- المتنبي وضرورة عصرنة التراث
- المتنبي.. سارق النار

- القيمة الشعرية.. الآن

[تعليق صوتي]

في الحلقة الماضية بدأنا الحديث عن شخصية يعتبرها البعض أهم شخصية في عالم الشعر العربي، مشينا على دروبها ووصلنا مع مضيفنا الدكتور محمد قجة إلى اكتشافه اللافت دارة أبي الطيب المتنبي في حلب وما آلت إليه وما يؤمل أن تؤول إليه قريبا متحفا لحياة شاعرنا، كذلك لامسنا جرحا في جبين الثقافة العربية عندما عرضنا مقدار النكران الذي يواجه به شباب الأمة اليوم هذا الرمز الكبير وحتى لا تكون الصورة مركزة في سوادها وجدنا أن نعرض جانبا آخر يخفف من لوعة الغيورين على الشعر في النفوس شيئا ما.

مراسل: أسألك يا مصطفى عن أبو الطيب المتنبي.. بتقرأ له أو حافظ له أي شيء؟

مصطفى: والله مش كثير في الشعر.. يعني كنا أيام المدرسة الواحد.. نعرف بعض القصائد له ولكن أشهر إشي أنه له بيت قتله يعني أو تسبب في قتله لما يعني انتخت عنده الشهامة والأمور هذه فصار يحكي.. اللهم صلى على سيدنا محمد..

الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم

مراسل: حافظة أي شيء من شعره؟

مشاركة أولى: فيه..

وإذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم.

مشارك أول: أنا برأيي بصراحة أو ما قرأت عنه بأعتبره من أحسن الشعراء العرب اللي بعد الجاهلية طبعا لأنه الشعر الجاهلي يعني لا يعلى عليه بس ممتاز الشاعر أبو الطيب..

مراسل: شو بتحفظ لأبي الطيب؟

مشارك أول: مثلا هو معروف عنه.. فيه أبيات عنه للغرور مثلا..

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي مَن بِهم صَمم

طبعا فيه شوي مبالغة بس هو بيستاهل برضه لأنه شاعر رهيب.

مشاركة ثانية: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم



المتنبي وضرورة عصرنة التراث

سوسن الأبطح- كاتبة: كيف يمكن أن نتواصل مع هذا التراث في وقت لا نستطيع فيه قراءة جريدة بعض الأحيان؟ يعني هناك من لا يفقه قراءة جريدة ولا يفهم مقالة فإذاً كيف يستطيع أن يتواصل مع هذا التراث، هناك يعني مشكلة تبدأ مع اللغة أولا، لابد من حل مشكلة اللغة في المدارس هذا أولا، حين تُحل مشكلة اللغة لابد من ابتكار التراث مرة أخرى يعني إبداعه من جديد وإبداعه من جديد يعني عصرنته، كيف نُعصرِن هذا التراث؟ هناك يعني.. هناك عدد غير محدود من الوسائل والطرق من الممكن استخدام التراث لنفترض حتى في الدعايات.. الإعلانات اللي موجودة بالشارع، ممكن استخدامه بعمل أفلام بعمل مسرحيات بعمل أغاني.. يعني فيه عدد هائل من الطرق ولكن في رأيي أهم عائق اليوم أمام تواصلنا مع التراث هو أولا اللغة، ثانيا وهذا يمكن الأهم هو إحساسنا بأنه هذا التراث كان شيئا حيا يعني أن لا نتعامل مع هذا التراث على أنه شيء منقطع عن الدنيا كما تعلمنا مثلا أن نقرأ أبو الطيب المتنبي في المدرسة أو غيره نقرأه دائما وكأنه شيء لم يكن حيا يعني لا يقدَّم لنا على أنه إنسان وهذا الإنسان من الممكن أن يعيش مرة أخرى وأن يكون بيننا اليوم، هذا فشلنا فيه عشان هيك نحن بقطيعة مع التراث لغويا وذهنيا.

أبو الطيب المتنبي- قراءة بصوت الفنان عبد المجيد مجذوب:

ذريني أنل ما لا يُنال من العلا فصعب العلا في الصعب والسهل في السهلِ

تريدين لقيان المعالي رخيصة ولابد دون الشهد من إبر النحلِ

محمد علي شمس الدين- شاعر: هو العصب المتوتر للشاعر العربي وهو القلق العظيم والغامض للنفس البشرية ليس فقط في اللغة العربية بل في الأجيال، المتنبي كما قال عن ذاته على قلق كأن الريح تحتي أُصرِّفها يمينا أو شمالا.. وكما قال عن نفسه أيضا لأنه المتنبي أبو الطيب هو أبرع من وصف ذاته وكما قال.. وما الدهر إلا من رواة قصائدي.. إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشده والذي قال أيضا.. يقولون لي ما أنت في كل بلدة وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمع وأني لمن قوم كأن نفوسهم بها أنفٌ أن تسكن اللحم والعظم، اجمع هذه الأقوال معا سترى جوهر المتنبي، قلقا محضا، طموحا لا يحد فيه غموض ماذا يبتغي؟ هل يبتغي ولاية؟ هل يبتغي الملك؟ هل يبتغي النبوة؟ أم أنه ما يبتغيه فيه من القوة والغموض ما يجعل النفس البشرية تقف أمامه حائرة؟ ماذا يريد؟ هذا المأرب تعرفه النفوس الكبيرة، جوهر المتنبي في أنه يمثل برأيي في التاريخ ليس فقط في التاريخ العربي والإسلامي بل في التاريخ كله معنى الشاعر.. الشاعر كمبدع سارق النار المقدسة كما سمته الأساطير اليونانية وهناك مكانان في القول هناك القول الفعل الذي أشار إليه النص القرآني المقدس كن فيكون الله عز وجل يقول للشيء كن فيكون، في مواجهة ذلك حاول المتنبي أن يكون نبيا فعجز لأنه لا ينبغي له ذلك فانتقل إلى أن يحقق بالكلمات بقوة الكلمات بقوة المعاني طموحه الغامض واللا محدود والمضطرب والمَرَضي للعظمة لأشياء النفس البشرية تحسها ولكن أبعادها تمشي في المجهول.

[تعليق صوتي]

وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشده

فسار به من لا يسير مشمِّرا وغنى به من لا يغني مغردا

أجزني إذا أنشدت شعرا فإنما بشعري أتاك المادحون مرددا

ودع كل صوتٍ غير صوتي فإنني أنا الطائر المحكي والآخر الصدى

المتنبي.. سارق النار

"
المتنبي شاعر يثير الجدل سواء في اللغة أو في السياسة أو في طريقته الإبداعية
"
محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين: هذا شاعر يعني يثير الجدال أينما حل وأينما كان ويثير الجدال في اللغة كما يثير الجدال في المعني كما يثير الجدال في الطريقة الإبداعية كما يثير الجدال في السياسة، هو عاصفة دهور متنقلة هو قلق متنقل في التاريخ هو شبيه بكرات من نار تتحرك في السماء، شاعر عظيم شاعر يعني يقتضي أن يكون لك نحوه مزاج حتى تتعامل معه وإلا فلا يمكن أن يتم التعامل مع المتنبي من باب بعض سلوكيات هو يدري أنه قادر على أن يقول الشيء وضده وأن يقنعك بالضدين معا في نفس اللحظة وهذه هي قوة الكلمات هذا ما قلته في الأساس إن المتنبي جوهره وعظمته بأنه صاحب قوة الكلمات، المتنبي الذي قال في كافور الإخشيدي أجمل ما يقال من المديح، مديح جميل من أجمل ما يقال، أبى كل طِيب لا أبى المسك وحده، تصور إنه هذا كافور الإخشيدي اللي كان كما تصفه الحكاية كان أسود اللون كبير الشفتين مترهل الجسم خصيَّا كتب فيه أبو الطيب المتنبي ما جمَّل صورته في التاريخ وفي نفس اللحظة عاد فارتد عليه فكتب فيه ما قبَّح صورته في التاريخ وأنت حين تقرأ القولين لا تقول المتنبي كذاب لا المتنبي صادق في الإبداع مبدع كساحر يستطيع أن يريك الورقة تارة سكينا وتارة حمامة هذه قوة الكلمات هذا ما أنا أركز عليه إنه يقول فيما بعد وشعر مدحت به الكركدن..الكركدن يعني به كافور بين القريض وبين الرُقى وما كان ذلك مدح له ولكنه كان هَجْو الورى، انظر قد إديش هو وصل المعنى، أنا لا أريد أن أمدح كركدن كافور ولكن أريد أن أهجو الناس، نفس قلقة وجميلة يعني من هذا الباب لا تستطيع أن تتعامل مع المتنبي بين الكذب والصدق بالمعنى الأخلاقي للكلمة لأنه أجمل وأعذب الشعر أكذبه كما قالت العرب، أجمل شعر للمتنبي ما ليس فيه صدق أخلاقي بل فيه صدق إبداعي والصدق الإبداعي هو الطاقة التكوينية للشاعر.

محمد قجة – باحث في التاريخ والآثار: حينما كان يمدح كان يفخر بنفسه أكثر مما يمدح الآخر فمثلا في قصيدته الدالية المشهورة حينما قال، لكل امرئ من دهره ما تعوَّد وعادة سيف الدولة الطعن في العِدى، يستطرد بعدها فيقول، أجزني إذا أنشدت شعرا فإنما.. بشعري أتاك الآخرون مرددا وهذا دليل على أن المتنبي كان يرى أن الآخرين ينطقون بلفظه ولهذا يكرر هذه المعاني في مدائحه حينما يقول له أمِتْ عنك تشبيهي بما وكأنه.. فما أحد فوقي ولا أحد مثلي.

[فاصل إعلاني]

محمد علي شمس الدين: هناك أسباب ذاتية وأسباب موضوعية للخلاف في المتنبي، أسباب ذاتية بأنه كان صاحب أَنَفَة كبيرة يعني تتعالى على بعض الأمراء وعلى بعض الملوك وهو يقول إن نفسه من الملوك وإن كان لسانه من الشعراء فحين طلب منه بعض الولاة أن يمدحهم وأن يقتسم معهم ثروتهم فأبى، انقلبوا عليه وأغروا الآخرين فجلسوا يتتبعون هفواته من خلال أبيات من الشعر، سرقاته كما يقال.. لا هو لم يسرق هو حوَّل كان عنده قدره التحويل يعني الإتيان بالمعنى وإن كان المعنى مطروقا في الماضي وكأنه معنى حاضر الآن وهذا السبب يعني أنتج فريقا من اللغويين والسياسيين والشعراء تتبعوا هفوات المتنبي ولكن من قُيَّد له في اللحظة ذاتها لغويون كبار مثل ابن جني الذي قال فيه المتنبي ابن جني أعلم بشعري مني مثل أبو العلاء المعري المدافع الأكبر في الزمان عن المتنبي هو أبو العلاء المعري بما يعنيه من قيمة حيث إنه كتب.. جمع للمتنبي ديوانا بعنوان مُعجز أحمد.

محمد قجة: التخليد الكبير نراه في قصائد تجعل من بعض المعارك العادية معارك كأنها أكبر من اليرموك أو حطين مثلا معركة قلعة الحدث على قدر أهل العزم تأتي العزائم .. وتأتي على قدر الكرام المكارم، هذه القصيدة لم يقل ما يماثلها في معركة حطين مثلا أو في معركة اليرموك أو القادسية الدليل أن عظمة الشاعر لمَّعت هذا الأمير العربي وجعلته في مصاف كبيرة جدا وفي الحقيقة الرجلان تبادلا هذه العملية سيف الدولة والمتنبي ولكن نحن واثقون بأن شخصية المتنبي التي طغت على العصر وعلى البلاط وعلى الأقطار كلها في العراق وفي مصر وفي الشام هي التي صنعت هذه الأمجاد، يمكن مثلا أن نتوقف عند حادثة الجِفاء وسببها هذا الخلاف في البلاط أبو فراس الحمداني من جهة وابن خلوي من جهة ثانية حينما احتكم سيف الدولة إلى المتنبي في قضية اللغوية بين أبي الخلوي وبين أبي الطيب اللغوي فانتصر المتنبي لأبي الطيب اللُغوي غضب أبي الخلوي وضربه بمفتاح شجّ به رأسه، فقال له المتنبي ومن أين لك العربية وأنت خوزي لا تعرف هذه اللغة؟ غضب المتنبي لأن سيف الدولة لم ينتصر له

بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد

ومن شرف الإقدام أنك فيهم على القتل موموق.. كأنك شاكد

وكلٌ يرى طرق الشجاعة والندى ولكن طبع النفس للنفس قائد

سوسن الأبطح: لا يبدو أنه الأعمال التاريخية اللي بتحتفظ.. يعني بالنمط التقليدي للشخصيات تثير الكثير من الناس إلا ربما في السينما يعني لو أخذنا كل الشخصيات اللي دخلت السينما بأفلام كبيرة بإنتاجات كبيرة قدرت تعمل شيئا من الصدى بينما بالتلفزيون ما تزال المسلسلات التاريخية يعني غير محببة، لو أخذنا المحاولة المسرحية الغنائية لمنصور الرحباني.. المحاولة الغنائية لمنصور الرحباني كانت يعني جماهيريا ناجحة جدا بمعنى أنه حضره عدد كبير من الناس أبو طيب المتنبي عاد للشباب فيه حتى أطفال حضروا ليشوفوا الرقص يعني هذا بحد ذاته لكن يبقى أنه أنا أعتبر أنه ها التجربة كان ممكن تكون أكثر نجاحا يعني اللي صار أنه آل الرحباني قطفوا ثمرة هي ثمرة اللي حضروا إياها المتنبي عبر التاريخ ولكن المتنبي لم يقطف ثمرة بمعنى أنه كان ممكن أنهم يترووا شوي بالأغاني تكون الألحان يعني أكثر تشويقا وأكثر ديناميكية وتقدم للشباب بشكل أنه ممكن حتى تُسمع في المدارس هذا يعني أقرب فكرة كانت خطرت على رأسي لما شفت المسرحية، أنه ليه هذا الكاسيت اللي ممكن يتسجل من المسرحية ما ممكن يستخدم بالمدارس فيما بعد لتقديم المتنبي لطلاب أو يعني ترويج وترويجه حتى في السيارات وفي الأسواق مثلما تروَّج نانسي عجرم.

محمد علي شمس الدين: لم يتسن لنا حتى الآن معلش مسرحي عظيم بمعني مسرحي مبدع مثلما.. مثلا شكسبير استوحى شخصية مكبث أو عطيل من التاريخ الإنجليزي وولَّد ها المسرحيات التي يعني لا تزال من أركان المسرح العالمي عطيل، مكبث إلى آخره.. لم يتسن لنا حتى الآن مع أن المتنبي شخصية درامية من أعظم الشخصيات الدرامية في التاريخ العربي والإسلامي، المتنبي من أعظم الشخصيات الدرامية، كل عناصر الدراما موجودة فيه، القوة الهزيمة الموت الحياة الشجاعة المغامرة الرغبة في بعث الأمم البكاء اللي بدك إياه كل ما تريده موجود في هذه الشخصية الكبيرة، هي شخصية درامية محورية، أنا أحلم بأن أكتب دراما المتنبي أنا شخصيا حلمي الشعري بأن أكتب عمل درامي عن المتنبي، حتى الآن لم يكتب هذا العمل ولم يمثَّل، ما قدمه الصديق الشاعر والمسرحي والموسيقي منصور الرحباني عن المتنبي يعني عمل أنا حضرته فيه جهد لمنصور إنما ما قِدر أنه يستخرج الجوهر الدرامي للمتنبي، إلى حد ما حوله إلى شيء فلكلوري لبناني على الطريقة الفلكلورية اللبنانية أكثر مما استخرج.. استنبط منه الأبعاد الدرامية لأنه هذه بدها مؤلف مسرحي كبير يستطيع أن يستنبط من هذه الشخصية مثلما عمل شكسبير مثلما قلت لك بمكبث أو بعطيل هذه لم تصنع حتى الآن.

سوسن الأبطح: يجب أن نتعامل مع هؤلاء الأشخاص الذين يأتوننا من التاريخ بكل التفسيرات الممكنة التي تخطر لنا على بال يعني إذا أحب أحدهم أن يقدم المتنبي على أنه انتهازي فليقدمه على أنه انتهازي يعني ما ضير.. يعني ماذا يضير المتنبي بعد كل هذا العمر أن يقدَّم على أنه انتهازي ويقدَّم من قبل مخرج آخر على أنه يعني شاعر استطاع أن يكون ذكيا ذكاءً خارقا وأن يسخر من الملوك والسلاطين ويتكسب ويمدح هؤلاء السلاطين ويمدح نفسه في نفس الوقت يعني بإمكاننا أن نقدم كل الصور التي تخطر على بالنا دون الخوف يعني دون الخوف من جرح التراث.



القيمة الشعرية.. الآن

"
جاء أبو الطيب المتنبي في وقت كان الوجه العربي والإسلامي وجها ممزقا ومأساويا، ويُقال عن المتنبي بأنه شاعر عربي أراد أن يعيد للعرب مجدا آفلا
"
محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين: جاء المتنبي بمفصل تاريخي قلِق، جاء في بداية القرن الرابع للهجرة العاشرة للميلاد هذا الزمان الذي شهد تفكك الدولة العربية الإسلامية، غلبت الأطراف على المركز، كثرة المغامرات، كثرة التنازع والتقاتل على السلطة أو التكالب على السلطة، كثرة الدعوات الدينية والسياسية وفي هذه اللحظة التاريخية بالذات جاء أبو الطيب المتنبي حيث كان الوجه العربي والإسلامي وجها ممزقا وداميا ومأسويا، يقول آندريه ميكيل عن المتنبي بأنه شاعر عربي ماذا يعني بذلك؟ يعني بذلك أنه شاعر أراد أن يعيد للعرب مجدا آفلا، من خلال ماذا؟ من خلال ابتكاره للمعني وتعزيز اللغة وتعزيز قوة الشعر وإذا كان المتنبي يتدرج في مطامحه ظاهريا من إدعاء النبوة إلى طلب المُلك إلى طلب ولاية فإن هذا هو الظاهر، الحقيقة أنه يريد أن يعيد ابتكار أمة من أشلائها والمتنبي كشاعر غربة عربية شديد الشبه بهذه الأيام حين يقول المتنبي في شعبوان أن الشعر العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان، غربة مثلثة فلو أضفنا لهذه الغربة المثلثة غربة الوجه واليد واللسان غربة الشاعر كمعطى داخلي ذو نفس مشردة ذو نفس غريبة في الأساس تلاحظ أن ثمة أربع غربات كانت تتنازع هذا الرجل، الآن في هذه اللحظة هناك شبه ما بالزمان، شبه ما بالمعطى، شبه ما بأن الأمة العربية والإسلامية تميل إلى تمزقاتها إلى وضعها الدرامي المأساوي وأنه لابد من إحياء هذه الأمة من خلال نبض ما إبداعي وليكن الشعر، من أجل ذلك الآن نعم.. نعم بأمسّ الحاجة إلى أن.. عصب الشباب يلتقي بعصب رجل إبداعي إحيائي للأمة كالمتنبي، نحن بأمسّ الحاجة لمن يشبه هذا الرجل، لا له بالذات بل لمن يحمل فكرته في إحياء أمة من العدم.

ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها فمفترق جاران دارهما العمر

ولا تحسبن المجد زقَّا وقَينَة فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتضريب أعناق الملوك وأن تُرى لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أُنمله العشر

إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ على هبة فالفضل فيمن له الشكر

ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر