- حكاية الجمعة اليتيمة
- قصة المهرة وتجربة السجن


سعيد الكفراوي: أنا أنتمي لجيل.. يعني أنه يحيا بعقله فتلك معجزة وأنه يخطو فهي معجزة أكبر لأننا عشنا عبر الأربعين سنة الماضية ما لم يتحمله جيل في تاريخ مصر المعاصرة.

حكاية الجمعة اليتيمة

سعيد الكفراوي: أنا سعيد الكفراوي من أهل هذه القرية، عملي كتابة القصة القصيرة، كتبت عشر مجموعات قصصية، في التعريف الأول والأخير أنني أنتمي لهذا المكان بكل تاريخيته.. بكل وجوده، أنتمي لعدد من الهامشيين الذين صنعوا تاريخ هذا الوطن، أنا ممَن شكّلت الكتابة عن القرية أهم أعمالهم وأنا وبعض الكتّاب الذين تجلت القرية في كل ما أبدعوه مثل محمد مستجاب وخيري شلبي وهذا الجيل الذي أنتمي إليه، في هذا المكان ولدت ونشأت عبر دروب هذه القرية وداخل طقوسها من البداية إلى النهاية، حينما أعود بالذاكرة إلى هذه القرية.. كفر حجازي.. فإنني أتذكّر أواخر الأربعينات حينما كنت طفلاً صغيراً يبحث أول ما يبحث عن حروف الهجاء وأتذكّر أن جدتي وهي سيدة بسيطة جداً، فلاحة تنتمي لكل هذه الأعراق ولكل الجماعة الهامشية التي تعيش في هذه القرية وقد أخذتني من يدي إلى كُتّاب سيدنا، حين دخلت أنا وجدتي على الكُتّاب كانت الساحة مفتوحة أمامي، بجانب الجدار طلمبة مياه وشجرة من أشجار الكافور وبنات وأطفال يجلسون يفتحون المصاحف على أفخاذهم ويرتلون، حين جاءني صوت الترتيل أحسست بأنني بدأت أخطو أول خطواتي نحو المعرفة، كنت أبكي لأن الكُتّاب سوف يحرمني من اللعب وحين سمع سيدنا صوتي سأل جدتي ماله ده هو بيعيط ليه؟ قالت له يا مولانا إحنا جايبينه الكُتّاب علشان يتعلم القرآن وفي اللحظة رفع جريدة من جرائد النخل وهوى بها على كتفي وقال لي أقعد جنب الجدار يا بخة العفاريت ودخلت إلى هذا العالم لأخطو أول خطواتي نحو التعرّف على الحرف وكلمات الهجاء الأولى، أتذكّر في ذلك الحين كانت جدتي تجلس على سطح الدار وكانت تحكي لي حكاية الجمعة اليتيمة وهي آخر جُمع رمضان، عن ناس يأتون ويكتبون طقوس وترانيم لكي يعود الغائبين من رحيلهم الدائم أو المعتقلين من سجونهم أو المسافرين من سفرتهم.. ثاني يوم المباحث جاءت وقلبوا البلد على مين اللي عمل ده، كنا إحنا فص ملح وذاب، أخذت بالك.. أهلاً يا طلعت، إزيك؟ إزي صحتك؟ إزيك يا طلعت؟ إزي صحتك؟ إزي أحوالك؟ كنا خمسة بنقعد حوالين الرجل ده، أنا وإبراهيم ناصر الله يرحمه وحمدي زايد وعبد السلام زايد وعبد الحميد أبو موسى، هم دول مثقفي كفر حجازي ودول المتعلمين بتوع وطلعت كان معايا في إبتدائي، متربيين في الدكان عند الرجل ده.. آه لو أنني تنبهت لقول جدتي العجوز في اللحظة التي مررت فيها أخطو أمامها كأنني كنت في الحلم أو في اليقظة.. 

"
احتوى سجن القلعة على 33 غرفة حل فيها مثقفو مصر وكتابها وأدباؤها وشعراؤها مثل أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، وتغنّت في هذا المكان أهم الأغاني تعبيراً عن فترة الستينات
"
لم أعد أدرى.. عندما قالت لي أنها لم تعرف عن جدي سوى أنه مات ودُفن في جسر النيل وأنه قبل أن يموت غاب سنوات طويلة لا تعرف له مكاناً وأنها ظلت تبحث في الجهات الأربعة لوادينا السعيد ولمّا يأست أخذت تندبه بعد ذلك وكنت دائماً أسمع جدتي وهي تصعد سلم الدار الخشبي تطلق ندباً حزيناً لا أعيه وكنت أسألها لماذا هي تبكي في النهار وفي الليل؟ وكانت تنظر إليّ صامتة.. الدافع وراء كتابة الجمعة اليتيمة هو إحساسك بأنك وحيد داخل زنزانة لمدة طويلة، في الزنزانة دي بتحاول استعادة وعيك عبر خيالك، فلمّا خرجت بعد سبع شهور اعتقال.. لم أكتب القصة في السجن ولكنني كتبتها خارج السجن، كان عليّ من خلال اللحظة اللي أنا موجود فيها في السجن أتذكّر عدد من الصور وعدد من الوقائع حصلت خارج السجن، فالبطل في القصة موجود داخل السجن، لكن خياله مع جدته اللي بتتذكّر جده اللي سافر وما رجعش ومع اللي بيصلوا يوم الجمعة اليتيمة وبيوزّعوا أوراق من على المسجد أن كيف الله مد الظل وجعله ساكناً لكل البشر؟ وأمام هذا البيت 136 شارع الإنتاج تم اعتقالي في العام 1970 بسبب إن القصة كتبتها هي قصة المهرة، التي فُهِمت على نحو من الأنحاء بشكل سيئ، كانت الشقة دي هي ملاذ العديد من كتّاب المحلة الكبرى، الكتّاب اللي أصبحوا الآن مؤثرين وفاعلين في الحياة الأدبية، هنا التقينا في هذه الشقة بين جابر عصفور الناقد المصري الكبير والمفكر نصر أبو زيد والروائي محمد المنسي قنديل والشاعر محمد صالح والشاعر أحمد الحوتي والقصاص جار الناب الحلو، هؤلاء الكتّاب الذين يسهمون الآن إسهام حقيقي في حركة الثقافة العربية وفي ليلة من الليالي من شتاء العام 1970 خبّطوا عليّ الباب، ففتحت.. فكان عدد من ضباط البوليس وعدد من العساكر وعندما تركتهم يدخلون وذهبت إلى هذه البلكونة ونظرت في الأسفل وجدت شبه تجريده من سيارتين جيب وسيارة مدنية وحين التقيت بالمجموعة دي عرفت أنهم بعض ضباط مباحث أمن الدولة الذين قاموا بتفتيش البيت بكامله لدرجة إنني بقيت أشوفهم وهم بيأخذوا كتب لتشيكوف وكتب لجوركي وكتب لسيد قطب وكتب دينية وكتب عن اليسار المصري وحين سألتهم ما الأمر؟ قالوا مطلوب القبض عليك بإشارة مستعجلة من وزارة الداخلية بالقاهرة وتم جمع أشيائي وكُتُبي ومستنداتي واصطحبوني حتى باشرت اعتقالي في معتقل القلعة، طلّ مَن فتح الباب على 34 سنة عدت من التشريف في هذا المكان أو هذا المُعتَقل، نعود بعد انقضاء عمر لنرى الماضي بكل بشاعته عبر هذه الزنازين الموجودة الآن والتي تحوّلت إلى متحف، لكن بيحمل نفس السمات القديمة والشكل القديم، 33 غرفة حل فيها مثقفي مصر وكتابها وأدبائها وشعرائها، حل أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام وتغنّت في هذا المكان أهم الأغاني تعبيراً عن فترة الستينات وتحقق مع كل فصائل سواء النظام أو المعارضة، جاء هنا علي صبري وجاء شمس الدين بدران وجاءت مراكز القوى وجاء الإخوان المسلمين بكل قياداتها وجاء المثقفين المصريين واحداً واحداً يسار ويمين وأنا جئت وحيداً بين هذه الزنازين، هذه كانت الزنزانة 23 التي كنت أقطن بها والتي كان المُعتَقل يحمل رقمها.. يعني أنا في السجن 23، أذكر أنني في أول ليلة حضرت في هذا ووقفت وكنت جائعاً فخبط على الباب وقلت يا جماعة أنا جعان، فقال لي المخبر أنت مين؟ قلت له أنا سعيد الكفراوي، فجاء من على هذا السلم جارياً وصفعني خمس صفعات، قال لي ما فيش حاجة هنا واحد اسمه كذا، أنت 23، تظل المدة التي ستمكثها هنا والوقت اللي هتقضيه هنا أنت 23، نقول يا 23 تطلع جري، نقول يا 23 تخرج مكانك وهنا كانت الأرواح محبوسة خلف هذه الزنازين وكانت تأتي الأصوات من حي القلعة فنشعر بالونس وتلك حكاية طويلة عن سجن من أشنع سجون مصر التي عاشها مثقفي الستينات في الحقبة الناصرية، هنا لرجل لم أفصح عن اسمه إلا بعد حكايته لأن له في تاريخ مصر المعاصر حكاية مشهودة، كان هو 24 وكنت أنا 23 وله حكاية سأقصها من بداية اعتقالي حتى نهايتها، هذا الرجل.. ولنقصها الآن.. هذا الرجل كان كفيفاً أعمى وجاء بعد أن أنهى دراسته في كلية أصول الدين، جاء من الفيوم ومعه خمسة.. ستة فيهم واحد كفيف أيضاً، هذا الكفيف كتبت عنه قصة عن كفيف أزهري لكنه كان يتمتع بصوت في قراءة القرآن.. يجلس على هذه العتبة ثم يبدأ القراءة بعد صلاة العشاء، فكان المعتقل بين الزنازين وخارج الزنازين يصمت صمتاً لأنه كان يمتلك صوت لا حدود لعذوبته، لا حدود لجماله وكان موجود وبدأ التحقيق معه في ليالي الشتاء وكان يذهب آخر الليل وكان قبل ما يتعمل المتحف الداخلية كان التحقيق فوق والتعذيب فوق، فكانوا يأخذوه ويقولوا له.. وأنا سامع من خلف الزنزانة.. إيه اللي مش عاجبك في حُكم جمال عبد الناصر؟ يقول لهم ما فيش ديمقراطية، يقول له إيش عرّفك أنت في الديمقراطية؟ فلم يكن يعرف يجيب، فيرد عليه المحقق يقول له يا (ابن الكلب) يا أعمى القلب والنظر ما دمت ما بتعرفش في السياسة إيه اللي دخلك في السياسة؟ قضية هذا الشيخ كان يخطب على منابر الفيوم عن النساء الكاشفات وعن الظلم في البلد وكلام تهييج ولم يكن يعرف أي نظرية سياسية ولم يكن منظّم تنظيم سياسي، ظل هذا الكفيف يُعذّب على مدى عشرة أيام ويأتونه في الفجر مجلوداً والكاكولة والعمة والقفطان شايلهم على كتفه والعمة داسسها في قلب الكاكولة ويقولوا له إجري، فيجري في هذا الممر، إجري.. حتى ورم رجله ما يقعدش وكنت أتصل به أقول له يا مولانا هم بيضربوك ليه؟ يقولوا لي بيسألوني في السياسة وما بأعرفش وظل هكذا إلى أن قُمِع وكنت أراه يجلس على باب هذه الزنزانة يقرأ بطريقة برايل وظل يُعذّب إلى أن كره الدنيا، تفاجئ بأن هذا الشيخ هو الشيخ عمر عبد الرحمن قائد الجهاد العنيد والذي خرج فنظّم الإسلامبولي ونتيجة وجوده في هذا القمع وفي تلك الزنزانة 24 خرج ورد الجميل إلى أنور السادات وقتله في يوم عرسه.

[فاصل إعلاني]

قصة المهرة وتجربة السجن



"
قصة المهرة أزعجت السلطات السياسية إزعاجا لا مبرر له حيث فسرت على أنها قصة رمزية القصد منها سلطة جمال عبد الناصر القمعية، وعلى ضوء القراءة الرمزية المغلوطة للقصة تم اعتقالي
"
سعيد الكفراوي: في فتحة الباب وقف الرجل الذي ينتعل الحذاء ذا الرقبة ويرتدي البالطو الواسع الأكمام، في الليل يسير الحذاء رتيب الصوت يبعث ذلك الأطيط الذي يتناهى إليّ من الطرقة التي تفصل الحجرات باعثاً بداخلي ونساً عطوفاً حيث أرى ذلك المصباح الأعور يتنفس ظلالاً شاحبة ميتة وأرى على الحائط خفاشاً هائل الجناحين من ظلال محتضناً الحائط فيما تهزه ريح الشتاء، كانت فتحة قدميه تشكلان رقم 8 خلفها يتألق ضوء النهار، نفذت من خلف الفتحة وركبت الهواء، كنت هناك في غيطنا القديم، في حديقة برتقالنا في عز نضجه، كنت هناك على شاطئ البحر الشديد الزرقة في ذلك الوقت من العصر، كانت المياه تسرق الحصى الصغير والمحارات.. كتبت قصة المهرة وأزعجت السلطة السياسية إزعاج لا مبرر له وفسروها تفسير رمزي ربّما يكون في النص ما يدل على المعنى ده، حصلت القصة على جائزة الثقافة الجماهيرية ونُشِرَت القصة في مجلة سنابل حينما كان رئيس تحريرها الشاعر الكبير الصديق محمد عفيفي مطر وقُرِأت وفُسِّرَت من السلطة السياسية على إنها قصة رمزية القصد منها سلطة جمال عبد الناصر، فُسِّرَت القصة على إن المهرة هي مصر، هي الوطن، هي مصر في الحقبة الناصرية وإن الراكب على ظهرها هو جمال عبد الناصر صاحب الكرباج وصاحب سيادة القمع وصاحب السيطرة الكاملة على كل الأفراد وفُسِّر الشاب على أنه الدم الجديد الطالع الراغب في المشاركة والراغب في مشاركة السلطة السياسية في تقديم بديل للدكتاتورية التي ظلت قائمة من 1952 حتى سنة 1969.. 1970، على ضوء هذه القصة وعلى قراءتها الرمزية المغلوطة تم اعتقالي وكان جزء من التحقيق معي في مُعتَقل القلعة ما الذي تقصده بقصة المهرة؟ أنا فاكر إن يوم اعتقالي خرجت من مدينة المحلة الكبرى وكان معي عهدة لأن أنا كنت بأشتغل في بنك التسليف ولمّا جاؤوا خبطوا على الباب بالليل مافتش المباحث ما ردش عليّ فإفتكرت إن هذه مجموعة من اللصوص جايين يأخذوا الفلوس، فقلت له أنا مش هأفتح الباب.. البيت إلا إذا قلت أنت مين، فقال أنا جمال حجازي افتح يا سعيد.. مفتش المباحث ودخل جمال حجازي الشقة وحجّز عليّ وانتهت حدود إقامتي ما بين عدد من المخبرين وقال لي أنا هأحفظ لك العهدة دي لغاية ما نسلمها للبنك الصبح وفعلاً حفظ الفلوس بأمانة ورحت سلمتها للبنك وأنا معي أثنين ضباط وانتقلت من المحلة إلى طنطا ومن طنطا.. جابوا لي عدد من الصفحات كتبت فيها سيرتي الذاتية من يوم ما ولدت لغاية اللحظة اللي أنا فيها وبدأ التحقيق معي وكان تحقيق من أغرب التحقيقات اللي حصلت في تاريخ مصر، الساعة الثامنة الصبح ييجي لي ثلاثة، محقق وأثنين ضباط ومعاهم شومة ويخبطوا لي كده ويبدأ التحقيق باعتباري من الشيوعيين المناضلين اللي هيقلبوا نظام الحكم في البلد، تعرف فلان؟ أعرفه، تعرف علان؟ أعرفه، تعرف الكاتب فلان؟ أعرفه، تعرف.. وكل الأسامي قيادات شيوعية من الكتّاب وبالليل ييجي لي ثلاثة زيهم، تعرف فلان من الإخوان المسلمين؟ أعرفه وتعرف فلان؟ خالي وكل واحد من دول محكوم عليه بالإعدام في قضايا 1965 وأسقط في يدهم بين معرفتي لأصدقاء من الإخوان ومعرفتي لأصدقاء من الشيوعيين وظلت فترة السجن بالكامل تحقيق في المنطقتين دول، زنزانة 23 كنت بأقيم هنا وهي طبعاً متغيّرة دلوقتي تماماً عن زمان، لأن جدران الزنزانة دي كانت موشومة بالكتابات وبقصائد الشعر وبالدعوات وبكل ما كان البني آدم في داخل هذا المكان يحاول يعبّر عن وجوده في الوحدة دي، قرأنا قصائد شعر عن الحرية وقرأنا ناس كاتبة إنشاء الله الجمعة الجايه هنطلع نصلي في السلطان حسن، تاريخ كذا سنة 1968 ثم تاريخه وهو خارج سنة 1970، أمضى عامين ونصف حتى خرج وقرأنا ناس كاتبة شعر عامية لا أول له من آخر وقرأنا ناس باعته رسائل لأولادها ولحريمها، في هذا المكان جاءتني قصة الجمعة اليتيمة ولمّا خرجت وشهر تحرري أو شهر خروجي كتبت قصة الجمعة اليتيمة وهي زمن مسجون في هذا المكان، فردت رجلي على الأسفلت، جالت عيناي عبر الكتابة والنقوش المحفورة على الجدران الأربعة، أن تولد وسط الناس فهذا دافع جيد للدفاع عنهم وهو دافع لاقتلاعك من تربتك، التواريخ الغائرة خلف الباب عن الساعة واليوم والشهر والسنة، حساب السنين والمشيب، أذكر أنني قرأت مرة في ابن إياس عن فضل أو قيمة المعبد أو الكنيسة أو الهرم أو المسجد في حياة المصريين، المسجد أو المعبد هو في الحقيقة جزء مُكمّل للوجدان المصري، هذا المعنى وصلنا فوق في المعتقل حين كنا في رمضان وكان الشتاء ضارباً، شتاء لا حدود له ووحده مطلقة ولا صوت هناك إلا صوت الظلام وصوت المخبر أمام الزنزانة لو تنحنح مخلوق يردعه ردعاً أو يسحبه خارجاً إلى غرف التعذيب، كانت هذه الوحدة تمثل للمُعتَقل نوع من الكابوس يستكمله حينما ينام، في ليالي رمضان كانت تخرج من هذه المساجد ومن الحي المجاور.. حي القلعة ومن المقابر المحيطة بالقلعة أصوات الموالد وأصوات الذكر وأصوات الاحتفال برمضان وكانت تصل إلى أعلى الزنازين في تنغيم بديع وفي أصوات تشدو بمقاطع من السيرة النبوية وبمقاطع من بوردة البصيري، كم كانت هذه الأصوات أليفة وكم كنا نستمد قدرة على مواجهة حياتنا في اللحظات دي من هذه الأصوات، كنت أسمع بكاء بعض الناس الذين ينتمون للتيار الديني، عندما كانت الأذكار تأتي بمشاهد القيامة وتأتي بمشاهد الجنة وتأتي بمشاهد تعذيب النار، كانوا يبكون ويتذكرون حياتهم الماضية في داخل المعتقل المحاط بالأسوار والأسرار، أذكر أنني كنت أصغي لتلك الأصوات في ليلة من الليالي وكاد المخبر الحارس أن يسد كل المنافذ التي نسمع من خلالها، كم كان هذا الحي في تلك الفترة من الاعتقال جزء أساسي من وجودنا في المطلق، من وجودنا الخارج في لحظة محاولة الإمساك بقدر من الحرية في هذا المكان البائس والرهيب.. وظلت الساحة دي بالنسبة لللي تحت حلم، لأنك أنت بتطلع تجيب هدومك القديمة وتجيب ملابسك الداخلية علشان تروح هنا كان فيه مياه ساخنة ومياه باردة، تغسل هدومك وتستحم وتنزل، أروع ما في المشوار كله وأنت معدي واحد يقول لك حمد الله على السلامة، شد حيلك، أوعى تخاف، خليك شديد، طول ما أنت ماشي وكتب مفتوحة وناس نائمة على الأرض في الشمس، كتب في الاقتصاد وكتب في الشعر، الساعة 11 تسمع أغاني نجم وإمام مصر يامه يا بهية، تسمع أغاني الشيخ إمام، تطلع والمخبرين يتركوا الناس لحظة من الزمن تتنفس ببعض الأغاني، كان الشدو ييجي من فوق على تحت، تحت التحقيق ممنوع الهمس، ممنوع الكلام، دول تحقق معاهم وخلصت قضاياهم، بقوا أكثر حرية وفي انتظار ترحيلهم من هذا المكان الرهيب إلى المعتقلات العامة، يا أردي أبو زعبل، يا طرة، يا المزرعة، يا الواحات إن وجد، فقط هنا مكان للتحقيق وتصفية القضايا، بدأت العلاقة بالقاهرة يمكن من منتصف الستينات، كنت بأجي القاهرة أشوف مسرح وكان المسرح في ذلك التاريخ له دور حيوي، مسرح سعد الدين وهبة ويوسف إدريس، نعمان عاشور وكان تأسيس فن جديد استكمال لدور توفيق الحكيم في المسرح، القاهرة في تلك الفترة بتشكّل عندي ثلاث محاور، محور راجل اسمه عبد الفتاح الجمل كان في جريدة المساء، فتحها أمام الكتاب في تلك الفترة اللي هم ما يسمى بجيل الستينات ومحور رجل اسمه يحيى حقي الكاتب والروائي والمفكر الكبير في مجلة المجلة، حيث أصدر عدد خاص عن أدب تلك الفترة والمحور الثالث كان نجيب محفوظ في ندوته على مقهى ريش، أتذكّر أنه في العام 1968 وكنت ماشي في ميدان العتبة ولقيت كاتب شاب صغير السن عرفت أنه هو جمال الغيطاني، فسألت جمال هم الأدباء الشبان بيقعدوا فين؟ قال لي إحنا بنقعد على قهوة ريش، قابلني بكره وأنا آخذك للقهوة، قابلت جمال ثاني يوم وأخذني في إيده ورحنا والتقيت بأفراد هذا الجيل وكانت مجلة غاليري 1968 بدأت في الصدور في ذلك التاريخ، تعرفت على يحيى الطاهر وعلى أمل دنقل وعلى إبراهيم منصور وعلى إبراهيم أصلان وعلى محمد مستجاب وأيضاً تعرفت على عبد الحكيم قاسم جارنا في القرية والذي عرفته سابقاً، هذا الجيل هو اللي تشكّل وعيه في الأربعينات والخمسينات وفي تلك الفترة تعرفنا على قيادة جمال عبد الناصر الذي نادى بالوحدة وأيضاً منذ 1956 وبزغت بالنسبة لنا بعد حرب 1948 ما يسمى بإسرائيل المزعومة التي انتهت بالهزيمة في 1967 واللي كوّنت وعينا باعتبارنا أدباء معارضين، أعتقد أننا خرجنا من هزيمة 1967 وكتبنا أدباً ناقداً لديكتاتورية الثورة ولهزيمة الثورة تعبيراً في محاولة أخرى للخروج إلى أمل جديد، أتذكّر إن إحنا كنا بنقعد حوالين نجيب محفوظ أكثر من أربعين كاتب، أكثر من ثلاثة أرباعهم شرفوا السجون وعاشوا فترة الاعتقال، كان ييجي أحمد فؤاد نجم وصافيناز كاظم ويغنوا على مقهى ريش وكان ييجي نجيب سرور بكل ما في شخصيته من جاذبية، كتب بروتوكولات حكماء ريش على القهوة وهو ديوان من الزجل اللاذع للسلطة وللقمع، ديوان من تصور شخصية الديكتاتور ونقد له وللمثقفين من جيله، أيضاً أتذكّر أن هذه المجموعة كانت مقاوِمَة في زمن لا تستطيع فيه أن تقاوم، منتصف سنة 1970 استدعوني لغرفة التحقيق وقابلت المحقق، كان المُعتَقل فرغ وأغلب أفراده تحددت قضاياهم وتوكلوا على الله راحوا المعتقلات العامة.. طرة وأبو زعبل وخلافه، كنت أنا وقليل من الأفراد موجودين في المُعتَقل أخبرني المحقق المسؤول أنني تم الإفراج عني وصدر قرار بذلك وعليّ إن أنا أجهّز حاجاتي وأتوكل على الله أخرج من الاعتقال، تلقيت الخبر بالفعل بقدر من الفرح والبهجة الداخلية وإن كنت لم أظهِر هذه الفرحة ولا البهجة وحين خرجت أعطوني الكتب اللي صادروها أثناء اعتقالي وحين قال لي المحقق أترك دي لمكتبة السجن تركتها وأخذت شنطتي وخرجت من المعتقل، من البوابة العامة للقلعة استقبلت الشارع، أتذكّر إنه كان يوم أجازة ومنطقة القلعة خالية وكنا مع بداية الربيع أو في قلب الربيع وهب هواء افتقده طوال الشهور الستة وبدأت اختلط بالناس، أخذت أتوبيس وتوجهت إلى مقهى ريش، أيضاً كان يوم جمعة وحين وصلت المقهى كانت حلقة الأصدقاء منعقدة حول نجيب محفوظ، يومها حين رأوني صاحوا جميعاً في اهتياج وبهجة ورأيت أمل دنقل وعبد الحكيم قاسم ويحيى الطاهر عبد الله احتضنني الجميع وجلست داخل الحلقة كأني ما غبتش لحظة ولا غبت يوم واحد، بعد مدة فوجئت بنجيب محفوظ بيقول لي قوم يا كفراوي، قمت أخذني من يدي وأنتحي بي جانباً وطلب مني إن أنا أحكي له الحكاية من أولها، حكيت له الحكاية من أول الاعتقال حتى خروجي وحكيت له عن ما جرى للمعتقلين من سياسيين ومن إخوان مسلمين ومن شيوعيين، مرت ستة شهور وصدرت رواية الكرنك وفي يوم جمعة في اللقاء العادي جاء نجيب محفوظ ووضع يده على كتفي وقال لي يا كفراوي أنت في الرواية إسماعيل الشيخ، زنازين مفتوحة على الحزن، مفتوحة على الألم ومفتوحة على الرحيل وشعراء كتبوا وفنانين كتبوا، خواتيم وأماكن لابد أن تنتهي من تاريخ مصر ومن تاريخ أي شعب علشان البشر ما يتعرضوش للتنكيل بهم أو أذيتهم أو تحويلهم إلى كائنات غير إنسانية.