- الحياة في سجن الشيخ حسن
- تدمير النخب الثقافية في السجون
- أحلام السجون وبناء الشخصية

 

عبد الحكيم قطيفان– ممثل
سوري: أنا عبد الحكيم قطيفان، ممثل، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، اعتقلوني سنة 1983، كان عمري خمسة وعشرين سنة، طلعت بنهاية العام 1991 كان عمري أربعة وثلاثين سنة.

حسيبة عبد الرحمن– كاتبة سورية: حسيبة عبد الرحمن، سبع سنين سجن دائرة كل فروع التحقيق بسوريا ما بقى لي غير فرع الخارجي وبأختم كل فروع الأمن بسوريا، كل الزنازين بأعرفها بأعرف أوصافها، أبعادها أول ما بأنزل بأول واجهة فرع بأقدار أعرف لوين رايحة حتى لو كنت مُطمَّشة عبر معرفتي لشوارع دمشق.

الحياة في سجن الشيخ حسن

عدنان مقداد– شاعر سوري: أنا عدنان مقداد، اعتُقلت لمدة 15 سنة من عام 1980 حتى عام 1995 منهم أربع سنين هون بالقلعة، الحقيقة هذه مسألة الكتابة عانيت منها أكثر لما نقلونا بعد أربع سنين على الشيخ حسن.. سجن الشيخ حسن كان إلُيه سمعة سيئة جدا هلا ما حدا بيعرفها، هلا كثير أنا قلت بس بأقول للناس أنه سجن الشيخ حسن بيقولوا ما بنعرفه موجود داخل مقبرة.. داخل مقبرة باب الصغير داخل المقبرة وكأنه ياللي بها السجن هذا هم ناس أموات أو لازم ينحسبوا كأموات، هناك ممنوع كل شيء ممنوع القلم ممنوع الورقة ممنوع الكتاب ممنوع الجريدة ممنوع كل شيء ما فيه غير تصطحب بطانيتك وصُبَّاطك وفقط بيعطوك كمان الفرشة ما فيه يعني لا تملك شيء أواعيك اللي ثيابك فقط لا غير، أذكر أنه يعني نحن أنا إذا بدي أكتب جملة لازم أشعل عود الكبريت حتى أكتب على ورقة باكيت الدخان بعد ما يخلص نفتحه ونصير نكتب على خلفيته ومرة صار لي بَرية قلم صغيرة صرت أكتب فيها، ضلينا سنة هناك نكتب بها الشكل هذا وهناك فعلا أنا تعلمت الكتابة بالشيخ حسن أكثر فأكثر، أربع سنين بالقلعة كاتب حوالي ثلاث أربع مجموعات حذفتهم هادولا واعتبرت أنه هذه بدايتي هنا منها مرة وقعت ورقة من أوراقي بأيدي الأمن جُن جنونه كان السجان أبو عيد المساعد هذا بيوجعه رأسه لما يحس أنه حدا بيسوى شغلة من ورائه أو ما بيعرفها وأبو عيد بلحظة من اللحظات بتنقلب عيونه 180 درجة بتصير عيون وحش وعيون جلاد حقيقي.

عبد الحكيم قطيفان: أنا يوميا بالشيخ حسن بصدق شديد يوميا أصحى من نومي أبلش أتلامس حالي لأنه حالات الشيزوفرنيا بتعرف كانت كثير اللي تجيك حالات الرعب وحالات الخوف وحالات الاستيقاظ بالليل على صريخ وعلى هيك الأصوات وهذا اللي طول الليل عم بيصرخ بعد سنوات طويلة من انتهاء التحقيق ما هو عم بيتألم أنا بأتذكر يوميا فعلا أصحي الصبحيات أنه شعري جبيني أنفي فمي (Ok) أنه أنا بعدي لهلا مازلت بحالة الشيزوفرنيا أو حالة الجنون، كان دائما عندي إحساس بأنه هذا القهر المطبق من أبو عيد ومن أبو حسن ومن أبو فلان وعلان، أنا أبو عيد بأتذكره بالتحقيق هذا الرجل يعني طبعا هو وحش مش بني آدم هو بني آدم مش سَوِي نفسياً.

"
مدير السجن كان يحاسبناعلى كل شئ ويستأذن من الأمن في كل فعل أردنا عمله من مسرح أو كتابة جريدة أو مقالات
"
حسيبة عبد الرحمن
حسيبة عبد الرحمن: بالرغم من أن هو مدير سجن لكن هو شخص جبان.. شخص جبان كان يحاسبنا على أي شيء نعمله بدنا نعمل مسرح لازم يروح يتصل بالأمن ليقول لهم عم يعملوا مسرح، بدنا نحن مثلا نكتب جريدة.. جريدة حائط نقعد نكتب فيها شعر أو مقالات سياسية يرفع تقرير للسجن، بدنا نكتب بنفس الوقت هو يصادرها.

عبد الحكيم قطيفان: هلا نحن كنا على كتف المقبرة تماما إذا بتتذكر لأنه يوميا كان يجيبوا ميتين وكان القرآن الكريم وكان إلى آخره، نحن كنا نسمع طبعا الناس تترحم الله يرحمه وناس كذا إلى آخره، ناس تتخيل حالها محل ناس تحس أنه بمعنى اللي بيشوف مصيبة غيره بتهون مصيبته أنه هيك أنه ميت.. ميت الله يحرمه إلى آخره بس أنا يعني الحمد لله أنه أنا مازلت عايش وكنت أحب شغلة كثير ظريفة كان الآذان الصبح لما بتطلع المآذن تبع الشام سبع من المآذن حول الشيخ حسن هيك الحارات القديمة لدرجة أنه كنت دائما أسهر يعني طول الليل حتى يطلع هذا الزلمة فيه صوت كان كثير شجن كان يقول هيك إذا بتتذكر اصحو الفجر واغتنموا الأجر، أثابنا وأثابكم الله، أنا أصحى لهيك وأحط رأسي وأنام.

حسيبة عبد الرحمن: في السجن الأيديولوجيا بترجع لورا بتقدم الحياة اليومية، حياة يومية مساحتها مساحة جدران السجن قد إيش وكم حجرة فيه؟ كم مهجع فيه؟ كم سجين فيه فقط، خارجه ما فيه شيء غير كأنه بيجيك من بره صوت آذان جامع ربما أو صوت شرطي أو صوت شرطية جاية أما أنت عالمك هو هون بالتالي أحلامك وكلك بهذا المكان بتصير حتى أحلامك مرتبطة بالأكل أنت أما ما بيكون عندك أكل كافي بتصير بتحلم بالأكل ما بتصير تحلم بشيء ثاني، لو كان معي ورقة وقلم بهذه الفترة يمكن كان طلع معايا أوراق غرائبية ولو رجعت قرأتها لا يمكن أعرف أنه هاي أنا اللي كاتبتها بس مع الأسف الشديد طبعا بالزنازين ما فيه أوراق وما فيه مجال يكون معك شيء تسجله.

عبد الحكيم قطيفان: الجمعية تبع الشيخ حسن هي عبارة عن يعني فيه عندك هاي الطاموسة بيسموها يعني بتنزل لها ثلاث درجات..

عدنان مقداد: بُقَّها نازل لتحت.

عبد الحكيم قطيفان: بالضبط، عبارة عن حوالي ثلاثة أمتار بأربعة أمتار وبعدين فيه عندك حمام مفرد وحيد وبعدين تجيك مصطبة هيك أنا بأتذكر كنا يعني بفترة من الفترات أحيانا ننام خمسين زلمة فيها أحيانا أربعين أحيانا أربعة وأربعين شو بيحولوا لك من مَزَّة على الشيخ حسن شو بيحولوا لك من تدمر على الشيخ حسن شو بيحولوا لك من تدمر.. من الشيخ حسن على تدمر، أنا بأتذكر فترات أحيانا يعني الرجل مثلنا حصته تنقاس بالسنتيمتر كنا نقيسها قياس يقول لك أنت اليوم أربعة وأربعين سنتي لك ثلاثة وثلاثين سنتي لك خمسة وثلاثين سنتي لك خمسين سنتي، أنا بأتذكر هاي الفترة من الفترات القاهرة جدا بأتذكر فيه كان فيه شاب اسمه عمار عرب عمره كان حوالي 13 سنة لما جابوه..

عدنان مقداد: صغير طفل.

عبد الحكيم قطيفان: كان فيه عندي ميل عاطفي عجيب له كنت أتخيل أخواتي فيه إلى آخره فكنت دائما أنا وعمار نأكل مع بعض نقعد ما بعض هيك نحكي مع بعض بشكل من الأشكال صرنا ننام مع بعض لدرجة أنه صار فيه مصلحة أنه أنا أنام جنب عمار عرب لأنه عمار يمكن هو..

عدنان مقداد: قطعته صغيرة.

عبد الحكيم قطيفان: قطعته عشرين ثلاثين سنتي عرفت ليه شنو أنا بالمحصلة فعمالين نجمعها ثلاثين وأربعين سبعين سنتي المهم فيه معانا عشرة سنتيات إحنا نحص فيهم، أنا بأتذكر فيه بشر كانت تنام على سيفها مرَّت فترة علينا أنه ما فيه نوم كنا نقعد على الدرجة نعمل شي يسموها هي مثل الدورية أو المناوبة أنت خيّ بتنام ساعتين بتصحيني تنام ساعتين.

عدنان مقداد: أول ما اعتقلونا أخذونا مطمَّشين ما عرفت أنا وين ظليت يومين ثلاثة ما عرفت أنا وين، بعدين عرفت أنه أنا بفرع المنطقة العسكري بالعدوي كان، أول ما دخلونا لتحت على القبو بشكل تلقائي كان الصُباط.. الحذاء هو المخدة هي اللي بننام عليها يعني شيء مفارقات فظيعة.. الصباط صار شقفة واحدة لما طلعونا بدي ألبسه ما عاد يتلبس صار شقفة واحدة.

عبد الحكيم قطيفان: فترة الزنازين هاي فيه فترة كثير مؤلمة وفترة كثير مزعجة لأنه أنت على مدار أربعة وعشرين ساعة محبوس ضمن فراغ طوله مترين تقريبا بحوالي مائة وأربعين مائة وخمسين سنتي مش أكثر من هيك فيه شرفة حمام وفيه حنفية فأتذكر كنا مجموعة يعني بالزنازين صار فيه اقتراح أنه نحكي حكاية صرنا نحاول أحيانا نفتح باب الزنزانة هذا صغير وكان عبارة عن عشرة أو 15 بأربعين سنتي أحيانا كنا نطلع رؤوسنا بها الطريقة هاي أحيانا ما نقدر بس يعني من خلال كان بيخش الموجودين بباب الزنزانة، حكينا كثير عن أفلام السينما الأفلام الواقعية الإيطالية والفرنسية، حكينا عن روايات حنا مينا، حكينا عن المسرح السوري أنه فقط ما تظلك أنت أسير هاي اللحظة اللي لها علاقة مثلا الجراذين اللي بيطلعوا لك من البالوعة أو السجان اللي بيضربك لا أنت تحاول تنقل حالك من مستوى خلينا نعتبره تفاصيل كثير يومية مؤلمة لحالة كثير لعلاقة مش بالتطير الروحي بس لعلاقة بالتخصيب الوجداني فكان تقريبا يعني هاي حالة أنا بأنساها كانت تعمل لنا معوضة كثير هائلة للشيء اللي عم نفتقده في الحياة.

عدنان مقداد: أنا بالنسبة لي القلم والورقة هاي شغلة مقدسة عندي، إذا بدي أنام بدي أحط القلم والورقة تحت المخدة وأنا نايم بأقوم أكتب جملة وبأرجع بأنام، المهم أنه علاقتي بالشعر كثير حمتني وحمت نفسيتي من أنها تتأذى من جراء السجن والشيء اللي تعرضنا له، دائما فيه شيء يفرغ شحنات عم بأطلعها بس عمال تخليني سليم ومعافى أكثر فأكثر.



تدمير النخب الثقافية في السجون

حسيبة عبد الرحمن: أنا بأعتبر لو كنا بمكان تاني وبظرف تاني ما حدا راح يعتقلنا لأنه على الأقل إحنا منا حزب مسلح، كنا شباب وما بأخفيكي مشكلة حقيقية باعتقالنا لأنه يعني كانوا خيرة شباب سوريا كان ممكن يشيلوا مشروع ثقافي بسوريا هُما اللي اعتقلوا مع الأسف الشديد يعني هي النخبة صارت كلها بالسجن نتيجة هذا السجن دمروا هي النخبة اللي كانت ممكن تحمل مشاريع معرفية ثقافية إلى آخره، دخولهم إلى السجن لفترات زمنية طويلة دمرهم وخلاهم يطلعوا شخصيات مهمشة مهترئة من جوة مكسورة ما بأعتقد في مجال ترجع تشتغل بمشروع ثقافي أو معرفي.

عدنان مقداد: أنا ما بأعتبر يعني نفسي رجل سياسة أنا بأعتبر نفسي لي علاقة بالأدب وبالقصيدة بالدرجة الأولى.

عبد الحكيم قطيفان: أنا مقتنع بأنه هذا الاعتقال الطويل جدا وبالتالي هذا الألم الطويل جدا للشخص نفسه لأهله لأصدقائه ومحبينه كثير ظالم وكثير لا إنساني، أنا برأيي لو فضل أنه هؤلاء الناس مختلفين مع الدولة مع السلطة (Ok) بس هذا الاختلاف لم يكن يعني بالمحصلة مرجعيته هي الدم والقتل يعني الذبح المتبادل، هو كان مجرد فكرة بالرأس فيه نشاط سياسي دعاوي مش أكثر من هيك هذا النشاط السياسي الدعاوي لا يحتمل أو لا يعني غير مقبول إطلاقا أنه أنا أقابل يعني مقابله أنه أنا أدفع سنوات من عمري طويلة جدا.

عدنان مقداد: أنا اعتُقلت بـ1986 هي كانت مرحلة مكثفة عن تاريخ سوريا كلِّيته وصلَّت فقدان الأشياء بكاملها يعني أكثرية الناس ما مارسوها الشي اللي نسب إليهم يعني أنا نفسي مثلا اتُّهمت أنه أنا إخوان المسلمين وأنا شيوعي، فُت على الزنزانة وكان أمامي السجان وهو يظن أنه أنا إخوان مسلمين بيتعامل معي على إني إخوان مسلمين فإذاً أنت كمخبر ممكن أنت تكتب تقرير في أي شخص وتدخله على السجن وأنا هاي شوفتها حالات شوفتها أمامي يعني واحد من يلغاه والثاني بيكتب في التقرير وسرعان ما تيجي السيارات وتأخذه.

حسيبة عبد الرحمن: السجن هو مكان أسوأ مكان ممكن يكون للإنسان عندما تحجب حرية البشر لا يمكن للبشر أن تُخرج أفضل ما عندها ستخرج أسوأ ما عندها.

عدنان مقداد: أنه الإنسان بها البلد معزول فيه قضية.. قضية عدم الاعتراف بالآخر.. الآخر مش موجود أنت كل شيء، الآخر ليس له أي وجود وليس له أي حق في الاعتراض أو إذا الآخر بده يكون على مسار معين أو فغيابك هو تسلط الآخر، لما أنت لا تستطيع أنك تعترض على شيء يعطيه الحق في أنه يتمدد ويأخذ وجهة نظره هي السائدة هي الكل بالكل هو الكل بالكل أيضا يعني.

عبد الحكيم قطيفان: أحكي لك عن قصة حب صارت معي؟ ونحن بعدرا طبعا يعني صار بعد فترة من الإضراب.. إحنا عملنا اضرابين ثلاثة بتتذكر فبعدين سمحوا لنا بالزيارات كل 15 يوما حيك شار أنا بأتذكر أخت صديق لإلي ورفيق لإلي وكثير بأحبه حبينا بعض أنا وهي، أنا بأعرفها هيك بنت صغيرة، راحت الأيام جت الأيام ما بأعرف شيء أربع خمس سنين ما شفتها وبعدين شفت هيك بأحد الزيارات اتطلعت فيها حاطة سلسال ذهب هيك عم تلعب فيه هيك بين أسنانها، شعر، حمرة بودرة، ما أعرف يعني المهم صار قصة حب عجيبة غريبة يعني أي قيس وليلى أي عروة بن الورد أي.. إلى آخره لدرجة أنه طبعا فترتها صاروا يسمحون لنا ببعض الجرائد تيجينا فصرنا نقرأ عن مهرجان دمشق السينمائي نقرأ عن مسرحيات القباني الحمرة عروض القومي إلى آخره إصدارات الكتب مهرجانات تيجي من برة فأنا كانت هي بأعتبر.. البنت بأعتبرها بوابل الحياة يعني كانت يعني أنا بأتذكر أنه مثلا أقرأ عن فيلم سينما أو خبر عن فيلم سينما فدايما كنت أتخيل أنا وياها ماشيين لبعض فايتين على السينما عم نحضر هذا الفيلم، عن مسرحية أتخيل أنه أنا وياها نازلين على الحمرة أو القباني أو العمال إلى آخره كمان هيك حاضرين هذا الفيلم تناقشنا إلى آخره، ما تتخيل الهلوسة الذهنية اللي بتصير فيه هلوسة عجيبة غريبة، المهم ظليت حوالي سنتين أنا وهي البنت أهرَّب لها الرسائل، فيه مرة من المرات علقت الرسالة بين شبكين تبع الزيارة كان فيه بيناتنا بأتذكر بعدرا حوالي 80 سنتي فعم ألقفها هيك للرسايل لفينها هيك تبع هذه الورقة تبع السجاير ما وصلت يعني وبلشنا النفخ بدنا الآن قبل ما ييجي السجانين وأنفخ.. وهي تنفخ إلى آخره أهلي اتكركبوا وهي كركبت لأنه فورا بيحولوك تعرف على الفرع مباشرة وتعد لدرعا.

[موجز الأنباء]

عبد الحكيم قطيفان: فبأتذكر أنه عشنا رعب عجيب غريب لمدة يمكن حوالي هم سبع ثواني بس يمكن كانوا حوالي يعني سبعة شهور من الـ(Stress) العصبي، الغريب عدنان أن هي كانت بوقت فعلا أن كل شيء جميل بالحياة كنت أحس أن الحياة ما ممكن تكون جميلة إلا بهاي البنت وحتى فكرت أنه إذا فيه بينعمل وكالة ما وكالة لأهلي لأبي لأخواتي أنه حدا يزوجني إياها ما مشكلة لأنه أنا بالنسبة إليّ ما فيه أي إيشي وأخويا بيعرف وأهلها بيعرفوا وإلى آخره، الغريب أنه بعد ما طلعنا التقيت فيها أنا حسيت أنه هاي البنت مو هي البنت اللي برأسي.

عدنان مقداد: أنا حالة حب ما عشتها حالة الحب وإنما التقيت بزوجتي وتعرفت عليها وتعرفت على أهلها وتزوجتها، زوجتي ما أنها مثلي يعني أفكارها مختلفة عني يعني بتصلي بتصوم عادي، هاي بيئتنا يعني وهذا بلدنا نحن.. أنا تعلمت كيف أحترم الآخر بالسجن.

حسيبة عبد الرحمن: ما كنا مدركين حجم التغيير اللي صار فينا نتيجة السجن، أول مرة بأكتشف حجم التغيير اللي صار رغم أنه كانت فيه مظاهر قسوة لكن ما كانت واضحة إلا لما بلشت أمي تقول لي مرة منهم أنت متغيرة كثير صايرة قاسية، أول مرة بأتفاجأ أنه فعلا أنا صايرة قاسية أنا كنت حنونة شخصية كنت حنونة شو اللي قلبني؟ شو اللي خلاني حتى أمي لما ماتت ما قدرت أبكي؟ ولما أبي مات وأنا بالسجن ما قدرت أبكي، كل شيء عملت نزلت دمعتين مسحتهم لكن كانت دموعي تنزل وأنا نايمة بالسجن وبرة السجن ويمكن هذا اللي دفعني بشكل من الأشكال لأكتب الرواية لأنه كنت بحاجة إلى هاي الذاكرة المتعَبة حتى على الورق أقدر أتخلص من أعباء النفسية لأقدر أرجع على الأقل أوازن نفسي من أول وجديد كبني آدم كإنسانة.

عدنان مقداد: الشغلات اللي كانت فيما بعد عرفت أنه تركت أثرا عميقا جدا في نفسي هي وفاة والدي.. والدي ما كان كبير بالعمر كان عمره حدود الستين سنة أو أقل حتى خمسة وخمسين هو كان يسافر على السعودية بيشتغل عامل هناك كل سنة بييجي فجاء زارني الزيارة الأخيرة وعم بيقول لي يا ابني شوف بتحب توصيني شيء أنا بدي أسافر جاي أودعك فقلت له يعني ما بدي شيء غير سلامتك قال لي لا وصيني إذا بدك شيء قل لي، قلت له ما بدي شيء غير سلامتك فعم يحكي معي هيك بيقول لي أصبح أنا اللي لي عندك لك وصية، قلت له تفضل، قال لي أوعك توقَّع لهم.. أوعك توقَّع لهم، يعني أنا وقتها حسيت كان إحساسي واسع جدا يعني أنه هاي المرة الوحيدة يا اللي أهلي بيطلبوا فيني أني.. بيطلبوا فيها مني أني ما أوقَّع كانوا بدهم أني أطلع بأي شكل من الأشكال وبأعرف أنا أنه كانوا ينتظروني أشد الانتظار حتى والدي اللي عم بيوصيني كان.. أني ما أتنازل يعني هاي الشغلة كبيرة بالنسبة لي أنا عرفت الشغلة هاي أكثر وأكثر بعد ما طلعت من السجن.. بعد ما طلعت من السجن قلت لأمي بدنا نروح نزور قبر أبي رحنا ببصرة عمتي قلت لها بدي تروحي بكره الصبح معي الصبح بكير فرحنا أنا وياها، شغلة غريبة عجيبة يعني لا تُصدق، عمتي سبقتني بعدة خطوات ركضت ركِّيض دارت حول القبر وقالت له هاي طلع عدنان يا محمد، أدركت وقتها قد إيش كان أبي ينتظرني قد أيش كانوا أهلي ينتظروني ما كنت أعرف إلا بهاديك اللحظة عرفت.



أحلام السجون وبناء الشخصية

عبد الحكيم قطيفان: يعني هو السجن مثل أي شيء بالحياة له وجهان أنا برأيي الشخصي، وجه هو له علاقة ببناء الشخص بأبنيك يعني بأبنيك من جوانب العلاقة يمكن بالثقافة يمكن.. السجن ما كسرني بالعكس يعني يمكن أنا طلعت معنوياتي يمكن أحسن من هلا، فيه نقطة كثير مهمة جدا أنا دائما بأحس أنه هي الفرق ما داخل السجن وخارج السجن أنا جوات السجن كنت أحلم يمكن أحلم أعمل ممثل مهم، يمكن أحلم أعمل مسرحية مهمة، يمكن أحلم أعمل فيلم سينما مهم، يمكن أحلم أعيش علاقة حب مع امرأة مهمة ما بأعرف بس كنت أحلم ودايما بأحس أنه أنا فيه شيء بحياتي جميل وعشت تخيلات عجيبة حلوة معه، أنا هلا بالحياة هلا يمكن ما بأحلم أو يمكن أقول لك مو فاقد الحلم بس يمكن تفاصيل حياتي اليومية كثير بشعة وكثير قاسية وكثير ما فيها شيء شفاف ولا وجداني أنا بأحس انه ما فيها حلو.

عدنان مقداد: أنا ما كنت أظن في يوم من الأيام أنه الحلم راح يكون جريمة في يوم من الأيام أو حلم اليقظة الواحد بينه وبين نفسه أنه يكون جريمة إلا حتى شوفتها بعيني.

عبد الحكيم قطيفان: بفترة الاعتقال بالأيام الأولى طبعا هي يعني مرحلة ما بأتمنى ما حدا بيمر فيها بالحياة أنه على طريقة أنه فيه شيء ما تتمناه لعدوك أنا فعلا ما بأتمناها لعدوِّي لأنه هي مرحلة من لما بيخدوك من بيتك إلى لما بتوصل إلى الفريال يعني إلى الزانزين لما بينزلوك نبلشوا بالمحاصرة يتعاطوا معاك من لما بيحطوا هيدي الطماشة على عيونك يعني بتمر حالات عجيبة أنه أنا رايح شو هيعملوا فيّ إلى متى وكيف وشلون وكذا إلى آخره ففيه شريط عجيب غريب بالمرة، في الفترة الأولى من التحقيق بتكون قاسية كثير مؤلمة تكون مفتوحة على كل الاحتمالات، نومك سيئ جدا أعصابك سيئة جدا أكلك سيئ جدا ذهنك بيشتغل على مدار مش 24 ساعة يمكن 44 ألف ساعة بالـ24 ساعة فيمكن بأتذكر باليوم الأربع عشر صار عندي كيف الجربان صار بأحس أنه بيحك جلده كُليَّته كل جسمه عم يتحك بدو حلو، فيه شيء غريب دماغ غريب بدك حلو، أنه أنا بأتمنى أصير دبانة يارب حقق إياها طلعني من هاي الزنزانة وهي السبع أبواب لأطلع على برة فبدي سبع أبواب يمكن لأطلع على برة وأنا صدقني ما أفل أنا بس بأطلع بروح على صدر إن كان هريس أو عوامة إلى آخره بأنزل أنا كدبانة مش عبد الحكيم بأنزل على هذا الصحن القطر أو الصدر القطر بأغطيك يمكن بأكل الأطرى هيك وبعدين بدي أطير وبدي بأرجع لهم ما بأهرب فبأتذكر أنه جابوا لنا حلو ثلاث حبات نمُّورة هي صغيرة اللي هيك يعني الواحدة تقريبا بتطلع قد هي نمُّورة يمكن اسمها، أنا بالنسبة لإلي كان عيد ويمكن بلشت أرجف لأنه لما عطونا إياهن هيك بأتذكر حتى فيه واحد طلبت منه قلت له ممكن تجيب لي هيك قطعة بلاستيك معينة؟ يعني شفت بس بلاستيك تبع كيس نايلون أي شيء قال لي ليش؟ قلت له محتاجة لأنه أنا فكرت وخططت على أنا ما بدي أكلهم على دفعة واحدة لأنه أنا أظن لازم يعملوا لي فترة زمنية بأتذكر لما عطوني إياها جابوا لي هذه البلاستيكة حطيتهم بإيدي هيك، لما عدت أكلت لحست لحس منهم ما عملوا أثر على البلاستيكة أنا بلشت لحست الأطراف ما بدي أكل الحلو لكن حطيتهم تحت رأسي محل ما بدي أنا أنام على المصطبة تبع الزنزانة لأنه بالرجلين من تحت كان يطلع جرذون دائما يأكل الخبز تبعنا يعني يجيبوا لك رغيف خبز أحيانا إنت ما لك نفس تأكله فكنت تحط رغيف الخبز تلفه بآخر البطانية تحطه هيك فأحيانا كان يطلع الجرذون من البالوعة يسحبوا وأنت تكون عم تتفرج عليه لدرجة صار فيه صداقة بيننا وبين الجراذين تبع البلد إياها إنه بيطلعوا يأكلوا الخبز تبعك وخلاص أكلوه فإنه أنا هذا إذا بيطلع جرذون ممكن أعمل معركة عشان ما يقربوا على الثلاث حبات الحلو يعني بالنسبة لي يعطون فعلا حلو كان.

حسيبة عبد الرحمن: ما الذي تغير بالأولاد يا أمي بعد أن أمضوا زمنا في جوف الغولا وبعد أن مصَّت دماءهم؟ ما الذي تغير يا أمي؟ الآن بعد ما طلعت ما كان فيه ظرف مناسب للشغل طلعنا نحن في ظرف كثير سيء، أنا ما كان عندي شغل بالأساس ولما طلعت حاولت أرجع أكمل وأشتغل ما وافقوا غطوا لي فترة السجن الست سنوات اللي قضيتها ورا بعضها لكن ما قبلوا يغطوا لي فترة التخفي وهيك ما قدرت أكمل وأرجع الشغل، كمان كان اسمي أنا محروق حاولت أشتغل بأكثر من مجال منه صحافة منه أي شيء لأنه اسمي محروق بهذه الفترة ما قدرت ما كان حدا يقبل يشغلني، كل ما روي إنه هذا شبح يعني شو بدكم تعلقونا مع النظام؟ كل ما أروح لمحل بدي أشتغل يقولوا شو بتعلقونا مع النظام؟ يعني بالفترة الأخيرة لصار فيه مجال فعليا لأقعد أشتغل حتى أنزل اسمي.

عبد الحكيم قطيفان: يمكن هلا أنا ممثل معروف بالبلد بيعرفوني بسوريا وخارج سوريا إلى آخرة بس دائما أنا عندي رعب من بكرة بس أتذكر بكره بأرتعب حاسس إني ما عندي أمان، أنا من جوة ما عندي أمان ما عندي إحساس بالأمان، ليش ما بأعرف.

عدنان مقداد: أهلنا على طول يحذرونا دير بالك ما نشتغل بالسياسة دير بالك، إليّ صديق صحفي أمه جاءت بزيارة.. هو ما له علاقة بشيء أمه قالت له.. تيجي تقول له بالزيارة كم مرة قلت لك يا ابني لا تحكي بالسياسة هو بده يسكتها أمه بده يسكتها همَّا ما بيعرفوا عني شيء هي تقول له كم مرة قلت لك لا تشتغل بالسياسة ما بدك ها دول الأحزاب من بدك هذا.

حسيبة عبد الرحمن: هلا دائما الخوف بيدفع الناس للأكاذيب ونحن مجتمعات دائما خائفين، هذا ما هو مفصول على الإطلاق ليش عملوا هذه ردة الفعل العنيفة يعني نحن معلش نختلف مع بعضنا بس على طريقة القطيع.. عفوا على طريقة العشيرة على طريقة القبيلة لازم هذا الخلاف أو هذه المشاكل ما لازم تطلع خارج إطارنا بمعنى كنا بالسجن دفناه بالسجن ما بيصير إن احنا ننقله لطرف ثاني هذا الموضوع اللي ها المراءاة دائما عم تعمل مشكلة مجتمعية كاملة وما كنا نحن خارجه مع الأسف الشديد.

عبد الحميد قطيفان: أحيانا كنا نمارس القهر على بعضنا، مش كان السجان يمارس هذا القهر علينا كنا نمارسه نحن على بعضنا القهر أحيانا.

 حسيبة عبد الرحمن: وإذا بدنا نكثفها ونقول دي من أي حقل حقيقة بأنه نحن من جواتنا نحن ناس غير ديمقراطيين، نحن نطالب بالديمقراطية ونحن بالعمق أشخاص غير ديمقراطيين نُخب غير ديمقراطية ما بوقتنا نبغي نسمعه.

عبد الحميد قطيفان: بالفترة الأولى يعني كان فيه خوف كان فيه قلق من إنه واحد ما يكون سبب بأذى أحد أو خَرَبان بيت أحد يمكن خفت جزئيا على مستقبلي إنه أنا متخرج جديد من معهد العالي للفنون المسرحية وأنا عندي أحلام عريضة وعملنا فرقة بحث مسرحي وكان عندنا نص واشتغلنا عليه شهور، يمكن هذا كله يعني خفت عليه جزئيا بس الخوف الأساسي إنه الواحد إنه يظل رجل.. أهم شيء إنه يظل رجل إنه ما يكون واحد تافه ورخيص ومؤذي فكان عندي هاجس على إنه أنا يعني لازم أظل رجل تحت أي ثمن.

عدنان مقداد: أنا ها الحين ما بأخاف بس وقتها كنت مرعوبا يعني اللي بيشوفني يقول هذا ما هو شيء مرض بالرجفة رجلي مطمش وفوتوني بسيارة واحد من هون وواحد من هون ثلاثة ورايا واللي وراي يضربني عم أقول لهم من أنتوا هلا بتعرف مين نحن.

عبد الحكيم قطيفان: كانوا بشكل أو بآخر معبئين على إنه هذا المعتقل هو عبارة عن واحد يمكن يكون إرهابي ممكن يكون واحد مصاص دم ممكن إلى آخرة بس بنكتشف بعد فترة من المعايشة الطويلة إنه بالعكس شاب مثقف شاب بيفهم شاب كثير عنده شيء من الطيبة والنخوة إلى آخره فبتتحول لدرجة إنه فيه صداقات كثير صارت بيننا وبين يعني سجانين ولدرجة إنه كان يخدمونا حتى في مسألة الكتب بعد فترة لما بلشوا يسمحوا لنا بمسألة القراءة فيه كتب طبعا ما كان مسموحة فأحيانا نضطر إنه يعني نطلبها برجاء من واحد من السجانين فكان أحيانا يهربوها لنا تهريب فعلا..

عدنان مقداد: بأتمنى كل البشر بسوريا يمارسوا العمل السياسي ويفهموا ليش إننا عايشين حتى يساهموا أكثر وأكثر أن يطوروا بلدهم وأن يعيشوا بشكل أفضل.

"
يجب أن تكون سوريا أجمل من فترة الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات وبمستوى آخر
"
عبد الحكيم قطيفان
عبد الحكيم قطيفان: يمكن هذا بيستدعي إنه نسأل بالمحصلة لمسألة الانتماء شو الوطن؟ شو الانتماء؟ وشو نحن بهذه المعادلات؟ أنا بالنسبة إليَّ يمكن حبي لهذا البلد حبي على إنه.. أنا يمكن قرأت بتاريخ سوريا يمكن قرأت يمكن من أيام القوافي من 860 من لما اطلع بالمحصلة كتب عن الاستبداد وغير الاستبداد يمكن شهداء عصر النهضة في بداية هذا القرن يمكن أول انتخابات ديمقراطية بالوطن العربي صارت بسوريا أول برلمان عربي منتخب يمكن أول امرأة بسوريا أول امرأة بالوطن العربي انتُخبت أو بمعنى أدق صوتها هي بسوريا، يمكن لما قرأت عن مذكرات خالد العظمة وقد إيش هذه البلد كانت عظيمة وإلى آخره فأنا بأحب هذا البلد وبأحس إنه أنا يمكن من حقي تكون سوريا أفضل من هيك من حقي تكون سوريا أجمل من هيك وبالتالي هذه الوتيرة اللي كانت فيَّ بالعشرينات والثلاثينات والأربعينات والخمسينات لازم نكون نحن بمستوى آخر وبزمن آخر.

عدنان مقداد: أنا بأعتبر إنه الانتماء الأكبر هو الانتماء للناس هذا الانتماء الكبير والإنسان إنسان متكامل وكلي بتأتي أفكاره بتدعم انتماؤه تصقله بتخليه انتماؤه يكبر أكثر وأكثر.

عبد الحكيم قطيفان: أنا هلا بيسألوني أنتم شو بدكم؟ أنا على المستوى الشخصي ما بدي شيء بس أنا كتير بأتمنى إنه يكون فيه عندنا قانون يسرك يا أخي إنه يكون عندي مرجعية قضائية إنه أحس طالب الجامعة منه بالمحصلة واحد بيروح يجيب من أهله ليدفع إتاوات لأساتذة الجامعة، هذا الخراب بالقانون، بالإدارة، بالجيش طب ليه؟ أنا عندي دلوقتي أخي بيخرج من الجيش بيأخذ مصروفه من أهله طب ليش؟

حسيبة عبد الرحمن: يمكن هذا المحل صغير اللي أنا واقفة فيه خلاني أحلم لما يكون عندي بلد كثير واسع بلد كثير نظيف بلد كثير جميل.