الهروب إلى الأمام.. يعني بعيد عن الواقع كيف تنظر إلى ذلك يا سيد محمد؟

محمد وفاء حجازي: والله، أولاً أود التعليق على بعض الموضوعات التي أثيرت، وأيضاً أريد أن أتحدث بشأن القضية اللي أنت اللي حضرتك أثرتها الآن.

جمال ريان: اتفضل.

محمد وفاء حجازي: أولاً يجب إن إحنا نفرق بأن فيه هناك خلط بين الخطاب السياسي، وبين التصور السياسي، والتعامل السياسي، والقرار السياسي.

الخطاب السياسي هي لغة موجهة إلى الرأي العام لكي يشرح موقف، وكي يدعوه إلى تبني موقف، ولكي يحضه على اتخاذ مبادرات، إلى آخره، أما ما يجري في داخل صناعة القرار السياسي فدا قضية أخرى إحنا ما بنقولش إنه حينما نصنع القرار السياسي نتجاهل الواقع، دا بالعكس لازم يكون الواقع مدروس دراسة كافية.

والسؤال على كل الإخوة وبالذات سيادة الوزير نبيل عمرو هو أن نكون عارفين بالواقع، ما فيش حد يعترض على هذا، يجب أن نكون على علم كاف ودقيق بهذا الواقع، ولكن السؤال المطروح -وهنا أعود إلى ما قاله الأخ علي عقلة عرسان- كيف نتعامل من هذا الواقع؟ هل نتعامل من موقع التسليم به، والرضا به، وقبوله على ما هو عليه أو نتعامل معه من حيث..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: ولكن أنا أريد أن أرد لك هذا السؤال يا سيد محمد حجازي.. سيد محمد، أنا أريد أن أرد لك هذا السؤال، خاصة وأنه أمامي فاكس من شخص اسمه سليمان بيقول: يعني العاتق في ذلك يعود إلى الرئيس، أو الأمير، أو الملك، أو الحاكم، يعني إذا الحاكم كان صادقاً، كان واقعيّاً، كان ديمقراطياً في خطابه السياسي، لو تحدث بصراحة ومنطقية في خطابه السياسي، بالطبع هذا يعتبر زي (كارت بلانش) للصحافة والمواطنين لكي يكونوا أكثر صراحة ويعبروا عما يروه بكل حرية، الأمر الذي يعارضه الحاكم بشدة، هل تعتقد أن هذا هو الحل؟ وهل تتفق مع هذا الاقتراح؟

محمد وفاء حجازي: أنا لي رأي، هذا الرأي إذا سلمنا بأن الواقع سيئ زي ما تفضلت حضرتك، وكلنا معترفين أن الواقع الآن رديء، السؤال هو: كيف نغير هذا الواقع؟ هل نغيره بالتراجع والانسحاب أم نغيره بمحاولة استنهاض عزائم الأمم، وعزائم الأمة، وإن إحنا نخاطبها لكي تقف موقف معبأ يرفض هذا الواقع؟!

إحنا شاهدنا في مرحلة من المراحل الانتفاضة الفلسطينية في أرض فلسطين، وهي التي غيرت مسائل كثيرة، وهي التي جعلت الأمم المتحدة تنتقل إلى جنيف لكي تستمع إلى الرئيس ياسر عرفات، إذن الإرادة العامة والإرادة الجماهيرية مطلوب استنهاضها، ولكن لا نتكلم مع الواقع من منطق إن إحنا خلاص دا.. دا قضاء الله وقدره.

إطلاقاً، نحن نتعامل مع الواقع من أنه إذا كان هذا الواقع سيئ ويضر بمصالح الجماهير، فواجب الخطاب السياسي أن يحرض الجماهير على مقاومة هذا الواقع، ولابد أن يعبئها لكي تغير هذا الواقع، هذا شيء.

وأعود لما إنت أشرت إليه بالنسبة للرئيس أنور السادات، الرئيس أنور السادات قال مقولتين، وبهذه المناسبة أنا أحب أقول: إن الشعارات جزء من الخطاب السياسي، بل هي قلب الخطاب السياسي، أطلق شعارين، الشعار الأول: أن ما بيننا وبين إسرائيل حاجز نفسي، أنا عايز واحد يقنعني بأن هذه المقولة صحيحة أو إنها اعتراف بالواقع، هل هذه واقعية؟! وهو الذي قال أن 99% من أوراق اللعبة في إيد أميركا!! هل هذه واقعية؟! إذا كان ذلك كذلك، فكيف يرتضي الشعب العربي على نفسه وهو قوة، وهو قدرة، وهو طاقة، أن يظل أسير هذا المنطق، وأسير هذا التفكير، إن إحنا نحتل إن إحنا نعرف الواقع دا ضرورة، إنما نسلم به إذا كان سيئاً هذا خطأ، والدعوة إلى التسليم به تحت ستار العقلانية هذا..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: سيد.. سيد محمد، باختصار يعني قبل أن نودعك، بقي حوالي أربع دقائق معنا، أريد أن أعطيك عشرين ثانية، ما هو المطلوب؟ ما هو الحل إذن؟

محمد وفاء حجازي: المطلوب.. أنك في بداية الحديث بتاع –سعادتك- قلت: إن إحنا نعيش عصر وواقع سيئ، يبقى المطلوب أن نغير هذا الواقع، ولن يغير هذا الواقع أحد من الخارج زي أميركا، أو أحد من الداخل زي إسرائيل، ولكن الذي يملك تغيير هذا الواقع هو الشعب العربي، ولديه من القدرات، والإمكانيات، والطاقات ما يستطيع أن يغير هذا.. هذا الواقع، وإذا قدمنا حادثتين معروفتين يا سيد جمال.

جمال ريَّان: سيد.. اتفضل.

محمد وفاء حجازي: الحادثة الأولى: هو العدوان الثلاثي سنة 56 وانهزمنا عسكرياً، ولكن الإرادة السياسية كانت استمرار المقاومة، ورفض الهزيمة، والعودة إلى مقاومة هذا، الموقع الثاني كان في سنة 67 انهزمنا عسكرياً، ولكن جماهير الأمة العربية خرجت ترفض هذه الهزيمة، وتولي ثقتها في القيادة، واستطاعت القيادة أن.. أن تنهض من حطام الهزيمة لكي تعيد تعبئة الشعب العربي، والكلام دا كله..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: طيب نبيل.. نبيل.. نبيل عمرو في رام الله، شكراً سيد محمد، نبيل.. ما هو باعتقادك الحل يعني لإعادة ترتيب، هل هو إعادة ترتيب في الخطاب السياسي أم هو إعادة ترتيب للواقع الراهن؟

نبيل عمرو: أنا في تقديري أن.. خليني أتوجه بسؤال لأخي علي عقلة عرسان اللي بيظهر لي كأنه لا يدري ما يجري في سوريا..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: بسرعة بس بسرعة أستاذ نبيل.

نبيل عمرو [مستأنفاً]: لا يدري ما يجري في سوريا، يجب أن يعرف أن سوريا تتجه بسرعة على نفس الخط اللي اتجه عليه أنور السادات، بس الرجل ألقى خطاب في مجلس الشعب حول خطه، سوريا بتفاوض نتنياهو بقى لها.. 3 أشهر.. 3 سنوات، وهي الآن هي التي تقول لباراك أنت رجل صادق، وإحنا جاهزين نشتغل مع بعض، وهذه عقلانية بالمناسبة، لذلك يجب أن نكون صريحين، الصراحة في توجيه السياسة، والإعلان عنها، وعدم استباحة شيء لنفسك وتحريمه على غيرك، هذا الوضوح والصراحة هي التي تجعل الجماهير في موضع يحترم الخطاب العربي، ويناقشه من أجل تغييره إذا كان خاطئاً، ونصرته وتكريسه إذا كان صحيحاً.

جمال ريَّان: بيقولك الصراحة يا سيد علي، والسوريين عم بيركضوا أكثر مما ركض السادات.

علي عقلة عرسان: لا أظن ذلك هذا شيء غير واقعي، لكن أقول أنه إذا توصلت سوريا إلى اتفاق ما، واعترفت بإسرائيل، فإننا في الوسط الثقافي في سوريا والوطن العربي سنقاوم كل الاعترافات بإسرائيل، وكل أشكال تطبيع العلاقات معها، لأننا نعتبر أن فلسطين عربية، وأنها ملك الأمة العربية..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: يعني لن تكون عضواً في (كوبنهاجن)؟!

علي عقلة عرسان [مستأنفاً]: أبداً ولا في أوسلو.

جمال ريَّان: إطلاقاً.

علي عقلة عرسان: ولا في أوسلو، ولا في وادي عربة، الشيء الآخر -يا أخي الكريم- اسمح لي أقول أنني أشكر السيد السفير حجازي على ما وضحه، أنا أتفق معه، وأقول بكل الوضوح: إن هذه القضية هي ملك الأجيال، ليست ملك حاكم، ولا ملك قُطر، وأن التغيير يبدأ في ألا ننهزم من الداخل، وأن نُفشل المؤامرة على إرادتنا ورؤيتنا المستقبلية، وأن نعمل على أرضية امتلاك العلم والإيمان، وترجمتهما معاً إلى قوة وإرادة، لأن المستقبل لنا ما دمنا مع أنفسنا (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ليست الهزيمة هي ..

جمال ريَّان [مقاطعاً]: ولابد.. ولابد للخطاب السياسي أن يعبر عن الواقع لا أن ينفخ.

علي عقلة عرسان: أنا أقول هذا، ولكن على الخطاب السياسي أن يقبل الآخر الثقافي الشريك، وأن يقبل القضية ببعدها القومي والمسؤولية عنها قومياً، وأن يعود لطرح، لابد أن يواجه فيه العالم أجمع، لأن الإسرائيل ليست العدو الأول والأخير، وأن الأمة لابد أن تملك قوة لتكسب منطقها قوة.

جمال ريَّان: وفي نهاية الحلقة.. في نهاية هذه الحلقة نشكر كل من السيد علي عقلة عرسان (رئيس اتحاد الكتاب العرب)، وكان معنا عبر الأقمار الاصطناعية من رام الله نبيل عمرو (وزير الشؤون البرلمانية الفلسطيني) ومن القاهرة السفير محمد وفاء حجازي (مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق).

حتى نلتقي في موضوع آخر من المواضيع الساخنة في الواقع العربي والدولي، لكم تحية من أسرة البرنامج، وهذا جمال ريَّان يحييكم من الدوحة.. إلى اللقاء.