- طولكرم.. المدينة القرية والوعي بالذات
- التجوال في حقول الإبداع

لينة عوض- محاضرة جامعية: وليد سيف مثقف مبدع ذكي وقبل كل شيء إنسان.

مشارك أول: إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، صديق وأخ كبير.

بسام الهلسة- صحفي وناقد: أولا كاتب من الطراز الأول، كاتب رواية تليفزيونية درامية من الطراز الأول يميزه أولا الشعور العالي بالمسؤولية إزاء المصير العربي والوضع العربي، ثانيا في اختيار الموضوعات في اختياره للموضوعات على سبيل المثال صلاح الدين الأيوبي أو ملوك الطوائف التي عرضت في تليفزيون (M.B.C) وهذا على سبيل المثال هو يشغل الشعور العميق بالمسؤولية إزاء الوضع العربي القائم.

طولكرم.. المدينة القرية والوعي بالذات

[تعليق صوتي]

عندما اخترنا أن يكون وليد سيف محور حديثنا في هذه الحلقة رأينا أننا بذلك نقدم للمشاهد تجارب إبداعية مجتمعة في آن، فهو الشاعر والقاص والأديب والمسرحي والأكاديمي والمفكر وهو الرائد في مجال الكتابة الدرامية التاريخية التي توجت مسيرته بطوق من ياسمين المحبة، ألبسته إياه الجماهير والنخب على حد سواء. والحديث مع وليد سيف يتميز بتماهي الذاتي مع الموضوعي فهو يبدأ الإجابة على السؤال الشخصي بمقدمة معرفية عامة وكأن القامات الإبداعية التي يمثلها تتقاسم فيما بينها الحديث أو تتحدث نيابة عن مجموعها وعن من يشاركها تجاربها ويترك للَّبيب أن يفهم ما يشاء من إفصاح تلك الإشارات.

وليد سيف- كاتب وشاعر ومؤلف درامي: أنا نشأت في.. ولدت ونشأت في مدينة طولكرم في الضفة الغربية ومدينة طولكرم مدينة أو بلدة في الواقع مهجنة بين الريف وبين المدينة ففيها من الريف ما يغنى الوجدان وفيها من المدينة أيضا ما يغنى التجربة الشخصية فكنت قريبا من مصادر الطبيعة الأولية وأعتقد أن هذه المصادر هامة جدا في تشكيل الوجدان ومازلت حتى الآن عندما أحلم أعود إلى تلك الأجواء أستعيد تلك الروائح وتلك الصور وتلك الألوان وأصوات الطبيعة المختلطة عندما أكتب وأستحضر صورة معينة أو شكل صورة أو استعارة معينة أجد أن عناصر هذه الصورة مستمدة من المشاهد الحسية التي تعود إلى تلك البيئة المكانية الاجتماعية، من جهة أخرى طولكرم مدينة حدودية تقع على الحدود ما بين الضفة الغربية وبين فلسطين المغتصبة عام 1948 ففلسطين كقضية كانت حاضرة بصورة مستمرة في وعينا وكأنه كانت أحلامنا يعني تتسع اتساع سهل طولكرم ثم يقطعها ذلك الحد الفاصل، فلا شك أن يعني هذه البيئة وهذه الظروف أسهمت أسهما كبيرا جدا في تشكيل الوعي السياسي والوطني والإنساني من الصعب جدا أن نستوعب جميع التفاصيل التي ما تزال فاعلة من تلك الفترة في وعيي وفي أعمالي ومؤلفاتي ولكن أقول أنه من نظر على سبيل المثال متبصرا في شعري سيجد أن عناصر تلك البيئة شبه الريفية شبه المدنية حاضرة فيها بقوة ليس فقط على صعيد المشهد الحسي ولكن أيضا على صعيد المشهد الشعبي الثقافي أي الذاكرة الشعبية الثقافية يضاف إلى ذلك أن بيتنا في طولكرم كان يقع على حافة المخيم فتفتح وعيي منذ وقت مبكر على المسائل الإنسانية التي يعني ترتبت على اغتصاب فلسطين والتي تمثلت بشكل مكثف في المخيم.

[شريط مسجل]

"
لا توجد قاعدة أساسية واحدة وثابتة وساكنة في قضية توجيه الموهبة وتطويرها وتحفيزها ويمكن للرعاية أن تلعب دوراً هاماً في صقل الموهبة والمعاناة يمكن أن تثقل الموهبة ولكن ليس شرطاً في توهجها
"
          وليد سيف

وليد سيف: لا أستطيع أن أقول إنني نتاج رعاية معينة للاستعدادات الطبيعية الموهبة المبكرة ولست أيضاً نتاج معاناة على الصورة التي يحاول أن يصورها بعض الأدباء والشعراء والمبدعين لأنفسهم جئت من عائلة متوسطة لقيت بعض الرعاية لا شك من عمي المرحوم الدكتور محمود إبراهيم ولكن أيضاً عمي الدكتور محمود إبراهيم غادرنا إلى الغربة في وقت مبكر ثم اقتصي الأمر به بعد ذلك بعض أن نضجت تجربتي أو على الأقل يعني وصلت إلى أو قطعت أشواطاً معينة فإذاً هي ليست نتاج هذا تحديداً وحصراً وليست نتاج ذلك ولكن هناك استدراكات على هذه الفرضيات أصلاً فأقول إنه لا توجد قاعدة أساسية في واحدة وثابتة وساكنة في قضية توجيه الموهبة وتطويرها وتحفيزها يمكن فعلاً للرعاية أن تلعب دوراً هاماً ولكن هناك أدباء كثيرون لم يلقوا الرعاية ومع ذلك استطاعت موهبتهم أن تحفر لنفسها خطاً ومجرى أحياناً ضد الظروف لا بمساعدة الظروف أيضاً المعاناة من وجهة أخرى يمكن أن تثقل الموهبة ولكن ليس شرطاً في توهج الموهبة أو في الإنتاج الإبداعي العظيم أن يعاني الإنسان وأن يختبر كل أنواع المعاناة حتى تلك التي يعبر عنها في أعماله ولكن أما وقد قلت ذلك فإنه ليس من مبدع مهما كانت ظروفه المادية والاجتماعية جيدة ومتقدمة لا يمكن أن ينبت عن المعاناة، بمعنى آخر غير معنى المعاناة على مستوى الحياة اليومية الشخصية المعاناة المتعلقة بالسؤال الإنساني بالسؤال الوطني بالسؤال الاجتماعي العام إذا كان يمتلك هذه الحساسية التي تشغله بهذا الهم العام فيصبح جزء منه فقطعاً بغض النظر عن الخلفية الاجتماعية التي يأتي منها شاعر أو أديب فلسطيني فلا شك أنه أو يتوقع منه أن يعني أن يكون منخرطاً ومنشغلاً بهاجس القضية الفلسطينية وأن يصبح جزء من مشهدها المفعم بالآلام وبالنكبات وبالمآسي وبالمعاناة الإنسانية وبروح المقاومة والاحتجاج على الواقع القائم.

.. يجب أن لا ننسى بأنه.. بأن القضية الفلسطينية في وعينا لم تكن منعزلة عن مجمل القضية العربية أو القضايا العربية فقد نشأنا في جيل يؤمن بأن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تنعزل عن عمقها العربي وأنها يعني جاءت نتاج شروط وظروف إقليمية عامة يعني تعم الوطن العربي وظروف دولية شكلت يعني شكلت العلاقة ما بين المنطقة بصورة عامة والإقليم العربي بصورة عامة والقوى الدولية فكنا منشغلين بالهم السياسي العربي انشغالنا بالقضية الفلسطينية لأن نعلم أو نعتقد بأن القضية الفلسطينية والقضية العربية على الإجمال هي قضايا متشارطة وأن مشروع التحرير مرتبط بمشروع التغيير ومشروع النهوض العربي وهذا يحيل إلى قضايا التبعية وقضايا العلاقة مع المركز الاستعماري الغربي إلى آخره فحتى لو لم أكن فلسطينياً قطعاً إذا نشأت على هذه الخلفية الثقافية السياسية لابد أن تحضر فلسطين في نفسي لأنها في الواقع العملي هي حضرت في تجربة وفي وجدان أدباء وشعراء ليسوا فلسطينيين في الوطن العربي فلا يختص الفلسطيني بالقضية الفلسطينية ولكن وجوده في بيئة.. البيئة الاجتماعية الفلسطينية مباشرة ويعني ودوره فيها شاهداً ومشاركاً ومنفعلاً وفاعلاً ومتفاعلاً بصورة مباشرة لا شك أنه يغني التجربة بقدر أكبر بكثير مما لو كان في بيئة أخرى وفي ظروف أخرى.

[شريط مسجل]

وليد سيف: كنا نملك من الأحلام أكثر مما تملك الأجيال الجديدة، يعني ثقافة.. الثقافة السياسية في ذلك الحين كانت ثقافة المشروع الذي ينبغي أن يتحقق والذي نؤمن بأن باستطاعتنا أن نحققه فكانت أحلامنا تتعلق بالتحرر من التبعية بالوحدة العربية قطعاً بتحرير فلسطين بتحقيق العدالة الاجتماعية بالتطور أو التقدم أو التنمية السياسية بالمصطلح المتأخر الآن كل هذه كانت أحلام جزء من أحلامنا الشخصية، في الواقع لم نكن نميز بين الحلم الشخصي والحلم العام بل كان الإنسان حتى على مستوى طموحه الشخصي يرى نفسه يحقق ذاته وطموحه الشخصي في إطار هذه الأهداف الإستراتيجية العامة وفي فترة ما تعلم أنه هذه ظاهرة عامة، في فترة التكون الأولى عادة يظن الإنسان أنه يستطيع أن يسهم في تغيير حتى صورة العالم المشهد الإنساني العالمي بإجمال بطبيعة الحال كلنا يعلم أن هذه الأحلام لم تتحقق ولكن المشكلة في رأيي ليست في أنها لم تتحقق المشكلة الأساسية في أن يصل البعض بل الكثيرون إلى الاعتقاد بأنها كانت غير قابلة للتحقيق ولذلك لم تتحقق وفي رأيي أن هذا وهم كبير جدا لم تكن فقط قابلة للتحقيق بل كانت واجبة وما تزال واجبة في رأيي أما إنها لم تتحقق فلا لأنها غير قابلة للتحقيق ولكن لأننا لم ننجح في خلق الشروط الحقيقية لتحقيقها وكانت القوى التي تعمل على إحباط هذه الأحلام أقوى وأكثر كفاءة من مشاريعنا السياسية ولكن الأحلام نفسها ما تزال عندي وفي رأيي ينبغي أن تبقى هدفا أساسيا وأحلاما قائمة أحلام بالمعنى الإيجابي الحلم لا بالمعنى الأوهام وأن لا نعيد النظر فيها ولكن أن نعيد النظر في المشاريع والوسائل والطرق التي تتوجه إلى تحقيقها.

[فاصل إعلاني]

وليد سيف: المبدعين في العالم لا أقول فقط في الوطن العربي في العالم كله بعض أعاظم المبدعين عانوا معاناة شديدة في الوصول إلى المستقبل أو المتلقي عبر الوسائط التي يعني تحمل أعمالهم إلى الآخرين هو بعضهم لم يعترف به إلا بعد موته يعني البعض لم يصل إلى الآخرين ولم يصل إلى الاعتراف بأعماله وإلى تقدير أعماله إلا بعد وفاته وهناك قصص كثيرة مشهورة عن هذا، هناك بعض أعاظم الأدباء في الوطن العربي يعني كانوا يعدون على سوية واحدة مع أدباء آخرين وهم في الواقع أكثر تفوقا منهم ثم بعد حين يعني ثبت تفوقهم بينا تراجعت صورة الآخرين مع تقدم الوعي النقدي وتقدم الذائقة وتطور عملية القراءة بصورة عامة، هذا يحدث دائما أو كثيرا لكن بالنسبة إلي يجب أن أعترف بأنني لم أمر بتجربة المعاناة هذه إلى حد ما كنت محظوظا يعني عندما أقول إنني بدأت أنشر في الصحافة الثقافية الجادة وفي مجلة الأفق الجديد ثم بعد ذلك مجلة الآداب البيروتية في وقت مبكر جدا ثم عندما أقول إنه نشر ديواني الأول من إحدى أحسن دور النشر وهي دار الطليعة في بيروت وأنا ما أزال في السنة الثالثة من حياتي الجامعية واستقبل استقبال كبير جدا عندما أقول هذا كله فيجب أقول هذا كله فيعني ينطوي هذا الكلام عن إقرار بأنني إلى حد ما كنت محظوظا ولم أختبر مثل هذه المعاناة ويجب أن أكون واضحا في هذه النقطة.

بسام الهلسة: أنا أعتقد حالفه الحظ ولكن قبل الحظ هناك الجدية والتصميم على نيل الحظ تحويل المصادفات الشائعة والعامة إلى عمل مبرمج مسبق أعتقد إنه لا هو مدين للتصميم أكثر مما هو مدين للحظ للتصميم والحرفية الجادة في التعامل مع العالم.



التجوال في حقول الإبداع

وليد سيف: هناك بعض المبدعين الذي.. الذين يعرفون أنفسهم منذ وقت مبكر بالنسبة إلى شكل أدبي وفني معين فلا يحاول القصة ولا يحاول الرواية ويعرف نفسه بالشعر منذ اللحظة الأولى وينجح هؤلاء بأقدار متفاوتة وهنالك آخرون قد يعني يجدون موهبتهم تتجه بصورة طبيعية إلى الفنون السردية من الدراما أو من الرواية أو من القصة إلى آخره ولكن هناك أيضا شطر من المبدعين تكون طاقاتهم أو تستعلم طاقتهم الإبداعية بأشكال أدبية أو فنية مختلفة يكتب في الشعر ويكتب في الرواية أو يعني في القصة هو قد يحاول كتابة المسرح إلى آخره ثم بالفعل بعد ذلك يجد أنه لا يستطيع أن يوزع طاقته الإبداعية على هذه الفنون المختلفة على هذه الأشكال الأدبية والفنية المختلفة فيجد نفسه يعني فيجد أنه أكثر ارتباطا وأكثر تعبيرا عن هذه الطاقة بهذا الشكل الفني دون ذلك الشكل وقلة قليلة تحافظ على يعني الإبداع في أكثر من شكل معين وتنجح بأقدار متفاوتة بين هذا وذاك فهي مسألة تتعلق بالطاقة الإبداعية بالطاقة الفنية من النادر أن تجد أديبا روائيا على سبيل المثال لا يتذوق الشعر أو شاعرا لا يتذوق الرواية أو شاعر أو روائي لا يتذوق المسرح أو يتذوق الفنون التشكيلية لأنها كلها كل هذه الفنون في الواقع في النهاية تنطلق من أو تنبثق من طاقة من جمالية إبداعية ومن ذائقة جمالية معينة أو ربما كان هو هذا هو التفسير لمثل هذه الظاهرة ولكن علينا أن نتذكر بأن في الجانب الأعم الإنسان طاقة محدودة ولا يستطيع أن يوزع نفسه بنفس القدر على المجالات المختلفة وإن كانت هذه المجالات تتراسل فيما بينها يعني من كانت له مثلا بعض الموهبة أو موهبة سردية ولكنه آثر أن يترجم عن نفسه بالشعر فسنجد بعض عناصر السرديات متماثلة في شعره فيمكن أن يتجه بالبنية الدرامية الملحمية للقصيدة الشعرية والشعر الذي ينتهي إلى أن يكون قصاصا أو روائيا أو كاتبا دراميا بصورة أساسية سنجد أنه يحمل بعض الشعر معه إلى هذه المجالات.

.. ربما يتدخل أحيانا.. لا يستطيع أن أنطق عن الجميع حقيقة الأمر ولكن بغض النظر إذا كان يتدخل أو لا يتدخل مناط الأمر هو الموهبة مناط الأمر هو مستوى الإبداع يعني قد يتخذ أديب ما قرار بأن ينتقل من شكل إبداعي معين إلى شكل آخر أفضل من حيث التسويق من حيث حتى المردود المادي ولكنه لا يمتلك الموهبة الإبداعية الكافية لكي يقدم في هذا الشكل الآخر الذي صرف إليه أعمالا ممتازة أين يذهب من هنا إذا لا يستطيع أن يحقق شيئا في عمليا حتى لو أراد وإذا فإن المعيار الناظم هنا أم الحاكم هنا هو مستوى الموهبة ومستوى الإبداع يستطيع الشاعر أو الأديب أن يتخذ ما شاء من القرارات حول الاتجاه الذي يختطه لنفسه أو الشكل الأدبي أو الفني الذي يصرف فيه طاقته الإبداعية ولكن إذا لم يتوفر في هذا على طاقة إبداعية كافية تمكنه من تقديم أعمال متفوقة فإنه لن ينجح في تحقيق لا المردود المعنوي ولا المردود المادي مؤكدا.

لينة عوض: إذا كنت أريد أن أطلق على الدكتور وليد وصفا ما فربما أوصفه برجل المعادلات الصعبة ربما نتحدث هنا عما يسمى بالحدثي والمفهومي بالذاتي والموضوعي هو قادر تماما على خلق توليفة تجمع ما بين هذين الأمرين معا وأعتقد أنه هذا هو الشرط الأساسي في الإبداع واستطاع تماما أن يوصل مثل هذه المعطيات حتى في البعد المعرفي حتى في البعد الأكاديمي استطعنا أن نلمس هذا الإبداع الخاص به حتى من خلال المحاضرات الأكاديمية التي كنا نتلقاها أو التواصلات أو ما يسمى بالتواصل الثقافي الذي كان يجري بيننا وبينه لاحقا في إطار العمل الأكاديمي.

[شريط مسجل]

"
إذا صرف الإنسان جل اهتمامه أو شطرا كبيرا من طاقته في العمل الأكاديمي وفي الدراسات الأكاديمية يأتي هذا على حساب الإنتاج الإبداعي
"
           وليد سيف

وليد سيف: وهي علاقة مزدوجة وهذه العلاقة المزدوجة تقوم على التنافر على تجاذب بين عاملين متعاكسين يمكن فعلا للنشاط الأكاديمي أن يحض من الإنتاج الأدبي بحكم أن اليوم موقوت بساعات وطاقة الإنسان ليست مطلقة فإذا صرف الإنسان جل اهتمامه أو جانبا شطرا كبيرا من طاقته في العمل الأكاديمي وفي الدراسات الأكاديمية قد يأتي هذا على حساب الإنتاج الإبداعي وهذا حدث في فترة معينة معي حقيقة الأمر كنت يعني أكتب الشعر بوفرة أثناء دراستي في البكالوريوس في الجامعة فلما انتقلت إلى لندن لإكمال دراساتي العليا في علوم اللسانيات انقطعت في تلك الفترة عن أي إنتاج أدبي يعني مهم لانشغالي برسالتي الجامعية وبنشاطي البحثي في ذلك الحين ثم بعد ذلك عندما عدت للتعليم في الجامعة رجعت للكتابة وللتأليف في المجالات الإبداعية المختلفة إذاً هناك عامل قد يعتبر عاملا سلبيا من وجهة نظر العملية الإبداعية ولكن العامل الآخر المعاكس الإيجابي أن العمل الإبداعي ليس عملا يعني فنيا جماليا لا ينطوي على قيمة معرفية فبقدر ما يتطور محتوى الوعي الثقافي والمعرفي فتتطور أدوات الأديب أو الفنان ويظهر ذلك كله أو يستعلن ذلك كله في أعماله حقيقة الأمر يعني العمل الفني إذا يتحمل مفاهيم معرفية ومفاهيم ثقافية ولا شك أن تطور معرفة الأديب وخلفيته المعرفية في المجالات المختلفة مجالات التاريخ أو الفلسفة أو السياسة أو الاجتماع غير ذلك لا شك أنها تنعكس إيجابا في تجربته الأدبية.

.. ما هي السياسة في النهاية يعني أنا يعني أميل إلى أن أوسع مفهوم السياسة ليشمل أي موقف اجتماعي يعني عندما نتحدث عن قضية المرأة هذه قضية سياسية بمعنى من المعاني يعني لا أحصر السياسة فقط بالمفهوم الضيق عندما نتحدث عن قضية.. قضية العدالة الاجتماعية لا هذه ليست قضية اجتماعية إنما هي قضية أيضا سياسية بمعنى آخر إن الإنسان كائن سياسي بالضرورة بما هو كائن اجتماعي يضاف إلى ذلك يعني عامل آخر يتعلق بالإنسان العربي الإنسان العربي بامتياز هو كائن سياسي لأن السؤال السياسي هنا ليس سؤال يتعلق بجانب من جوانب الحياة المدنية أو الحياة الاجتماعية إنما يتعلق بكل مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية يعني أسئلة السياسة بالنسبة إلينا ليست أسئلة خاصة بالمحترف السياسي ليست خاصة بمهنة السياسي إنما في الواقع تتعلق بأسئلة وجودية مستقبل الأمة نهوض الأمة يعني مآل الأمة ونحو ذلك ومن ثم من الطبيعي أن يكون الإنسان العربي من هذه الناحية يعني كائن سياسي ينهل من معين السياسة بأقدار متفاوتة منذ وقت مبكر في حياته فإذا أضيف إليه القضية الفلسطينية وأنه عاش في أجوائها وتفاعل معها وأنفعل معها فهذه في الواقع قيمة مضافة إلى الانشغال بالسؤال السياسي في المقابل العمل الإبداعي في رأيي لا يمكن أي نص إبداعي لا يمكن أن يكون نصا مجردا من الموقف السياسي حتى لو يعني لو تحدث الإنسان عن تجربة خاصة أو كتب عن تجربة ممعنة في خصوصياتها فإن إدراكه لقضيته الخاصة طريقة يعني تأويله لهذه القضية الخاصة طريقة تفاعله معها محكومة بخلفيته العامة بمحتوى وعيه بصورة عامة بما في ذلك الوعي الاجتماعي والوعي السياسي ليس هناك نص غير متحيز ليس هناك نص يخلو من رسالة.

للحديث بقية..