مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

عبد الحق العاني: خبير في القانون الدولي
ستيف كروشو: هيومن رايتس ووتش
حازم صاغية: كاتب وصحفي الحياة
مضر شوكت: عضو قيادي في المؤتمر الوطني العراقي

تاريخ الحلقة:

19/12/2003

- تقييم الطريقة التي عُرِضَ بها صدام حسين
- أسباب استسلام صدام حسين

- دلالات اعتقال صدام حسين على الساحة العراقية

- الأسس المطلوبة لمحاكمة صدام حسين

- أثر اعتقال صدام على تغيير الثقافة السياسية في العراق

- دلالات سقوط صدام بالنسبة للحكام العرب

مالك التريكي: أهلاً بكم.

بعد سقوط النظام العراقي قبل ثمانية أشهر رجحت التخمينات حول المصير الفردي لكلٍ من صدام حسين ونجليه، أن عدي سوف يستسلم، أما صدام وقصي فإنهما سيقاومان حتى الموت، خاصة أن لصدام مقولاتٍ تُروى حول احتفاظه لنفسه بالرصاصة الأخيرة، وحول استنكاره لمصير شاه إيران عندما آثر المنفى على المقاومة أو الانتحار، إلا أن ما وقع على ما يبدو ظاهرياً حسب الرواية الرسمية هو أن صدام قد قنع -رغم أسطورة الفروسية هذه- بمصير لا يرقى من حيث تفاصيل الاستسلام وسهولته لمآل (سلوبودان ميلوسوفيتش) ولا حتى مآل عبد الله أوجلان.

فلماذا رضي صدام بهذه النهاية المخزية؟

ولماذا تعمدت أميركا إخراج نهايته هذا الإخراج التليفزيوني الدعائي الممعن في الإذلال؟

وهل ستكون محاكمة صدام التي يكثر الجدل الآن حول سيناريوهاتها القانونية مناسبة لإقامة العدالة، أم فرصة لممارسة الانتقام؟

وهل سيكون لنهاية صدام أثر ملموس على مستقبل العراق، خاصةً في مجال تغيير الثقافة السياسية لدى النخبة ولدى الجماهير؟

وهل ستكون في هذه النهاية المشهودة عبرة لبقية الحكام العرب، أم أنها سوف تمضي دون أن يكون لها أثر رادع ضد طبائع الاستبداد وشرائع الاستعباد في معظم البلاد العربية؟

هذه بعض من المسائل التي سيعقد حولها الحوار مع ضيوفنا الكرام، هنا معنا في الأستوديو الدكتور عبد الحق العاني (المحامي لدى المحاكم البريطانية وخبير القانون الدولي وعضو منظمة العمل القانوني ضد الحرب)، والسيد ستيف كروشو (مدير فرع لندن لمنظمة حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش)، والأستاذ حازم صاغية (الكاتب والمعلق السياسي)، أما من أستوديو (الجزيرة) في بغداد فسيلتحق بنا عما قريب الدكتور مضر شوكت (نائب رئيس المؤتمر الوطني العراقي) والمشرف على صحيفة "المؤتمر" التي تصدر في بغداد.

للمشاركة في البرنامج يمكن الاتصال بالأرقام التالية:

الهاتف 75870156 004420

أو على رقم الفاكس: 77930979 004420

وطبعاً عبر موقعنا على شبكة الإنترنت:

www.aljazeera.net

يمكنكم الاتصال بعد حوالي نصف ساعة من الآن، أي بعد موجز الأنباء.

تقييم الطريقة التي عُرِضَ بها صدام حسين

نبدأ الحوار مع الدكتور عبد الحق العاني. دكتور عبد الحق، من الأشياء التي لفتت الانتباه الطريقة التي عُرِضَ بها الرئيس العراقي السابق بعد القبض عليه حيث رآه الجمهور العربي والعالمي في شكل ليس.. لا يمكن أن يوصف بأنه شكل لائق، هل هنالك في القانون الدولي أو في اتفاقية جنيف نصوص تدل على أن من المسموح به أن يعامل أسرى الحرب بمثل هذه الطريقة؟

د. عبد الحق العاني: بالتأكيد لا، وهذا الأمر سبق للولايات المتحدة نفسها أن اعترضت على الأسلوب الذي عومل به الأسرى، وادعت واقعاً أن هذا مناقض لاتفاقية جنيف، التي تلزم بمعاملة.. معاملة الأسرى بشكل إنساني، إن الطريقة التي عومل بها صدام حسين بالتأكيد ليست طريقة إنسانية على الإطلاق، وإنما كما قال ممثل البابا قبل يومين عُبِثَ بفمه كما يُعبَث بفم قرد، وهذا لا يليق بأي إنسان، لأن الإنسان في الأول والأخير في نهاية المطاف يجب أن يُحترم مهما كان سلوكه، والولايات المتحدة كعادتها تلعب بالمعايير المزدوجة، فهي تطالب بسلوك إنساني لأسراها، لكنها ترفض الالتزام –كالعادة- بالقوانين والمواثيق الدولية، بلا أدنى شك كل الاختصاصيين في العالم في موضوع القانون الدولي يجمعون على أن هذا لا يصح ولا يجوز القيام به، إن التبرير بأن الهدف من هذا هو إثبات أن صدام حي وألقي القبض عليه، ليس كافياً، فالطريقة التي عُرِضَ بها لم يكن الهدف منها إظهار.. إظهاره حياً، وإنما كان الهدف منها إذلال الإنسان العربي، وعلى الأخص إشارة للحكام العرب أنكم جميعاً من هذا الطراز يمكن أن تعاملوا بهذا الأسلوب، أنا أستغرب أن لم أجد حاكم عربي انتفض وقال: هذا لا يليق، هذا واحد منا، ولكن هم على هذه الشاكلة.

مالك التريكي: نأخذ رأي السيد ستيف كروشو (مدير فرع لندن لمنظمة حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش)، هل لكم أي موقف بالنسبة للطريقة التي عُرِضَ بها الرئيس العراقي السابق على شاشات التليفزيون بعد القبض عليه؟

ستيف كروشو: نحن وبالتأكيد شعرنا بقلق شديد لما حدث، لأنه من الأهمية بمكان الظروف التي تم عرض صدام حسين بها بعد اعتقاله، لأن الكل يشكك في ذلك، ولكن إذا قلنا إننا كنا نريد أن نرى الرجل الذي فعل كل ذلك، في الواقع هناك بعض التساؤلات حول ما حدث، وهناك نوع من الشكوك تقول بأن الرجل قد أسيئت معاملته، في الواقع نحن نريد أن نعرف بعض الأشياء، وليس أمامنا على المستوى الدولي ووفقاً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف إلا أن نناقش مسألة إهانة إنسان من حيث المبدأ بهذه الطريقة.

أسباب استسلام صدام حسين

مالك التريكي: أستاذ حازم صاغية، أن الرسالة وصلت إلى الجميع سواء لدى العرب أم غيرهم بأن الطريقة التي عُرِضَ بها الرئيس العراقي السابق بعد القبض عليه كان يقصد منها نوع من.. من الإذلال، الصحافة الأميركية نفسها ذكرت ذلك، علماً بأن الرئيس العراقي له أسطورة كاملة عن.. عن عدم الاستسلام وتمسكه بالمقاومة إلى.. إلى الأخير لو.. لو.. لو قُدِّر له أن.. أن يُحارب إلى.. إلى آخر رمق، ما هو تفسيرك لاستسلامه بهذه الطريقة؟ هذه الاستسلام.. الاستسلام يناقض الأسطورة بشكل.. بشكل كلي؟

حازم صاغية: قبل التفسير فيما يتعلق بالاستسلام خليني أميز بين مستويين، المستوى الأول: إنه كائناً ما كان الموقف السياسي للشخص بينفر وبيستاء من عرض الصور بالطريقة اللي صارت فيها، وبيرجع بيشوف قد إيش عدالة المنتصر بشعة، حتى لما بيكون المنتصر فيها عم يلقط، عم يعتقل مستبد مثل صدام حسين، دائماً القوة، والعنجهية، والسلطة بهذا المعنى شيء منفر ومقزز إنسانياً.

من ناحية أخرى أنا بأخالف اللي بيقولوا إنه هايدا مهين للعرب، كلمة برأيي كثير عامة وخطابية، مهين للعرب.. العرب أفراد بادئ ذي بدء، والأفراد بيتساءلوا ويستفزوا من كل شيء بيطال إنسانية الإنسان، العرب مش كتلة واحدة، ولا بالضرورة يكون كل فرد منا طعن بشرفه وبكرامته مثل ما قالوا البعض، لأنه صدام عومل.. إلا بمعنى الاستفزاز الإنساني العام والشامل، أما كل واحد يُحاسب على سلوكه أو يفترض ذلك وعلى ما فعله، إلا إذا فيه شعور ما برأيي ممكن إذا وصفناه تهذيباً قومي، إذا وصفناه بأقل تهذيب قبلي، إنه أي واحد منا يصاب بشيء، فنهرع جميعاً للتطابق والتماهي معه، صدام حسين للأسف أنا ما بأقدر – ولا بلحظة من اللحظات -أتماثل أو أتماهى أو أتشابه معه، أو أحس إذا جردنا البعد اللي كنا عم نحكي عنه إنه إهانته هو إهانة لإلي، إطلاقاً لأ.

[فاصل إعلاني]

مالك التريكي: أتوجه بالسؤال الآن إلى الدكتور مضر شوكت (نائب رئيس المؤتمر الوطني العراقي)، وهو معنا الآن من بغداد، دكتور شوكت، الأنباء طالعتنا أخيراً بأن السيد أحمد الجلبي (رئيس المؤتمر الوطني العراقي) عقد لقاءً مع الرئيس العراقي السابق في سجنه بعد أن كان له لقاء أول معه هو وثلاثة آخرون من أعضاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق، وكان ذلك بطلب من الرئيس السابق، هل لك أن تحيطنا ببعض تفاصيل هذا اللقاء؟

مضر شوكت: لأسباب سياسية وأسباب أمنية لا يمكن لي التعليق على هذا الموضوع في الوقت الحاضر مع الأسف الشديد، ما مستعد أتكلم في ها الموضوع...

مالك التريكي: يعني جريدتكم.. جريدتكم اليوم، الجريدة التي أعتقد أنكم تشرفون عليها كان الخبر الرئيسي على صدر صفحتها الأولى هو هذا.. هو هذا الخبر، هل لك أن توجز لنا تفاصيل الخبر الذي أوردتموه في الجريدة، لأنه ليس بالضرورة كل المشاهدين قد طالعوا الجريدة؟

مضر شوكت: لم يكن هناك خبر، كان هناك صور، وكان هناك عنوان فقط، ونكتفي بهذا إن.. إن أردنا أن نُعِلم الشعب العراقي أو العالم بمعلومات سنعلمهم لاحقاً، بالوقت الحاضر ما.. ما عندنا استعداد إنه نتكلم بها الموضوع.

مالك التريكي: يعني هل تنفي أم تؤكد أن رئيس المؤتمر الوطني العراقي -وأنتم نائبه- قد قابل الرئيس العراقي، وقد دار بينهما حديث شمل مثلاً الحديث عن إمكانية أن يعود صدام حسين كمشارك في السلطة لحفظ الوحدة الوطنية العراقية، وأن السيد أحمد الجلبي قال له: إن هذا أمر مستحيل، وطالبه بإعادة الأموال العراقية.. أموال الشعب العراقي التي يُتهم الرئيس السابق بأنه اختلسها، وأنها موجودة في أرصدة بنكية أجنبية، هل تنفون هذا أم.. أم.. أم تؤكدونه؟

مضر شوكت: والله إحنا بالنسبة إلنا طبعاً ننفي أنه.. أنه صار مثل هذا الحديث بالشكل اللي أنت جنابك أوردته، هذا شبه بخيال أنه الرئيس السابق المخلوع يطلب أن يُعاد إلى السلطة، أو حتى يكون إله يعني أي.. أي حق قانوني في أنه.. أنه يطلب هيك طلب يعني، مستحيل هذا، يعني أبدا ما.. ما.. ما ورد ها الحديث إطلاقاً، يعني بالنسبة إلى دكتور أحمد، لمعلوماتكم دكتور أحمد كان مستمع، ولم يتكلم مع الرئيس السابق المخلوع من جانبه.

مالك التريكي: هذا.. هذا ما حدث في اللقاء الأول دكتور شوكت، في اللقاء الأول الدكتور أحمد الجلبي كان مع ثلاثة آخرين، منهم السيد موفق الربيعي، والسيد عدنان الباجه جي، ويقال إنه لم يتفوه بكلمة، لأنه لم يكن يريد أن يتخاطب مع الرئيس السابق، لكن هنالك لقاءٌ ثانٍ تحدثت عنه جريدتكم، وكان بينه وبين الرئيس السابق فقط، فلا يمكن أن يكون حدث اللقاء دون أن يكون هنالك تبادل للحديث.

مضر شوكت: لأ، لم.. لم تذكر صحيفتنا أن.. أنه كان هناك لقاء ثاني، صحيفتنا نشرت صور تاريخية موثقة، وتنتج للرئيس السابق المخلوع صدام، والدكتور أحمد الجلبي صورة تاريخية فقط، لم نذكر أنه هناك كان لقاء أول أو لقاء ثاني في حول الموضوع، إنه لقاء كان موجودين في صورة واحدة.

دلالات اعتقال صدام حسين على الساحة العراقية

مالك التريكي: تأسيساً على هذه الصورة التي وصفتها بأنها تاريخية دكتور، ما هي الدلالات.. ما هي دلالات حدث إلقاء القبض على الرئيس السابق بالنسبة لكم كمؤتمر وطني عراقي، وكمشاركين في السلطة الانتقالية الآن؟

مضر شوكت: نعم، أشكرك، أنا بس أحب من خلال جوابي، أو من خلال جواب.. جواب إلى سؤالك في نفس الوقت أعلق على قسم من الأمور اللي تطرق إلها الإخوان سابقاً قبلي، وخصوص.. وبالخصوص الأستاذ عبد الحق العاني، وذكر أنه إبراز صدام في هذا الشكل كان إهانة إلى الشعب العراقي، وإهانة أيضاً للشعب العربي، أنا بس أحب أذكر أنه صدام هو نفسه أهان الشعب العراقي لفترة طويلة، نعم أهانه عندما كان رئيساً للسلطة، وأهانه عندما قبل لنفسه أن يُسلِّم نفسه بالطريقة التي سلَّمها، وإخراجه في الشكل التي.. الذي أخرج فيه كان.. كان إبراز حقيقته والحقيقة دائماً مؤلمة، الكثير من الناس كانوا يتصورون أنه هذا بطل عربي، بطل تاريخي يطلب من الشعوب العربية والشعب العراقي أن يقاتل حروب خصوصاً بالنسبة للشعب العراقي ليس.. لم..

مالك التريكي: دكتور.. دكتور شوكت..

مضر شوكت: نعم.

مالك التريكي: دكتور شوكت، سأعود إليك، لأن لأن لنا موجز أنباء الآن.

سوف نستمع إلى موجز الأنباء، ثم.. ثم نعود إليك.

[موجز الأخبار]

مالك التريكي: معنا الآن الدكتور مضر شوكت (نائب رئيس المجلس الوطني العراقي، أظن الدكتور شوكت كنت تقول إن الطريقة التي عُرِضَ بها الرئيس العراقي السابق بعد القبض عليه ليس فيها أي تجاوز للأعراف القانونية ولا حتى للمفاهيم الأخلاقية في المنطقة، تفضل.

مضر شوكت: عندما نتكلم عن الأعراف القانونية والتجاوزات يجب أن نتكلم عن بطل المقابر الجماعية، الشخص الذي كان مسؤول عن قتل أكثر من مليون عراقي ومسلم، ويمكن يصل الرقم إلى مليونين إذا حسبنا فيها ما قُتِلَ من عراقيين وإيرانيين وكويتيين وآخرين، يجب أن أيضاً نأخذ بنظر الاعتبار ما فَعَل في العراق من تهديم للاقتصاد وللنسيج الاجتماعي، يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار ما كبَّل العراق من ديون، ما فعل من.. من.. من خلال إهانة الشعب العراقي، وحتى هتك أعراض الشعب العراقي، بحيث لم يكن هناك كثيرين يستطيعون أن يذهبون مع زوجاتهم أو أخواتهم إلى.. إلى حفلة أو إلى.. إلى، أو يخرجون حتى إلى دائرة إلا إذا كان، لأنه يخافون كان من عيون الرجال والنساء الذين يرسلهم صدام في سبيل التقاط هؤلاء النساء له، يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار أكثر من ثلاث ملايين أو ثلاث ملايين ونص عراقي شُرد إلى خارج العراق، هذا الرجل الذي كان يدفع العراقيين إلى القتال، إلى.. إلى قتال إخوة في.. في الكويت، إخوة في إيران، كان يدفعهم إلى حروب لا ناقة لعراق فيها ولا جمل، هذا كان أيضاً..

مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور شوكت، هذه المسائل.. هذه المسائل.. هنالك إجماع الآن في العراق إن لم يكن في العالم أجمع على أن القضاء هو الذي سينظر فيها..

مضر شوكت: بس اسمح لي.. بس اسمح لي.

مالك التريكي: المسألة الآن تتعلق بإجراءات التعامل مع شخص هو إما يعتبر أسير حرب أو يعتبر رئيس دولة سابق، وتنطبق عليه قوانين يُعتقد أنها تحفظ كرامة.. كرامة الشخص المعتقل.

دكتور عبد الحق العاني، الآن هنالك.. هنالك معادلة صعبة جداً بين إقامة العدالة وبين التخلص من الجو المشحون جداً في.. في المنطقة، وخاصة في.. في العراق، الذي لا يمكن أن.. يمكن أن يتجاوز فيه كثير من الناس الرغبة في التشفي أو الشعور الإنساني المعقول في ضرورة الانتقام أو.. أو الثأر، الأخذ بالثأر، هل يمكن إقامة العدالة بشكل.. بشكل مطلق لا.. لا يكون فيه أي دور للثأر والانتقام؟

د.عبد الحق العاني: قبل ما إذا.. إذا سمحت قبل ما أرد على هذا، أود أن أشير إلى قضية يبدو أنه أسيء فهم ما قلته، أنا لم أقصد الدفاع عن صدام كشخص، وأحاول هنا أن أفصل بين العواطف والقانون، أنا.. أنا أتكلم بمفهوم القانون، وأجبت على سؤال قانوني صرف، وحينما قلت أن اعتقال صدام بهذه الطريقة يمثل إهانة للإنسان العربي فأعني ما أقول من زاوية قانونية صرفة، لأن صدام حسين سواء شئنا أم أبينا رئيس دولة عربية، وفي هذا لا يختلف عن أي رئيس دولة عربية أخرى من حيث الوضع القانوني له، سواء جاء بطريقة مشروعة أم لم يأتِ بطريقة مشروعة، أغلب الحكام العرب لم يأتوا بطريقة مشروعة، ونحن لا نناقش هذا، لكن لو جرى ما جرى لصدام لأي حاكم عربي فكنت سآخذ نفس الموقف بالذات بغض النظر عن ما أحس به من قضية.. من قضية عاطفية، وأنا شخصياً لست إلا متضرراً من.. من النظام، لكن هذا لا يعني أني أقف موقف من الناحية القانونية مناقض، لهذا الإنسان العربي تأتي من حيث أن حاكم دولة أوروبية أعطى لنفسه الحق الأخلاقي والقانوني أن يستأصل حاكم دولة عربية، في هذا يكون الامتهان للإنسان العربي، لو جرى هذا الأمر لبوش، لاعتبر كل أميركي أن هذه إهانة له، سواء كان مع بوش أو ضده، وهذا هو فقط ما أردت قوله.

مالك التريكي: إذن المسألة مسألة مبدئية يعني؟

الأسس المطلوبة لمحاكمة صدام حسين

د. عبد الحق العاني: بالضبط، بالنسبة للعدالة، ليست قضية محاكمة صدام، يجب أن يحاكم بلا أدنى شك، أما آلية المحاكمة، والقانون الذي يستند.. يستند.. تستند إليه هذه المحاكمة، فهذه قضية مازالت في أولياتها، تقديري الشخصي أنه في الوضع القائم في العراق، وكما نرى أن مجلس الحكم والوزراء يقولون أن صدام مجرم ومدان، وكل الشعب العراقي مجمع، إذن كيف يمكن أن تكون هناك محاكمة عادلة إذا كان الجميع يعتقدون أنه هو مجرم ومدان؟ من أين سيأتي العدل؟ ومن هم القضاة الذين سيدافعون عنه؟ وكيف ستجرى المحاكمة العادلة؟ ولكن أهم من كل هذا -بتقديري الشخصي – أنه صدام سيحتاج إلى دفاع، كأي متهم في العالم يحتاج إلى، من سيهيئ له الدفاع الآمن؟ إذا كان أعضاء مجلس الحكم لا يستطيعون التحرك في شوارع بغداد، فأي محامي يستطيع أن يأتي من فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا، يستطيع أن يدافع بحرية، أنا أعتقد أن هذه هي جوهر.. جوهر القضية التي سيتعرض لها موضوع محاكمة صدام حسين.

مالك التريكي: لذلك أنت تُطالب بأن تُعقد له محاكمة دولية لا تكون في العراق؟

د. عبد الحق العاني: بالتأكيد، وسبب ذلك، وسبب ذلك أيضاً قانوني صرف، لأنه لا توجد مادة وفق القانون العراقي يحاكم بموجبها صدام، صدام حسين له حصانة وفق الدستور العراقي الذي مازال قائم، الدستور العراقي مهما كان نظر الناس فيه، هو الدستور الوحيد الذي له فاعلية الآن، بالنسبة للدستور هو له حماية، لا توجد مادة في قانون العقوبات يمكن محاكمة صدام بموجبها، إما أن تُشرع، يشرع قانون لمحاكمته بأثر رجعي، فهذا غير مسبوق في تاريخ العراق.

مالك التريكي: أستاذ ستيف كروشو، السيد الدكتور عبد الحق العاني يقول: إن المحاكمة إذا عُقدت في العراق، حتى لو كانت على النموذج المختلط، الذي يكونوا فيه قضاة عراقيون، وقضاة أجانب، مثلما حدث في سيراليون، ومثل ما هو مُقترح أن يصير في.. في كمبوديا، وأظن أن منظمتكم تدعو إلى هذا النموذج المختلط، ليس هنا مسوَّغ قانوني لحدوث ذلك، لأن الدستور العراقي مازال قائماً، والرئيس العراقي له.. له.. له حصانة، أليس هذا أمراً قانونياً مقبولاً بالنسبة لديكم؟

ستيف كروشو: أعتقد أنه حتى هذه اللحظة، فالمناقشات مازالت تدور بشأن محكمة.. محكمة دولية، ومحكمة قد يكون فيها قضاة دوليين، أما في العراق فليس الأمر بهذه السهولة، في مسألة الخلط بشكل أو بآخر، هناك مميزات في أن يحاكم صدام خارج العراق لبعد المسافة بين العراق وبين مكان محاكمته، وفي الواقع فإن العراقيين أيضاً يجب أن يشعروا أنهم مشاركون في هذا الأمر، إن.. إن كان الأمر سيسمح لهم بذلك، ما حدث في سيراليون على سبيل المثال، كان هناك في سيراليون جرائم كثيرة ارتُكبِتَ، وفي الواقع هناك في سيراليون كانت هناك الدعوة لكي يكون الأمر.. أمر المحاكمة على مستوىً دولي، وكان هناك خبراء يمكن أن يتعاملوا مع كل الأمور المعقدة من وجهة نظر حقوق الإنسان، هذه الأمور يعلمها جميعاً، أو يعلمها جيداً القضاة الدوليون، وكل الجرائم التي ارتكبت، يجب أن يكون هناك ما يُثبت أنها تمت بالفعل، وما يُثبت أن هناك وراءها من قام بها بالفعل، وعلى سبيل المثال، منظمة حقوق الإنسان "هيومن رايتس ووتش" تُعنى جداً عبر السنوات بهذا، ونشعر بثقة في هذا الإطار، ولكن نريد أن نظهر العدالة، العدالة بكل أبعادها في هذه النقطة، وأعتقد أن مشاركة القضاة الدوليون، أو الدوليين في هذا الأمر، أمر محاكمة صدام حسين أمر مهم، لكي نستشعر أن هناك عدلاً.

مالك التريكي: بصرف النظر عما إذا كان نموذج المحاكمة التي ستقام نموذج دولي بحت، أم عراقي بحت، أم نموذج مختلط، وهنالك تجارب من كل.. من كل هذه النماذج، هنالك أمر يحتاج إلى توضيح، كل الدوائر والأوساط القانونية من ناحية، ومنظمات حقوق الإنسان من ناحية أخرى، تطالب بأن تقام محاكمة عادلة للرئيس العراقي السابق، وأن تلتزم القانون الدولي، المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وللضمانات القانونية هذا أمر يحتاج إلى تفسير بالنسبة للرأي العام، لأن كثيراً من الناس يتساءلون: أليس من المنطق أن يُعامل الشخص الذي تُنسب إليه جرائم فظيعة جداً، بمثل ما عومل.. بمثل ما عامل به الناس؟

ستيف كروشو: إذا كنت قد استمعت، أو تفهمت سؤالك جيداً، لو كنت قد تفهمت سؤالك جيداً، أقول إني أعتقد إذا أردت أن نشارك بعبارات إنسانية، وبعبارة عادلة، نقول أن هناك العديد من العراقيين عانوا كثيراً، وعانوا بشدة على أيدي صدام حسين، مئات الآلاف ماتوا، وكانت هناك أمور إنسانية، كان البعض يريد أن يفعلها، ولكنه كان مسؤولاً عن تلك الأمور والخروقات في مجال حقوق الإنسان، ولكن إذا ما أردت جواً صحياً، هو أن نعمل فيما يتعلق بأمر محاكمة صدام حسين، نقول إذا كان الإجابة من بعض وجهات النظر، تعني الحكم بالإعدام، فالأمر هناك يتعلق بخوف وفزع، قام به نظام حكم، ولكي نتخلص من هذه الفكرة، مسألة القتل، أو مسألة الإعدام، هي يقول البعض بأنها الحل في.. في هذه القضية، ولكن الأمر متعلق بقضاة أصحاب حساسية شديدة، والبعض لا يؤمن بمسألة الحكم بالإعدام، عكس ما يحدث في بلدان أخرى على سبيل المثال.

أثر اعتقال صدام على تغيير الثقافة السياسية في العراق

مالك التريكي: هل ترى أستاذ حازم صاغية أن هذه المحاكمة يمكن أن تكون بداية لربما الكلمة فيها مبالغة، لكن بداية لتأسيس نوع من ثقافة سياسية جديدة، يكون من عناصرها مثلاً إقامة العدالة، عوض الأخذ بالثأر، يكون من.. من عناصرها أيضاً الإيمان بالمؤسسات بدل الإيمان بالأفراد، لأن.. لأن الرئيس العراقي السابق ليس وحده بين الحكام العرب، الذي كان يُعتبر كفرد ضرورة للأمة، وكقائد أوحد، وكمستبد عادل حسب النموذج العربي القديم، هل ترى في هذا.. في هذه المحاكمة لو.. لو أقيمت بشكل قانوني، عادل، تكون بداية لمصالحة وطنية مثلما تم في.. في جنوب إفريقيا مثلاً؟

حازم صاغية: على الأقل لما ناخد الأدبيات السياسية السائدة، العراقية والعربية، للأسف ما شيء كثير بيدعو إلى التفاؤل، لأنه الصوت.. فيه صوتين أعلى، طاغيين على الساحة، صوت غالباً عربي أكثر ما هو عراقي، ياللي بده يدافع عن صدام، وتركة صدام، بده يرفض مراجعة أي شيء، بده يرفض تحمل مسؤولية أي شيء، بده بس يحكي عن الغزو الأميركي، والمخاوف من أميركا، والاستراتيجية الأميركية بالمنطقة، وفيه صوت آخر غالباً عراقي، اللي ما بده ينظر للتخلص من صدام بصفته تخلُّص من الصدامية أساساً، يعني أنا بآخر الأمر مخيف بعض التصاريح والأقوال اللي صدرت، اللي بتحكي عن استئصال البعث، أو عن إعدام صدام، لا هو حباً بالبعث، ولا حباً بصدام.

إنما خليني أقول شغلتين، صدام حسين هو بمعنى ما ابن تاريخ دموي عراقي وعربي، يعني ما بدنا ننسى إنه حكم عبد الكريم قاسم جمهورية تأسست بالعراق على دم الأسرة الهاشمية ونوري السعيد، بعدين البعث الأول أسس 63، أسس حكمه على دم عبد الكريم قاسم والشيوعيين، وبالتالي صدام حسين هو ثمرة دم في تاريخنا المعاصر، آن الأوان نخلص من ها التراث، الميراث السياسي، أكثر من إنه نقتل صدام حسين أيضاً، ونعطي للثأر مادة جديدة، يستمر معها التاريخ العراقي الحديث، والتاريخ العربي الحديث، مسألة نزع البعثية، شو يعني نزع البعثية؟ نزع البعثية بصفته إنه العراق ما إنه دولة حزب واحد، ممتاز، نزع البعثية بصفته إنه البعث ما بتنعكس تعليماته على التعليم والتربية والثقافة، أيضاً ممتاز، إنه البعثي ما إله امتيازات في السلطة أيضاً ممتاز، إنه البعثيين اللي تورطوا بأعمال عنف واضطهاد وقمع يعاقبوا قانونياً، يعني يحاكموا، أيضاً ممتاز، أما إنه إذا واحد لسببٍ أو لآخر معجب بأفكار ميشيل عفلق، ولكن موافق على العمل السياسي، ورافض، نابذ العنف واستخدام العنف، فهذا حقه الكامل والطبيعي بالعمل السياسي.

مالك التريكي: لكن أستاذ.. أستاذ حازم صاغية لابد هنا من توضيح بسيط استيضاح بالأحرى، أنت تفرق هنا بين التنظيم الحزبي البعثي، وبين الأيديولوجيا البعثية، ترى أن إذا.. إذا انتهت المظالم والعيوب التي كانت تُنسب لحزب البعث، ولم يعد حزباً حاكماً، لماذا لا تكون هناك أيديولوجية بعثية مثل بقية الأيديولوجيات والتيارات السياسية؟ هذا مثل، لكن..

حازم صاغية: حق العمل الحزبي..

مالك التريكي: حق العمل الحزبي، لكن المعروف أن التجربة العراقية.. التجربة البعثية العراقية لا علاقة لها بأدبيات ميشيل عفلق، والبيطار، وكيف بدأت في.. في باريس بعد الحرب العالمية الثانية، لا علاقة لها بها؟

حازم صاغية: طبعاً.. طبعاً، بس عم بأقول، عم بأقول حق إذا يعني بمعنى آخر، الحزب الشيوعي السوفيتي بتاريخه ما لم يكن أقل ارتكاباً، الحزب الشيوعي السوفيتي حالياً تخلَّى عن العمل العنفي، ما عاد بالسلطة، وما عاد فيه امتيازات للحزب الشيوعي السوفيتي، بس فيه حزب شيوعي سوفيتي، وأهم أحزاب المعارضة بروسيا، ما عاد سوفيتي، صار روسي، الفاشية بإيطاليا صاروا نيو فاشيين، هلا وعم بيشتغلوا عمل برلماني، فاشيين يا أخي، حتى النازية بألمانيا، النازية بألمانيا، القطاع اللي احتلته الولايات المتحدة بألمانيا أقامت فيه 5 آلاف محكمة متحركة، راجعت وضع 900 ألف ألماني نازي الوحيدين اللي طبقوا نزع النازية بالمعنى اللي البعض بيشير فيه لنزع البعثية، هم (الستالينيين) بالقطاع اللي الاتحاد السوفيتي حاكمه.

مالك التريكي: صحيح.. صحيح.

حازم صاغية: إذن ما تفهمني أنا ما بأطيق كل أفكار ميشيل عفلق، ولا كل.. وبرأيي تجربة البعث كارثة على العراقيين والسوريين والعرب وهكذا، إنما إذا.. إذا نزعت سلطتهم الحزبية عن الدولة، وهم فرضت عليهم التخلي، أو هم تخلوا عن العنف، ووافقوا على العمل السياسي الشرعي، بعد معاقبة المرتكبين منهم، فشو يعني استئصال البعث؟

مالك التريكي: فإذن تكون.. تكون المسألة أن القانون يأخذ مجراه بالنسبة للأخطاء والجرائم، أو المخالفات؟

حازم صاغية: من دون ثأر.. من دون ثأر.

مالك التريكي: لكن.. لكن بدون ثأر، لكن تكون الحياة السياسية مفتوحة لكل.. لكل التيارات.

حازم صاغية: صحيح.. صحيح..

مالك التريكي: دكتور أسمع.. أسمع رأي الدكتور شوكت في ذلك، دكتور شوكت، ما رأيك فيما.. فيما ذُكِرَ هنا في الأستوديو، بالنسبة لعدم الخلط بين.. بين محاكمة أو.. أو التعامل القانوني مع المخطئين، أو المجرمين من.. من أعضاء حزب البعث السابق؟ وبين حرمانهم حرماناً تاماً من.. من الحياة السياسية؟

مضر شوكت: أولاً: أنت تتكلم مع شخص لا.. لا يؤمن بالإقصاء إطلاقاً، العراق ليس حكراً على أحد، العراق ملك الجميع، هذا من ناحية، من ناحية أخرى يجب أن الإنسان..

مالك التريكي: يبدو.. يبدو أننا فقدنا الصوت مع الدكتور شوكت، سنعود إليه حالما.. حالما نسمعه مرة أخرى. أستاذ ستيف كروشو، وربما ليس لك رأي مباشر بالنسبة لمسألة.. لمسألة الحياة السياسية في.. في العراق، وهل لحزب البعث الحق في العودة للحياة السياسية أم لا؟ لكن ألا.. ألا تشعرون أن هنالك جواً عاماً الآن، جو دولي، اللاعب الأساسي فيه طبعاً هو الولايات المتحدة، هو جو الدعوة إلى الديمقراطية وإشاعة الديمقراطية، ودخول القوات الأميركية إلى العراق كان في جزءٍ منه في إطار ما سُمِّي بتغيير خريطة الشرق الأوسط، وإقامة الديمقراطية وجعل العراق نموذج ديمقراطي لبقية المنطقة، منظمتكم تلعب دور ربما غير مباشر في ذلك، لأنها تطالب وزارة الخارجية الأميركية، بأن تفاتح الحكومات العربية التي تنتهك حقوق الإنسان في مثل هذه المواضيع، أخيراً مثلاً طلبتم من وزير الخارجية (كولن باول) عندما زار بعض البلدان العربية، بأن يفاتحها، يفاتح رؤساءها في انتهاكات حقوق الإنسان في تلك.. في تلك البلدان، وقد فعل، هل تعتبرون أن هذه السياسة الأميركية سياسة ناجعة وسوف تستمر؟

ستيف كروشو: أنا أعتقد أنه إذا ما كان هناك قلق حقيقي بشأن حقوق الإنسان في المنطقة، فنحن بالفعل نرحب بذلك، ولكني عليَّ أن أستشعر في الواقع بعض الندم إذا.. أو بسبب عدم وجود الإدارة الأميركية والدعم الأميركي لمسألة حقوق الإنسان في المنطقة قبل سنوات، وفي الواقع رأينا ما يحدث في العراق في الأعوام الماضية، وكانت هناك أسباب عديدة وراء رغبة الإدارة الأميركية في أن تكون قريبة من هذا السياق، ورأيت ذلك في أحداث في دول عديدة في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية، ولكن نحن نقول: إذا ما كان هناك فهم حقيقي لمسائل حقوق الإنسان، وفهم حقيقي، لأن هذه الحقوق يمكن أن تؤدي في النهاية إلى استقرار، وذلك يبدو في العامين الماضيين منذ أحداث سبتمبر، الحادي عشر من سبتمبر، أن حقوق الإنسان والاستقرار أصبحا من العناصر المهمة جداً رغم ما يكتنفهما من بعض التعقيدات، ولكن العكس يحدث في بعض الأحيان، مما لا يسبب استقراراً على سبيل المثال، كما حدث في المملكة العربية السعودية، ولكن نحن نريد أن نُعطي للمجتمع رئة للتنفس جديدة، وهناك أيضاً رأي فيما يتعلق بمسألة البعث، وأعضاء البعث، أعتقد أنه من المثير بأهمية أن نفرق، وذُكرت أيضاً ألمانيا بين.. بين أن نفرق بين عضوية الحزب، وبين ما تم القيام به بالفعل، أعتقد أن الحزب الحاكم.. الحزب الحاكم يُرى كما لو كان مشاركاً ومتهماً بكل ما ارتُكب من أحداث في هذه الفترة، وأعتقد أن الأمر يبدو سهلاً، أن نفرِّق بين الأعضاء في الحزب وغير الأعضاء، وما قام به الأفراد كلٌ على حدة في هذه الإطار، الحقيقة مهمة جداً للاستقرار.

[فاصل إعلاني]

مالك التريكي: دكتور عبد الحق العاني، ما رأيك في مسألة الفصل بين التعامل القانوني مع المخطئين من أعضاء حزب البعث الحاكم السابق وبين السماح لهم بالنشاط السياسي مثل بقية التيارات السياسية؟

د. عبد الحق العاني: أبتدئ بالقول أن ما فعله نظام صدام حسين في منع الحركات السياسية، يجب ألا يُطبق من قِبَل خصومه، الذين يدَّعون أنهم جاءوا من أجل الديمقراطية لأن حرية المعتقَد يجب أن تصان، وحزب البعث سواء شئنا أم أبينا يشكل مرحلة مهمة من تاريخ الشرق الأوسط خلال السبعين عام الماضية، وهناك في العراق جذور عميقة للبعث تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وجيل كبير من الشباب نشأ وتربى عليها، إذا كانت التجربة السياسية قد فشلت، فبلا أدنى شك العقيدة مازالت راسخة عند البعض، والحق الطبيعي لهؤلاء هو أن يتمتعوا بها، هناك قضية قانونية صرفة، يجب الانتباه لها جيداً، أن السلطة الحاكمة في العراق لا تمتلك مشروعية لكي تمنع الآخرين من ممارسة الحق السياسي، لأنها هي لم تأتِ بأي طريق آخر يختلف عن طريق مجيء أي حكومة عربية، هي بالضبط هي جاءت بانقلاب عسكري قام به الأميركيون، كما جاء صدام حسين، فهي لا تستطيع أن تنزع المشروعية عن حزب البعث، وتدَّعي لنفسها الحق، هناك قضية أخطر من هذه بكثير، أن العراق الآن من الناحية القانونية يُحكم من قِبَل الولايات المتحدة وبريطانيا، وبهذا يخضع لاتفاقية جنيف، لأن قرار مجلس الأمن الذي منح بريطانيا وأميركا سلطة حكم العراق، ربطها بالالتزام باتفاقية جنيف، واتفاقية لاهاي، واتفاقية جنيف تنص صراحة على أنه لا يجوز اضطهاد أي حركة سياسية للمُعتقَد السياسي، فعملية نزع البعث، هي عملية مخالفة للقانون الدولي بالوضع القائم، ولا يجوز للولايات المتحدة القيام بها، هذا باختصار هو الوضع القانوني، وإضافة إلى الوضع الأخلاقي من حيث مشروعيتها.

مالك التريكي: دكتور مضر شوكت في بغداد، ما رأيك بالنسبة لمسألة التعامل مع البعث؟ ورأيك في رأي الدكتور عبد الحق العاني؟

مضر شوكت: دكتور.. دكتور عبد الحق العاني، يعني أنا أتعجب إنه ايش لون تقدر تقارن مجلس الحكم الحالي بقدوم صدام وحزب البعث إلى السلطة، صدام كان يمثِّل شخص، كان يمثل ديكتاتور، كان يمثل يعني يمثل نفسه، ويمثل مجموعة من أعوانه، ومن أصدقائه، مجلس الحكم يمثل شرائح وطوائف وأحزاب سياسية لها حضور، لها جذور، تمثل نعم ليس كل الشعب العراقي، ولكن نسبة كبيرة من الشعب العراقي، هذا واحد.

اثنين: أنا.. أنا ما أختلف إنه إحنا بالنسبة إلنا لا يمكن للي مُورس ضده الإقصاء يجئ يأتي ويشرِّع الإقصاء نفسه، نحن ضد الإقصاء، المؤتمر الوطني العراقي ضد الإقصاء جملة وتفصيلاً، نحن نتكلم عن فكر البعث ونتكلم عن فكر البعث كما نتكلم عن الفكر النازي، أنا ما أتصور ألمانيا بعد سقوط الحكومة النازية في ألمانيا الحكومة التي قدمت سمحت إلى الحزب النازي في الاستمرار في تنظيم نفسه وفي أن.. أن.. أن يكون في العملية السياسية، وأن يدخل انتخابات وإلى آخره، لماذا؟ لأنه كان مبني على العنف، كان مبني على القتل، كان مبني على الإجرام وإلى آخره من الأمور، إحنا ما نتكلم عن فكر البعث كما في الكتب وفي المجلدات، إحنا نتكلم عن الممارسات التي جرت في العراق من خلال هذا الحزب، فلذلك أنت لما دا تتكلم عن الفكر البعثي، هذا بتهين فيه شرائح كبيرة من الشعب العراقي، فالأفضل لمجلس الحكم أن يمنع حزب البعث من ممارسة أي نشاط، ويمكن أن يُعاد النظر فيه بعد 3 سنين أو بعد أربع سنين أو بعد خمس سنين، بعد أن يتهيأ الشعب العراقي إلى أن يكون يستقبل كل الأفكار، ويكون صدره وسع أكثر أو رحب أكثر، وأنا أتصور هذا راح يحدث، هناك فترة معينة إحنا نتمنى..

مالك التريكي[مقاطعاً]: دكتور.. دكتور للاستفسار.. للاستفسار دكتور..

مضر شوكت: نعم.

مالك التريكي: لا تنفي إمكانية أن تصبح الساحة السياسية العراقية بعد مدة قصيرة مفتوحة لكل التيارات على شرط أن تكون كل الأحزاب ملتزمة بحد أدنى من.. من المعايير الديمقراطية، إذا مثلاً تطورت هذه الأحزاب مثلما حصل مع الفاشيين السابقين والشيوعيين السابقين في أوروبا الشرقية.

مضر شوكت: أكيد.. أكيد، نعم أتفق كلياً نعم.

مالك التريكي: بالنسبة لهذه.. شكراً لك دكتور مضر شوكت، بالنسبة لهذه النقطة أستاذ حازم صاغية نزع البعث، صارت.. صارت واضحة أن الفصل بين التنظيم الحزبي وبين.. وبين المشروعية بأي فكر حتى لو كان فكراً مناقضاً للديمقراطية مثلما هو موجود في المجتمعات الديمقراطية الغربية فله الحق في النشاط، لكن هنالك بنية في الثقافة السياسية العراقية والسياسة.. الثقافة السياسية العربية إجمالاً، يبدو أن هذه السياسة.. هذه الثقافة، وربما هذا الكلام سيُغضب بعض الناس، ولكن هذه ملاحظات.. ملاحظات يقوم بها المراقبون، يبدو أن الثقافة السياسية العربية –إلى حد الآن- ليست من أولوياتها الحرية، الحريات العامة ليس.. يبدو ليست من الأولويات، والمراقبون الذين يقولون هذا الرأي يأخذون مثالاً على ذلك، هي المقاومة الآن في.. في العراق، تبيَّن أن هنالك لدى الشعب العراقي قدرة فائقة على المقاومة، منذ أن بدأ الاحتلال فوجئ المجتمع الدولي بهذه المقاومة، بصرف النظر عن الموقف منها تأييد أم عدم تأييد، ويتساءلون: أين كانت هذه المقاومة طيلة جيل كامل؟ طيلة أكثر من ثلاثين سنة من حكم يُوصف بأنه فاشي أو.. أو.. أو قمعي أو.. أو أكثر من ذلك، وجمع هو بين القمع والعدوان (Repression and Aggression) حسب.. حسب مقولة (روبن كوك)، هل توافق على أن ثقافتنا السياسية لكي نواجه أنفسنا بصدق، ثقافتنا السياسية لا تقتضي الحرية اقتضاءً، مازالت لا تقتضيها؟

حازم صاغية: يعني على الأقل التجربة بتقول، والأدب السياسي اللي بنعرفه بيقول إنه القوى السياسية اللي سيطرت على العقل السياسي العربي، كانت باستمرار بتعطي أولوية مطلقة للصراع مع العدو، أكان هذا العدو حقيقي أو وهمي، وكانت تبالغ بالتركيز على الوحدة في وجه العدو الواحد بقدر ما عم تبالغ بطمس تناقضات داخلية، يعني بدل ما تواجه مجتمعاتها، إنه إحنا يا جماعة طوائف وقبائل وعشائر وإثنيات، ولازم نعترف بها الواقع لحتى نصلِّحه، ولازم نأخذ وقت لحتى نعالجه، ممكن نواجه الاستعمار، ولازم نواجه الاستعمار طبعاً، بس ونحنا عم بنواجه الاستعمار لازم بنكون عم بنبني أوطان، لازم نكون عم بنبني تجارب، المقاومة بذاتها كفعل سلبي ما بتبني شيء بالضرورة، المقاومة بتبني إذا أسست لوحدة وطنية ترث الاستعمار، أما طلَّعنا الاستعمار ووقعنا نبكي وننوح البلد مفتت، وتفاجأنا بطوائفه وجماعاته وعشائره وقواه المتصارعة وعجزه عن بناء شيء ملموس، فما كثير مكسب ها الشيء، يعني ما.. يعني بيخاطب ربما الكرامة، وبيخاطب ربما النوازع الطبيعية بالبشر، ولكن ما بيخاطب النازع السياسي اللي هو صناعي هو بنائي، هذاك النازع الكرامة بيشبه المرحلة الزراعية، النازع الوطني نازع سياسي يُبنى، يُصنع، يُعمل.

بهذا المعنى الفكر السياسي العربي ما ركَّز أبداً على مسألة الإيجاب يعني ما.. ما ركَّز على مسألة البناء يعني بمعنى ما كثير طغى بشكل من الترميز شوي تبسيطي، طغى شعار يسقط الاستعمار على يعيش الوطن، وهذا فيه فرق كثير بيناتهم، يعيش الوطن هو شعار إيجابي، هو الشعار اللي الاستقلاليات الأولى، اللي كانت استقلاليات بيقودها عقال، مثل حزب الوفد المصري، مثلاً، كان هايدا شعارهم..

مالك التريكي: هذا.. هذا يقتضي أن يكون رفض الظلم أو رفض القهر، رفض النظام القمعي رفضاً مطلقاً سواء كان النظام محلياً، سواء كان المستبد مستبد محلي وطني.

حازم صاغية: طبعاً.

مالك التريكي: أو كان مستبداً أجنبياً..

حازم صاغية: طبعاً.. طبعاً.

مالك التريكي: لكي يحصل ذلك، هل توافق هنا آخذ رأيك ورأي الدكتور إن كان له رأي في ذلك، هل توافق على أن من مستلزمات ذلك أن يكون عندنا ما سُمي لدى الألمان بثقافة الهزيمة، هنالك كتاب صدر أخيراً لـ(فولف جانج شيلبوش) اسمه.. ترجم إلى الإنجليزية بعنوان "ثقافة الهزيمة" أن ألمانيا واليابان بدرجة أقل والجنوب الأميركي، عندما وقعت الهزيمة قبلوا بها واعترفوا بها، والاعتراف بها كان أساساً لتجاوزها من أجل إقامة نهضة في ألمانيا نهضة باهرة قائمة على السِّلم أولاً، عدم الدخول في الحرب وعلى العلم من ناحية.. من ناحية ثانية، نحن لم نعترف بالهزيمة إلى حد الآن، هزيمة سبع.. ستة حزيران مازلنا نستعمل تعبيراً ملطفاً لها ونقول: إنها.. إنها نكسة، هل توافق أن.. أن هذه..؟

حازم صاغية: هلا.. هلا إجابتك أميل أسميها ضعف ثقافة المسؤولية بما في ذلك هزيمة أو غير هزيمة، ضعف ثقافة المسؤولية لشعور بأنه العالم المُعاش، العالم اللي بنتحكم فيه.. اللي بيتحكم فينا، عالم لم نساهم بصناعته، يعني إحنا عم.. عم نعيش زمن الحداثة، زمن القانون مثلاً، بس ما ساهمنا بإنتاجه، وبأعتقد.. بأعتقد إنه كون الحداثة إجتنا مع الاستعمار، اتجهنا إلى العزوف عن الحداثة لأننا بنكره الاستعمار، واعتبرنا حالنا مش مسؤولين عن العالم المحيط فينا وتحدياته، فبس تصير فيه هزيمة بنردها لمؤامرة، بنردها لقدر، بنردها لـ.. ما بنقول أبداً إنه إحنا مسؤولين، وهايدا مش بس العرب، هايدا بيشاركنا كثير شعوب.

مالك التريكي: العالم الثالث.

حازم صاغية: بها حتى بروسيا يُلاحظ إلى حد بعيد بعض اللي درسوا روسيا ما بعد الشيوعية، يُلاحظ ضعف رهيب بثقافة المسؤولية، وبحس إن إحنا مسؤولين عن الشيء اللي عم بيحصل لنا.

مالك التريكي: شكراً جزيلاً أستاذ حازم صاغية، معنا الآن المستمع الكريم من.. من باريس، تفضل.

د.محمد عبد المجيد: آلو

مالك التريكي: أهلين، اتفضل.

د.محمد عبد المجيد: السلام عليكم.

مالك التريكي: وعليكم السلام ورحمة الله.

د.محمد عبد المجيد: نعم معاك دكتور محمد عبد المجيد من باريس.

مالك التريكي: أهلين دكتور.

د.محمد عبد المجيد: وليس الكريم، بخصوص الإهانة، أقول فعلاً بأن القبض على صدام حسين بهذا الشكل، هو عبارة عن إهانة للمسلمين وإهانة للعرب خصوصاً لأن أميركا ليس هي بالمكان المناسب لكي تحاكم صدام، أميركا قامت بعمليات عسكرية في العراق، وقامت بجرائم بالعراق وقد اشتركت مع صدام في كثير من الجرائم، فيجب أن تُحاسب قبل أن يُحاكم صدام، ولكن -أخي الكريم- يجب أن أسأل سؤال للمحامي عبد الحق العاني بما أنه يفهم في القانون، أقول: يعني أميركا دخلت العراق ليس يعني بدون قانون دولي والحكم.. ومجلس الحكم أيضاً تعامل مع أميركا بدون أي قانون دولي، طب ألا يحق للشعب العراقي والقانون الدولي أن يحاكم أميركا ومجلس الحكم وكل مَنْ تعاون مع الاحتلال، كما حُوكم الفرنسيين اللي كانوا يتعاملوا مع ألمانيا؟ وشكراً.

مالك التريكي: شكراً لك، هل لك جواب دكتور؟

د.عبد الحق العاني: لاشك دخلت أميركا الحرب بدون.. وخلافاً للقانون الدولي، ودخلت معها بريطانيا وشكَّلت مجلس حكم مخالف للقانون، هذه قضايا لا جدال عليها بين اختصاصي القانون الدولي، المشكلة في المحاكمة أنك لا تمتلك أن تحاكم القوة العظمى في العالم، إلا إذا امتلكت قوة أكثر منها، الولايات المتحدة من مفهوم القانون الدولي هي أكبر خارق وخارج على القانون، لأنها لا تلتزم بأي من الأعراف الدولية، رفضت اتفاقية جنيف، رفضت اتفاقية كيوتو، استهانت بمنظمة التجارة الدولية، لم توقِّع على ميثاق محكمة الجنايات الدولية، وبالعكس ذهبت أبعد من ذلك، وعقدت اتفاقيات مع دول ثنائية لتحصين أفرادها من المطالبة، بلا أدنى شك إذا أردنا أن نناقش القانون الدولي ليس عملية سهلة، وليست محاكمات كما تجري على المستوى الوطني، القانون الدولي معقَّد بهذا الشكل، ونعم بقي الولايات المتحدة ارتكبت جرائم حرب بموجب اتفاقية جنيف، وهنا أحب أن أُبيِّن قضية مهمة، أنه يتحدث الناس اليوم عن ارتكاب صدام لجرائم حرب، هذا مفهوم مغلوط جداً، باتفاقية جنيف تخص.. تخص قضايا النزاع الدولي، لا تخص قضايا حاكم سلوك حاكم تجاه شعبه، ليست هناك اتفاقية دولية تعنى بسلوك حاكم تجاه شعبه، وأنا أحب جداً أن يبيِّن لي أحد ما هي التهمة التي توجَّه لصدام وفق أي قانون، أنا لا أقول.. أنا لا أقول لا.. لا توجه تهمة، لكن أريد أن تُوضع.. تُوضع في الإطار القانوني، ليس في الإطار الأخلاقي.

مالك التريكي: لكن القانون الدولي، طبعاً هذا اختصاصك، لكن القانون الدولي تطوَّر نوعاً ما، مثلاً ذكرنا قبل قليل مسألة (repression Agression)، القمع الداخلي والعدوان الأجنبي، عندما أتت حكومة العمال عام 97 إلى الحكم، كان وزير الخارجية –آنذاك- (روبن كوك) الذي أعلن أن السياسة البريطانية من هنا فصاعداً ستقوم على عدم التعاون مع الأنظمة التي تمارس إما القمع الداخلي أو العدوان الأجنبي، طبعاً هذا لم يقع، وأنتم تمثِّلون منظمة تُسمى منظمة العمل القانوني ضد الحرب، رفعت دعوى قضائية ضد رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير)، وزير الدفاع (جيف هول)، والمدعي العام اللورد (جولد سميث) على أساس أنهم ارتكبوا جرائم الحرب، اليوم أُعلن أن (ديفيد كاي) خبير الـ(CIA) السابق رئيس لجنة التفتيش الأميركية في.. عن أسلحة الدمار سيتخلى عن منصبه، حتى قبل موعد تقديم التقرير الذي كان من المقرَّر أن يرفعه في فبراير إلى الرئيس.. للرئيس بوش إعلاناً بأن المسألة انتهت، وأن أميركا نفضت يدها من الأمر، كان له ألف وأربعمائة خبير لم يبقَ منهم الآن إلا أربعون خبيراً في العراق، هل يعزِّر هذا موقفكم في القضية؟

د.عبد الحق العاني: لا أدري إذا كان سيعزِّز موقفنا من القضية، لأن موقفنا من القضية واضح..

مالك التريكي: يعني أنتم لماذا.. لماذا ترفعون القضية ضد بريطانيا ولا ترفعونها ضد أميركا لأن..؟

د.عبد الحق العاني: لأن.. لأن الولايات المتحدة لم تصدِّق على..، هذه كما قلت، الولايات المتحدة أكبر خارج على القانون الدولي، لم تُصدِّق الولايات المتحدة على بروتوكولات جنيف، البروتوكول الأول والثاني لعام 77، بريطانيا صدقت على البروتوكولات، وحوَّلتها إلى قانون وطني، قانون اتفاقية جنيف.. قانون اتفاقية جنيف لعام 1995 جعل من بروتوكولات جنيف جزءاً من القانون الوطني، فبمقدور الإنسان أن يقيم دعوى، لا يوجد مثل هذا القانون في الولايات المتحدة، الولايات المتحدة تحمي نفسها من القانون الدولي وتطالب دول العالم أن تطبِّق القانون الدولي، هذه.. هذه معضلة كبيرة للعالم، خصوصاً الدول الضعيفة التي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها، وإحنا بالنسبة.. بالنسبة لنا أن قضيتنا لا تختلف.. لا تحتاج إلى أي دعم من كاي أو..، نحن على ثقة بأن القانون الدولي بالنسبة لاتفاقية جنيف قد خُرِقَ وخُرِقَ جملة، في.. في الحرب في غزو العراق من قِبل الولايات المتحدة ومن قِبل بريطانيا، القضية واضحة، الإشكالية هي في.. في الإجراء القانوني المتاح، القانون في بريطانيا يُلزم بالحصول على موافقة المدعي العام للمباشرة بالدعوة والمدعي العام نفسه متهم فكيف سيمنح؟ هذه المعضلة القانونية كيف سيمنح الموافقة؟

دلالات سقوط صدام بالنسبة للحكام العرب

مالك التريكي: أستاذ حازم صاغية، هنالك الآن أجواء سياسية أحاطت بمسألة المحاكمة التي لا يُعرف متى ستُعقد، هنالك تصريحات متضاربة عن موعد عقدها، كثير من أعضاء مجلس الحكم الانتقالي يقولون: أنها ستعقد عمَّا قريب ولو أن المراقبين يقولون: أن الأميركيين لن يسلموه للسلطة العراقية.. للسلطة العراقية المؤقتة إلا بعد أن يستنفذوا.. يستنفذوا غرضهم من التحقيق منه، وربما يأخذ ذلك وقتاً.. وقتاً طويلاً، الرئيس بوش تحدث حتى عن.. عن أنه لا يرى بأساً في.. في.. في عقوبة الإعدام، بينما الرئيس خاتمي الذي هو من دولة لا توُصف بأنها ديمقراطية قال: إنه لا.. لا يفضَّل عقوبة الإعدام ضد.. ضد أحد، هذا الحدث أستاذ صاغية، حدث سقوط الرئيس العراقي بهذا الشكل والقبض عليه بهذا الشكل، هذا رجل كان له ثمانية وأربعون قصراً، حسب.. حسب التعداد الشهير، يُوجد في حفرة.. ينتهي به الأمر في.. في حفرة، لابد أن له دلالات رمزية كبرى، في (جينيالوجيا) النهايات، جينيالوجيا السقوط، في.. في تسلسلات تعاقبية السقوط، ما هي دلالات ذلك بالنسبة للحكام العرب؟

حازم صاغية: يعني خلينا نقول أولاً: إنه كلنا يمكن أو كثار منَّا بيجمع بيناتنا نقد.. نقد حاد للسياسة الأميركية، لكن ها النقد حتى يأخذ مزيد من الشرعية فيما يتصل بالعراق تحديداً لازم يُلاحظ إنه لو نحنا قمنا بوظيفتنا.. قمنا بمسؤوليتنا، واجهنا المستبدين، مش بالضرورة بها الحالة المحدَّدة، بالعراق يعني، بس عموماً بالمنطقة تبعتنا، تبعاً لثقافة اللا مسؤولية اللي كنا عم نحكي عنها، ما كنا وصلنا لمحل يصير الإنقاذ أكان فعلي أو وهمي، صحيح أو زائف، يجي من الولايات المتحدة، فيه ضربة كبيرة للاستبداد بالمنطقة حصلت بدون شك، حصلت بدون شك، المستبد سيراجع نفسه 100 مرة، ولكن ها الشكل هذا مش معناته إن الولايات المتحدة عم تعمل اللي عملته لتضرب الاستبداد، إنما ها العَمْلة.. ها الفعل أدَّى لإضعاف الاستبداد صورةً ورمزاً وواقع، فيه أكثر من نظام استبدادي اليوم، ساعة بيحاول يغير، ساعة بيحاول يعدِّل، ساعة بيمد جسوره، بيمد خيوط، بيمد كذا، إنما هذا مخيف جداً، لأنه أولاً: ما نحنا صانعينه، وثانياً: لإنه آخذ شكل انقلابي وثوري، يعني مثل كأنه بين ليلة وضحاها قررت الولايات المتحدة تعمل أو بتقول إنها عم تعمل ها المنطقة ديمقراطية، والمنطقة ممكن بعملية من هذا النوع تتخلخل وتتصدَّع تصدُّع أهم كثير من طبيعة النظام السياسي، يعني لما بتفلت المنطقة.. تفلت الموازنات.. المعادلات اللي قامت عليها لعشرات السنين، بتفلت النزاعات الإثنية والأهلية والطائفية والدينية على مصراعيها فجأة، ما بيقعد كثير نظام ديمقراطي أو استبدادي مهم، يعني كان الواحد كثير بيفضل إنه ها الانتقال نحو الديمقراطية يكون بطيء وتدريجي وهادئ، وطبعاً كان بيفضل إنه إحنا نكون قادرين..

مالك التريكي: بعوامل.. بعوامل داخلية.. بعوامل داخلية..

حازم صاغية: نعم.

مالك التريكي: شكراً جزيلاً، لم يبقَ لي سيداتي سادتي إلا أن أشكر ضيوفي الكرام هنا في الأستوديو الدكتور عبد الحق العاني (المحامي لدى المحاكم البريطانية وخبير القانون الدولي وعضو منظمة العمل القانوني ضد الحرب)، والسيد ستيف كروشو (مدير فرع لندن لمنظمة حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش)، والأستاذ حازم صاغية (الكاتب والمعلِّق السياسي في جريدة "الحياة")، أما من أستوديو (الجزيرة) في بغداد، فقد كان معنا الدكتور مضر شوكت (نائب رئيس المؤتمر الوطني العراقي والمشرف على صحيفة "المؤتمر" التي تصدر في بغداد).

لم يبقَ لي إلا أن أشكركم، وأستودعكم الله، هذا مالك التريكي يحيِّيكم من لندن.