- موعد على مقهى المثقفين
- تجليات المعتقلات في قصص العراقيين

- الجسد الخائن

- حلم الحرية

ساندرا ماضي: هنا، في بغداد، تحديدا في عنق شارع الرشيد حيث ينبض شارع المتنبي منذ دهور طويلة بنظامه الخاص، نظام لم يَنَل منه الخراب أو الدخان، هنا لم تعد الفوضى غريبة وبالتالي فإن شارع المتنبي لم يغيِّر من عاداته التي أدمن عليه مثقفو هذه المدينة، منذ أن تناغمت الحياة مع صخب المدينة وهذا منذ زمن طويل غدت لصباحات أيام الجُمَع من كل أسبوع في هذا المكان أقصىً لا يتبدل ولا يقبل الكسر، لا يقتصر على مراجعة الكتب بيعها أو شرائها بل يتجاوز هذا الشكل الظاهري، حركات أدبية تولد، بذور أولى لمشاريع ذات أهمية تنبت لتُغني المشهد الثقافي وأحيانا السياسي، هنا تبدأ حكاية، الكتب تصطف على الأرصفة وشاي أبو حسن يعطر المكان برائحة الهال ويترك في الفم طَعما تريد له أن يستمر، الرفوف المكتظة بالكلمات التي سَطَرها أدباء ومفكرون من شتى أنحاء العالم تحتفل بصباح الجمعة، يغازلها البائع ويختبرها القارئ والطقس الذي يبدو قديما يتجدد في كل جمعة وكأنه يحدث لهذا اليوم فقط، بينما تنظر شوارع أخرى إلى فراغها وتعرف أنه صباح جمعة جديد تجد المتنبي ينشر قصائده مُرحِّبا بالقادمين إليه.

موعد على مقهى المثقفين

مراسل الجزيرة: السلام عليكم.

مشارك أول: سلام ورحمة الله.

مراسل الجزيرة: بدِّي أسألك، حميد المختار جاء؟

مشارك أول: والله هو كل جمعة ييجي بس لحد الآن لم يأتِ ولكن سيأتي..

مراسل الجزيرة: ننتظره لما ييجي..

مشارك أول: أهلا وسهلا..

مراسل الجزيرة: بدي أسألك عن حميد المختار؟

مشارك ثاني: ييجي..

مراسل الجزيرة: السلام عليكم..

مشارك ثالث: وعليكم السلام..

مراسل الجزيرة: أستاذ بدي أسألك عن حميد المختار جاء ولاَّ ما بعد؟

مشارك ثالث: والله هو أكيد ييجي، إن شاء الله ييجي، كل جمعة هو موجود..

مراسل الجزيرة: السلام عليكم..

مشارك رابع: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

مراسل الجزيرة: بدي أسألك عن حميد المختار، موجود؟

مشارك رابع: والله الآن ما موجود بس هو كل جمعة يتردد على هذه المقهى مع بقية المثقفين.

مشارك خامس: كل جمعة ييجي وهاي المرة ما أدري يمكن جاي بعدين وما يصير، ما يتأخر كل جمعة ييجي..

مراسل الجزيرة: انتظره؟

مشارك خامس: انتظره يا سيدي هو على مجيء.. هاي قهوة الصحفيين والمفكرين.

حميد المختار: أخويا أبو فراس هو أول مَن قادني إلى عوالم الضوء الجميل، أول مَن قادني إلى مَدَيات بعيدة وجميلة جدا ملونة، كان يشتغل هو مُضوِّي في إحدى السينمات في شارع الرشيد بأتذكر سينما علاء الدين.. السينما.. فبقت الخيال الجميل والحلم المطلق والمكان اللي ألجأ إليه في حالات ضجري وفي حالات كآبتي وفي حالات تكالب المشاكل ربما العائلية أو النفسية أو مشاكل.. فكنت ألجأ إلى ظلام القاعات، قاعات السينما في السبعينيات وفي الثمانينات كانت قاعات رائعة وجميلة جداً في بغداد، كنت أخترق تلك الظُلمات وأتأمل الكادرات الجميلة التي تتحرك أمامي على القماشة البيضاء، هذا يعزز في نفسي كتابة القصة القصيرة وكتابة الرواية حتى أن في كثير من الأحيان.. يعني في كثير من القصص التي كتبتها اطَّلع عليها أصدقاء لهم اختصاص في كتابة السيناريو ومخرجين سينمائيين وقالوا إنها قريبة جداً إلى عوالم السينما وكأنما هي يعني كُتبت خصيصاً لأن تُحوَّل إلى سيناريو وبالتالي أن تُحوَّل إلى فيلم سينما، شارع المتنبي والمقهى هذه بالذات يعني لها قدّ ما كانت كبيرة جداً يعني مو عند الناس العاديين وإنما عند المثقفين بمختلف شرائحهم يعني قصاصين وروائيين وشعراء وصحفيين وحتى ضيوف يعني من خارج العراق، أنا علاقتي بهذه المقهى وبالشارع ربما تمتد إلى سنوات طويلة يعني خصوصاً في بداية الثمانينيات، في تلك الفترة كنت حتى قبل الحصار اللي كان مفروضا علينا مو من الخارج وإنما من الداخل من النظام نفسه يعني كانت يعني رغيف الخبز ينحصل بصعوبة شديدة جداً، ربما لا تصدق إذا قلت لك إن أنا كنت أول الناس اللي بسطوا كتبهم بهذا الشارع يعني كنت أول من فتح بهذا الشارع يعني وكانت هاي محطة استراحتي هذا المقهى يعني محطة الاستراحة بعد عناء طويل بالوقفة بالشمس وأنا منتظر أن يباع كتاب.. ربما يباع كتاب أو ما يباع وكان معي زيد يعني فدائماً أترك زيد هو على الكتب وأنا آجي أتمشى.. يعني أتجول بسوق السرايا أو آجي أقعد هنا وأنا أشرب كوب شاي أو أتحدث مع أي صديق وبعدين أغادر وأرجع مرة ثانية إلى مكاني يعني مكان عملي، على أي حال يعني بعد سقوط النظام تغيرت الوضعية بالتأكيد، إحنا قبل ما يسقط النظام بأشهر يعني خرجت من السجن من سجن أبو غريب ورجعت ثانية إلى هذا الشارع وكأنما أنا أكتشف الأشياء من جديد يعني، الشارع هذا اللي يحمل بصمات تاريخية يعني على صعيد البلد يعني يحمل بصمات تاريخية مهمة وعلى صعيد حياتي وتجربتي الشخصية أيضاً يحمل أيضاً هذه البصمات المهمة وأنا بذات الوقت تركت بعض البصمات بهذا الشارع سواء كان ببيعي للكتب أو بعلاقاتي المتشعبة مع الأدباء العراقيين أو بلقاءاتي الكثيرة في هذه المقهى يعني، هذا المكان يعني محطة مهمة وتاريخية ليس في تاريخ يعني العراق وإنما في تاريخ الحياة الثقافية العراقية حياة المثقف العراقي وبالتالي حياتي أنا كمثقف عراقي ما زلت أعيش وأتنسم هواء هذا المكان العتيق المليء بنكهة الماضي القديم جداً وما أدخله حتى وكأنما تُفتح بوابة الزمن المنصرم الزمن القديم زمن المائة سنة أو الثمانين أو التسعين سنة، أدخل إلى بغداد القديمة بحواريها الضيقة المظلمة التي تحمل يعني ظلاماً عتيقاً يذكِّرني بغبار الأجداد الذين ربما هم يعيشون الآن في زوايا مظلمة من نسيانات نستذكرها في دواخلنا دائماً ونحاول أن نتحاور معها سواء بحوارات صامته أو بحوارات مع القلم والورق أو من خلال ما نكتب من هذا التاريخ العريق التاريخ الذي سنظل نتحاور معه لمدة طويلة جداً إن شاء الله، الآن أنا أعيش مرحلة ما بعد الأبواب المغلقة، هناك أفق هو مغلق أيضاً، أعيش حالي كحال أي عراقي في بلدي العراق فيه تحول خطير وكبير وانتقال أيضاً كبير من مرحلة دكتاتورية مظلمة إلى مرحلة ديمقراطية يخطط لها القادة العراقيون وتحلم بها الشرائح العراقية المختلفة بأن تتحقق فعلاً لولا بعض المنغِّ‍ِّّصات التي لا تريد للعراق أن ينهض ثانية من رماده كما لو كان طائر الفينيق الذي كل ما يحترق بحرب معينة بسجن معين ينبعث ثانية من رماده ويتحول إلى كائن عراقي جديد ينطلق إلى فضاءات مفتوحة جديدة.

ساندرا ماضي: كثيرون هؤلاء الأدباء العراقيون الذين نال منهم السجن، منهم مَن قضى فيه ومنهم مَن خرج منه إلى سجن المنفى وحميد المختار أحدهم لكن روحه أبت أن تفارق جذره.

"
عشت في معتقل الجادرية ومعتقل مديرية أمن بغداد وهذان المعتقلان أوصلاني إلى سجن أبو غريب، والقصائد التي كتبتها وجدت طريقها من سجن أبو غريب إلى خارج العراق
"

حميد المختار: لست مسكونا بالمعنى الدقيق للكلمة بالسجن ولكن ثمة ما يطاردني في أماكن كثيرة يعني.. سواء كان في البيت أو في الشارع أو في.. أتذكر حتى في الثمانينيات كتبت قصة قصيرة اسمها رجل في علبة سردين، هذا الإحساس يعني موجود.. موجود إنني محاصَر وكأنما أنا مع بطلي في علبة ضيقة ولا أدري طبعا أن الزمن سيمتد وسيهيئ لي علبة من نوع آخر الذي هو المهجر، الخوف من المطاردة موجود، الكوابيس ليست الليلية فقط وإنما حتى النهارية أيضا موجودة، هناك الكثير من الأصدقاء ومن المتابعين لقصصي وحتى من النقاد لمسوا هذه المناطق المعتمة في قصصي وفي أدبي بشكل عام، هناك مخاوف هناك توجسات من مجهول ما هناك مطاردة شبحية هناك ظلمات أتخبط فيها يعني وصولا إلى مرحلة ما قبل السجن التي كنت مهيأً تماما لدخولها، كانت يعني تجربة قراءتي في الملتقى القصصي في اتحاد الأدباء في سنة 1999 هي الطَرقة الأولى للبوابة التي بعد ذلك يعني فُتحت على مصراعيها لأدخل إلى دنيا أو عوالم الظلمات وربما إلى العوالم السفلية، في المعتقل وأنا انتقلت في.. يعني عشت بين معتقلين بين معتقل الجادرية ومعتقل مديرية أمن بغداد وصولا يعني.. هذان المعتقلان أوصلاني إلى سجن أبو غريب الكبير العملاق، في الثمانية أشهر التي قضيتها في هذين المكانين تآلفت تماما مع عوالمي الداخلية، تآلفت مع ظلماتي التي حاولت أن أصنع منها ظلمات شفافة وظلمات ممكن أن أخترقها مستجليا عوالم أخرى ممكن أن أعيش.. يعني أصنع عالما بديلا آخر، أعيش في.. منفصلا عن واقعي المظلم الذي هو زنزانة وربما المحجر تكونت خيوط كثيرة وتشابكت في أعماقي وفي دواخلي لمشاريع كتابية مقبلة سأنفذها في أبو غريب، ربما هي اليوميات يوميات السجن التي نفذتها في قسم الأحكام الخفيفة، كانت بدأت تنسج خيوطها في تلك المعتقل، إضافة إلى ذلك القصائد التي كتبتها وأنا في المعتقل وجدت طريقها في سجن أبو غريب إلى خارج الجدران العالية وصولا إلى خارج العراق حتى يعني.. وأقصد بالضبط يعني ديوان سأتبع خطاكِ حتى خريف الغابات والمقصود هنا في هذا العنوان هو الحرية لأن هو هذا مقطع مأخوذ من الديوان، أيتها الحرية سأتبع خطاكِ حتى خريف الغابات، هذه كبدايات لكتابة مقبلة كتأسيس لمناخات ستكون أساسية لتنفيذ مشاريعي الكتابية سواء كانت الشعرية أو الروائية في السجن، كل دقائق الحياة في السجن كل مخاوفها كل لحظات وساعات التعليق في الطريقة الخيجانية وأسلاك الكهرباء التي كانت تلتف على أصابع قدمي وأجزاء جسدي، كل ذلك كان طريقا هو الآخر إلى تلك.. لتكريس مفهوم الحرية ومفهوم إيماني بنموذج السجن، كل هذه الأشياء دفعتني إلى أن أصل إلى تلك العوالم لأصنعها على سريري بعد أن أُنزلْ الستار وأبدأ بطقوسي الليلية لأبدأ بأول رواية ربما بعد أن وصلْت بداية الـ2000 وفي نهاية الـ2000 بدأت في أولى رواياتي، هي طبعا لم أبدأها وإنما أنا أكملت رواية كنت قد كتبتها خارج السجن، السفياني هي الرواية التي أنجزت ما بقِي منها داخل السجن، بعد ذلك تفرغت تماما للكتابة في عوالم رواية صحراء نيسابور.



تجليات المعتقلات في قصص العراقيين

ساندرا ماضي: أودعوني في ردهة مظلمة وممر طويل، لم أكن في بداية أمري أرى شيئا من كائنات ذلك المكان لكنني انتبهت إلى ضجيج ذلك المكان وحيواته التي ملأت أركانه، إنه عالم سفلي يعيش فيه الخارجون عن قوانين الأرض وأنظمتها، هناك حيث يطفؤون سنوات طويلة من أعمارهم خلف أسواره وفي أعماق ظلماته السحيقة.

"
الحياة في العراق وفرت للكاتب العراقي مواد خام للكتابة فانعكاسات سياسة النظام السابق وممارساته الهمجية العدوانية أضافت سجلا كبيرا للذي يريد أن يستثمر هذه التجربة
"

حميد المختار: حفلت بعض الروايات العراقية بتجربة الكتابة عن السجن، ربما كانت تجربة عبد الرحمن مُنيف شرق المتوسط تجربة كبيرة جدا استفاد منها كُتَّاب عراقيون في كتابة رواياتهم عن هذه التجربة المريرة، لكن سبقت هذه الراوية رواية القلعة الخامسة لفاضل العزَّاوي، هذه الراوية حقيقة كانت ربما أسست لمفهوم أدب السجن بمعيَّة طبعا رواية الوشم لعبد الرحمن منيف.. عبد الرحمن الرُبيعي الذي أيضا كان له أثر واضح على هذه التجربة إضافة طبعا إلى تجربة إسماعيل فهد إسماعيل في بعض رواياته التي تحدثت.. والرجل هو طبعا كان بصراويا وكان يعني نزيل بعض السجون العراقية وكتب بتجربة خالصة وجميلة وهناك أيضا طبعا عبد الستار ناصر في بعض قصصه القصيرة كتب عن السجن وهناك الكثير.. الكثير ولكن يبدو لي أن الحياة في العراق وفَّرت للكاتب العراقي مواد خام كبيرة جدا لأن يكتب تجارب ضخمة في هذا الاتجاه، يعني ما عاناه المواطن العراقي والمثقف العراقي وجميع الشرائح العراقية من انعكاسات النظام السابق وممارساته الهمجية العدوانية للجنس البشري يعني أضافت سجلا كبيرا وهائلا للذي يريد أن يستثمر هذه التجربة حتى لو فرضنا أنه لم يدخل السجن.. يعني لم يعايش السجن بشكل حقيقي، المحتل أيضا جاءنا من مكان بعيد وهو يحمل مشاريع غريبة ومشاريع لا يفهمها إلا الناس الذين يفهمون هذا الكائن الوافد من مكان بعيد ويريد أن يحقق مشاريع لمصلحته الخاصة وربما يريد أن يغير بتركيبة النفسية العراقية وربما بتركيبة الخارطة العربية وربما.. وربما.. وربما الكثير من التفاصيل والكثير من المشاريع يريدها هذا القادم الوافد أن.. يريد أن يحققها لكن نحن يعني ما علينا إلا أن نقتنص الحالة الإنسانية سواء في الماضي أم في زمن صدَّام أم في الحاضر، أنا يهمني الإنسان أينما كان في أقاصي العالم على القمر في أي مكان الإنسان هو همِّي الأوحد في سجنه وفي عذاباته في قبوه في مقابره الجماعية في سمومه في انعتاقه من الحياة في انعتاقه من السجون، هذا هو الهم الأساسي لي وأنا أعالج شخصياتي المقموعة شخصياتي التي تتلامس بعض الأضواء للخروج إلى العوالم الأوسع.

حميد المختار: تفضلوا معي إلى صومعتي، صومعة أو معتكف صغير عادةً ما أقضي فيه وقتا طويلا للقراءة والكتابة والتأمل يعني وهو يشبه المحجر.. المحجر القديم، تفضلوا، ها نحن ذا ندخل المحجر، أنا أحببت أن أبقى في سجني الداخلي حتى أتواصل مع الحالة القديمة لأوصِّلها بالتالي إلى الورق كاملة يعني كتجربة كاملة غير منقوصة، لهذا ربما هي من الصُدف يعني أنا حتى قبل أن أُسجن كنت أسكن هذا المكان وأكتب به يعني وحينما اعتُقلت وسُجنت دخلت إلى طقوس وأجواء غريبة جدا عن حياتي السابقة ولكن ما بعد السجن أحببت أن أتواصل مع سجني لأن السجن في الحقيقة هو انعزال تام عن الناس، هو حالة تواصل دائم مع حالة انقطاع مع الذات، السجن وفَّر لي فرصة أن أتواصل مع ذاتي أن أتأمل ذاتي أن أتأمل العالم الخارجي من خلال عالمي الضيق هذا العالم.. عالم الاستبطان داخلي.

[موجز الأنباء]

زيد– صديق حميد: 6/10/1999 قبل المغرب رحت لحميد، الحقيقة بهاي الفترة إحنا شوية كنا حذرين بلقاءاتنا بس لازم نلتقي وبحذر فلما رحت له شفت الوضع يعني شوية مريب بالمنطقة بس رغم هذا لازم أنا أروح له أشوف شنو القضية وإحنا نخاف من عيون الأمن والأمن جاي يراقبنا، دخلت للبيت لاقيته أيضا هو متحذر ومرتاب فسلَّمت عليه وقعدنا وبعد ما صلَّينا المغرب واعتيادي نتعشى عندهم يعني أنا معتاد آجي أدخل بيتهم وإذا بالباب دق دقة قوية وما لحق حميد يركض يفتح الباب ما لحق وأول ما لزموا حميد قالوا له أنت حميد؟ قال إيه أنا حميد، لزموه وكتفوه وطلعوه بباحة الدار صغيرة كانت باحة الدار وبرَّكوه على الركبة وشدوا عيونه وكذلك ابنه وبعدين أنا هامِّين لزموني، قالوا لي أنت تعالَ، قلت له أنا ضيف جاي هنا، قالوا لي تعال ويَّاهم أيضا شدوا عيوني وشَتَفنا وأخذنا.



الجسد الخائن

حميد المختار: المهم ألقوا علينا القبض ودخَّلونا إلى دائرة الأمن، أول شيء سوُّوه دخلونا على المدير مدير الأمن وتعلقت بالطريقة الخيجانية اللي هي أنا يدي مقيَّدة إلى الخلف وأقرفص على الأرض وتمتد عصا طويلة من بين الرجلين وتُرفع فرأسي راح يصير إلى الخلف بحركة سائبة يعني أشبه بالخفاش وأجزائي الحساسة كلها تكون مكشوفة أمامهم أمام الجلادين يعني ويبدأ التحقيق، مو بس تحقيق وإنما أسلاك من الكهرباء بأصابع الأقدام ويبدأ الضرب بالكابل، هذا جانب، الجانب الآخر كنت أسمع صراخ زيد.. زيد جابوه أمامي وقاموا يؤذوه يعذبوه يضربوه حتى يعني يؤثرون عن معنوياتي، المرحلة اللي مرِّيت بها كان جسدي يعني أعطاني درسا بالخيانة يعني حتى الجسد ممكن أن يخون، ليس الأصدقاء المقربين أو الأخوة أو.. يعني شفت أنا نماذج كثيرة بالسجن وسمعت قصصا عجيبة غريبة عن الخيانة، قلت لك الخيانة توصل إلى حد أن يخونك جسدك وبالتالي ممكن أن تفقد السيطرة عليه ويعترف عليك هو، جسدك يعترف عليك وهذا حدث في كثير من الحالات اللي شفتها أمامي، كان هناك في السجن رقيب ووكيل أمني قُبالي تماما يعني غرفته أمام سريري وكان يشكِّل لي كابوسا آخر لأن هذا الرجل خطير جدا وقد أوقع الكثير من المعتقلين والسجناء في حبائله وقادهم إلى المحاجر وإلى التعذيب، كان عين السلطة السرية في هذا المكان وجلس قُبالي، إذاً تحولت.. يعني كانت حرية منقوصة حقيقةً، الحرية التي صنعتها أنا على سريري أصبحت منقوصة بسبب وجود هذا الرجل لذلك ما أن يقفل هذا الرجل بابه في آخر الليل ربما بعد الساعة الواحدة أو حتى الثانية صباحا أبدأ أنا في طقوس حريتي السرية التامة وأكتب الفصول المتبقية سواء كانت من روايات صحراء نيسابور أو من المشروع الذي تلاها يعني أو ربما من القصائد الشعرية التي كتبتها لديوان سأتبع خطاكِ حتى خريف الغابات، أصبحت في الكتابة أشعر بأنني حر، في الكتابة لا يستطيع السجَّان أن يسيطر عليّ أن يفرض عليّ سطوته أو سلاحه أو رعبه أو خوفه أو حتى موته، أنا أتحدى هذا السجان من خلال الكتابة التي هي كما قلت حرية، ربما هو يستطيع أن يغلق عليّ الأبواب، ربما يستطيع أن يفرض ظلماته ربما يستطيع أن يقيدني، أنا مرة كتبت مقطعا لا أتذكره تماما أقول، حطم يدي بهراواتك واقذفني في ظلماتك ولكنك أبدا لا تستطيع أن تسيطر على روحي.. روحي المحلقة في الفضاء، إلى ابنتي سمية الغالية حرسها الله وحماها من كل سوء ومكروه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في البدء أعلن عن أسفي لتأخري في الكتابة لكِ فقد كنت مشغول جدا حيث أنجزت رواية بعنوان صحراء نيسابور وأنا الآن أقوم بتبييضها وقد أرسلها مع المسافرين إلى الأردن لتُطبع هناك وقد أنشرها هنا في بغداد باسم مستعار، الأفكار كثيرة والاختيارات أيضا كثيرة، عسى الله أن يوفقنا بطبعها، إنه سميع الدعاء.

ساندرا ماضي: يلتف السجن على الروح المبدع، هنا تبدأ الروح عدواً ماراثونياً لتنجو من سقطة وشيكة، يصبح القلم مأوى والورقة دثار ولكن هل من السهل أن تنتهي إلى كتابة رواية في السجن، رواية عن الخلاص منه؟

مشارك سابع: كنت محظوظاً في دخول السجن ومحظوظاً أكثر في إطِّلاعي على ما كتب حميد المختار وخاصة محنته في صحراء نيسابور وكنت أطلع عليها فصلاً فصلا، كان يعيش هذه الرواية وينتظر الليل أملا لكتابتها، فكنت آثر أن أجلس الثالثة صباحاً أو الرابعة صباحاً لأراه يكتب ويكتب فصلاً آخر وفصلاً آخر وفصلاً آخر وأطَّلع عليها حرفاً حرفا.

ساندرا ماضي: ذهب حميد المختار وسيذهب آخرون، ما الذي تستطيع أن تفعله الكلمات الآن لصديق غادرنا معدوماً؟ لا أدري، لكنني لا أملك غيرها وغير البكاء، أبكي عليك وأقول وداعاً حميد المختار.

حميد المختار: حينما أُلقي القبض علينا أنا وولدي وصديقي أبو زينب وبعد فترة وجيزة أشيع في الوسط الثقافي ونُقل هذا الخبر إلى حتى خارج العراق بأن حميد المختار أُعدم.

مشارك ثامن: بعام نهاية عام 1999 وفي بداية عام 2000 عندما غادرت العراق صوب إيران كنت مُحملا بفكرة إنه أقدم الأخ العزيز حميد المختار، قد شاع قبل هروبي إلى إيران أن حميد المختار جمع من الأخوة صدر بحكم الإعدام، بعد فترة سافرت إلى مدينة كوم المقدسة، هناك التقيت بالأدباء والشعراء والمثقفين ووجدت أن لموضوع الإعدام الافتراضي لحميد المختار قد أخذ حيزا كبيرا وأبدا مثقفو المهجر تفاعلا ملحوظا مع هذا الموضوع وجعلنا يوما رمزيا، أنا لا أذكر متى صدر حكم الإعدام بالضبط ولم يصدر حكم الإعدام إنما خبر الشارع حينها لما سمعنا إن حميد المختار ورفاقه قد أُعدموا فجعلنا من هذا اليوم يوما للشهادة وهو يوم افتراضي أيضا الإعدام الافتراضي.

حميد المختار: وصلني الخبر وأنا في السجن قالوا يعني هناك خبر كبير بأنك معدوم، يعني الخبر وصل إلى الخارج، هذه مشكلة كبيرة بالنسبة لي وأنا أعيش في داخل السجن وبين.. بقبضتهم وبفمهم المفتوح يعني ربما يقضموني قضمة وانتهي من.. وينتهي بي الأمر، لا أستطيع فعل شيء حقيقي يعني ولكنني وصَّلت فكرة أنهم عن طريق الأهل وعن طريق الأصدقاء الذين زاروني في السجن، قلت إذا تستطيعون أن تتصلوا بأصدقائي في الخارج قولوا لهم أن يكفوا عن هذه النشاطات، واحد فقط من أصدقائي الذي هو فاضل البيضاني وقعت بيده قصيدة كتبتها في السجن واستلمها من هولندا حينما نُشرت هناك، أغنيات من زنزانتي.

فاضل البيضاني – صديق حميد: هذه القصيدة وصلت قبل أن تكون الذكرى السنوية بأيام فجاءني الأخ سرمد الطائي، الآن يعمل في قناة الحرة، قال نحن بصدد احتفالية كبيرة للأستاذ حميد المختار وستكون أنت المتحدث فيها فرفضت هذا الموضوع وأصريت على رفضه، قلت صاحبي حميد المختار لم يُعدَم، قد وصلت قصيدة أنا أعرف طريقة حميد المختار في الكتابة، هذه القصيدة قصيدة لحميد المختار، الموضوع كان مفاجأة كان صدمة لكنها صدمة مفرحة جدا.



حلم الحرية

"
لا أريد الاستمرار في التعبير أو في الكتابة عن السجن فقط لأنني متخصص في الكتابة عن الإنسان أينما كان وفي جميع أحواله سواء كان في السجن أو في نواحي الحياة الأخرى
"

حميد المختار: قصصي قبل السجن كانت مناخاتها ليست بعيدة تماما عن أجواء وطقوس السجن، أذكر كثيرا من النماذج يعني على سبيل المثال قصة رجل في علبة سردين، المدعو جمعة الذي اختفى فجأة، الباب السابع.. الباب السابع حكاية أبواب تُفتح وأبواب تُغلَق وهذه أنا كنت أعيشها بشكل يومي في بيتي الذي كنت أسكن فيه يعني كنت حتى أخرج إلى الشارع عليّ أن أفتح سبعة أبواب، هذه الأبواب لها علاقة كبيرة بأجواء السجن، حينما كنا في المعتقلات وكنا نسمع صوت المزلاج وصوت القفل كنا نرتعد ونصاب بذعر حقيقي لأننا سيدخل السجان وسيدخل المحققون وسنذهب إلى كرسي التحقيق وربما سنُعلَّق في السقف وما شاكل ذلك، هذه العلاقات علاقات صوت.. صوت انفتاح وانغلاق صوت مزلاج معيَّن، صوت حركة مفتاح معيَّن، كل هذه تنقلني إلى عالم آخر وإلى جو آخر، خرجت من المعتقل الضيق المحجر الانفرادي ودخلت إلى القاعة الكبيرة مع كثير من المعتقلين وأُغلق الباب أيضا وابتدأت أسمع مزاليج الأبواب الليلية عندما تُفتح وتُغلق المفاتيح الأقفال الكبيرة، وقع الأقدام أصوات تقض مضجعي يوميا في الليل وتكرر الحلم ثانية هل سيُفتح هذا الباب وأخرج إلى عالم أوسع؟ ثم فُتح هذا الباب وخرجت إلى عالم أوسع هذه المرة كان السجن سجن أبو غريب مدينة كبيرة جدا وعالم واسع ولكنه مقفل أَيضا أبوابه كلها مقفَلة وتكرر الحلم من جديد هذه الأبواب أبواب الردهات أبواب القافات المقفلة أبواب الممرات الأبواب الرئيسية أبواب وتليها أبواب والأبواب كلها مغلقة، هل ستُفتح مرة واحدة كل هذه الأبواب وأخرج إلى الفضاء من جديد؟ ويأتي اليوم الذي يتحقق فيه هذا الحلم، يُفتح باب القاعة وأخرج ثم يُفتح باب الممر وأخرج ثم يُفتح الباب الخارجي للسجن وأنا أتلفت خلفي ربما ثمة مَن يلحقني يمنعني من الخروج ورؤية الشارع عن كثب أرى الشارع بشكل حقيقي وبشكل مباشر ودون أي تشوش بدون أي أحلام مسيطرة بدون أي دوافع داخلية، هناك حقيقة ستتحقق هذه الحقيقة وسأرى الشارع وسأركب السيارة ثانية، تحققت هذه الأشياء وركبت السيارة وذهبت إلى مرقد الإمام موسى بن الجعفر عليه السلام وزرت قبل أن أذهب إلى البيت، وجدت هذه المرة الأبواب كلها مفتوحة، باب المرقد مفتوحا، الأبواب في الشوارع مفتوحة باب البيت مفتوح، الغرفة التي دخلت بها أبوابها مفتوحة ولكن يا ترى هل فُتحت الأبواب التي في داخلي التي غرسها السجان في داخلي وأقفلها ورمى المفتاح في بحوره العميقة؟ سأنطلق من قول أحد العرفانين الذين يقولون إن أقصى السجون هو ذلك الذي بلا جدران، يعني فعلا هو هذا سجن لأنه سجن طويل الأمد لا ينتهي بزمن محدد يعني على عكس السجون الأخرى التي تنتهي بمُدد معينة، العراق حوله النظام.. نظام الديكتاتور إلى سجن كبير تماما كالذي يؤمن به هؤلاء العرفانيون، إنه صحيح أنت لا تشعر بجدران في بلد ولكنك لديك إحساس المعتقل، إحساس المطارَد إحساس المراقَب إحساس المقموع إحساس المبعَد عن الأجواء الحقيقية التي ربما تريد أن تعبر من خلالها عن حالة ما أو عن فكرة ما، هكذا كنا نشعر يعني في العراق في فترة وجود النظام السابق ولكن الذي تغير الآن، نعم سقط النظام السابق ودخل الاحتلال والسجون مازالت قائمة، لم تنته السجون وسوف لن تنتهي السجون ولكن إحساسي بالحرية بات يعني يأخذ طبيعة أخرى أو يأخذ مفهوما آخر حتى أكاد أصل إلى فكرة أن لا حرية وإنما هو وهم نحن نصنع هذا الوهم ونعيشه، نعيش هذا الوهم، أنا أريد أن أتخلص من حالة السجن، في الشِعر تخلصت تماما حينما كتبت سأتبع خطاكِ حتى خريف الغابات وفي الرواية هناك الكثير الذي يجب أن يُقال، أنا لم أستطع لحد هذه اللحظة أن أغادر سجني الداخلي لأنني إذا يعني ما لم أنفض كل هذه الدواخل كل تلك الذكريات قل المونولوجات التي مازالت محبوسة في الداخل عليّ أن أُخرجها بالجزء الثالث، يبدو لي الجزء الثالث سيكون حدا فاصلا لفترة السجن وما بعد السجن، أعتقد أنني لو نفذت شمس كوفان لو نفذتها بحذافيرها ولو نقلت دقائق السجن وتفاصيله بما عشتها تماما لكنت قد غادرت السجن تماما ولانطلقت إلى تجربة أخرى جديدة ربما هي قد تكون سجنا آخر ولكنها بالتأكيد ليس سجني الأول، قد أكون أن الكائن الوحيد الذي يتنقل من عالم سجنيٍ إلى عالم سجني آخر بانتظار أن أنطلق بجناحين هذه المرة ولو أنهما احترقا ولكنهما أيضا كما هي طبيعة هذا الكائن الخفي الذي ينبثق من رماده بالتأكيد هذه الأجنحة التي احترقت معي ستنبعث هي الأخرى من تكوينات الجسد هذا وسأخرج مُحلِّقا أيضا، لا أريد أن أستمر بالتعبير أو بالكتابة عن السجن فقط يعني لست كاتبا متخصصا في الكتابة عن السجون ولكنني كما أعتقد متخصص بالكتابة عن الإنسان أينما كان وفي جميع أحواله سواء كان في السجن في الحب في الحياة الأخرى، في ظرف من ظروف هذا السجين يعني أو هذا الإنسان هذه نقطة، النقطة الثانية أنا صحيح سكنت في السجن يعني ولكن لا أريد السجن أن يسكنني يعني لا أريد من السجن أن يسكنني، سكنت السجن في فترة زمنية محددة وانتهيت، لذلك أريد أن أكتب.. أن ألُمّ بكل أبعاد تجربة السجن أكتبها ربما في عمل واحد أو في عملين ثم أنتهي تماما من السجن لأبدأ في مرحلة جديدة، سأنتهي قريبا من.. ربما لن أنتهي من هذه التجربة يعني، سأدخل تجربة أخرى للكتابة عن حالة جديدة ربما هي بعيدة عن السجن وربما ستقودني إلى سجن آخر يعني.