مقدم الحلقة:

كوثر البشراوي

ضيف الحلقة:

د.غسان سلامة وزير الثقافة اللبناني

تاريخ الحلقة:

30/08/2002

- جدلية العلاقة بين الثقافة والسياسة
- دور المثقف المسؤول في الوساطة بين السلطة والمجتمع

- التخطيط وإستراتيجية المشروع الثقافي في لبنان

- مستقبل الدولة العربية بين غياب الدول وإعادة مفهوم العقد الاجتماعي

كوثر البشراوي: أصدقاءنا المشاهدين في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حين يتولى وزارة الثقافة مفكر سياسي من طراز رفيع مثل الدكتور غسان سلامة، فإنه يجوز لنا طرح بعض التساؤلات من أهمها ماهية المهمة الرسمية أو المركزية للوزير، هل هي تثقيف السياسة، أم تسييس الثقافة؟

وسواء كانت هذه أو تلك أو كلاهما وهذا هو الأرجح، فإن هذا المجال هو يعتبر مجال آخر لإشراقات أكثر لضيفنا الدكتور غسان سلامة، فأهلاً به إشراقاً جديداً في هذا البرنامج.

مرحباً دكتور.

د. غسان سلامة: أهلاً.

جدلية العلاقة بين الثقافة والسياسة

كوثر البشراوي: اسمح لي أن يكون منطلق هذا التساؤل هل المهمة المركزية للوزير هي تثقيف السياسة أم تسييس الثقافة أم كلاهما؟

د. غسان سلامة: طبعاً كلاهما، في الواقع أنا لم أشعر بفارق كبير بين عملي كأستاذ جامعي لفترة 25 سنة وبين دخولي إلى هذه الحكومة، ذلك أنني ما زلت أقرأ.. مازلت أكتب.. مازلت أحاضر كوزير، وقبلها عندما كنت أستاذ كنت مهتماً إلى حد كبير بالشأن العام وبالشأن السياسي، إنما ليس في موقع القرار وإنما في موقع النصح، عدد ساعات العمل لم يتغير وهو كان كبيراً ومازال كبيراً، الفارق الجوهري هو في تحديد المسؤولية.

عندما يكون المرء مثقفاً ومثقفاً ملتزماً فإن عليه تشخيص الواقع، وإن عليه في مرحلة ثانية تقديم الاقتراحات لتغيير هذا الواقع إذاً لم يكن راضياً عنه، والمثقف –بطبيعة- غير راض عن الواقع، إذن عليه مهمتان، مهمة أولى التشخيص، المهمة الثانية اقتراح الحلول، الوزير المثقف عليه مهمة إضافية ثالثة هي محاولة استصدار القرارات لتغيير هذا الواقع، إذن المثقف عندما يدخل إلى الحكم يبقى يشخص كالمثقف يبقى يقترح الحلول أو يبحث عن الحلول كالمثقف، إنما عليه واجب ثالث إضافي وهو محاولة أن يقدم على شيء لتغيير هذا الأمر.

كان لـ (ونستون تشرشل) جملة يعني أعدها من الجمل التي تسير إلى حد ما مسلكي المهني وإلى حد كبير الشخصي أيضاً، كانت (تشرشل) يقول: هناك نوعان من الناس، نوع يريد أن يكون شيئاً ما، ونوع آخر يريد أن يفعل شيئاً ما، أنا كل أملي أنني أنتمي إلى الفئة الثانية، أريد أن أغير الوضع، كان هذا هدفي عندما كنت أستاذاً جامعياً، وهذا مازال هدفي عندما كنت أستاذاً جامعياً، وهذا مازال هدفي عندما أصبحت وزيراً.

كوثر البشراوي: أفهم من كلامك –دكتور- انك تلغي كل المسافات بين التنظير والتطبيق، وكل المسافات بين المفكر الذي يفكر في الواقع ويحلله ويطرحه من جديد، من خلال عمل أكاديمي وعلاقته مع السلطة، هل أفهم من كلامك أن السلطة المعرفية لما تعانق السلطة التنفيذية فهذا لا يدخل في إطار هذه العلاقة الغريبة بين المثقف والسلطة؟

د. غسان سلامة: ما في علاقة غريبة، العلاقة ليست غريبة إلا عند السياسيين الجهلاء والمثقفين الفارغين، هؤلاء يرون تناقضاً ما، أنا لا أرى تناقضا على الإطلاق، دعيني أقول أولاً أنني أضحك كلما أسمع أن هناك تناقضا بين الواقع والنظرية، الرجل العملي الذي يسير دون هدى، دون بوصلة، دون نظرية في الحياة لا يصل لأي مكان حتى لو عمل لفترة 15.. 16 ساعة.

كوثر البشراوي: أنت تحكي على مستوى الفرد.

د. غسان سلامة: الفرد والجماعة، وأيضاً المثقف التي يكتفي يعني بإلقاء النظريات دون أن يحاول أن يمتحنها على أرض الواقع أيضاً لا فائدة له في المجتمع، إذن أنا لا.. لم أعتقد يوما أن هناك تناقضاً بل أعتقد أن كل واحد منا في أي موقع هو بحاجة إلى بوصلة نظرية، يسير على هداها، وهو أيضاً بحاجة إلى امتحان نظرياته، وأفكاره وقناعاته باستمرار على أرض الواقع، حتى عندما يكون المرء أستاذاً جامعياً، عليه أن ينظر طبعاً، ولكن عليه أن يمتحن إمكانية تمرير هذه النظريات، إلى التلامذة الذين أمامه، والوزير نفس الشيء، إذا سار على بمجرد رد الفعل على الأحداث فإنه لن يصل إلى أي مكان وسيترك فراغاً كبيراً بعد مغادرته منصبه، فقط المسؤول الذي هو قادر يومياً على الجمع بين النظرية وبين الواقع هو الذي يترك أثراً، هذا من جهة، من جهة ثانية، في سؤالك أيضاً إشارة على علاقة الثقافة، أنا أعتقد أيضاً هنا أن يعني العلاقة ليست متوترة كما يعتقد، الثقافة منفصلة عن السياسة.

كوثر البشراوي: يعني منذ.. يعني منذ الجاهلية إلى اليوم ونحن نقرأ أكوام من الكتب حول هذا المد والجزر بين من يطمع في السلطة التنفيذية كمثقف ومن يطمع في احتواء هذه السلطة المعرفية تحت مظلة النفوذ، هل تعتقد هذا عبر قرون كان من العبث؟

د. غسان سلامة: لأ، ليس من البعث، إنما في الواقع في تراثنا العربي كان للمثقف دور، هذا الدور كان في توعية الناس، أو في نصح الحاكم، وأحياناً كان هذا الدور يتعاظم إلى درجة الاشتراك في القرار، ولم يتغير هذه الأمر إلى اليوم، أعتقد أن وظيفة المثقف تكتمل بذاتها ولذاتها، أنا كنت شاعراً باكتمال شخصيتي عندما كنت أستاذاً جامعياً، لم أكن أعتقد يوماً أن استكمال شخصيتي يجب أن يتم بتسلم منصب عام، تسلم المنصب العام يضيف من المسؤولية، هي مسؤولية الاشتراك في القرار، لكني دعيني أقول شيء جديد، هناك أمر جديد في الواقع، هذا ما حصل في تراثنا، اليوم نحن في مرحلة جديدة، المرحلة الجديدة هي التالية، إن القطاع الأكثر نمواً في الاقتصاد العالمي هو قطاع المعلومات حالياً، وهو قطاع الاتصالات والمعلومات، إذا قارنتي هذا القطاع في الدول المتقدمة وفي بعض الدول المتخلفة أيضاً أو التي كانت تسمى متخلفة مثل الهند، سترين بسهولة أن الزراعة وصلت إلى حد ما، أن الصناعة وصلت إلى حد ما لا سيما بعد انتهاء دورة الثورة الصناعية التي بدأت في الثامن عشر، أما قطاع المعلومات فهو القطاع الاقتصادي الأكثر نمواً، وبالتالي فإن قطاع المعلومات وقطاع الاتصالات، بمعنى آخر ما يسمى باقتصاد المعرفة، وإلى حد ما باقتصاد المتعة أي باقتصاد الترفيه، اقتصاد المعرفة واقتصاد المتعة هما القطاعان حالياً الأكثر نمواً في المجال الاقتصادي، لذلك فإن العلاقة الجدلية بين السياسة والثقافة التي نقتبسها من تراثنا هي حالياً في قيد التعديل الجذري، الواقع أن دخول قطاع المعلومات والاتصالات واقتصاد المعرفة إلى جوهر البنية الاقتصادية للمجتمعات يغير من هذه العلاقة بصورة أساسية، فاليوم السياسي الذي ليس لديه حاسوب يعمل عليه يوميا هو سياسي كما كان السياسي منذ 50 عاماً لا يعرف القراءة والكتابة.

كوثر البشراوي: هي أمنية من نوع جديد.

د. غسان سلامة: هي أمنية من نوع جديد، لأن هذه هي وسيلة الاتصال، هذه هي وسيلة اتخاذ القرار، أن أتكلم مع معاوني أكثر من خلال الحاسوب منه من خلال الهاتف أو من خلال المعاملات الإدارية التي تأخذ أحياناً قرونا حتى تصل من موظف إلى آخر أو من وزير إلى آخر، إذن نحن رغماً عنا، شئنا أم أبينا في عملية تغيير جذرية للعلاقة بين الثقافة والسياسة، إذا لم ينتبه المثقف إلى ذلك ومازال يعتقد أن العلاقة هي علاقة مديح أو نقد في أسواق عكاظ المتجددة فهو ربما لم يدخل العصر، وإذا أعتقد السياسي أن علاقته بالمثقف هي بإعطائه مساعدة من وقت إلى آخر لكي يسكت عنه، فهو لم يفهم أيضاً، العلاقة باتت مختلفة جوهريا لأن الثقافة باتت الميدان الاقتصادي الأول وعندما تقولين الميدان الاقتصادي الأول للنمو فإنك تقولين بات أيضاً قطاع المعرفة هو السياسي الأول.

دور المثقف المسؤول في الوساطة بين السلطة والمجتمع

كوثر البشراوي: نعم، دكتور، أنا أعود إلى كتاب نحو عقد اجتماعي عربي جديد، طبعاً اختار الجملة هي في إطار الحديث عن شرعية الدولة في الوطن العربي، لكن أجدك تقول هنا: إذن غير أن السؤال يبقى مفتوحا حول آلية الوصول إلى تلك العتبة العالية من الشرعية الدستورية، OK، هل يكون ذلك بتجسير الفجوة بين المثقف والأمي بحيث يلعب الأول دور الوسيط المعقلن والمحامي الأمين لتطلعات مجتمع أهله، أو العكس أيضاً قد يكون الوسيط الأمين لترويج مخطط سياسي بأمانة أيضاً.

د. غسان سلامة: في الواقع أن الوظيفة وظيفة المسؤول السياسي تختلف من بلد إلى آخر، نحن في لبنان منذ حوالي 10 أعوام بات للوزير مسؤولية هامة تتجاوز القطاع الذي هو مسؤول عنه، ذلك أن السلطة التنفيذية وضعت وفق دستورنا الجديد في مجلس الوزراء مجتمعاً، لذلك هذا الأسبوع بالذات أنا وزير للثقافة لكني قدمت مذكرة مطولة حول سبل الإصلاح الإداري في لبنان ككل وليس في وزارتي، لماذا؟ لأنني أعتقد أن وظيفتي الأولى ليست وزير ثقافة، وإنما عضو في حكومة السلطة التنفيذية في يدها، وبالتالي فإن أي أمر له بعد وطني كل وزير في حكومتنا مسؤول عنه، هذا مختلف عن عدد من الدول العربية الأخرى، وظيفة الوزير تتجاوز القطاع الذي هو اسميا مسؤول عنه، أما في قطاع الثقافة فبدون أي شك إن وظيفة المسؤول السياسي خصوصاً عندما يكون مثقفاً ومسؤولاً عن قطاع الثقافة، هو أن يكون وسيطاً، لكن هذه الوساطة هي وساطة متعددة تتجاوز ما ذكرتيه في الواقع، ذكرتي...

كوثر البشراوي: صحيح.

د. غسان سلامة: نعم، وما ذكرت أنا في كتابي تتجاوز هذا الأمر، وربما أنني أتعلم، ليس هناك عمر للتعلم، وما كتبته منذ 15 عاما أعتقد أنه غير كاف في هذا المجال، أني أتعلم أمور جديدة وأنا في موقعي، مثلاً أنا وسيط حالياً بين المنتج والمستهلك، الثقافة هي أيضاً صناعة صناعة كتاب.. صناعة فيلم.. صناعة برنامج تليفزيوني.. صناعة أغنية، ونحن في لبنان كما تعلمين لدينا بالمنطق الاقتصادي للثقافة عرض أكثر مما لدينا طلب، السوق اللبنانية ضيفة بالنظر لنتاج ثقافي كثيف للغاية، من الرسم.. من النحت.. من الأغنية، وما شابه، لذلك إن أولى وظائف وزير الثقافة هي مساعدة احتضان المثقفين والمبدعين ومساعدتهم على إيجاد سوق، إذن يجد نفسه هنا ليس وسيطاً بين المثقف والسلطة بالتعبير الكلاسيكي، وإنما وسيطاً بين المبدع والسوق، بين المبدع والمستهلك، إن إحدى وظائفي الأساسية الترويج للإبداع اللبناني وإيجاد أسواق خارجية لها، للكتاب، للأغنية، للبرنامج، للفيلم، للكليب، لكل أنواع الإبداع، لبرنامج (السوفت وير) في.. في.. في الحاسوب، لكل هذه الأمور إني حالياً تعلمت أن جزء كبير من دوري هو الوسيط بين المبدع والمستهلك، لأني في بلد العرض الثقافي فيه أكبر بكثير من الطلب بالنسبة لسوق ضيقة لا تتجاوز 4 مليون بشري.

أيضاً هناك وساطة طبعاً بين السلطة والمجتمع الأهلي، في حالة ماذا يعني هذا الأمر؟ يعني مثلاً احتضان مطالب الفنانين، لكي ينتفعوا مثلاً من نظام الضمان الاجتماعي والصحي، المعروض على الموظفين، هم مبدعون مستقلون إذن ليسوا داخلين في مؤسسات، وبالتالي هم بحاجة إلى رعاية خاصة لكي يتمكنوا من الاستفادة، لذلك أنا أقوم حالياً بسعي دؤوب مع زملائي الوزراء لكي يستفيدوا من نظام الضمان الصحي، هنا الوساطة هي بيني وبين.. بين المثقفين وبين زملائي في الوزارات، عندما طبعاً تمس.. تمس حرية إبداع أو حرية تعبير أحد المثقفين، الوساطة بيني وبين الدولة للحفاظ على هذه الحريات، لكن من ناحية أخرى، أنا عضو في حكومة وأنا لا أخجل من أن أقول أني عضو في حكومة ومحكوم بمستوى معين من التضامن الوزاري، لذلك عندما تجد هذه الحكومة نفسها في موقع الاتهام أو في موقع الدفاع عن النفس فإنني أشترك في هذا الدفاع ولا أخجل بذلك لان هذه الحكومة أيضاً هي مجموعة تحكم وكل عضو فيها عليه أن يدافع عن المجموعة حتى لو لم يكن مسؤولاً بصورة مباشرة عن القطاع الذي وقع فيه المشكل أو وقع فيه الهجوم، وأنا لا أخجل بذلك وأنا أعتقد أن هذا أمر قبلته عندما قبلت الدخول في الحكومة، لا.. لا.. يعني أنا لست من المزايدين الذين يقولون أنا دخلت إلى الحكومة لكني لا أهتم بها وبمستقبلها لأ، أنا طبعاً وسيط بين المثقفين والمبدعين والسوق، وسيط بينهم وبين السلطات، وسيط بينهم أيضاً وبين أيضاً المنظمات الدولية التي أسعى للحصول على مساعدات كبيرة لهم، أنا وسيط بين الأثريين واليونسكو، أنا ولقد حصلت على عدد من المساعدات لتطوير المواقع الأثرية في لبنان بالتعاون مع.. مع الأثريين، ولكن من ناحية أخرى أنا عضو في حكومة وأنا أقبل بأن هذا يعني مستوى معين ليس مطلقاً، وإنما مستوى معيناً من التضامن مع أعضاء الحكومة الآخرين.

كوثر البشراوي: نحن دائماً نقول فوق 100 يوم يجوز لنا محاكمة التجربة بالنسبة للوزير، وأعتقد أنك داخل في التجربة بكل هذا التفاؤل، وكان.. وأخيراً المفتاح الحقيقي للمساهمة الفعلية في الوطن أو في تغيير أي مجتمع، يكون من خلال كرسي أكثر مما هو من خلال كتاب لأن 5 آلاف نسخة غير كافية لتغيير وضع.

د. غسان سلامة: بيعت كتبي، أعترف بذلك ولكن المسألة في الحقيقة ليست هنا، وأيضاً هنا أعتقد أن التناقض ربما مبالغ فيه عند زملائي المثقفين، أعتقد أنني كوني أستاذاً جامعياً لفترة ربع قرن وأكثر، عندما وصلت إلى الوزارة ربما كان -وإلى هذه الوزارة بالذات- كان لدي بعض التصور حول ما يجب أن أقوم به، لذلك ربما فوجئ البعض أني دخلت فوراً ببرنامج عمل، وبدأت تنفيذه، ربما لأني كنت أراقب أوضاع هذه الوزارة..

كوثر البشراوي: وهذه فرصة ثمينة.

د. غسان سلامة: هذه فرصة ثمينة، لذلك قبلت بها انخرطت بها، وإني آتي إلى مكتبي في أيام الأعياد، وأعتقد أن ربما لن أستمر إلى فترة طويلة في هذا الموقع، لذلك علي أن أقوم بكل ما أستطيع أن أقوم به طالما أنا في هذا المقعد، ولكن ما هو أهم كوني مثقفاً عندما وصلت إلى وزارة الثقافة ربما كان عندي صورة واضحة، لم آتي لأكتشف، لم أحتج إلى يوم واحد لأكتشف، كان عندي خطة وعرضتها فوراً، وبدأت تنفيذها، وعرضتها فوراً، وبدأت تنفيذها، وهذه الخطة قائمة على 3 أمور:

الأمر الأول: هي إنشاء الوزارة، أنا كنت عارف أن هذه الوزارة موجودة فقط على الورق، لأن ليس لديها قوانين، مثلاً قانون الآثار التابع لها، وتعرفي بلبنان الآثار أمر في غاية الأهمية، يعني من الصعب أن تبنى بناية في هذا البلد دون أن نجد آثار من العصر الفينيقي أو من العصر، وتهتم به المنظمات الدولية فوراً ويصبح فضيحة إن لم نهتم به، قانون الآثار يعود إلى سنة 1933 وهو أثر، هو من الآثار، القانون من الآثار، الوزارة ليس لها قانون لتنظيمها، لم يكن لها، هي أنشئت من 7 سنوات، إذن أول شيء بدأت فيه هو ورشة تشريعية، أنا سأدفع إلى مجلس النواب سلسلة من القوانين الجاهزة خلال فترة 5 أشهر، جهزناها ثمانية قوانين لتنظيم الوزارة لتطوير قانون الآثار، للبحث عن الممتلكات الأثرية، لاحتضان المبدعين، لكل هذه الأمور.

الورشة الثانية التي دخلت بها هي أنني أعلم أن الحكومة اللبنانية حالياً عليها 23 مليار دولار من الدين العام، لذلك أنا كنت أعلم ذلك ولم أكتشف فجأة أن الحكومة اللبنانية ليست ثرية وليست عندها إمكانات هائلة، لذلك من اليوم الأول لم أطلب أي قرش إضافي من وزير المالية على موازنتي، لم أطلب أي قرش إضافي، بالعكس أنا أدعو إلى أن تكون الوزارات الأخرى أيضاً فقيرة لأني من أتباع سياسة الانتباه الكثيف إلى عدم مراكمة الديون الخارجية في هذا البلد، لذلك قمت بعدد كبير من الاتفاقات الدولية في الخمسة أشهر الماضية مع الاتحاد الأوروبي، مع دول أوروبية، مع دول عربية للحصول على مساعدات وهبات في مختلف المجالات الثقافية.

الورشة الثالثة هي الورشة التي بدأناها على الأرض وهي ورشة تحسين وضع المبدع من خلال إعطائه أكبر قدر ممكن من الحماية، كل هذه الورش كنت دارياً بها قبل وصولي إلى الوزارة، لذلك لم أضيع لحظة واحدة، ولذلك كنت أقول لكي في مطلع هذا اللقاء لأنني لا أشعر بفرق، لأني كنت ربما متابعاً لشؤون هذه الوزارة وواعياً إلى نواقصها، وبالتالي عند سلمت هذه الحقيبة دخلت فوراً في مجال تطبيق برنامج عمل كنت مفكراً به، ولم آخذ أسابيع وأشهر للتعرف على الميدان.

كوثر البشراوي: طبعاً أنا سأتجاوز مفهوم المقاربات، دايماً نحن نبحث عن الرمز الغربي للتشبيه لما نستحضر مثلاً (ريديس دوبريه) في العصر الميتراني، فأنت تعيدني إلى تلك الفترة وهذا التأثير والإثراء بين.. أو مدى التفاعل بين صاحب السلطة وصاحب السلطة الفكرية، فأنا أهنيكم على هذا الشيء، ولكن يبقى سؤال، ألا يحزنك.. أليس من المحزن أن تشعر أنه بمجرد مغادرة الوزير هذا الكرسي يعود الخَلَف إلى نقطة الصفر أو ما شابه ذلك.

د. غسان سلامة: أنني أتآمر على خلفي، يومياً في مؤامرة يومية ضد خلفي، لذلك سيأتي خلفي ويجد نفسه مربط اليدين..

كوثر البشراوي: مورط.

د. غسان سلامة: نعم، سيجد أولاً أن الوزارة هي أكبر بكثير مما يعتقد لأنني وسعت إطارها لكي تشمل على ثورة المعلومات وثورة الاتصالات، ولكي تشمل كل الأشياء المتعلقة بالآثار والأبنية التراثية، وهذا أمر مهم في لبنان، ليس مهماً في كثير من الدول العربية، لكن في لبنان هذا هو رأس مال لبنان الحقيقي، وأيضاً التربية الموسيقية وإلى آخره، واحتضان مثقفين، أنا إن الهدف الأول لمروري في هذه الوزارة لأ.. لأني أعلم أني مجرد عابر سبيل، لست أدري ما هو طول وما هي مدة هذا السبيل، ولكني أعلم أني عابر سبيل ولا أوهام لدي حول هذا الأمر، أنا هدفي الأول هو أربط يداي من يأتي ورائي بسلسلة من القوانين حول تنظيم قطاع الثقافة في لبنان، وبسلسلة من الاتفاقات الدولية الملزمة التي سترغمه على الاستمرار في حماية الآثار في حماية التراث، في احتضان المبدعين، في الإنتاج السينمائي المشترك مع دول أخرى إلى آخره، لذلك أني أقوم بكل ما أستطيع لكي يأتي خَلَفي ويستمر من حيث توقفت وليس.. وليس لكي يشعر بالحرية بأنه يستطيع أن يغير كل شيء، وإنما لكي يكون ملزماً بالاستمرار في برنامج عمل، لأن كل هذه المجالات لا يكفي عمر حكومة واحدة لتطويرها.

مثلاً سأعطيك مثلاً حسِّي ليفهم ربما المشاهد، مدينة طرابلس في لبنان، هي ثاني مدينة مملوكية بعد القاهرة في أهميتها، آثارها مهملة إلى أقصى الحدود، رغم أن جمالها فتان في الواقع، الخانات، الحمامات، المساجد من العصر المملوكي جميلة إلى أقصى الحدود، إنما مهملة إلى أقصى الحدود، أنت تعلمين أن المدن القديمة لإحيائها ليس عمر حكومة ولا حتى عقد واحد من الزمن يكفي، مدينة تونس القديمة أخذت نحو 25 عاماً، مدينة فاس نحو 30 عاماً، أنا عندما سأدخل في ورشة تأهيل وترميم التراث المملوكي والإسلامي في مدينة طرابلس فإنني أتوقع على الأقل بين 8 و10 سنوات، لذلك بالتأكيد أنا سأبدأ المشروع، ولكن سيأتي غيري كثيرون قبل أن ينتهي تنفيذ هذا المشروع، لذلك علي أن أقدم على هذا الأمر، وهذا سأعلنه بعد 3 أسابيع، وأيضاً على أن أتفق مع المنظمات والدول الأجنبية لكي أورطهم لفترة طويلة وأورط خَلَفي في مشروع لن يتمكن عن العودة عن تنفيذه لأني أنا عالم تماماً أن هذا النوع من المشاريع، أيضاً بالنسبة للإنتاج السينمائي، عندما تبدأين مشروع للإنتاج السينمائي فهذا الأمر لا يمكن أن ينتهي في شهر وشهرين.

كوثر البشراوي: ولا سنة ولا سنتين.

د. غسان سلامة: آه، طبعاً، لذلك علينا أن نضع الأطر الملزمة لكي.. لأن التخطيط للثقافة لا يتم لفترة أيام أو أسابيع يتم لفترة سنوات ربما عقود فيما يخص التراث.

[فاصل إعلاني]

التخطيط وإستراتيجية المشروع الثقافي في لبنان

كوثر البشراوي: دكتور على ذكر التخطيط الثقافي، هناك بعض المفكرين في الغرب يقولون أن العالم الغربي.. العالم المتحضر المتطور يملك عناصر مهمة في أي استراتيجية، عندك الحرب، عندك السياسة، عندك المال، عندك الثقافة، في حين لما يتحدثون عن العالم الثالث –ونحن منه- يقولون أن الثقافة في العالم الثالث هي خط رجعة، هي الاحتماء الأخير بجدار قد يكون التعامل معه تعامل الهروب إلى الوراء أو الأمام مش مهم، فأنا.. أنا فعلاً أشعر يعني لوهلة أن هناك مشروع ثقافي، أن هناك القدرة على الحديث عن مشروع ثقافي بالمفهوم الحقيقي، المشروع الثقافي بالمفهوم الشعاراتية اللي أنت شاهد على نصف قرن مما تعودنا على سماعه من الستينات لليوم، ونحن نحمل مشاريع تفشل وتنهار بسبب أو لآخر، هل فعلاً لا أقول نحن في الوطن العربي، هل لبنان تحمل فعلاً مشروع ثقافي كاستراتيجية حقيقية؟

د. غسان سلامة: دعيني أقول أن ليس هذا حكراً على العرب، (بول فاليريه) الشاعر الفرنسي الكبير حدد الثقافة يوماً بأنها ما تملكيه عندما تفقدي كل شيء، ما يبقى لكي عندما تكوني فقدتي كل شيء، عندما تفقدي المال والبنون وكل زِيَن الدنيا فإن ما يبقى لكي هو ثقافتك، هذا أمر يعني لا ينطوي.. يعني لا ينطبق فقط على الثقافة العربية، هذا أمر معترف به أن الثقافة هي الكنز الذي يبقى، ولكن كيف يستعمل هذا الكنز؟ إما يستعمل كملجأ لمحبط ومقهور ومحروم وشخص معتبر نفسه أن العالم بأسره يضطهده، هذه صورة، يعني ربما..

كوثر البشراوي: وعشناها يعني..

د. غسان سلامة: لكني لا أنتمي أبداً إلى هذا المدرسة، أنا بطبعي متفائل، بطبعي كما قلت لكي أحاول الانتماء إلى فئة الذين يريدون أن يفعلوا شيئاً ليس أن يكونوا شيئاً، وبالتالي أعتقد أنه في أسوأ الظروف دائماً هناك إمكانية للقيام بشيء ما مفيد، في مجال التخطيط الثقافي هو كما ذكرتِ مبني على فلسفة ضمنية، هذه الفلسفة الضمنية أني أعتقد أن الثقافة هي كنز للمستقبل، وليس ملجأ للماضي، هي كنز للمستقبل، هي رأس مال هذا البلد وهي رأس مال بلدان عربية أخرى، لو أحسنت هذه البلدان استعمال هذا الرأسمال لكانت حالياً بين الدول المتقدمة إذن هناك فلسفة ضمنية نقول الثقافة ليست ارتجاعية، الثقافة ليست كنزاً تعودي إليه فتحضينه وتقولي هذا ما بقي لي، أنا لست من أنصار هذه النظرية، أنا أقول أن الثقافية هي ميدان لصنع المستقبل، وبالتالي هي بحاجة إلى تخطيط، هنا أسارع وأقول تخطيط ليس للإنتاج في داخل الحكومة، أنا لا أعتقد أن مسؤولية أي وزارة ثقافية هي أن تنتج لا كتاب ولا فيلم ولا مجلة، ولا أغنية، ولا شيء، هذا يكون حلول في مكان المبدع الحقيقي، إنما وظيفة الوزارة هي تنظيم القطاع، هي حماية المبدع، هي حماية التراث، وهي إيجاد نوع من احتضان سياسي ومؤسسي واجتماعي، وأيضاً اقتصادي من خلال إيجاد أسواق له لهذا المبدع، وبالتالي أنا عندما أقول تخطيط لا أخطط لأن أنتج أنا فيلماً، لأنه سيكون فيلم سيئ، ولا.. ولا لكي أنشر أنا كتباً، لأني سأكون ناشر سيئ كوزير، لأ أنا أريد أن أتعامل مع الناشر اللبناني لكي أساعده، مع السينمائي اللبناني لكي أساعده، وليس أن أحل مكانه وأقول الوزارة هي أكثر إبداعاً من المبدع الحقيقي، لذلك التخطيط.. كثير من الناس يعتقدون سبب التجارب الاشتراكية السابقة التي طبقنا كاريكاتير لها في بلدننا العربية أن التخطيط يعني حلول الدولة مكان المجتمع، لأ الدولة عندما تخطط.. تخطط للمجتمع، لأنني من أنصار القائلين بأن الدولة ليست فوق المجتمع، إنما الدولة هي في خدمة المجتمع.

كوثر البشراوي: هل التخطيط يبدأ من القمة أم من القاعدة والأرضية؟.. مش مهم..

د.غسان سلامة: ما.. بعلاقة جدلية بين الاثنين، لذلك من جانب يجب أن يختلي الوزير لنفسه ويفكر بالقطاعات ككل، ويجب أيضاً أن يبقى على تماس مباشر مع المبدعين، لكي يمتحن نظرياتهما قبل تحويلها إلى قوانين وخطط ومراسيم.

مستقبل الدولة العربية بين غياب الدولة
وإعادة مفهوم العقد الاجتماعي

كوثر البشراوي: نعم، دكتور غسان، اسمح لي افتح قوسين حول بعض النقاط مما.. من الأفكار التي طرحت فيما سبق أن نشرت من كتب، قلت أنت في كتاب "المجتمع والدولة في المشرق العربي" ما يلي: "هل تزول".. أو طرحت سؤال "هل تزول الدول العربية المصطنعة والكيانات الطارئة؟" سؤال طبعاً كانت الإجابة بنعم، وبدون أي تردد، الآن أعيد أنا السؤال على من طرح السؤال منذ قرابة الـ15 سنة، كيف ترى الآن صورة الدولة العربية بصورة عامة؟ هل استعادت تماسكها؟ هل كانت قادرة على إنتاج ذاتها؟ هل وجدت من خلال النظام العالمي الجديد فرصة لتمديد عمرها؟ للاستمرار بشكل آخر؟ كيف تحكم اليوم على..؟

د.غسان سلامة: في الواقع أن الدولة هي نتاج بشري، لذلك تأليه الدولة هو أمر.. يعني وتقديس الدولة بوصفها أمر مطلق، وكأنه نازل من علو أمر يعني يثير الابتسام لمن يعلم تاريخ الدول. في تاريخ البشر لم يكن عدد الدول يوماً نفسه.. في مطلع القرن العشرين شاهدنا بسبب الغزو الاستعماري لقارات كثيرة، وبسبب توحد عدد من الدول مثل ألمانيا أو إيطاليا أو أشياء من هذا النوع، حتى بداية القرن العشرين شاهدنا تقلصاً في عدد الدول، في مطلع القرن العشرين كان عدد الدول في العالم لا يتجاوز العشرين، نحن في مطلع القرن الواحد والعشرين نصل إلى عشرة أضعاف هذا الرقم، نحن نصل حالياً إلى حوالي 200 دولة، سنصل إلى هذا الرقم قليلاً.

كوثر البشراوي: في العالم الثالث. آه في العالم..

د.غسان سلامة: في كل العالم، إذن الدول ليست ثابتة، إذا في خلال قرن واحد لدينا هذين الرقمين عشرين في مطلع القرن العشرين، ومائتان في آخر القرن العشرين، فيا إخواني الذين يعتقدون أن الدول منزلة فكروا بالأمر قليلاً، خلال قرن واحد تضاعف العدد عشر مرات، ومن يقول أنه في نهاية القرن ا لواحد والعشرين لن يكون العدد قد وصل إلى ألفين، أو على العكس من ذلك عاد إلى عشرين، لذلك الدول هي جزء من الإنتاج البشري، وكي.. وككل جزء من الإنتاج البشري، الدول قابله للخلق وللانتهاء، وقابلة للتوحد، وقابلة للانقسام، لذلك علينا أن لا يكون لدينا موقف فقهي أو لاهوتي من موضوع الدول، ولكن علينا من جانب آخر أن نتفهم أن الدولة نتاج للتنظيم السياسي دائماً مفيد، المجتمعات التي هي بدون دولة، أو التي انكسر فيها.. انكسرت فيها سطوة الدولة هي مجتمعات فعلياً في حالة من الفوضى والحرب الأهلية، ونحن اللبنانيين ذقنا من الحرب أمرَّها.. ذقنا من الحرب أمرَّها، بالذات لأننا لم نتنبه لأن الدولة أو جهاز الدولة أمر مفيد للمجتمع، ليس بالضرورة ضد المجتمع، كما هي الدولة التسلطية التي تريد أن تقهر المجتمع. علينا أن ننتبه إلى أن لا ننزلق إلى الطرف الأقصى الثاني، بأن نقول نحن ضد تسلط الدولة لدرجة أننا لا نريد دولة، وهذا ما كان شائعاً إلى حد ما قبل الحرب في بعض الأوساط الثقافية اللبنانية، ودفعنا الثمن غالياً.

الدولة ليست منزلة، ولكن الدولة ضرورية لتنظيم أمور المجتمع، وبالتالي هي ناظمة، ليست المتجبرة، وليست المنعدمة الوجود، وإنما هي ناظمة لأحوال المجتمع، وهي التي تساعد هذا المجتمع على خلق علاقات متساوية. نحن في لبنان تعلمنا أمراً مهماً، أنتِ تعلمي في كل أنحاء العالم حالياً هناك حركات للدفاع عن حقوق الإنسان، أنا مع هذه الحركات، وأؤيدها، وأيدتها عندما كنت طالباً، وعندما كنت أستاذاً، ومازلت كوزير أؤيد حركات الدفاع عن حقوق الإنسان، لكن في لبنان تعلمنا شيئاً في غاية الخطورة، وهي أن حقوق الإنسان لا تهدد بالضرورة من قِبَل الدولة، كما هي الحال مثلاً في الدول السوفيتية سابقاً أو ما شابه، في حالات انعدام الدولة والحروب الأهلية ما يهدد الإنسان هو زميله الإنسان، نحن تعدينا على بعضنا خلال الحرب الأهلية، لم تتعد الدولة علينا، الدولة كانت غائبة، تعدينا على بعضنا، لذلك أنا أقول لأعضاء.. حقوق..

كوثر البشراوي [مقاطعةً]: بسبب غياب الدولة أو…

د.غسان سلامة: بسبب غياب الدولة، بسبب انهيار الدولة.. انهيار الدولة. انظر في لبنان، ماذا حصل خلال الحرب؟ حصل خلال الحرب أن ما أساء إلى البيئة في لبنان ليس هو الدمار، إنما العمار، أساء إلى البيئة في لبنان العمار العشوائي في كل أنحاء لبنان، على المواقع الأثرية، على الشواطئ الجميلة، على الجبال الرائعة، لماذا؟ لأن الدولة كانت غائبة، وكان كل من لديه رأس مال يعمِّر على ذوقه، فما يسيء حالياً إلى لبنان ليس هو الدمار، إلى.. إلى منظر لبنان، إلى جمال لبنان، ما يسيء إليها اليوم هو العمار خلال الحرب، خلال فترة غياب الدولة أكثر مما هو الدمار الذي سببته الحرب.

لذلك أنا أقول علينا أن ننتبه، لا أن نستورد الأفكار، يعني هناك أدوية تأتينا من الغرب، فلنتوقف قليلاً، أنا عشت في الغرب، فما حدنش يزايد عليَّ في معرفة الغرب، وكتبت كتب، أنتِ تشيرين إلى كتبي بالعربية، أنا كاتب بالإنجليزية والفرنسية أكثر مما كاتب بالعربية، لكن أنا أقول الغرب يصدِّر إلينا أدوية، قبل أن نستعملها.. نستعملها لشفاء أمراضنا، علينا أن نتوقف قليلاً ونقول ما هو المرض؟ لنرى إذا كان هذا الدواء مفيداً أم ل، أنا مع حقوق الإنسان ضد الدول المتسلطة، ولكن علينا أن نتفهم أن الإنسان هو أحياناً عدو الإنسان، وليست الدولة عدو الإنسان فقط، وفي المجتمعات حيث الدولة منهارة، حيث الحروب الأهلية تأكل المجتمع، وتعمل فيه دماراً، فإن الدفاع عن حقوق الإنسان يبدأ بالمطالبة بإعادة بناء الدولة.. بإعادة بناء دولة، إن هذه هي أشرف مهمة لمناضل لحقوق الإنسان عندما تكون الدولة ضعيفة أو منهارة كما كانت الحال عليها في لبنان، حتى بدء وفاقنا الوطني في مطلع التسعينات. إن أشرف مهمة للمثقف، وبالذات لداعية حقوق الإنسان هو حماية الإنسان من الإنسان من خلال الدولة الناظمة وليس من خلال الدولة المتسلطة، أو ما هو أخطر من الدولة المتسلطة –كما كان يقول الماوردي- هو الدولة الغائبة أو الدولة الميتة.

كوثر البشراوي: دكتور غسان، على ضوء هذا الطرح اللي أنت حكيته عن مفهوم غياب الدولة، وهذا التمزق اللي خاصة عشتوه أيام الحرب، أنه ناس كانت عطشى لوجود دولة، وآخرين كانوا يتذمرون من وجود دولة، في جملة قلت "الواقع أننا نمر بمرحلة يصعب فيها الجزم بما هو ثابت وبما هو متحول، ويستحيل الجزم بنسبة مساهمتنا لا في الحضارة العالمية ككل، بل في صنع تاريخنا نحن"، ومن هنا ما أعرف هل هو يعني طرحي الآن يضيعنا من نقطة أو يثريها قضية فرصة العقد الاجتماعي، يعني لما تقول من 20 دولة إلى 200 دولة، ok، وهذا اللاثبات، هل هذه أيضاً فرصة تاريخية لإعادة النظر في مفهوم العقد الاجتماعي اللي أنت تطالب به؟

د.غسان سلامة: طبعاً.. طبعاً.. طبعاً.. طبعاً.. طبعاً، لأني أنا تكلمت عن المثال اللبناني حيث العلاقة بين المجتمع والدولة كانت تاريخياً لمصلحة المجتمع إلى حد ما المجتمع أذى نفسه بسبب..

كوثر البشراوي: ودمَّر نفسه.

د.غسان سلامة: ودمر نفسه بسبب احتقاره لمفهوم الدولة ولضرورة الدولة، لكن ربما هذا استثناء أو حالة أقلية، لاسيما في الوطن العربي، في الوطن العربي الكبير الميزان بين الدولة والمجتمع يميل لمصلحة الدولة أكثر بكثير مما يجب، في المجال الاقتصادي، في المجال الإنمائي، في المجال التربوي، في المجال الإبداعي، وكأن هناك بعض من يفكر.. أو يفكر بأن السلطة هي عملية الاستيلاء على المجتمع واستلابه، وإبداعه، لذلك إذا كان الميزان مائلاً في لبنان أكثر من اللازم لمصلحة المجتمع فهو في دول عربية كثيرة كان مائلاً، ومازال في بعض الأحيان لمصلحة الدولة.

العقد الاجتماعي الذي دعوتُ إليه منذ 15 عاماً، أنا مسرور، لأنه وجدت أنه الاتحاد العمالي العام لا يتكلم الآن إلا بهذا الأمر، وأن هناك بعض الزملاء الوزراء.. ربما سآخذ ثلاثين نسخة، وأوزعها في مجلس الوزراء قريباً من هذا الكتاب اللي عمره 15 سنة، العقد الاجتماعي اللي هي فكرة (لوكروسو) الفكرة القائمة على ضرورة إيجاد ميثاق بين الدولة والمجتمع، ميثاق تضع.. يضع حدوداً لأين يمكن للمجتمع أن يسير، ولإلى.. إلى أين يمكن الدولة أن تمضي دون أن تقفز فوق المجتمع أو أن تدوس عليه، هذا العقد الاجتماعي ليس هناك من كتاب اسمه العقد الاجتماعي ينفذ بالمائتين دولة الموجودين حالياً بالعالم، أو بالعشرين دولة عربية.. أو 22 دولة عربية، لأ، هذا الميثاق يجب أن ينبع من تاريخ كل مجتمع، لأنه ليس.. مش هناك من مجتمع هو مجرد Clone (كلون) مجرد نسخة..

كوثر البشراوي: استنساخ.

د.غسان سلامة: استنساخ عن مجتمع آخر، بكل مجتمع الميثاق الوطني، العقد الاجتماعي الضروري بين السلطة والمجتمع يجب أن يُقتبس من تاريخ ومن تراث، ومن تطلعات هذه الدولة بالذات.

في لبنان نحن نسعى إلى هذا العقد بعد سنوات البحبوحة وسنوات الحرب الدامية، نحن نسعى من خلال اتفاق الطائف، من خلال الأعراف التي نشأت منذ تبني اتفاق الطائف من خلال عملية دوزنة مستمرة إلى اقتباس وإنشاء هذا العقد الاجتماعي، ولكني لا أقول أننا توصلنا وخلاص وانتهى الموضوع، لأ هي عملية صيرورة، الضرورة فيها هو أن يكون هناك شعور بالحاجة المشتركة والمتبادلة بين الدولة والمجتمع، أن يشعر المجتمع أنه بحاجة لدولة، وأن تشعر الدولة أنها لا يمكن لها أن تحل في المجال الثقافي أو.. أو السياسي أو الاقتصادي مكان.. مكان المجتمع. الدول العربية هي أيضاً تبحث عن هذا العقد، لكن كما قلت في كتاب آخر لم تذكريه، وهو "الديمقراطية بلا ديمقراطيين" أنا أعتقد أن من أحد أشكال التخلف العربي هو أننا نسعى إلى مؤسسات ديمقراطية دون أن يكون هناك كفاية من العاملين في المجتمع الأهلي، الناشطين للدفاع عن القناعات الديمقراطية، لأن الإنجاز الديمقراطي بحاجة إلى من يضحي في سبيله، وبالتالي لا يمكننا الاكتفاء بأُطر ديمقراطية حتى لو رغب الحاكم في ذلك، وجاء وقال إني أعطيكم دستوراً ومؤسسات وانتخابات، يجب أن يكون في المجتمع عطش للمشاركة، لكي يرغم الحاكم على أن لا يعود عن ما قِبَل به في العقد الاجتماعي، لذلك من هنا أحد كتبي الأخيرة "ديمقراطية بدون ديمقراطيين" هل هذا ممكن؟ هل ممكن فعلاً أن نبني.. أن نكتفي من الديمقراطية بأُطرها، بمؤسساتها؟ أو أن دينامياتها درء لكي تكون فعالة عليها أن تكون مبنية على عطشى على ناس عطشانين إلى المشاركة في القرار في داخل المجتمعات.

[في الحلقة القادمة]

د. غسان سلامة: في الحالة في المشرق العربي عموماً التبعية الثقافية لا.. يعني موجودة، لا أقول أنها موجودة، لذلك كنا نتحدث منذ لحظات عن الاستنساخ ومخاطر الاستنساخ، ولكن التبعية ليس لها تلك الحدة أو تلك..

كوثر البشراوي: أو الصدام..

د.غسان سلامة: أو ذلك الوضوح، أو تلك الطبيعة الصدامية، لأنها أساساً غير مرتبطة بالاستعمار السياسي أو بالسيطرة السياسية الغربية على دولنا، كما هي الحال في دول المغرب العربي.