- احتلال جنوب لبنان.. الهزيمة النفسية
- المُعتقل.. وسائل التعذيب والقتل
- الإبداع الفني والاجتياح الإسرائيلي

من كتاب مهاجر إلى أنصار، وقصيدة أبابيل على وجر الكربفال للامع الحر.. فيلم زهرة القندول لـ جان شمعون وماي مصري.


احتلال جنوب لبنان.. الهزيمة النفسية

[تعليق صوتي]

إسرائيل لم تحتل جنوب لبنان، لم تهزمنا كانت الهزيمة متغلغلة في شراييننا قبل وقوعها بزمن بعيد، كانت تجلس في فراشنا كأية عاهرة معاصرة، كانت تنسل في ثيابنا كرزمة البارود لتقوم بفعل تفجيرنا من الداخل، كانت في جلساتنا واجتماعاتنا، في سهراتنا لتحليل الأوضاع على أنغام التانجو، كانت امرأة تلاحقنا أينما سرنا واتجهنا وتدفعنا إلى ممارسة الزنا فنمارسه ونشوة الانتصار تشع في وجوهنا ونفوسنا، لكن في الصباح مع عودة الوعي نهاجم كل الزناة، كانت الهزيمة زفيرنا وشهيقنا، كانت أمرا محتوما لا مجال للمناقشة فيه مسألة كالقضاء والقدر.

لامع الحر– معتقل سابق وشاعر لبناني: أنا اللي بأشوفه إنه الأهم من الهزيمة العسكرية هي الهزيمة النفسية، نحن كنا مهزومين نفسيا قبل أن يقع الاجتياح الإسرائيلي وكنا نتصور النتائج التي سوف تحدث أيضا قبل أن يحدث الاجتياح الإسرائيلي وأنا أتصور إنه من عام 1982 لغاية اليوم والاستعمار أو القوى الإمبريالية أو القوى المعادية لا تعمل فقط على هزيمتنا عسكريا أو على هزيمتنا سياسيا، تعمل على انتزاع الحلم من أعماقنا لأننا عندما نفقد الحلم نفقد مبررات طموحاتنا وآمالنا وقضايانا الكبرى.

[تعليق صوتي]

"
 كنا مهزومين نفسيا قبل أن يقع الاجتياح الإسرائيلي للبنان وكنا متصورين النتائج التي ستقع على إثره. فقوى الاستعمار لا تعمل على هزيمتنا سياسيا وعسكريا فحسب بل وعلى انتزاع الحلم من داخلنا
"
لامع الحر
 كيف نهرب ونترك الشباب الذين أسسنا في شرايينهم نزعة البقاء وقوة الصمود وعظمة التحدي في عز الأزمات صغيرةً كانت أم كبيرة، إن زنزانة في الجنوب.. إن قبرا في الجنوب هو خير من كل القصور في كل العالم.

مشاركة أولى: أول مرة دخلوا فيها الصهاينة على الجنوب نحن ساكنين ببيت كنا مواجه للطريق العام وقرية صغيرة ورايقة وهادئة طلعت هيك وهم داخلين بآلياتهم وكلها شحنات مليانة جنود، شعرت بشعور مش ممكن أنساه مدى حياتي يعني، تضايقت كثير أحسست بأنه عندي بنت وحد عم يغتصب إياها قدامي ومش قادرة أعمل شيء، فدخلت على المطبخ لجوه أنتف بشعري، يعني أحسست إنه بدي.. أحسست بدي أصارع بدي أقتل بدي مش عارفة شو بدي أعمل وتقريبا بلش تفكيري بمقاومة الاحتلال.

جان شمعون– مخرج سينمائي لبناني: قضية السينما ممكن تلعب دور كثير مهم لتكشف وقائع وخاصة حقائق مش عم تنكشف مهمشة إلى حد ما، من هون كان اهتمامي تاريخيا لما بدأت أمر السينما وإنه قد إيش السينما ممكن تخدم الناس وحقيقة الواقع يعني، شيء طبيعي إنه خلال فترة الاحتلال بالثمانينات يعني ب 1985 تحديدا لأنه كان في هجمة قوية من الاحتلال الإسرائيلي على الناس بالجنوب يعني صار في مجازر وقصص كثير يعني، وبالإضافة لذلك إنه ها المقاومات اللي ما حدا عم يحكي فيها، النساء بالقرى اللي كانوا يقاموا بالعصي وبالحجارة وبالزيت المغلي يعني وبمواقفهم المشرفة، كان اختياري لمثال مهم هي الحجة خديجة حرث اللي عاشت تجربة كثير غنية بحياتها وسجنت، تم اعتقالها لأنه زوجها كان بمعتقل أنصار يعني. خديجة من الناس اللي هي بنظري بتمثل حالة للجنوب خلال الاحتلال حالة كثير موجودة يعني وخاصة النساء الجنوبيات بالقرى اللي لعبوا دور مهم بمقاومة تقريبا سلمية مقاومة شوية حجارة وزيت مغلي وعصي، بعد هون أنا بأعتقد إنه قصة المقاومة هي مش عملي مستوى واحد المقاومة، ممكن تكون على مستوى عسكري مستوى مدني سلمي وعلى مستوى فكري وعلى جميع المستويات اللي بإمكان الإنسان أن يعبر عنها واللي بيكون هو ضد الاحتلال يعني.

حسين قصير – معتقل سابق ورسام: اسمي حسين قصير اُعتقلت عام 1982 بعد حصار بيروت فور عودتي للبلدة تم اعتقالي، ما بتصور الإسرائيليين كانوا بحاجة لسبب لأن يعتقلوا أي شاب من الجنوب اللبناني لأنه بيعتبر كل شاب كان عنده قدرة على يكون في حياة إنه لازم يُعتقل هذا وهذا السبب أنا هنا بتصور يعني مدة الاعتقال تقريبا تسعة أشهر وسبعة أيام، تم الإفراج عني بـ 17 نيسان 1983.

لامع الحر: كانت الأعداد ضخمة جدا جدا جدا وكان هناك مقنعون، كان كل واحد يريد أن يعود إلى منزله عليه أن يمر أمام المُقَنَع وطبعا المُقَنَع أو المُقَنَعون مهما كانوا لا يستطيعون أن يعرفوا كل الناس وبالتالي إن عرفوا كل الناس لهم ساعات طويلة من العمل الإنسان بيضيع وتشتبه عليه الأمور ولذلك نقول أنتم هؤلاء المُقَنَعون لا ينسوا شطارتهم ومهارتهم أمام الإسرائيليين كانوا يشيرون إلى أشخاص لا علاقة لهم على الإطلاق لا بعمل وطني ولا بعمل فدائي ولا بفلسطينيين ولا بأحزاب لبنانية على الإطلاق ولكن كانوا يشيرون وكان الإسرائيلي يلتزم بأي إشارة من أي مقنع.

[تعليق صوتي]

كان إطلاق مخزن كلاشنكوف في الهواء الطلق يسبق كل غارة قام بها العدو مما يثبت أن العملاء كانوا الغطاء الأرضي والدليل الصاحي لقصف الطيران، سقطت صور سقطت النبطية سقط الجنوب كاملا في قبضة إسرائيل وبانتظار سقوط القلعة الأخيرة صيدا والعرب يتفرجون كأنهم متفرنجون أو كان هذه الأحداث تقع في تكساس فلا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد أو كأن الحرب ليست ضد كل العرب عرب النفط وعرب التسول وعرب المواجهة وعرب التسوية وعرب العبثية وعرب الكوفية الفضفاضة فوق المناكب.

لامع الحر: كان الموقف العربي إزاء هذه الأزمة موقفا متخاذلا إلى أقصى الحدود، هذا في حين أننا نرى أن إسرائيل لا تهتم فقط بأسراها تهتم بجثث قتلاها وبسعادتهم وحريصة حرص بالغ على كل التفاصيل الصغيرة التي ممكن أن تخدم ما يعتبرونه قضية وطنية، أما نحن فنرى أن العرب كانوا لا مبالين كانوا غير مهتمين وكانوا.. ولم يقدموا أي دعم لا صغير ولا كبير للمعتقلين في أنصار، يعني نحن خرجنا من أنصار ببيجامات الرياضة قدمتهم منظمة التحرير الفلسطينية.

[تعليق صوتي]

لا هدوء ولا سكينة، لا أمن في نفسي وفي أوصال قريتنا الحزينة، ليل يقارب يحشة الشعراء لا يحلو على أيامنا ليل بهيم رن في دهمائه جرس وقال جيش الدفاع افتح لنا جيش الدفاع، صوت يخيم في وجوم صوت يعرقن في غطاء فوق الشراشف والملاحف يوقظ الكلمات في حر القصيدة والسكون.. جيش الدفاع، تتغلغل الألفاظ والحركات مثل السم في البلعوم، ينسل التردد في ثنايا البيت في قلق المواقف سقطت حصون قصيدتي في قبضة الطاغي مدرجة تقاوم نير عسكره الوقح سقطت حصوني.

لامع الحر: أنا اُعتقلت من منزلي وبالتحديد خلينا نحكي بوضوح والكتاب المهاجر إلى أنصار يروي ذلك اُعتقل مجموعة من الشباب الذين كانوا على علاقة معي والذين قاموا بعمليات ضد إسرائيل وإثر هذا الاعتقال كان هناك ضرورة لأن أغادر صيدا ولست أدري لماذا لم أغادر رغم يقيني ومعرفتي من خلال علاقاتي بكثير من الذين اعتقلتهم إسرائيل وأفرجت عنهم أنه تحت التعذيب وتحت الضغوطات المختلفة لابد إلا أن يدلي الإنسان باعترافات ما.



المُعتقل.. وسائل التعذيب والقتل

[تعليق صوتي]

الملعب هو السجن.. سجن في الهواء الطلق تتحول حرارة الشمس في النهار إلى نار حارقة ومع مغيبها يتجه الطقس نحو البرد ومع منتصف الليل حتى الأذيع الأخير تشتد البرودة فيرجوا المرتاع طلوع النهار ليرتاح من هذا الجليد وليستقبل ناراً أخرى أكثر حرقا.

لامع الحر: عندما دخلت إسرائيل على لبنان لم تكن لديها أي معتقل لم تجهز أي شيء لاستقبال تلك الأعداد الكبيرة من الأسرى أو لمعاقبة أولئك الذين تعتبرهم خطيرين جدا فكانت تضطر لأخذ الكثير منهم إلى المعتقلات الموجودة في فلسطين، يعني من المعتقلات المشهورة معتقل الراهبات شو معتقل الراهبات؟ هو أنجح مدرسة تعليم بصيدا اسمها مدرسة الراهبات معتقل صفا كمنوي معمل للحمضيات فأخذوه الإسرائيليين وعملوه معتقلات.

[تعليق صوتي]

ازداد المعتقلون مجددا، تراكموا جثثا ونُقلوا إلى معمل صفا للحمضيات ليكون المحطة الثانية، مات في الراهبات خمسة عشر رجلا تقريبا أما في صفا فقد وصل العدد إلى عشرين رجلا، لم تعترف إسرائيل بمعظم هؤلاء الضحايا أو الجثث التي فُضِح أمرها لم تُسَلم إلى ذويها بل سُلمت للمسؤول عن جمعية دفن الموتى ليقوم بمهمته فورا وقبل اكتشاف آثار التعذيب والتشنيع والتشويه. تجمع في صفا أكثر من ألف معتقل وأتى بهم الغازي من كل المدن والتساكر والقرى ليقيم عرشا جديدا للنازية الجديدة على ظهر كل أسير كتبت التهمة الموجهة إليه وأُعطي بطاقةً حملت اسمه ورقمه وتهمته أيضا باللغة العربية.

حسين قصير: بداية الاعتقال كانت بالبلدة يعني بعدين تم نقلنا إلى معمل الصفا هناك مجمع الفرز مثل فرز الحمضيات يعني كنا عبارة عن بالفرز بعد الفرز بقينا عدى شيء أسبوع تقريبا بمعمل الصفا، تم فرزنا على معتقلات الداخل بعطلية بالعفولة كنا بمنطقة اسمها مرجا بن عامر.

[تعليق صوتي]

بدأ الجنود إلى جر المعتقلين إلى الباصات، عصبوا عيونهم وكبلوا أيديهم ولكن إلى أين؟ رحلة شاقة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة على الطريق وقف الباص كثيرا مع كل وقفة يزدادون عنفا يبصقون في الوجوه يشتمون سيلا من رقيهم المشهود، يطفئون السجائر في الأجساد المتهالكة ويسرقون ما وقع بين أيديهم من سبحات وخواتم وقداحات. الطريق محاطة بالسواد لم تسرب كتلة ضوء صغيرة إلى محيط العينين، كيف يواجه المرء هذه الشدة والجميع عُزَّل؟ كيف يموتوا ولا مراسم ولا وجوه للمعزيين ولا احتفالات جنائزية ولا حتى سورة الفاتحة؟

حسين قصير: أنت لما كيس الاعتقال بيفوت برأسك بتشم رائحة كل المعتقلين اللي سبقوك بهذا الكيس من خلال الأنفاس اللي بتكون فعلا كانت موجودة داخل الكيس وبنفس الوقت في رائحة دم كثير من الناس اللي كانت فايت برأسها هذا الكيس.

لامع الحر: هلا اللي راحوا على فلسطين وأخذوهم بالباصات كانوا يتعاملوا معاملة يعني أقصى منها لم نسمع على الإطلاق، عدى عن إنه والله لبسوهم ثياب جدود فلسطينيين ليدينون إن هم مقاومين ومارسوا عليهم أمقت أنواع التعذيب وعدى عن إنه بعض الأسرى أتوا بمجندة وهم عطاشى لكي تبول عليهم جميعا، يعني يمارسون أعتى أنواع الظلم الإنساني كان أيضا هناك جمر يرمى بها الإنسان لساعات طويلة من النهار تحت حر الشمس وأيضا في شغلات لا أستطيع أن أقول لك كم يمارسون عمليات الكهرباء بشكل إنساني مهين جدا غير كل القضايا المألوفة ولا أستطيع أن أوضح أكثر من ذلك لأنه في احتقار وامتهان للقيم الإنسانية برمتها.

[تعليق صوتي]

بعد أربعة أيام بيقول لي نحن قررنا أننا نغتصبك كلنا، كان فيه شو سبعة محققين كانوا أنا بها الأثناء يعني خلاص أنهكت وما عادش عندي لا أعصاب وحتى عقلي صار غير شكلي يعني تغيرت ما فيش قدامي إلا الله سبحانه وتعالى إني أتعلق فيه يعني ساعتها أحسست كأنه مثل وحي نزل علي شيء خليني أرتاح أطمئن وقلت له ساعتها أنا ما في عندي شيء إلا ليا إياه وأنت بدك تعتدي علي في الله موجود.

حسين قصير: ما في حدا ما تحقق معه، التحقيق مش عملية أخذ معلومات التحقيق كان عبارة عن عملية إذلال نفسي وشخصي لأنه بالنهاية الهدف من الاعتقال ما كان إنه جمع معلومات لأنه باعتقادي كان عندهم مجموعة معلومات هم عن بعض الناس مش عن كل الناس لأنه مش صحيح إن الإسرائيليين بيعرفوا كل شيء أبداً، التحقيق كان يتم للإذلال عشان هيك إنه كان شتى أنواع التعذيب كانت تُمارس على المعتقلين من أطراف الأصابع الرجلين لأطراف شعر الرأس.

جان شمعون: هو كعادةً الإسرائيليين بيستعملوا مرحلة (Time) أو أكثر بس المراحل الثمانية البارزة المرحلة الأولى كيف بيبلشوا ويحققوا معهم ويحددوهم ويشوفوا قد إيش مكامن الضعف عند المعتقل وقد إيش في بينتزعوا منه معلومات بقى الناس الفايتين واعيين للقصة بيعرفوا بدون ما يتفاجؤوا بيدافعوا عن حالهم وبيعرفوا كيف يجاوبوا يبقى عندهم ثقة بنفسهم يعني، خديجة من النساء اللي هيك كان موقفها يعني.

[تعليق صوتي]

"
نحن المعتقلون الحقيقة الوحيدة في هذه الدائرة، تزوجنا الأرض ونهضنا فإذا العالم كله استرخاء فنحن وأنتم حقيقتان تثيران الذهول والتناقض، أنتم أحرار أو هكذا تظنون ونحن متخمون قيودا
"
تعليق مسجل
نحن الحقيقة الوحيدة في هذه الدائرة، تزوجنا الأرض ونهضنا فإذا العالم كله استرخاء فوق استرخاء، نحن وأنتم حقيقتان تثيران الذهول والتناقض، أنتم أحرار أو هكذا تظنون ونحن متخمون قيودا. الاعتقال بصمات في كل الخلايا لن يستطيع التبرؤ من دمنا، نحن لسنا سائحين لسنا ضيوفا نحن مقيمون بشكل دائما داخل الأسوار لم نألفها ولم تألفنا نحن الخصومة الحقيقية في هذا المحيط.

لامع الحر: منذ أنا اعتُقلت ورُميت في الزنزانة بدأت كتابة الشعر وكونك في زنزانة يعني لا يوجد لا ورقة وقلم كنت مضطرا أن أكتب شعرا عموديا وأذكر أن نهار الاعتقال بالتحديد كنت عائدا من بيروت كنت أقضي وقتا كبيرا ببيروت وكنت عائدا من بيروت إلى صيدا واعتُقلت ليلا وكان في اليوم التالي وكان في اليوم التالي عندي موعد مع حبيبتي التي أصبحت زوجتي إلهام أبو غراد والتي توفاها الله، فكانت موجودة معي أحس أنها موجودة معي في الزنزانة أو كأن اللقاء الذي لم يتم معها في كافيتيريا الآداب قد تم في هذه الزنزانة، يعني قد كان طيفها محرضا لي على صعيدين على الصعيد الشعري الإبداعي وعلى الصعيد النضالي الوطني وهذا ما أعطاني قوةً معنويةً لأقاوم ولأستمر.

[فاصل إعلاني]

[تعليق صوتي]

العصا مرحلة أنصار الأولى، إسرائيل خارجا وسلطة المخاتير داخلا، المخاتير أداة في يد الصهاينة يفعلون ما لا يتجرأ الجنود فعله أسير مثلك يعاقبك جوعا وعطشا وجلدا إذا لم تنفذ تعليمات الكابتن.

لامع الحر: فالمختار كان عميلا بكل الوضوح في المرحلة الأولى لقائد المعسكرات أو نائب قائد المعسكرات كان يتردد كثيرا كان اسمه آنذاك بعك ينقلون جميع الأخبار التي تقع داخل هذا المعسكر أو ذاك إلى القائد الإسرائيلي وطبعا يأخذون مكافآت، ما هي هذه المكافآت؟ يعني إذا تعرف قد إيش كان في هناك رخص في بعض المسائل حبة يمكن تكون تفاحة يمكن تكون علبة دخان أو سيجارة سيلو من الدخان السيئ الذكر يعني بأبخس الأثمان وهؤلاء كانوا موجودين يعني في أنصار في المرحلة الأولى، المرحلة هذه اتسمت بالقصوى الشديدة وبالعنف الشديد الذي مارسته إسرائيل على المعتقلين.

[تعليق صوتي]

حشد من الأسرى تناموا على العراء ولا تنام، نعاسها يأتي ويرحل في متاهات الصراع على عجل، حشد من الأسرى تلوذ بدفئها وتذود عن أغصانها الورقاء حاشدةً دواليها راحلة إلى صخب وصمت محتمل.

حسين قصير: هلا بدايةً كان التفكير بإنه الإنسان لازم يكون فيه يعني عنده قدرة على الوجود وقدرة الوجود ما بتتكون إلا إذا كان يعني مأمن ظروفه والظروف هذه إلها علاقة بالأكل والشرب إلها علاقة بالنوم إلها علاقة بالحياة اليومية إلها علاقة بالتطور.

لامع الحر: فلعمل القيادة المشتركة تمثل جميع الأحزاب وجميع المنظمات الفلسطينية وتتخذ القرارات من خلال القيادة المشتركة وتتبناها اللجنة لتطرحها مع الإسرائيليين فبالتالي لم يعد هناك من مشكلة تمثيل لأي فريق من مختلف فرقاء أكانوا لبنانيين أم أكانوا فلسطينيين.. بوجود القيادة المشتركة وبالتالي اللجنة تطور العمل كثيرا داخل أنصار وحقق إنجازات هائلة منها تكسير الأسلاك, تحويل المعسكر المعسكرات إلى معسكر واحد فتحوا على بعضهم رغم إنه البندقية الإسرائيلية, حريق أنصار احتجاجا على الممارسات الإسرائيلية حرقنا جميع الخيم يعني جاء الإسرائيلي بيقول عربي مجنون يعني بيحرق الخيمة وبينام بالعراء هذا أمر فعلا لافت, كان الغرض من هذا الحريق أن نوصل رأينا وأن نوصل معاناتنا إلى الرأي العام واللبناني والعربي والعالمي لأنه يشوفوا في أسرى في عندنا أبسط الحقوق الإنسانية غير متوافرة وأخيرا وليس آخرا كان موضوع الأنفاق، حفر الأنفاق وهرب.. هروب أكثر من سبعين معتقلا وكان بالإمكان أن يهرب أكثر لو كانت العملية منظمة أو أكثر تنظيما.

[تعليق صوتي]

الصليب مهدئ للأعصاب أكثر.. من كل الوصفات التي أحدثها عالم الطب، صادر أسماء جميع المعتقلين, قام بعملية إحصاء شامل أخذ المعلومات التي تعادل تذكرة الهوية ومنذ دخول اسمك قوائم الصليب أصبحت رقما آمنا.

لامع الحر: أتى الصليب الأحمر في مرحلة وبدأ يوزع الأقلام ووزع كتب ووزع أوراق, هلا لكل أسير يطلع له ورقتين أو ثلاثة, جئت أنا كوني بكتب فصرت أشتري من الأسرى الأوراق لأنه باستخدامها وبشو تشتريها؟ ما في مصاري يعني، هناك كانت العملة السائدة في معتقل الأنصار هو دخان إسرائيلي سيئ اسمه سيلو كان يعطوا الأسير بمعدل علبتين ونصف أو ثلاثة علب أسبوعيا يعني بمعدل أقل من عشر سيجارات يوميا وأنا لم أكن أدخن فأستخدم الدخان لشراء بعض هذه الحاجات اللي بدي أشتغل فيها يعني.

[تعليق صوتي]

ثبت من خلال العلاقة الدائمة مع الصليب أنه بشكل عام يمتلك رؤية صهيونية مسبقة لطبيعة هؤلاء المجانين العرب, كانوا يخافون الدخول إلى المعتقل في البداية وقادة المعسكر كرسوا نظرية الدونية للأسرى جاعلين منهم مجرد حيوانات تأكل وتشرب وتنام وتفترس إذا أتيح لها الافتراس انسجاما مع عاداتها وغرائزها.

لامع الحر: تعاملنا مع بعض مَن يمثل الصليب الأحمر الدولي ووجدنا أنه يتبنى المقولة الصهيونية تماما في التعامل معنا يعني أنا أن ينظر الإسرائيلي أن ينظر العدو لي بأن الأسرى هم مجموعة عفوا من الحيوانات هذا عدو هذه نظرة عدو بل أن تنظر منظمة إنسانية أو مش منظمة إنسانية فرد من هذه المنظمة الإنسانية الذي أتى إلى أنصار ويتعامل مع بعض الأسرى على هذا الأساس فإنه فعلا لأمر مؤلم ومخزي في الآن نفسه، ثانيا كنا دائما نشعر أن هناك تقصيرا دوليا من قِبل الصليب الأحمر اللبناني, ليش؟ بعطي مثل بسيط كان هناك لدينا كثير من المرضى كان الدواء الوحيد الذي يأتي إلى المرضى هو البرادول ويبرر الدكتور الإسرائيلي إنه هذا البرادول أيوه مضبوط بيشفي كذا وبيشفي كذا.

[تعليق صوتي]

الجريد، السعال، الأنفلوانزا أمراض حصدها المطر دون أية معالجة أو التفاتة من أحد, المطر في عصر الخيانة يزمع الجفاف والهزال أكداسا أكداسا. المطر خريفنا القابع في كل الصور مطرقة هدت سنابل الضوء الممتدة في العروق, المطر زنزانة من طراز خاص وعصا أدمنت غموضنا المحير, المطر ساعد أيمن وفانوس سحري فلسف القهر علامات فارقة, المطر داخل في العمق خناجر وخارج دماءً مصرة على اقتحام عالم السحر والزندقة, المطر منحاز آخر الساقطين وأول الراحلين في اتساع الجرح المطر ضدنا ونحن ضد المطر.



الإبداع الفني والاجتياح الإسرائيلي

"
هناك ثقافة خاصة لمعتقل أنصار أهمها ثقافة القدرة على فهم العدو ثم الشعور الحقيقي بحاجة الإنسان لوطن
"
حسين قصير
حسين قصير: أكيد في ثقافة لأنصار أهم ثقافة هي القدرة على فهم العدو ها أول ثقافة الثقافة, الثانية هو الشعور الحقيقي بإنه الإنسان بحاجة لوطن, يعني قبل الأنصار يمكن ما كنت حاسس بشعور وطني أنا عم بحكي حقيقة يعني إنه ما أحس حالي فيه انتماء لوطن, بأنصار أحسست فيه إنه أنا بحاجة لأرض لوطن وعشان هيك بالشعور وطني في أنصار تطور عندي جدا، جدا من خلاله صار عندي بعدين قصة الموضوع النتاجات الفنية اللي صارت عندي اللي اشتغلتها إن كانت بالمعتقل أو خارج المعتقل. بالمعتقل كنت يعني عندي نتاجات إلها علاقة الحقيقة بالحفر على الحجر على الخشب الرسم حتى يعني كان عندي عميمة المدرسة لتعليم الرسم يعني بالخيمة بتاعتها كان في معمل إنه كل الشباب يجيئوا.. أول شيء بداية أنا بلشت أحفر بعدين صار لجأت تعلمت في طريقة الحفر كيف طريقة الرسم وطبعا بالشغلات البدائية يعني, انعملت كلها من لا شيء، فترة معينة بطل في حجارة بالمعسكر عندنا يعني مطرح الحجارة الحفر لأنه أثناء الحفر لازم يكون الحجر مانه صم كثير لتقدر تحفر عليه خصوصا بأدوات ضعيفة فكنا نفتش على الحجر الكلسي, صار إنه بعد فترة زمنية بطل في حجر كلسي بالمخيم.. بالمعسكر فإحنا قاعدين عم نشوف وين في حجر كلسي طلعوا بخارج المعسكر بمناطق الدوريات الإسرائيليين فاضطرينا.. بدنا نجيب حجارة يعني لازم نجيب حجارة, فأعد الشباب تبرع بأنه يعمل مشكلة ليجوا الإسرائيليين يتدخلوا فيها وزربوه بره إنه على أساس كل واحد يعمل مشكلة يحطوه بالشمس فهو بس كان هدفه يظهر على الشمس ويشيل الحجارة إلى جوة يعني وفعلا نجحت معه، هذه المسبحة مصنوعة من تراب يعني بعد مرور شيء عشرين سنة تقريبا بعدها موجودة لأنه أول شيء انشغلت بطريقة بدائية وتم غربلة التراب ليصير ناعم جدا جدا, الغربلة تمت بالهوا ما فيش.. ما في غربان لأنه كنت أنطر فترة ما يكون في هواء أنثر التراب.. الغبرة اللي تطير وبعدين تيجي على الركتونة كنت ألقت هذه الغبارة بعد ما خلصت يعني صار في كمية غبرة تراب معينة جبنا معجون أسنان كان فترتها في معجون أسنان لأنه معجون الأسنان ليثبت المعاجين, الشغلة الثانية كمان فتات يعني قلب الخبز اللي هو عبارة عن عجين كمان ليطمش التراب هذا.

مشاركة أولى: وعلى رابعة هيك كلها حشيش وكلها ورد قعدت أتمرر هيك أفرك حالي بالأرض أفرك حالي وأحط خدي عليها كيف بأشتاق لولدي وبحضنه حتى أشبع يعني, أحسست إن بدي أحضن الأرض هيك يعني ما أحس إن هي شيء جماد أحس إن هي روح.

جان شمعون: أنا من نظري الفيلم عُرض كثير وخاصة بالجنوب هلا الناس بيعرفوني من خلال زهرة القندول رغم إنه عملها بالـ 1985 يعني عملته أنا ماي زوجتي عملنا سوى أخرجنا هلا بنروح على الجنوب لإنه زهرة القندول يعني جزء من تجربتنا أساسية يعني وحتى على صعيد الجمهور هو كُتب كثير عنه الفيلم.. خارجيا راح أعطيك مثل بسيط مرة كنا عارضينه بفرنسا بباريس الفيلم وفي مهرجان سينما - على كل أحوال أخذ خمس جوائز الفيلم عالمية - في مرة الأخت يارا كانت قاعدة أول صف على بعد عرض الفيلم صار في نقاش معي, هذه الفرنسوية الأخت يارا عمرها سبعين سنة بتسألني بتقول لي أستاذ شمعون أنا ما بعرف إنه النسوان بالجنوب هلا حضرتك عرفنا إنه كثير متحررين وكثير عندهم إمكانية مهمة ليواجهوا احتلال وعدو وعندهم ذكاء وشجعان يعني (Courage) بالفرنساوي قلت لها هاي طب يا أخت ما أنا مش متفاجئ فيهم بس أنتم حضرتكم لأنه الإعلام الحقيقي مش واصلكم والحقائق اللي عم نعيشها مش واصلة لكم أنا مبسوط كثير إنه جبت هالفيلم وعم بفرجكم إياه لتعرفوا حقيقة المرأة بالجنوب.

لامع الحر: يعني أهم شيء يا صديقي بالكتابة الإبداعية وبالتحديد الشعرية أن يكون الإنسان أو المبدع صادقا مع ذاته أن يتمكن من التعبير عن ألمه الذاتي لكي يتمكن من التعبير عن الألم العام إذا لم يستطع أن يفجر هذا الداخل العارم هذا الداخل المتأزم هذا الداخل المتوتر لن يستطع أن يصل إلى الآخر.. أنا اللي في أقوله إني أنا أكون صادقا في عرض تجربتي أكون صادقا في التعبير عن تجربتي, دائما دائما دائما كان المعيار الوحيد ليس هو فقط الصدق الذي يتدجج في الإبداع لإمكانية كتابة نص ما يشكل إضافة ما إلى اللغة الشعرية أولا وإلى الأجواء الوطنية والنضالية التي نعيش فيها ثانيا.

[تعليق صوتي]

كانت التجمعات أشبه بيوم الحشر كتلةً كبيرةً من اللحم لا تستطيع الحراك ولا التنفس ولا حتى الاستغاثة, صباحا يبدأ التجمع في ساعة متأخرة من الليل قد ينتهي وعليك ألا تجوع, ألا تعطش, ألا تقضي حاجتك, ألا تحرك ساكنا, فقط سر مع هذه الجموع لتستطيع عبور حاجز المُقَنَّعِين بسلام.

لامع الحر: معاناة الاعتقال استمرت بعد الاعتقال في شعري وفي جسدي وفي فكري وفي روحي وفي قلبي واتخذت جوانب متعددة, اليوم ماذا تبقى من أنصار أو ما تبقى من مرحلة الاعتقال في كتاباتي؟ أقول لك تبقى الكثير, أدركت من خلال وجودي في المعتقل وما بعد الاعتقال أن الإسرائيلي يخاف كثيرا من العملية الكتابية يخاف كثيرا من العملية الإبداعية يخاف كثيرا من العملية الإعلامية ومن عشان.. ولأجل ذلك أنا حريص دائما أن أكتب النص الإبداعي الذي يمكن أن يؤثر على الإسرائيلي على الصهيوني على طبيعة عمله أو يحد من طبيعة هذا العمل وبرأيي أنا إنه صرت أشوف حتى مش ضروري أقول هناك الكتابات المباشرة ضد إسرائيل هي التي تزعجه لا أي نص إبداعي جديد يقدمه العربي على مختلف المستويات إن كان شعر أو إن كان رسم أو إن كان سينما فبالتالي الإسرائيلي الصهيوني يكون منزعج لأنه عندما يشعر أنك قد تقدمت فهذا يعني بالنسبة إليه قد أصبحت تشكل خطرا حقيقيا على وجوده وعلى مستقبله.

جان شمعون: أنا بنظري شغلة مرحلة مهمة بحياتي بحياتنا يعني بتاريخنا الحديث لأنه إذا بترجع بتشوف مجتمعات أخرى كيف قاومت احتلالات يعني, بعدها لهلا مكرسة على العمل المشرف بمتاحف وبكتب وبمؤلفات كبيرة وبمراجع وبأفلام وهي الأفلام أنا بنظري مش لأنه سينمائي لأنه سلطة الصورة بتفعل كثير يعني, هايدي شرف لكل وطن موجودة بدول أخرى يعني إن كان بأوروبا أو غير أوروبا, بقى نحن أنا بنظري تجارب الأنصار وتجارب المعتقلين بأنصار والمعتقلات هي شغلة كثير مهمة إن إحنا بحاجة لتكريسها.

حسين قصير: أنت برأيك ليش انسرق النتاجات الفنية بتاعت المعتقلين, مش عشان سرق الذاكرة يعني؟ هي سرق الذاكرة أنا برأيي معتقل أنصار أو معتقل الخيام أو معتقل ما أو مجدو أو أي معتقل أو معمل صفا كل هاي المعتقلات اللي كانوا عملينا الإسرائيليين في لبنان إذا ما تحولت فعلا ولو إنه زوايا منه إذا ما في قدرة يعني عند الدولة إنها تتحول زوايا منها مزار, ما يعملوها متحف إذا ما طبعا نفترض ما عندهم قدرة يعملوها متحف.. يعملوها بس مزار لتذكير الناس والأجيال القادمة بإنه كان هون في ناس تعذبوا وهاي طريقة تعذيبهم وهاي نتاجاتهم اللي عملوها بالمعتقلات هذه.

لامع الحر: يعني أعتقد أن الاجتياح الإسرائيلي يشكل حدا فاصلا بين مرحلتين المرحلة الأولي هي مرحلة نمو المشروع الوطني الكبير القائم على تحرير الوطن وتحرير الإنسان من كافة القيود التي تعوق حركته والمرحلة الثانية التي تلت الاجتياح الإسرائيلي هي مرحلة هزيمة هذا المشروع وبالتالي بداية الزحف العربي الكبير نحو الحلول السلمية أو الاستسلامية أو ما شابه ذلك. الشاعر مهما غرب ومهما شرق هو ابن بيئته, مع نمو المشروع الوطني كان هناك انتشار للشعر المقاوم للشعر الوطني للشعر الثوري, ضرورة التشبث بالأرض, ضرورة عودة كامل التراب العربي إلى مختلف الدول العربية ولكن للحقيقة نقول إن بعد سقوط هذا المشروع الوطني أصبح في لبنان على وجه التحديد هناك أكثر من اتجاه, هناك اتجاه بدأ يدعو وبصفاقة وبحماسة بالغة نحو أن ضرورة أن يكون الشعر ملتزما بمدرسة الفن للفن المدرسة الفرنسية وهناك اتجاه قال ضرورة أن يستمر الشعر لأن الشعر وإن سقط المشروع السياسي يبقى حاملا ذلك الحلم ذلك الوهج ذلك الأمل لأن المجتمعات باستمرار تسير نحو الأفضل وهناك في أخرى فضلت الصمت لأنها لم تستطع أن تحدد موقفا. للأسف يعني التداعيات العربية منذ عام 1982 لغاية اليوم وهي تسير باتجاه معاكس لتوجهاتنا ولطموحاتنا ولآمالنا ولذلك نرى أننا ننتقل من انكسار إلى انكسار أشد وهكذا دواليك ونحن نخشى أن نصل إذا استمرينا في هذه الطريقة أو غير هذه المسيرة نحو الوصول إلى الهاوية، على صعيد الشعري أنا أرى عكس ما يرى كثيرون أن هذه التداعيات العربية وأن هذا السقوط المريع وأن هذه التراجعات المخيفة لم تفقدني على الإطلاق الحلم ولم أصر عدميا على الإطلاق بل أعتبر أن في وطننا العربية أكثر من شمعة مضيئة يمكن أن نعتمد عليها لكي نرى أن جذور التغيير موجودة وقائمة في الوطن العربي أولها تحرير الجنوب اللبناني وتحرير الأسير اللبناني وثانيها أيضا تحرير أو مش تحرير وجود الانتفاضة في فلسطين المحتلة.

[تعليق صوتي]

العالم كله ينساه ربما تذكر حالنا في لحظة ما أو ليلا ما أو غابة ما أو مقهى ما لكنه ينسى النسيان نعمة فلا تسيء فهمنا وتذكروا دائما أن شفاهنا عبثا تحاول اختراق الأسلاك وأن عيوننا تعيش قريبا منكم ومن سهراتكم الملبدة دمعا وعشقا.