مقدم الحلقة:

كوثر البشراوي

ضيوف الحلقة:

عدة ضيوف

تاريخ الحلقة:

18/01/2002




- ماهية مصطلح "الموسيقي المقدسة"
- كيفية نشأة الطرق الصوفية

- تطور الصوفية ومحاولة المتصوفة الارتقاء بها

- دخول الآلات وتأثيرها على الصوفية

- أسباب كثرة الطرق الصوفية في المغرب العربي

فوزي الصقلي
محمد العلمي
كوثر البشراوي
كوثر البشراوي: أصدقاءنا المشاهدين في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، برنامج (إشراقات) يحييكم ويطل عليكم اليوم من مدينة فاس حيث أُقيمت فعاليات مهرجان الموسيقى المقدسة، وقبل الحديث عن موسيقى الشعوب المقدسة وقبل اللقاء مع الدكتور فوزي الصقلي مدير هذا المهرجان أود أن أغريكم بزيارة جميلة إلى أزقة فاس القديمة، وننطلق على بركة الله من هنا من قصر "المنبهي" حيث نتوجه إلى فاس العتيقة، أهلاً وسهلاً بكم.

كيف يمكن أن نغري أهل فاس القدامى اللي غادروا منذ الخمسينيات؟ وكيف ممكن أن نلفت انتباه الأجانب بسحر فاس؟ ما هو موجود حالياً؟ ما الذي يمكن أن تستخدمه لجلب أنظار الناس؟ هل هي المدينة العتيقة؟ هل هي.. هل هي العمارة القديمة؟ هل هي مهرجانات فاس؟ هل هي حركات ثقافية واسعة؟ كيف تصطادهم؟ كيف تجلبهم؟

محمد العلمي (أحمد أهالي مدينة فاس): سؤال ذكي، جزء.. جزء النقاط أولاً: أهل فاس.. هناك الحل يعني بسيط بش أهل فاس مدينة أخلاقهم ..يعني الكل بيحسوا بإن كل واحد غاير على المدينة،حاجة أخري مهمة هي.. The soul…

كوثر البشراوي: الروح..

محمد العلمي: الروح، واحد الروح في المدينة.. بالنسبة للأجانب اكتشفوها.. بسرعة صغيرة، بس مجرد يقضوا بعض أيام في فاس يحسبوا بوحدة الروح لما.. عاجزة في مدن أخرى، وكما تعرف غالباً مدينة فاس أو المدينة العتيقة فاس هي.. هي أكبر مسافة للسير على الرجلين في العالم، وبالنسبة لطريق فاس.. حدد فاس عندما أرِّخت فاس في سنة 1789 ميلادية من طرف إدريس الأول، كان أولاً جاي يؤرخ " وليلي"، وبعد إجى فاس، وقصة المدينة اسمها جاى.. خرافة تقول إن.. لما بدأوا يحضروا مدينة فاس لقوا واحد الفاس من دهب...

كوثر البشراوي: فأس.

محمد العلمي : فأس من ذهب، ولهذا الحكاية تقول إن اسم فاس جاي من هذا من هذا القضية.

وثانياً: المسألة المهمة بالنسبة لفاس ولحد هي فاس عند أرخت مدينة فاس جاءوا من أولاً من الأندلس ثم يسعى إلى الأندلس اللي كانت في ذلك الوقت الأندلس عندها واحد حضارة عالية بالذات، وجاءوا ناس من تونس القرويين وأبناء ذاك الحي القرويين عند..

كوثر البشراوي: اللي فيه جامع القرويين.

محمد العلمي: فيه جامع القرويين، وأصل سكان فاس هم البربر، وهذا كل هذا (...) هو الذي جعل فاس ازدهر واحد سرعة عجيبة، وتكون من أجمل ومن المدن اللي كانت في ذاك الوقت عاصمة علمية وثقافية.

ماهية مصطلح "الموسيقى المقدسة"

أحد عروض فرقة الحراق في مهرجان فاس
كوثر البشراوي: طبعاً لو حاولت أن أترجم ترجمة مباشرة لمصطلح “Lamus ique Sacred” هي أن أقول: الموسيقى المقدسة، واسمح لي بملاحظة في إطار ما شاهدته على الأقل من عروض أنه في بعض الأحيان هناك خلط بين مفهوم الموسيقى المقدسة، إذا أنا فهمتها كموسيقى روحية مرتبطة بالمعتقد أو بطقوس دينية مهما كانت الانتماءات الدينية فيها، ومع بعض الظواهر التراثية الشعبية التي لا تمت لا بمواسم دينية ولا بمواسم مقدسة لدى شعوبها، بعض العروض أعتقد أنها خارج هذا المفهوم.

د.فوزي الصقلي (مدير مهرجان فاس): نعم، حقاً لا يمكن أن نترجم هكذا، حق لينا أن نستعمل ... Mesique Sacrees أو music Sacred بالإنجليزية، ولكن لما نترجم للعربية لا أعتقد أنه يمكن أن نترجم بالموسيقى المقدسة لنا، كأنما نقدس الموسيقى نفسها ، وهذا شيء لا يجوز من الناحية الإسلامية.

كوثر البشراوي: أنت كيف تترجم؟

د.فوزي الصقلي: أنا أقول أكثر "الموسيقى العريقة"، العريقة والعتيقة إذا أردنا، لكن العريقة أحسن.

كوثر البشراوي: Authintique

د.كوثر الصقلي: العميقة المتجذرة، ولكنا ناخد كلمة Sacred بمفهوم واسع واسع، بمعنى أنه ما هو يكوِّن القلب النابض لعمق ثقافة معينة، والقيم الأساسية العميقة المتجذرة داخل ثقافة أو حضارة معينة، بهذا المفهوم.

وإذاً ها.. ها التقاليد يجب ألا تبقى فقط فولكلورية، إذا "تفلكلرت" إذا صح التعبير، فهي...

كوثر البشراوي: لانتهينا جميعاً.

د.فوزي الصقلي: لانتهينا جميعاً، فهي لا بد من أن تكون مغذية لحياتنا الثقافية والروحية والأخلاقية، ولذلك يجب أن نتعامل معها بشكل جدي وأن نخلق لها فضاء الذي يمكن أن تعيش وأن تتبلور فيه وأن تعطيه ما يمكن أن تعطيه.

[ فاصل من المديح النبوي لفرقة العيساوة]

كوثر البشراوي: أريدك أن تقدم لي تعريف حول العيساوة إحنا في تونس عندنا العيساوة، ولكن النمط اللي موجود عندكم أعتقد نمط.. نمط خاص جداً.

سعيد الغيسي(فرقة عيساوة فاس): أيوه.

كوثر البشراوي: العيساوي بصورة عامة هل هي فرقة فلكلورية شعبية؟ هل هي فرقة فيها.. معناها نسبة كبيرة من الأغاني الدينية؟ هل هي فرقة مدائح وأذكار؟ يعني ما هي بالضبط؟

سعيد الغيسي: الفرقة العيساوية قد نسميها الطريقة الصوفية للأمداح والأذكار، أمداح نبوية وأذكار خاصة بالفرق العيساوية، الفرق العيساوية المغربية كلهم.. يتشابهون في هذا الذكر، تابعين للشيخ ديالنا سيدي محمد بن عيسى الزاوية من مكناس زاوية في مكناس، شيخنا هو الشيخ الكامل القطب الهادي بن عيسى.

كيفية نشأة الطرق الصوفية

كوثر البشراوي: دكتور، من خلال بعض اللقاءات التي أجريتها في إطار مهرجان فاس مع مديري فرق قدمت عروضها أشعر أنه هناك إجابات -أعذرني على المصطلح- ساذجة ليس من باب التحقير، ولكن من باب الوصف، ساذجة بمفهوم أنها طفولية يعني.. لا تجد الناحية العلمية، يتداولون شيء، يتوارثون، حتى مفهوم الصوفية، يتوارثون مدارس بدون أن يفقهون كُنْه الأشياء لما يجيبون على سؤال، الناحية التاريخية مفقودة قد.. البعض يعود إلى قرنين، الآخر يعود إلى عشرة قرون، فهذا يجبرني أني أطرح عليك أنت ظاهرة الزوايا والتصوف، ظاهرة التصوف حسب رأيك أنت متى بزغت في العالم الإسلامي وفي التاريخ الإسلامي؟

د.فوزي الصقلي: حسب.. أنا إذا اعتمدنا مثلاً على نص كالمقدمة لابن خلدون أو كتاب آخر لابن خلدون "شفاء السائل لتهذيب المسائل" هو منذ البداية ، منذ البداية لأنه هو الجانب الروحي القلبي الباطني في.. في الإسلام، والإسلام له باطن وظاهر، بمعنى جانب شعوري ووجداني وله جانب آخر اللي هو تطبيق الشرائع التي أسست في داخله.. في داخله، إذاً هذا الجانب الباطني هو موجود منذ البداية وهو ضروري، لأننا لا يمكن مثلاً أن نتصور تصور جسد بدون روح، أو.. أو إن شخص روح بدون جسد.

كوثر البشراوي: هل.. هل وجد مع بداية الإسلام، أو كان موجود في شكل آخر عن شعوب أخرى تحت مظلة المسيحية أو أي دين آخر، ثم استمرت بصيغة إسلامية؟

د.فوزي الصقلي: وهذا بيمثل الدين كلياً، لأن الدين هو بطبيعة الحال هو وحي إلهي ويأخذ أشكال مختلفة عبر على حسب الحقبات التاريخية أو حسب الوقت الذي يجيء فيه وحي جديد لتحديد المفهوم الحقيقي للدين، فإذا أخذنا حتى بالنسبة للدين ككل بطبيعة الحال نأخذ الإسلام فنجد فيه الكثير مثلاً من الأشياء في القرآن الكريم وفي الأحاديث، وهذا شيء طبيعي، اللي هو موجود كذلك في الأديان السابقة، ولكن بطبيعة الحال هذا التحديد له معناه لأننا نرجع إلى التوحيد الخالص وإلى المفهوم الصحيح والحقيقي للوحي الديني، إذاً فلما يوقع التجديد يوقع التجديد هذا الإرث على الصعيد الباطني والظاهري في نفس الوقت، فبطبيعة الحال نجد آثار لتصوف الأديان السابقة كذلك، له جانب ثاني..

كوثر البشراوي[مقاطعةً]: يعني مصطلح التصوف.. مصطلح التصوف ليس مرتبط، يعني هل نستطيع أن نقول: هناك تصوف مسيحي؟ أو أنه كلمة عبارة "تصوف" مرتبطة بقومنا إحنا كمسلمين؟

د.فوزي الصقلي : لأ، هو الكلمة من الناحية التاريخية مرتبطة بالإسلام، اللي هو في القرن الثاني بعد الهجرة كان هناك أناس تميزوا بلبس الصوف، لأنه أرادوا أن يرجعوا إلى الأصول.

كوثر البشراوي: والطبيعة.

د.فوزي الصقلي: الصوفية الروحية بمعنى، الصوفية منهم اللي جاء من بعد، ولكن الأخلاقية اللي ديال الدين والروحية للدين، وألا يجعلوا من الدين فقط شيء دنيوي، فقط أشياء كلباس خارجي، ولكن أن يرجعوا إلى حقيقة الإيمان والشعور الذي ينبثق من هذا الإيمان، ولذلك تميزوا في داخل المجتمع العباسي آنذاك وأُطلقت عليهم كلمة "لابسين الصوف"، الصوفية، إذاً هذه مسألة ظاهرة تاريخية محددة ، مثلاً أبو عيسي الصوفي أو رابعة العدوية أو الجنيد أو المحاسبي أو الحلاّج، هذا ها دول كلهم صوفية كبار.

كوثر البشراوي:هذا كلهم من القرن الثاني الهجري؟

د.فوزي الصقلي: كلهم تقريبًا هذاك من الأوائل اللي كانوا، الحلاج شوية من بعد ،أما أول اللي لقب بالصوفي هو أبو هشام الصوفي، إذًا وحسن البصري اللي كان من الأوائل كذلك ورابعة العدوية، إذًا هؤلاء كلهم كانوا من المؤسسين اللي ظهروا بهذا الشكل بمعني أنه في حياتهم ، في سلوكياتهم، في تعاملهم، أرادوا أن ينصوا بشكل خاص على هذه التربية الروحانية، على ضرورة ربط الدين بهذا الجانب القلبي.

كوثر البشراوي: الباطن.. مفهوم الباطن..

د. فوزي الصقلي: الباطن، لأنه الإيمان في الباطن، لأن الإيمان هو في الباطن بطبيعة الحال ، الأكثرية من أهم الأشياء في الدين هي شئ لا تمس..

كوثر البشراوي: النية والباطن..

د. فوزي الصقلي: النية، إنما الأعمال بالنيات..

كوثر البشراوي:ما لا يعلمه إلا الله.

د.فوزي الصقلي: نعم، ولكن يشعر به الإنسان بالبصيرة مثلاً، (إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور )، هذه القلوب . لذلك إذاً فالابتعاد عن هذا الجانب هو الذي جعل التنصيص عليه بشكل خاص

كوثر البشراوي : نعم، لكن في المرحلة هذه دكتور

د.فوزي الصقلي[مستأنفًا]: أما يقوله الصوفية المسيحية، أو صوفية الهندستانية وهذا الشيء هذا غير تجاوز في الاصطلاح، لأنه ليس له حقيقة تاريخية.

إحدى الفرق التونسية المشاركة بمهرجان فاس

[مشهد من عرض (الحضرة التونسية)]

الشيخ أحمد التوني[شيخ المنشدين في مصر]: التصوف يعني أصله صالح لجميع الأديان، مش للمسلم.. مش للإسلام، لأ، دا صالح للمسيحي، والمسلم، وكل الأديان، التصوف.. التصوف يعني كله لازم يبقى عنده.

كوثر البشراوي: اليوم في المؤتمر الصحفي اللي أنت كنت يعني ضيف الشرف فيه، لاحظت أنك تعود تمشي وترجع، تمشي وترجع إلى نفس المصطلح أن الصوفية تشمل كل الديانات، وبعض النصوص الصوفية أخذت من التوراة والإنجيل والقرآن، ونحن دعاة السلام ونحن بالتصوف نفتح ذراعينا للسلام. لماذا هذا الإصرار على جملة مثل هذه؟ لماذا هذه الهلوسة بمصطلح السلام؟ لماذا جاي من الصعيد ومصرّ أنك تفهم كل أمة محمد والمسيح وموسى أنه إحنا والله في عصر السلام؟! هل هناك خلط بين وضع سياسي مؤقت وبين رسالة صوفية؟

الشيخ أحمد التوني:لا.. لا.. لا.. لا، أولاً إحنا دعاة للتصوف ما لناس دعوة إطلاقاً بالسياسة.

كوثر البشراوي:طيب أنت مثلاً جاي من الصعيد أيش دخلك في السلام ونحن ندعو إلى السلام، ومصر تدعو للسلام.. والمغرب تدعو للسلام؟!!!

الشيخ أحمد التوني: لا لا..لا بنقول شوفي بنقول إيه: يا باعثًا روح السلام، يا باعثًا، مش إحنا من إحنا اللي ، إحنا بنتكلم الكلام اللي هم قالوه أسيادنا، بيقولوا: يا باعثًا اللي هو على حضرة النبي، بيقول على لسان بيمدح في حضرة النبي ، والله وهو سيدي أبو الحسن الشاذلي بيقول:

يا باعثًا روح السلام بهديه ضل الأنام عن السلام فهاته..

أصله السلام يعني..السلام مش (...) السّر بس يعني السلام عشان ناس هتقاتل بعضيها وتسكت،..يبقي ده سلام لأ.. السلام في القلوب، السلام في القلب، المؤمن..

كوثر البشراوي: نعم.. يعني مش السلام تبع إسرائيل وفلسطين؟ مالنا دخل فيه.

الشيخ أحمد التوني: لا.. لا.. لا مالناش دعوة إحنا بالكلام ده..

[فاصل إنشادي للشيخ أحمد التوني]

تطور الصوفية ومحاولة المتصوفة الارتقاء بها

كوثر البشراوي: دكتور، معلش يعني من باب الفضول، بالنسبة للجيل الأول ممن لقبوا بالمتصوفة، في إطار لقاءاتهم الجماعية حالات الذكر، وحالة.. الـ trance أو ما يسمى بحالات الارتقاء بالذات فوق الجسد ، يعني البحث عن الذات الإلهية وهذا الشوق وحالة العشق للذات الإلهية، هل كانوا في الفترة هذيك استخدموا بعض الآلات، أدخلوا أشياء غير أصواتهم، وحالات التركيز وحالات البحث في داخل الإنسان؟

د. فوزي الصقلي: في البداية أظن أن الأمور بدأت بشكل فُرادي، بمعنى إنه أفراد معينين كانوا يعيشون هذه الحالات من الوجدان، ما يسمى بالوجدان، من الشعور بالشوق والتعبير عنه بكيفية شعرية مثلاً ، منها استعمال مثلاً ذو النون المصري يعني يحكي كثير أنه سمع رجلاً يلعب..يعزف على العود، ويعبر عن بعض أشعار الصوفية ويُغشى عليه هذا ذو النون المصري لما يسمع هذه الأشعار ورقتها ونفوذ معانيها إلى قلبه، فهذه أشياء كانت تأتي بشكل عفوي وتلقائي، وأعتقد بإنه بعد القرنين الأولان كانت.. بدأت (تترضم) على شكل جماعي كما قلنا من قبل، فبدأ يتكون علم للتصوف، في البداية كان كما قال الهجيري: "التصوف كان شيء موجود بدون اسم، وقال فيما بعد أصبح فيما بعد اسم بدون وجود"، بمعنى أنه يمكن أن يصبح أن يصبح علم بدون ذوق، هذا خطأ يمكن أن يهدد حقيقة التصوف.

ولكن في الحقيقة فيما بعد تقنن التصوف كما تقننت جميع العلوم الإسلامية الأخرى، مثلاً التفسير والأحاديث وحتى اللغة العربية وأصول الدين، جميعها لم تكن مقننة بهذا الشكل في البداية في القرون الأولى، فالتصوف إذا تقنن،وأصبح علمًا، وأصبح المتصوفة يكتبون ويدرسون عن المقامات وعن الأحوال وعن المراقي للروح والتزكية للروح والتربية الروحية، وهناك بدأت تظهر مجموعة من الاصطلاحات وكذلك تكونت.. ما يسمى سُمى بـ"الطرق الصوفية"...

كوثر البشراوي: من أول .. من أول رواد التدوين والشعر؟

د.فوزي الصقلي: بدون شك أن أشهر أشهر هؤلاء هو مولاي عبد القادر الجيلاني من بغداد في القرن الرابع أعتقد في القرن الرابع، وكان هو أشهرهم ولكن من قبل مثلاً من قبله كان الجنيد، كانت له دائرة معينة، وكان يسمى بشيخ طائفة عند الصوفية، ولكن الشيخ عبد القادر الجيلاني أعطى لهذا الإشعاع وللجانب الطرقي والجمالي وبُعْد كبير وحجم كبير جداً.

[فاصل إنشاد لفرقة الحراق]

كوثر البشراوي: على ذكر الرواد ممن أسسوا لمفهوم الطريقة أو المدرسة أو الشيخ وتلاميذه ومريديه بالأصح، يعني حسب رأيك من كان النموذج الأمثل، ومفهوم لمفهوم المدرسة والمريدين، كيف تشكلت عبر أجيال؟

د.فوزي الصقلي: هناك جانب كما قلنا تطبيقي ، كما كان الأمر بالنسبة للشيخ مولاي عبد القادر الجيلاني، ومن قبله كما قلنه للجنيد، وأبو حسن نوري، ومجموعة أخرى، وهناك الجانب النظري الذي كان من قبل هذا ومثلاً وكان (مون ديريه) والسراج الطوسي مثلاً (لومير) في كتابه (لومير)، والقشيري في كتابه " الرسالة " أما أبو طالب المكي، وبعد ذلك المفكر الذي لخص كل هذا وجعل منه محدد اتجاه جديد بمعنى إنه خلق واحد تركيب لهذه الكتابات كلها ، وخلق واحد نوع من التجديد في الفكر الإسلامي وهو أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين"، فمن ثم بطبيعة الحال كان التنصيص للغزالي ، وهو كان في نفس الحقبة مع مولاي عبد القادر الجيلاني، على ضرورة الارتكاز وضرورة الاعتماد بالدرجة الأولى على الجانب القلبي اللي هو فرض عين، أما الجانب العلمي بصفة عامة فهو غير الضروري منه فرض كفاية، ما يسمى بفرض كفاية بمعنى يمكن أن يتخذ البعض دون البعض، أما ما يهم الأخلاق، وتنمية الأخلاق والجانب القلبي فهذا ضروري لجميع الخلائق.

كوثر البشراوي: طيب أنا أعرف أنه هناك أوراد وأشياء كتبها سيدي عبد القادر، فهل نفس النصوص هي نفسها التي ثبتت وصمدت عبر كل ها القرون؟

د. فوزي الصقلي: هي بطبيعة الحال المؤسس يكون له دور كبير، ولكن يقع تجديد بعده من فئة إلى أخرى، ويتوقع دور مجددين آخرين الذين يلعبون دوراً مهماً جداً في بعض الأحيان ومنبثق من طريقة، ولكن يخلقون تجديد آخر وتُسمى الطريقة التي يؤسسونها بتسميتهم مرة أخرى، مثلاً (بهاء الدين النقشبند) الذي أسس الطريقة النقشبندية التي هي منبثقة من الطريقة القادرية، وكذلك مثلاً الطريقة الشاذلية والفروع الكثيرة التي عندها عبر العالم أو التي تسمى في بعض الأحيان "بالعلوية" أو "الدرقوية" أو إذًا "الوزانية" والكتانية وبأسماء مختلفة، والتي هم دائماً ترجع إلى أحد الفرق منها إلى الشاذلية، ومنها إلى مولاي عبد السلام (...)، ومنها إلى أبو مدين الغوث ، ومنها إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني وهكذا.

كوثر البشراوي: طيب، كيف تطورت الأمور إلى ما نراها اليوم: زوايا كثيرة يعني، طرق تعبير، هنا يعنى حتى بمفهوم التصوف نريد أن نفهم هل هي فعلاً ملامح عادية للتعبير، ما أعتقد أنه سيدي عبد القادر كان ينوي لما بدأ هذا الظاهرة بتلقائية طبعاً أنه تنتهي الأمور إلى هذا الشكل من العرض، اللي يتشابك في بعض الأحيان الجزء الصوفي العقائدي بجزء اجتماعي فرايحي في حركة الجسد، فالسؤال المطروح كيف تطورت النية الباطنية إلى ظاهرة ظاهرية، وتدعي أنها جزء من ذاك؟

د. فوزي الصقلي: هذه مسألة طبيعية في كل ظاهرة اجتماعية وإنسانية بصفة عامة. نبدأ من أن يكون وقت الذي يكون في البداية مشرقة كبيرة، وإلا فلن يكن هناك ضرورة .. أو احتياج للتجديد إن لم يكن ذلك، فالتجديد هو ضروري ليس فقط بالنسبة للطرق، ولكن كما رأينا اهتم بالنسبة للأديان، وإلا فلو كان منذ البداية دين واحد وهو الحق هذا الشيء الذي هو العمق الشيء، وأنه دين واحد ولكن يجب لهذا الدين أن يتجدد في ظاهره وفي شكله وفي مفهوم عمقه من وقت إلى حين، لأنه الإنسان مع المدة مع الوقت تنحرف أفكاره.

محمد باجدوب : يعني ما يخفى شيء إن الزوايا هي الوطن.. هي الوطن بالأخص هذه الناحية من أفريقيا يعني ككل، هي مدينة.. مدينة للزاوية بماذا هي مدينة؟ مدينة هذه في محاربة الاستعمار

كوثر البشراوي: صحيح.

محمد باجدوب: فهي كانت الزوايا ..كانت بمثابة رباطات، يعني تجد الناس يتكونون فيها، ويذكرون الله، ويصلون، ويكونوا على قلب رجل واحد، فإحنا.. محافظين على ديّنا الإسلامي إلى حد الساعة، والآن عندما اشتدت شوكة الإسلام وكذا كذا، نقول: أن هذا حرام وهذا كذا، وانظر.. انظري ماذا.. بأي واسطة وصل الإسلام إلى.. إلى أدغال إفريقيا؟ بالزوايا، بالطرق؟ لا، هو إذا أمعنا النظر في القضية ومحصناها وتقصينا الحقائق نجد أن ماذا.. ماذا يفعل هؤلاء الناس، يجتمعون على ذكر الله.

دخول الآلات وتأثيرها على الصوفية

عمر السرميني: يعني كان يُحرم في وجود مثلاً الآلة في حلق الذكر كونه فيه المشايخ حرموه، دخول الآلة إلى الزوايا إذا بنقدر نقول، لكن نحنا الحقيقة المغزى من إدخال التخت الشرقي على هذه الأعمال ما هو إلا عبارة عن وسيلة يعني لمساعدة هذه الأعمال.

كوثر البشراوي: للانتشار.

عمر السرميني : لانتشار.

كوثر البشراوي: هل الحضرة.. للجميع؟ أي إنسان.. يقدر يدخل على حضرة.. حضرة ربانية، أو أنه فيه ناس معينين يقدروا يدخلوا؟

محمد بلحس: لأ، كل من يحب لا إله إلا لله محمد رسول الله، هذه الكلمات يدخل.. لا إله إلا الله ... الإسلام.

كوثر البشراوي:يعني الطريقة مفتوحة للجميع؟

محمد بلحس: مفتوحة للجميع.

الشيخ أحمد التوني: طبعاً إحنا لما لقينا الناس طبعاً غاوية وطلعت الموسيقى وبتاع، والناس هتهرب مننا إحنا تروح.. تروح للمطربين، حبينا إحنا إيه طبعاً نحفظ مركزنا ونجيب طبعاً إحنا موسيقى بس.. موسيقى أدبية.

كوثر البشراوي: يعني أنتم خفتوا على لقمة العيش أو خفتوا على التصوف؟

الشيخ أحمد التوني: لا.. لا.. لا، إحنا ما خفناش على لقمة العيش، لقمة العيش دي ربنا متكفل بيها.

كوثر البشراوي: خفتوا على التصوف الناس ما تقبل عليه فدخلتوا الآلات.

الشيخ أحمد التوني : دخلنا الآلة، بس إيه آلة الآلات يعني أديبة.. زيادة على..

كوثر البشراوي: مؤدبة، محترمه.

الشيخ أحمد التوني: مؤدبة، محترمة، زيادة عن الصفارة والعودة بس فقط.

كوثر البشراوي: شيخ أحمد، فيه آلات محترمة وآلات مش محترمة؟

جانب من قصر المبهي في مدينة فاس
الشيخ أحمد التوني: لأ، مش.. مش القصد يعني، يعني آلات تاني، فيه ناس معاها كمنجة وناس معاها بيانو وناس معاها أوكورديون أو بتاع يبقوا 10، 15.

كوثر البشراوي: أوركسترا يعني؟

الشيخ أحمد التوني: أوركسترا، بيهيجوا الناس وبتاع، لكن إحنا..الآن إحنا بنهيج الناس بالكلام

كوثر البشراوي: طيب إحنا نحب نجلبوا الناس للذكر، ونصطادوا الناس بالمهرجانات وكذا، ليش ماتحطش نسبة الذكر أكثر من الموسيقى؟

سعيد الفيسي: المكان ما لوش الذكر، أن محل الذكر.. الذكر شخص يكون محال طاهر، لأنه سنذكر فيه اسم الله والنبي صلى الله عليه وسلم،

كوثر البشراوي : صلى الله عليه وسلم

سعيد الفيسي : فلازم والذكر في مكان يكون طاهر، الناس.. سائل، ما أقل..هذا..

كوثر البشراوي: يعني هذا عرض ما نقولش تجارة، ولكن هذا عرض موسيقى فولكلوري.

سعيد الفيسي: فولكلوري الحقيقة.

الأخت ماري كيروز ( مجموعة السلام ) :لما تمت استضافتي للمرة الثالثة رأيت أنه من الضروري أن أقدم إنشادًا دينيًا من التراث الإسلامي ، وفعلاً بحثت وعدت إلى القرن السابع حيث برزت شهيدة العشق الإلهي رابعة العدوية . لقد اخترت قصيدة لهذه المرأة المتميزة التي عرفت كيف تعشق الله .

محمد باجدوب: أنا أظن شيء إذا خرج من القلب كيفما كانت لغته.

كوثر البشراوي: يوصل للآخر.

محمد باجدوب: وكيفما كان انتماؤه يوصل إلى القلب.

كوثر البشراوي: حلو..

[فاصل إنشاد للأخت ماري كيروز]

أسباب كثرة الطرق الصوفية في المغرب العربي

كوثر البشراوي: كيف تفسر دكتور فوزي ظاهرة كثرة الطرق الصوفية والزوايا في المغرب العربي بصورة خاصة، يعني إحنا أعتقد ما فيه شبر من ترابنا المغاربي إلا وفيه هذا الميول، وكل عائلاتنا اتربت وكبرت على سيدي عبد القادر وسيدي.. سيدي الشاذلي، وغيره الكثير ، أيضا أعتقد مصر تقاسمنا شيء من نسبة هذا الاهتمام الكبير. كيف تفسرها؟

د.فوزي الصقلي: ليس فقط في المغرب العربي، أو حتى في الدول العربية ككل ، ولكن في العالم الإسلامي، في إندونيسيا تجدي نفس الشيء، في ماليزيا نفس الشيء، في الصين نفس الشيء، في إفريقيا السوداء نفس الشيء، أعتقد إنه هذه الوسائل لعبت دوراً تاريخياً وتربوياً مهماً جداً، وأجدادنا يعرفون ذلك، ولذلك كانت بالنسبة إلى.. إليهم أشياء لها وزن كبير في حياتهم وفي محيطهم، فبطبيعة الحال .. الآن المشكلة هو كيف ننقل نحن ها القيم التي تلقيناها من.. من والدينا، من أجدادنا، لأولادنا، للجيل الآخر، للجيل الصاعد، وده أصعب بكثير.

كوثر البشراوي[مقاطعةً]: أنت متخوف من هذا؟

د.فوزي الصقلي: بطبيعة الحال، لأنه قطيعة كبيرة الآن .. ما يُسمى بهذه العولمة بالمفهوم الضيق والمجتمع الحديث والثقافة الجديدة الأحادية، وما يشاهدوا الشبان فقط، ما يتلقونه من خلال التلفزة أو القنوات الثقافية الأخرى، فيخلقوا قطيعة كبيرة جداً، ولم يترعرع الإنسان، لم يكبر، لم يشعر، لم يذوق هذه القيم، لم يعشها لم تدخل في دمه وفي مزاجه..

كوثر البشراوي: ولا وعيه.

د. فوزي الصقلي: ولا وعيه، فإذًا يبقى إنه قد نلقي بشيء بشكل فكري فقط، هذا لا يكفي، فالسؤال إذًا المطروح بكيفية جدية كبيرة، وهذا يأتي يعني إنه لو أردنا أن نحتفظ على شيء فلابد لنا أن نحيي هذا التراث وأن نعرف ماذا يحمل هذا التراث من القيم الأساسية بالنسبة لثقافتنا، وبالنسبة لديننا..

كوثر البشراوي: نعم، دكتور، وأنت تتحدث كنت أرى لوحتين أمامي: الدراويش الأتراك في هذه الحركة الدائرية الدائمة، وأرى بعض اللوحات المغاربية، مثل العيساوية نحنا في تونس أو العيساوة عندكم، هذا المزيج "الأفرو موريسك" وهذا المزيج الأفريقي الأندلسي، هذا المزيج العربي البربري، هذا المزيج اللي أعتقد مناخ خصب لمن يريد أن يحلل شعوب المنطقة، يعني من فقط موضوعة فرق الطرق الصوفية يقدر يعرف هذا أصله من وين وهذا التمازح والتزاوج بين شعوب وقبائل وغيره، كيف تحللها أنت يعني جغرافياً كيف توزع..؟

د. فوزي الصقلي: كما قلنا أن التربية الروحية بصفة عامة لابد من أن تتكيف مع ما هو موجود مع الأرضية الثقافية الموجودة، لما جاء الإسلام إلى المغرب العربي، ووجد منطقة تسود فيها الثقافة البربرية والأندلسية، "والبيزوجوتية" والرومانية، وكل ما كان سابق، فكان هذا كله يكون مزيج من التيارات ومن القيم ومن السلوكات، فلابد من خطاب "خاطبوا الناس على قدر عقولهم "، فلا ..أن يكون الخطاب تربوي صوفي ديني لآخر هذا الواقع وأن يحول.. شيئاً فشيئاً، وأن يحول هذه التيارات كلها أن يوجهها إلى الجانب الروحي وإلى بطبيعة الحال إلى المفهوم العميق للقيم الإسلامية، وهذه التربية هي التي كما قلنا احتفظت على هذه القيم ونقلتهم إلى الأجيال الأخرى، لأنها وقعوا واحد نوع من استيعاب ومن امتلاك لهذه القيم: فبالنسبة لتركيا كان الشيء نفس الشيء، وهذا خرج بوجود الدراويش ودوران هذه الدراويش المشهورة، المؤسسة من طرف جلال الدين الرومي وأخذت شكل آخر.. ربما بالتأثير البيزنطيني بشكل الحضارة الخاصة اللي كانت موجودة بتأثير (بيتاغورسي)، بيتاغوري أن هذه الأفلاك التي تدور، وموسيقى الأفلاك، الموسيقى الروحية لأنه كان رموز إن الأفلاك تدور حول الشمس أو حول منطقة فضائية معينة وتدور فيها حولها جميع الأفلاك الموجودة، إذن هذا كله كان تعبير عن مثلاً الثقافة نيو.. أفلاطونية الموجودة في..المغرب والبيتاغورية والبيزنطية وهذا كله خرج بهذا التعبير، ولكن في نفس الوقت هو يوجه..يوجه من خلال هذه الأشكال كلها، يوجه إلى نفس الرسالة، وإلى نفس الهدف، وإلى نفس التربية، وإلى نفس القيم، العودة إلى الذات، والعودة إلى التقرب من الله سبحانه وتعالى.

كوثر البشراوي: نعم، دكتور، أنت في البداية في إطار حديثنا عن ترجمة مصطلح…”La musique Sacred” وأنت قلت أنها بالأخرى الموسيقى العتيقة (Lauthin tique) ، لماذا لم تختر هذا المسمى وكنت عافيت نفسك من بعض الكلام الذي من الأكيد إنه وصل آذانك، مثل أن تقول.. مثل أن يقول البعض إنه هذا المهرجان تحت مسمى "الروحية والمقدسة"، ومفاهيم الطرق الصوفية، هنا طبعاً المنطقة الحساسية، قد توصف بحث الناس عن الابتعاد عن الحقيقة الإسلامية، لماذا لم تختر المسمى الفني والشعبي وتحتها تفعل ما تريد كما يفعل الجميع؟

د. فوزي الصقلي: لا هو أو لا أشاطر هذا رأيي بإنه الطوائف الصوفية تبعد عن أي شيء، فهم من المفاهيم الإسلامية، بالعكس كما قلت فأنا أعتقد بإنه تلعب دوراً أو لعبت ولكننا دورًا لأن الإسلام لم يأت فقط اليوم أو البارحة، فهادي أجدادنا كلهم كان لهم هذا الاهتمام واحتفظوا على الطرق ليس بشكل (لعبة)، فإذا نقلنا هذه الطرق وكان لهم التعظيم لأنهم كانوا يدركونها، وكانوا مسلمين أكثر منا أعتقد، كانوا متجذرين في الفهم الإسلامي أكثر مما نحن عليه، فأنا أعتقد إن هذا فهم خاطئ لما نقول إنه هذه طرق تبعد ، بل بالعكس أعتقد إنها هي وسيلة ثقافية وتربوية وفنية ومجموع فيها كثير من الأبعاد التي تساهم في هذه التنشئة الإسلامية الحقيقية.

[فاصل إنشاد لعمر السرميني فرقة صبري ملل (أصوات حلب الصوفية)]

كوثر البشراوي: في الختام أيها الأصدقاء، لم يبق لي ما أضيف سوى شكركم على حسن المتابعة، وحتى موعدنا اللاحق مع إشراقات أخرى من وطننا العربي الجميل أترككم في رعاية الله وأمانه، إلى اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.