مقدم الحلقة:

كوثر البشراوي

ضيوف الحلقة:

أحمد الشيخ/ كاتب وباحث

تاريخ الحلقة:

25/10/2002

- حقيقة الاستشراق وأسباب الحديث عنه في ظل العولمة
- الاستشراق الجديد ومحاولات تطبيق مناهج البحث الغربية

- دور العرب في نقد الاستشراق وموقفهم من حوار الحضارات

كوثر البشراوي: أصدقاءنا المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أردد بيني وبين نفسي دعاءً أقول فيه: "يا نار كوني برداً وسلاماً على هذا الوطن، ويا نار كوني برداً وسلاماً على هذه الأمة"، وها نحن بشراً وأرضاً نتلظى على نار التهديد والوعيد، تتنازعنا داخلياً مصالح محلية بإرادات ضيقة لا ترى أبعد من تخوم عواصمها المحصنة بصفيح الفقراء.

وخارجياً يبقى وطننا أبداً مهدداً بالتشظي وإعادة الانقسام كما الخلايا البدائية.

أليس في الأفق حرب دولية؟ أليس على الأرض كل ممكنات (سايكس بيكو) جديدة؟ أليس بين الموضوعي والذاتي ما سيعيد إنتاج الاستعمار الجديد الليبرالي ويعيد تنقيط حدود سياسية جديدة بالأحمر الدامي لأقطار جديدة أيضاً ولشرائح سياسية نراها الآن تتلمظ بشهوة السلطة سلفاً ولو على جثة الأمة.

أسوق هذه المقدمة لموضوع حلقتنا اليوم عن الاستشراق تحديداً وهو ليس ببعيد في آخر أشكاله عما يجري عسكرياً واقتصادياً في الغرب الرأسمالي فالاستشراق يبقى الجناح الفكري لهذا التوسع الرأسمالي، كما قال المفكر الفرنسي (جاك بيرج) ذات مصارحة.

في حلقتنا اليوم سنطرح الأسئلة حول الاستشراق على ضيفين هما: الأستاذ الباحث المصري أحمد الشيخ صاحب الكتابين الشهيرين، "حوار الاستشراق" و"المثقفون العرب والغرب"، أما ضيفنا الثاني فهو الأب ميشيل لولو ذاك القس الذي مثل مع (روجيه جارودي) والقس (ماتيو) أمام القضاء الفرنسي بتهمة معاداة السامية حين تصدوا بأقلامهم عام 82 للاستبداد الإسرائيلي، وقمعه أيام اجتياح بيروت نطرح أسئلتنا على ضيفينا، لكي نتحسس لحظة توتر تاريخية معاشة، ولكي نسأل: متى ينتهي الاستشراق ومتى يبدأ الاستغراب؟

أهلاً بهما وأهلاً بكم في (إشراقات).

أستاذ أحمد الشيخ أولاً مرحباً بك في (إشراقات).

أحمد الشيخ: أهلاً بكِ.

كوثر البشراوي: طبعاً أنا أعترف أنه أنت أهديت لي هذين الكتابين اللي استفزوا فيَّ الكثير من الأسئلة، فتحمل بعض الأسئلة.

أحمد الشيخ: اللهم اجعله خير.

حقيقة الاستشراق وأسباب الحديث عنه في ظل العولمة

كوثر البشراوي: لا لا –إن شاء الله- دائماً خير، طبعاً الكتاب الأول هنا أمامنا من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب "حوار الاستشراق"، يليه كتاب أيضاً من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب "المثقفون العرب والغرب".

بصراحة –أستاذ أحمد- يعني خليني قبل ما نغوص في الفكرة في حد ذاتها، تعتقد أنه الزمن مازال زمن استشراق واستغراب وإحنا ناس معاصرين يعني، نحن دخلنا القرن الحادي والعشرين تحت مظلة العولمة، نتحدث عن العلوم اليوم نتحدث عن قرية كونية تتلاشى فيها ملامح الشرق والغرب، لا ملمح إلا لملمح الإنسان المتفوق علمياً فأيش.. أيش.. أيش ما وصلك أو أيش رجعَّك للاستشراق والاستغراب؟

أحمد الشيخ: طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً يعني معاكي كل الحق في أنكِ تطرحي هذا السؤال منذ البداية، لأنه بالفعل مصطلحات الاستشراق والاستغراب عادة ما تجد هذه الأيام يعني رواجاً وفي نفس الوقت سوء فهم أيضاً يعني، فيُستحسن من البداية أن نوضح يعني قبل أن أجيب على سؤالك يعني، في الحقيقة هذه مصطلحات استُخدمت كثيراً، وثمة نفور من هذه المصطلحات في بعض الأوساط، لكن إذا شئت الحقيقة خلف هذه المصطلحات تكمن أشياء كثيرة جداً وهامة جداً وخطيرة جداً، ولم نجد بعد مصطلحات جديدة لنطرح بها هذه الأفكار، فنحن أمام هذه.. نستخدم هذه المصطلحات، لأن هذه هي الموجودة بالفعل يعني.

عودة إلى سؤالك، ما الذي يدفعنا اليوم للحديث عن استشراق واستغراب أو الشرق في مواجهة الغرب أو شمال في مواجهة جنوب؟

في الحقيقة هذا ليس اختيار، إذا أردنا أن نصف الواقع أو نرصد الواقع أو نحلل الواقع، سنشاهد هذه الأشياء أو ما يشير إلى هذه المصطلحات، يعني ليس بوسعي أو بوسع غيري أن يختار عالم أمثل غير موجود، ليس بوسعنا أن نتحدث عن الإنسان بشكل مطلق يعني.

كوثر البشراوي: يعني مش من باب الرفاهية ومضيعة الوقت يعني؟

أحمد الشيخ: إطلاقاً.. إطلاقاً، بالمثل الناس تتكلم عن العولمة أحياناً كثيرة هذه الأيام، ويتحدثون عن العولمة –أحياناً- كما لو كانت مثال أعلى أو نموذج يتكافأ فيه البشر ويستمتع به البشر بالمنجزات العلمية والحضارية، لكن العولمة في الحقيقة شيء آخر، إذا أردت رؤية الواقع يعني، العولمة في الذهن أو في الخيال أو كما يتوهمها البعض غير العولمة الموجودة في الواقع يعني.

أعود إلى المصطلحات.. هذه المصطلحات.. هذه المصطلحات يعني البعض يكرهها، البعض يميل إليها، لكن هي بالفعل موجودة في الواقع، ماذا تعني هذه المصطلحات؟ تعني أن العالم مازال منقسماً إلى دوائر حضارية وثقافية مختلفة، ولم يتوحد العالم في.. كما يقولون في قرية عالمية واحدة يعني، لم يحدث هذا، العالم مازال منقسم إلى دوائر حضارية وثقافية..

كوثر البشراوي [مقاطعةً]: اللي عايش في أم درمان مش اللي عايش في نيويورك يعني

أحمد الشيخ: تماماً.. تماماً، وهذه الحضارات وهذه الثقافات تنظر إلى بعضها، عندما تنظر إلى بعضها أو عندما حضارة غربية مثلاً تبحث في الشرق وتدرس الشرق أو تدرس بعض البلدان العربية والإسلامية تدرس تاريخها عاداتها، لغاتها جغرافيتها، أسلحتها، شعوبها، أنظمتها، كل هذا نظرة من حضارة إلى حضارة، في هذه الحالة عندما تكون الحضارة الغربية هي التي تنظر تم الاصطلاح على أن هذا.. هذه المباحث تندرج تحت لفظة الاستشراق، طبعاً البعض يقول الاستشراق انتهى، وهذه لفظة قديمة وهذه لفظة يعني لم يعد لها مجال، في الحقيقة الواقع يثبت عكس ذلك، بالنسبة لي شخصياً ومن خبرتي في الحديث في هذه الموضوعات والكتابة فيها، عندما بدأت منذ أكثر من عشرين عاماً كان البعض يقولون لي: ما هذه اللغة الأثرية؟ ألست تتحدث عن شرق في مواجهة غرب، هذا كلام في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن وانتهى، نحن الآن عالم آخر، بعد 11 سبتمبر كما ترين عودة إلى هذه المصطلحات.

كوثر البشراوي: رأيك أنا أحترمه، ولكن هناك وجهة نظر مغايرة لرأيك، هناك من يقول أنه تاريخيا هناك تحديد، هناك حدود للمساحة التي احتلتها ظاهرة الاستشراق من منتصف القرن الثامن عشر حتى مطلع القرن العشرين يعنى ربما أنت الآن تتحدث عن شكل جديد من الاستشراق أو ما يسمى بالاستشراق الجديد، ولكن الاستشراق الذي ارتبط با...

أحمد الشيخ: الاستعمار

كوثر البشراوى: بهذه الشهية الاستعمارية فالاستشراق ولد مع –كما قال أحد الفرنسيين أو أحد المفكرين- قال أنه الاستشراق هو الجناح الفكري للتوسع السياسي.

أحمد الشيخ: نعم.. نعم

كوثر البشراوى : ونفس.. نفس الميلاد، اليوم بما نتحدث عن استشراق جديد، نتحدث عن بلدان مستقلة، نتحدث عن بلدان لها سيادة، نتحدث عن.. يعنى الآن في حمية يعنى أوروبا ما.. عندها حالة تخمة،لم تشمر أنيابها على استعمار جديد؟

فصف لي هذا الاستشراق الجديد؟

أحمد الشيخ : و الله شوفي مسألة عادة الصفات التي تطلق على اتجاهات أو حركات أو.. عادة هي صفات نسبية يعنى، عندما نقول الجديد، ما أراه أنا جديداً قد يراه الآخر يعنى شيء غير جديد يعني، لكن بالنسبة للاستشراق الجديد كما أراه أنا. بالنسبة لي. واسمحي لي في التكرار يعني، لأني سأستخدم لفظ قد يصدم البعض الاستشراق الجديد هو الاستشراق العربي أو المستشرقون العرب- بين قوسين يعنى، لأن الاستشراق القديم أن يأتي أوروبي من حضارة مغايرة ليدرس الشرق لم يعد مقبولاً ولم يعد متاحاً.

الذي يقوم بهذه المهمة الآن المفكر العربي و المثقف العربي و الباحث العربي نيابة عن المستشرق.

كوثر البشراوي: المستغرب أو المستشرق تعني .

أحمد الشيخ: لأ هناك فرق بين المستغرب و المستشرق العربي، المستشرق العربي هو الذي ضاع في التغريب، المُغَّرب الذي فقد هويته، الذي فقد أصالته، الذي يقوم بنفس العمل الذي كان يقوم به..

كوثر البشراوي: نيابة عن.

أحمد الشيخ: عن المستشرق .

كوثر البشراوي: السيد المستشرق، نعم.

أحمد الشيخ: بالضبط تماماً، هذا المستشرق العربي هو أعلى مراحل الاستشراق في تقديري، يعنى كانت مرحلة أولى التي كانت تهتم.. التي واكبت الظاهرة الاستعمارية، مسح الأراضي، معرفة عادات الشعوب، أديان الشعوب،كيف يتم تهيئة الأرض الممهدة للغزو، وفي هذا الإطار ظهرت يعني أشياء أخري علمية،

و أبحاث علمية لها كل مكانتها و لها تقديرها، لكن كانت مرتبطة في الأساس باللغة، بالتراث، بالدين، ثم جاءت مرحلة أخرى هي المرحلة التي..

كوثر البشراوي [مقاطعةً]: وليست بريئة حقيقة، حتى الإرساليات العلمية البحتة اللي كان.. كانت تموَّل من فرنسا أو أميركا، أو على كل المستويات، مثلاً منطقة فلسطين مثلاً، حتى الأبحاث العلمية كانت في إطار هذا المشروع العلني أو الخفي للاستلاب على المكان يعني، فالعلم وُظِّف للاستلاب على المكان.

أحمد الشيخ: تماماً.. تماماً.. تماماً. ثم ظهرت يعني فترة جديدة في تاريخ الاستشراق، تلك الفترة التي حاولت أن تطبق المناهج العلمية الحديثة في العلوم الإنسانية على الدراسات الاستشراقية، فأخرجتها من الجيتو التراثي، أخرجتها من الطابع الفيلولوجي أو من طابع دراسة اللغات فقط إلى دراسة المجتمع، دراسة السياسة، دراسات الاقتصاد، دراسات العادات، فتطبيق المناهج الحديثة الأوروبية –بين قوسين- على المجتمعات العربية والشرقية دي مرحلة أخرى البعض سماها استشراق جديد، وقد يكون استشراقاً جديداً بالمقارنة مع الاستشراق القديم، لكن الاستشراق الجديد اليوم في تقديري هو الاستشراق العربي أو المستشرقون العرب الذين يقومون بالاستشراق نيابة عن المستشرق التقليدي يعني.

ويمكنك أن تدركي بنفسك حال النخبة العربية اليوم ومدى تصوراتها و.. بل ربما هذا الاستشراق العربي اليوم أو المستشرقون العرب أشد قساوة تجاه تاريخهم.. تجاه..

كوثر البشراوي: وأخطر لأنه يدور عروبته تدور..

أحمد الشيخ: آه، طبعاً.. طبعاً تجاه تاريخهم، وتجاه لغتهم، وتجاه مجتمعاتهم، يعني في حالة من الغربة والانفصام، بل والعداء، ربما المستشرق التقليدي أحياناً..

كوثر البشراوي: يخفي عداءه.

أحمد الشيخ: آه، أو كان يراعي هذا الاختلاف بين حضارة وحضارة، وهذا يدفعه أحياناً إلى أن يكون منصفاً في بعض الأمور، وأن يكون في بعض أمور أخرى متواكباً مع ثقافته وعقليته وأيديولوجيته. فإذا.. إذا سألتيني أنا شخصياً ما هو الجديد اليوم في الاستشراق أقول لك: هو هذا الاستشراق العربي، هؤلاء المستشرقون العرب، ولا أقول الجديد بالمعنى الإيجابي للكلمة، أقول الجديد بالمعنى أنها مرحلة أخرى، وفي تقديري إنه هذه المرحلة في طريقها للزوال، أطمئنكِ وأطمئن المشاهد.

كوثر البشراوي: أمثال.. أمثال مين يا أستاذ أحمد، هو مش قدحاً يعني أمثال مين؟

أحمد الشيخ: سأقول لك شيئاً آخر دون أن أتحدث عن أسماء، تعلمين مدى صعوبة هذا الأمر، لكن سأتكلم عن هوية هذا المستشرق العربي، يعني هناك مثلاً مناهج، هناك أحكام، هناك نتائج يصل إليها تتجاوز المستشرق التقليدي إذا قمت بمماثلة أو مقارنة بين المستشرق العربي والمستشرق التقليدي أو المستشرق الجديد سأجد أن نفس الأحكام التي كانت تطلق مثلاً ضد اللغة العربية وضد يعني عدم قدرتها على مواكبة العصر، من المستشرق التقليدي إلى المستشرق العربي تجدي المستشرق العربي أشد بشاعة وأشد فظاعة وأشد قساوة.

النقطة المحورية التي.. هنا هي المنهج أو المناهج، المستشرق العربي يأخذ المناهج الغربية ويحاول أن يقدم تنظيرات وتبريرات في تطبيقها في الساحة العربية، ويعتبر أن هذه المناهج صالحة لكل زمان ومكان، كأنها مناهج عابرة للقارات، في حين أن في المناهج جانب إيديولوجي، جانب حضاري، جانب ثقافي مرتبط بالمنهج، هو ينتمي لحضارة وينتمي لثقافة، أين هذه الخلفية الحضارية الثقافية عندما يتناول هذا المنهج وعندما يستخدمه في تحليل ظاهرة؟ ومن هنا أقول لكِ بعض الكتابات التي أثارت ضجة شديدة في الفترة الأخيرة، البعض مثلاً –دون ذكر اسم- يكتب كتاباً ويقول: أنه يريد أن يقرأ القرآن ويحلل القرآن مثله مثل أي كتاب آخر ويطبق المناهج العلمية الحديثة، ليس هذا صحيحاً، القرآن ليس مثل أي كتاب آخر، على الأقل بالنسبة لملايين من البشر، فعندما أطبق المناهج الحديثة بخلفياتها الإيديولوجية والحضارية على ثقافة أخرى وعلى نصوص أخرى، وعلى عقائد أخرى سيحدث نوع من التوتر، نوع من النتائج التي قد تصدم الناس، من هنا هذا المستشرق العربي مأساته أنه ينظر إلى واقعه بعيون خارجية.

كوثر البشراوي: هل الحديث عن الاستشراق ترف أو ضرورة أو موضوع تجاوزه العصر؟

الأب ميشيل لولون: المصطلح في حد ذاته غير مهم، فماذا يعني؟

كوثر البشراوي: هل مازال موجود؟

الأب ميشيل لولون: لم يعد الاستشراق ما كان عليه في السابق، ففي حقبة تاريخية مضت شكل الاستشراق خلاصة الجهد الذي قام به علماء وباحثون وأكاديميون أوروبيون من أجل معرفة العالم العربي، أو ما يسمى بالشرقي، وكما قال (جاك بيرج) فإننا نجد في الاستشراق جانباً إيجابياً في تعريف العالم الشرقي والإسلامي للغرب، ولكن وفي نفس الوقت نعترف أن ظاهرة الاستشراق وُلدت في إطار الاستعمار، مما جعل الأبحاث تخلو أحياناً من أدنى مفاهيم الاحترام، بل ونجدها ملأى بنبرة الاستبداد والسيطرة لدى المستعمرين، لذلك فإن للاستشراق جانبه السلبي الصارخ.

اليوم الإطار مختلف تماماً، فاليوم وفي إطار العلاقات الدولية الحديثة نحن كغرب في اتصال دائم وغير منقطع مع العالم العربي والإسلامي، وما يبدو لي جوهرياً هو أن تبادلاً ثقافياً حدث بين هذين العالمين، ولكن من المحزن أن نعترف أنه خارج النخب المثقفة والمختصة نجد لدى عامة الناس من الطرفين جهلاً متبادلاً، إذ لا يعرف فعلاً أحدنا الآخر، لماذا؟ لأن الإعلام الضخم كما أراه شخصياً في إعلامنا الغربي في الصحف والمجلات والتليفزيونات يتحدث عن العالم العربي والإسلامي في معظم الأحيان بأسلوب ظالم.

وأعتقد أن هناك بعض المحاولات لاختراق هذا الإعلام الظالم، ولكن بصعوبة كبيرة، وهذا مثلاً ما أقوم به أنا وبعض الأصدقاء، ولكن للأسف لا يصل صوتنا إلى أحد.

ومن الضروري أن أضيف هنا أنه علينا أن نقوم بأبحاث في علوم الأديان، لأننا في مجمل المجتمعات المسلمة والمسيحية واليهودية يمكن أن نلتقي بكل اختلافاتنا في بعض التأويلات اللاهوتية، نلتقي حول حقائق جوهرية مشتركة، حقائق أخلاقية متفق عليها، فهناك فعلاً إرث روحي وأخلاقي مشترك، ولكن المجتمعين المسلم والمسيحي مازالا يجهلان هذه الحقيقة.

الاستشراق الجديد ومحاولات تطبيق مناهج البحث الغربية

كوثر البشراوي: هناك أيضاً تحليل علماني للأشياء، يعني أيضاً لازم نبدأ نقبل، حقيقة هناك قراءات لواقعنا مختلفة، هناك قراءات إسلامية، هناك قراءات استشراقية بمفهوم التبعية أو وظِّفوا.. وظِّفوا للآخر المسيحي واليهودي أيضاً يعني، المستشرق ليس فقط (لائكي).

أحمد الشيخ: طبعاً.

كوثر البشراوي: وهناك قراءات علمانية، فبين كل هذه القراءات.

أحمد الشيخ: هو ما يهمني.. هو لابد أن تكون القراءة مرتبطة بالواقع أساساً، لا يمكن قراءة الواقع كما قلت بعيون خارجية أو بعيون.. من الممكن في بعض الأحيان أن تكون هناك مسافة حتى يرصد الإنسان الظاهرة التي يبحث فيها، لكن الاغتراب والابتعاد، وهذه القسوة والجفوة الموجودة بين الباحث أو بين النخبة العربية أو بعض رموز النخبة العربية، وما بين مقدسات هذه الأمة، وما بين تراثها وما بين تاريخها، هذه مسألة يعني لا أتصور أنها مسألة علمية، همَّ يدَّعون أن هذا تصور علمي أو نظرة علمية، أنا أعتقد إنه شروط النظرة العلمية أن تكون الرؤية مطابقة.. أن يكون المنهج مطابق للموضوع، لا يمكن أن أدرس ظاهرة بمنهج غريب عنها، وهو ما يحدث، كما أقول لكِ من يريد أن يقرأ القرآن بمناهج حديثة ويعتبره كتاب مثل أي كتاب آخر.

كوثر البشراوي: لكن هناك مثلاً كثير من مفكرين عرب يطالبون باستخدام المناهج العلمية في قراءة الأشياء، في قراءة.. في إعادة النظر في تراثنا، في شخصيتنا، في أمورنا.

أحمد الشيخ: تغيير مطلوب، هذا.. هذا مطلوب هذا.

كوثر البشراوي: فوين هو الإشكال؟ معذرة، ممكن أنا أسأت الفهم، حتى أعرف وين.. وين الإشكال يعني، هل استخدام المنهج العلمي خطأ؟

أحمد الشيخ: الإشكال.. لأ هو.. هو كلمة أن هناك مناهج علمية في العلوم الإنسانية كلمة يعني نضعها بين قوسين، آه نضعها بين.. ليس هناك اتفاق حتى لدى المجتمعات الغربية المعاصرة يعني، يعني العلوم الإنسانية صفة العلم فيها صفة مهتزة إلى حدٍ ما، ليست كالعلوم الطبيعية أشياء تجرِّب وتقارن، وتجرَّب حتى تصل إلى الحل، في العلوم الإنسانية الأمر ليس بهذه الصورة، ثم إن العلوم الإنسانية كما نشأت بمناهجها نشأت في بيئة حضارية وثقافية غربية، والبعد الحضاري والثقافي الغربي موجود في هذه الرؤية وهذه المناهج.

مشكلة النخبة العربية التي أتحدث عنها أنها تأخذ هذه المناهج الغربية وتعتبرها مناهج علمية شاملة.

كوثر البشراوي: وتقدَّس المناهج وتترك المقدَّس.

أحمد الشيخ: تترك، بالضبط تماماً، وهذا ما يبرز غيبوبة هذه النخبة في تقديري، ومدى ابتعادها عن واقعها ومدى رفض واقعها ليها، لأن أنتِ تدركين أن النخبة العربية هي نخبة منعزلة ومعزولة، وعندما يتحدثون لا يسمعهم الناس، الناس يسمعون الآن –للأسف- الاتجاهات الدينية المتخلفة، ليس حتى الاتجاهات الدينية المستنيرة.

كوثر البشراوي: وربما لما.. معناها ينضمون إلى جسد الاستشراقيين.. المستشرقين ربما هذه تأشيرة لقبولهم، ربما، أنا لا.. لا.. لا أبرر ما يفعلوه، ولكن..

أحمد الشيخ: ممكن، لا.. لا أريد أن أتهم نوايا.. لكن أمامي الواقع وأمامي النتائج وأمامي، ونحن نلاحظ أن لدى كثير من الباحثين رغبة في إرضاء الغرب ودوائر الغرب، والأجهزة الحاكمة في الغرب على حساب مجتمعاتهم وعلى حساب أوطانهم، وهذه يعني هناك شواهد كثيرة على هذه الظواهر.

كوثر البشراوي: أستاذ أحمد، طبعاً الموضوع طويل وعريض، سنعود إلى بعض ما ذكرته بعد قليل، لكن على ذكر الاستشراق الجديد أو المستشرقين الجدد، أنت مثلاً في كتاب "حوار في الاستشراق" عملت لقاءات مع ما يفوق الـ20 شخصية من الغربيين أنفسهم.

طيب، لغة المستشرق الجديد بماذا تختلف عن ذاك التقليدي؟

أحمد الشيخ: هي اللي إذا تحفظت على الجديد يعني، أو إذا اتفقت على أن الجديد هو مقارنة مع الاستشراق الغربي، نعم.

كوثر البشراوي: لنقل.. لنقل الجيل اللي على قيد الحياة.

أحمد الشيخ: الذي يتميز.. أولاً تطبيق ما يسمى بالمناهج.. مناهج العلوم الإنسانية، هذه لم تكن تطبق في.. فيما مضى، كان الاستشراق القديم قراءة لكلمات بحث في عقائد فقط يعني.

كوثر البشراوي: وتأويل من خلال نظرة خاصة.

أحمد الشيخ: بالضبط تماماً، وكان لي إيديولوجيا حاضرة بشكل كبير في الاستشراق القديم يعني، أو العداء كان واضح بشكل فج جداً يعني.

الاستشراق الجديد أو بين القوسين الجديد اللي طبق المناهج الحديثة لدى الغربيين أو من الغربيين يعني يحاول أن يكون أكثر موضوعية، أكثر إنصافاً، يحاول أن يقدم رؤية إلى حد ما بعيدة عن الطابع الاستعماري أو غير مواكبة للطابع الاستعماري بشكله الفج القديم يعني، بل بالعكس من هؤلاء، من بعض المستشرقين يعني أخذوا مواقف حُسبت ضدهم في مجتمعات، وهمشوا وليست لهم نفس المكانة التي نتخيلها نحن، يعني نحن نتخيل المستشرقين كأنهم سادة في الغرب، وأنهم هم الذين يحكمون ولديهم السطوة و.. بالعكس، عندما تبحثين في أوضاع المستشرقين هنا تجدي في منتهى الهامشية، وربما لعنة الشرق عليهم، يعني أيضاً إنهم اهتموا بالشرق فغضب عليهم الغرب، وجعلهم في هذه المكانة الهامشية.

كوثر البشراوي: أب لولون، أنت اتهمت بعد اجتياح إسرائيل العاصمة بيروت اتهمت مع المفكر (روجيه جارودي) والأب (ماتيو) وهو أب بروتستانتي اتهمتم باللاسامية، ومثلتم أمام القضاء، بعد هذه التهمة هل أجبرتم على تغيير وتليين طريقة طرحكم، وكلامكم حول الموضوع تفادياً للمشاكل، يعني تفادياً للمشاكل بصورة خاصة مع اليهود هنا في فرنسا؟

الأب ميشيل لولون: بالعكس. واضح أنكِ على اطلاع بتفاصيل القضية. أنا وروجيه جارودي والأب ماتيو، ومدير جريدة "لوموند" فوجئنا بدعوة قضائية وجهتها لنا (ليكرا) وهي منظمة يهودية اتهمتنا بمعادة السامية فأنا بعد أحداث صبرا وشاتيلا هاجمت مجاملة الإعلام الغربي لدولة إسرائيل، وكان حينها نصاً قاسياً ضد السياسة الإسرائيلية، فاتهمنا بمعاداة السامية ومثلنا أمام المحكمة، وكسبنا القضية ثم استأنفوا وكسبنا القضية مجدداً، وأخيراً قامت ليكرا باللجوء إلى محكمة التعقيب، وكسبنا القضية مرة أخرى، وقد كنت سعيداً جداً أننا تمكنا من الإدلاء بآرائنا في السياسة الإسرائيلية، وهذا لا يعني أبداً أننا نبغض اليهود أو نكرههم.

سألتني إن كنت قد أصبحت أكثر ليونة فيما أقول؟ أجيبك بلا، بالعكس فنحن في فرنسا لدينا حرية تعبير دون المساس بعقائد الآخرين، وكسب هذه القضية كان منعشاً لي ودافعاً أكبر لقول ما أؤمن به من أفكار.

[فاصل إعلاني]

دور العرب في نقد الاستشراق وموقفهم من حوار الحضارات

كوثر البشراوي: هذا العربي اللي كان محور مواضيع مستشرقين كان دائماً هكذا يعني سلبي، لا ردود فعل له، ما عندوش صوت، لا رأي له، لا نقد له، يعني هل معقول يعني قرابة ثلاثة عقود لم تبرز أسماء للدفاع عن.. أو لتكذيب وتسفيه خرافات بعض المستشرقين؟

أحمد الشيخ: لا.. لا.. لا، أختلف معاكي، ظهرت أسماء كثيرة، بل بالعكس ظهرت أسماء يعني دا تيار، دا.. أنا في أحد الكتابات الخاصة بي قلت أن ظاهرة نقدنا للاستشراق كانت أحياناً وخيمة العواقب علينا، بمعنى أننا صرنا ندافع عن أنفسنا، صرنا ندافع أمام الآخر عن أنفسنا وكأننا نحن الذين.. في حالة قفص الاتهام، أكثر من.. من تيار، أكثر من كتابات كلها.. ونسينا بناء الذات يعني.. ممكن إن هامش نقد الاستشراق أو تصحيح صورتنا أمام الآخر يأخذ حيز من ثقافتنا، أما أن تكون ثقافتنا كلها موجهة لنقد الاستشراق وتصحيح صورتنا أمام الآخر، كأن هذا يخفي قصورنا وعدم قدرتنا على البناء الذاتي والداخلي لمجتمعاتنا.

كوثر البشراوي: بتحكي عن الآن أو.. أو قديماً؟

أحمد الشيخ: لأ، منذ قرنين ونحن غرقى ومرضى في تصحيح صورتنا، ببساطة شديدة فليذهب الغرب أو.. فلتذهب هذه الصور إلى الجحيم، نهتم بواقعنا، نبني ذاتنا، نبحث عما يساعد هذه المجتمعات على النهوض هذا هو الأساس، وإذا جاء في الطريق يعني عمل يؤدي إلى تصحيح الصورة لا بأس، لأن في النهاية.. تشويه العرب وتشويه المسلم سيستمر، وهو لن يتوقف، فإذن كأنها عملية شيطانية، هم يهاجمون ونحن ندافع.. هم يهاجمون ونحن ندافع، وسنظل في هذه المرحلة دون أن نبني مجتمعاتنا.

أنت تعلمين الذي هو في مرحلة دفاع دائم هذا يعني..

كوثر البشراوي: بيستنفذ كل قواه.

أحمد الشيخ: بالطبع.. بالطبع.

كوثر البشراوي: يعني.. يعني.. يعني وضعية هذا العربي الذي يدافع عن صورته وعن وجوده وعن حقوقه إذا أنت تقول منذ قرنين وثلاثة، أنا اعتقدت أنه أحداث سبتمبر هو اللي ألح علينا حتى إعلاميا بدأنا نكثِّر في الندوات والبرامج، وأنه صورة العربي المسلم.

أحمد الشيخ: لأ.. لأ.. لأ.. لأ أحداث.. شوفي 11 سبتمبر دي مرحلة جديدة، لأ، أنا أقصد من قرنين ونحن نعقد الندوات ومؤتمرات و.. و

كوثر البشراوي: يعني هذا قدر غريب..

أحمد الشيخ: لنقد المستشرقين وتفنيد أسانيد المستشرقين إعادة تصحيح الصورة، هذه أشياء مستمرة منذ يعني عقود يعني، أما 11 سبتمبر، لأنها كان حدث كشفي، حدث كشفي بمعنى كشف

كوثر البشراوي: كل الأوراق.

أحمد الشيخ: آه، يعني كان مثلاً أغلب الناس في مجتمعاتنا يعتقدون أن هناك لغة إنسانية عامة بين البشر، أن هناك رؤية يعني يمكن تطبيقها في مجتمعاتنا، كما يمكن تطبيقها في المجتمعات الغربية، أو مناهج هنا يمكن تطبيقها هنا، فاكتشفوا بعد 11 سبتمبر أن المسألة ليست.. وأن هناك مخزون تاريخي قديم ومريض مازال موجود في المجتمعات الغربية المعاصرة.

كوثر البشراوي: طيب أستاذ أحمد، يعني البعض من المستشرقين قدامى أو من على قيد الحياة الآن، يعني الجيل الجديد دافعوا عن حقوق الشعوب العربية والمسلمة بعد نيلهم للاستقلال في يعني أنه يشكلوا هويتهم وتاريخهم، وأمورهم باستقلالية، وهمَّ اللي أعلنوا موضة حوار الحضارات وصراع الحضارات، ومن ثم بعد الاستعمار جاء هذا الكلام.

أحمد الشيخ: صحيح.. صحيح.

كوثر البشراوي: لكن أيضاً نجد أن هناك خدعة يعني كيف يمكن أن نتحاور بين ثقافات مختلفة والذي يريدنا أن نتحاور معه مؤمن إيمان راسخ أنه هو القدوة وهو النموذج من التحضر والتمدن والانفتاح والعلوم، كل هذا وعلى من يريد أن يحاوره أن يرقى إليه.

أحمد الشيخ: آه، شوفي هو المصطلحات عادةً الناس بتستخدمها بدون اتفاق على دلالتها، -كما تقولين- يعني هو يستخدم حوار الحضارات، لكن يعني شيء، لديه يعني.

كوثر البشراوي: أن تحاوره كما هو يريد.

أحمد الشيخ: آه، وأحياناً نحن على درجة من السذاجة والبراءة نعتقد أن المسألة بالفعل حوار، وهي ليست حوار يعني، لأن كما تعلمين شروط أي حوار هي الندية، والندية غير متوفرة، وأصلاً لو كانت الندية قائمة ما كان أحد تحدث عن حوار الحضارات، لأنه.. كان أصبح موجود في الواقع يعني، فأحياناً نغطي على المشاكل والصراعات بتعبيرات دبلوماسية جذابة خلاَّبة، لكن أود أن أعود إلى شيء –منذ قليل- أنتِ تحدثتِ عن بعض المستشرقين الفرنسيين الذي أنصفوا بعض المجتمعات العربية والإسلامية، وهذا صحيح لأننا علينا أن نميز ما بين الاستشراق كحركة شاملة وما بين إسهامات كل مستشرق يعني، لتجدي بعض المستشرقين بالفعل أخذوا مواقف غير عادية، وتحملوا بشأنها يعني عواقب داخل مجتمعاتهم سواء بالعزلة، سواء بالتهميش. ها؟

كوثر البشراوي: أمثال مين؟

أحمد الشيخ: يعني أنا سأضرب مثلاً بمستشرق كبير (جاك بيرج) مثلاً، الذي ترجم القرآن مؤخراً، وأثارت ترجمته للقرآن ضجة شديدة في العالم العربي، يعني استُدعي أكثر من مرة كما.. كما قال لي قبل وفاته يعني للحديث في التليفزيون في برنامج شهير، فكان المذيع معد البرنامج يريد أن يوجه الحلقة إلى سؤال رئيسي محدد هل القرآن كتاب سلام أو كتاب حرب؟ ويريد من هذا المستشرق جاك بيرج أن يجيب بنعم أنه كتاب حرب، وكلما حاول هذا الرجل أن يعيد الحوار إلى مساره الطبيعي ولا.. عادةً.

كوثر البشراوي: هذا جاك.. جاك بيفو

أحمد الشيخ: بالضبط برنارد.

كوثر البشراوي: برنارد بيفو.

أحمد الشيخ: فكاد أن ينسحب جاك بيرج من هذه الحلقة، وأنا أقول طبعاً جاك بيرج عالم يعرفه الجميع في العالم العربي وكتبه معروفة، وآراؤه معروفة، ومواقفه معروفة، منها الذي نرضى عنه ومنها الذي نختلف معاه وهذا شيء طبيعي يعني، لكن أقول لكِ أنه في المجتمعات الغربية أحياناً يقوم المستشرق بدور هام ويتحمل نتيجة هذا العزل والتهميش.

كوثر البشراوي: ومن الجانبين، لأنه جاك بيرج بالتحديد أيضاً يعني النقد العربي لم يكن رحيم معه، وهذا من أحزانه اللي.. اللي مات بها يعني.

أحمد الشيخ: آه.. آه طبعاً، هذه مأساة هؤلاء، أنا أعتبر إن المستشرق بالفعل يعيش مأساة، لأنه الشخص يقف على الحدود الثقافية ويحاول أن يكتب عن ثقافة وهو ينتمي إلى ثقافة، فتجدي الثقافة التي يكتب عنها لا تقبله، والثقافة التي يكتب إليها لا تريد كل ما قاله، تريد تسمع ما تريد، وجاك بيرج أحد هذه النماذج، وتجدين نماذج أخرى يعني، فيعني هم حقيقي في وضعية يُرثى لها، ليس كما نتصورهم نحن في مجتمعاتنا وحوش وشياطين، وكأنهم يعني يهدمون الحياة والحضارة، لأ هم ناس في مجتمعاتهم قاموا ببعض الأدوار في بداية الاستشراق أدوار معروفة وسلبية واكبت الاستعمار، وجاءت مرحلة أخرى أقل شراسة، ثم عدنا إلى المرحلة الأكثر شراسة مع مستشرقينا العرب.

كوثر البشراوي: نقد الاستشراق ليس حركة جديدة أعتقد، يعني من تصدوا لما كُتب من قبل المستشرقين من أيام جمال الدين الأفغاني إلى نهاية الاستعمار تقريباً هناك.. يعني لماذا في كتاباتك تشعر إنه إحنا.. أن.. أن.. أن الناقد لم يسد الثغرات بطريقة كافية في تعامله مع مجال نقد الاستشراق؟

أحمد الشيخ: لأنه إحنا نقدنا للاستشراق يعني في حاجة إلى دراسة الآن، يعني وصل عندنا تراث نقد الاستشراق، المفروض اليوم أن نفتش في هذا النقد الذي مارسناه ونرى أين أخطأنا وأين أصبنا، لأنه في بعض الأحيان كان نقدنا للاستشراق برضو نقد مجاني، نقد عام، نقد لم يصل إلى جوهر هذه الحركة وإلى..، والنقد أحياناً ليس يعني يكون مرجعه الدين فقط، يعني ممكن نقد الاختلاف الديني كان السائد في نقد الاستشراق بما أن المستشرق ينتمي لحضارة أخرى ولديانة أخرى، فهو يُنقَد لهذا السبب، أعتقد إن هذا سبب هام، لكن هناك مجالات أخرى لنقد حركة الاستشراق وفهمها، نحن في حاجة اليوم لتجاوز هذا النقد التقليدي إلى مرحلة أرقى من فهم الاستشراق تسمح برؤية الذات، لأنه نقد الاستشراق بالصورة القديمة غيَّب الوعي بالذات، هل تتخيلي ذلك؟ يعني هو الشكل الخارجي أن الذي ينتقد الاستشراق يدافع عن الذات.

لأ، في الحقيقة الذي انتقد الاستشراق بالصورة التقليدية التي رأيناها طوال عقود كان من شأنها أن تغيِّب -إلى حدٍ ما – الوعي الصحيح بالذات، لأنه الذات مقومات الذات أولاً، ثم يأتي بعد ذلك نقد الآخر ونقد صورته عن..، لكن نقدنا بصورة الآخر عنا صارت كأنها هي الذات، كأنها هي يعني أحياناً الغرب أو المستشرق أو الغرب عندما يتوجه إلى المجتمعات العربية والإسلامية يغازل وعيها، يُزوِّر وعيها دون أن تدري، فتصبح تتخيل وكأنها تدافع عن نفسها، وهي في الحقيقة تغرق ويعني تنتحر في نقد لا مردود له..

كوثر البشراوي: عندك نموذج لكي أستوعب فكرتك بطريقة أوضح.

أحمد الشيخ: النماذج كثيرة يعني أريد أن أقول أن..

كوثر البشراوي [مقاطعة]: وبعدين الاستناد إلى.. إلى المنظور الديني أو المنظور الإسلامي بالتحديد في الرد على المستشرق الذي لم يخفِ أيضاً انتماءه العقائدي، يعني قضية النقد العلماني هي ظاهرة حديثة أيضاً يعني..

أحمد الشيخ: طبعاً.. طبعاً.. طبعاً

كوثر البشراوي: فأين.. أين العيب في ذلك؟

أحمد الشيخ: أقول أن النقد القديم للاستشراق كان مركزاً بدرجة أساسية على الاختلاف الديني ما بين المسيحية والإسلام مثلاً، وما بين الإسلام واليهودية، في حين أن الاستشراق يعني لم يقتصر فقط على العداء الديني، هناك جوانب أخرى من الاستشراق يعني، المشكلة نحن ونحن ننقد الاستشراق أولاً قمنا بمماثلة ما بين الاستشراق وما بين الغرب ككل، هناك كان علينا أن نرى ما هو هذا الاستشراق في الغرب؟ ما هي المساحة الحقيقية لهذا؟ ماذا يمثل بالفعل هذا الاستشراق يعني؟ هل يمثل.. هل يمثل الغرب عندما يتحدث إلى الشعوب الأخرى؟ هل.. هل هذا الاستشراق كما عاهدناه في مراحله المختلفة وحتى اليوم هو لسان الغرب الناطق عندما ينظر الغرب إلى المجتمعات العربية والإسلامية، أم هناك خطابات أخرى لغات أخرى؟ إذا كان هو اللسان الناطق باسم الحضارة الغربية عندما تنظر للآخر فهناك الكثير مما يقال يعني، أما إذا كان هناك لغات أخرى وعلاقات أخرى وأبواب أخرى، فعلينا أن نفتش أيضاً ونبحث عنها، يعني هذا ما أردت أن أشير إليه يعني.

الأب ميشيل لولون: قبل أن أخوض في الجانب السياسي لديَّ ملاحظة مهمة أود طرحها، العالم العربي والإسلامي يعتقد أن الغرب غرب مسيحي، في حين أن المجتمعات الفرنسية والألمانية والبريطانية هي في ظاهرها مجتمعات ذات تقاليد مسيحية، لكن مع الأسف وأقول مع الأسف بأنني أجد أنه من المحزن جداً وجود تيارات فكرية لا تمت بأي صلة لأي عقيدة مهما كانت.

أنا لا أدعو هنا إلى التقيُّد بنماذج أخلاقية محددة ومغلقة، ولكن ما يُسمى بالتحرر الجنسي وحتى صناعة أفلام الجنس، نحن المسيحيون نرفضها كما ترفضونها أنتم المسلمون، وأنا دائماً أقول وأكرر للفرنسيين إنه أمام هذا السقوط الأخلاقي وأمام هذا العنف واللا قيم علينا نحن المسيحيون كمجتمع غربي تسيطر عليه النزعة المادية، كما أنه عليكم أنتم المسلمون أيضاً أن تتحدوا معنا لرفض هذه المادية المفرطة.

أما في الجانب السياسي فيوجد مشكل دولي، إذ أعتقد أن الصعوبات الحالية وسوء التفاهم والصدام القائم بين العالمين الغربي المسيحي والشرقي المسلم يعود أساساً إلى مشكلة الشرق الأوسط.

مأساة فلسطين، الفلسطينيون يعانون الويلات تحت الاضطهاد منذ 50 عاماً، وطوال هذه الفترة نلمس دعم العالم العربي لهؤلاء المقموعين تحت آلة الحرب الإسرائيلية، حتى العرب المسيحيون يدعمون الفلسطينيين، أما نحن فكنا لفترات طويلة تحت التأثير الأعمى لدولة إسرائيل، الآن الأمور بدأت تتغير في أوروبا، فرنسا مثلاً منذ الجنرال (ديجول) اتخذت موقفاً عادلاً تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ومن حسن الحظ أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة تمسكت بمبدأ الانفتاح على العالم العربي ورفضت القمع الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، وأنا سعيد كفرنسي أن بلدي فرنسا تدعم القضية الفلسطينية، لكن في العقلية العامة لدى الأوروبيين بما فيهم الفرنسيين هناك نزعة قوية للوقوف إلى جانب إسرائيل بسبب جهلهم بحقائق الأمور، وأنا أرفض أن أساند –بطريقة عمياء- دولة إسرائيل كما يفعل جُلُّ الغربيون وخصوصاً الأميركان. هناك مؤمنون حقيقيون من المسلمين والمسيحيين وحتى اليهود الأوفياء لعقيدتهم ممن يرفضون هذا الظلم، لأن التوراة هي ضد الظلم.

وأنا لا أفهم كيف يساند اليهود سياسة (شارون)، من يعرف دينه بحق لا يمكنه أن يساند سياسة الدم والعنف التي يمارسها شارون، إذاً الآن إذا كنا نريد أن نتحدث عن علاقة بين مسيحيين ومسلمين ويهود مؤمنين وغير مؤمنين، علينا أولاً أن نحل مأساة فلسطين، وهذا –برأيي- اختبار كبير سيقسِّمنا إلى عالم ظالم وعالم عادل.

وأعتقد أنه منذ 50 عاماً، ومنذ عملي في مجال التقريب بين المسيحيين والمسلمين وصلت اليوم إلى قناعةٍ بأنه لا يمكن أن نتحدث عن تقارب بين الأديان دون الحديث عن العدل والعدالة، لا يمكن أن يقبل الله صلاة الظالمين، وهذا أمر أساسي بالنسبة لي.

كوثر البشراوي: هل المسيحي العربي انضم إلى حركة الاستشراق؟ هل اليهودي العربي –والبعض منهم مازالوا باقين في بلداننا العربية – انضم إلى ذاك الصوت الناقد؟

أحمد الشيخ: هو سؤال يعني مش عارف..

كوثر البشراوي: يعني نحب نفهم هل الموضوع ديني أو مش يعني

أحمد الشيخ: بالطبع آه.. لأ.. لأ، أنا سأضرب لكِ أمثال إذا أردتِ هناك بعض المسيحيين العرب هم أشد نقاد الاستشراق عنفاً، يعني مثلاً أنور عبد الملك، إدوارد سعيد، وغيرهم يعني مستشرقين.. المستشرقون قاموا بنقد شديد –كما تعلمين- لكتابات إدوارد سعيد ولنقد أنور عبد الملك ولغيرهم، فبالطبع ليس يعني الاستشراق هو العداء للإسلام فقط يعني، هو كمان أحياناً يكون العداء للجغرافيا، كما قال أحد السياسيين –مؤخراً- سمعته في أحد القنوات أن.. أن أميركا تعادي العرب، تعادي جغرافية العرب، تعادي الشعوب العربية، تعادي كل شيء، يعني لا.. لا تعادي الإسلام فقط يعني.

[في الحلقة القادمة]

الأب ميشيل لولون: أعترف أن هناك صدام مصالح، إذا كان الأميركان اليوم يريدون السيطرة على العالم، ويساندون شارون فالموضوع بصراحة وباختصار مصالح، ولكن وفي نفس الوقت نجد أن الحكومات تحتاج لمساندة الرأي العام، والرأي العام في الولايات المتحدة يدعم (جورج بوش)، والرأي العام في إسرائيل يدعم شارون.