مقدم الحلقة:

كوثر البشراوي

ضيف الحلقة:

نقولا زيادة: مؤرخ

تاريخ الحلقة:

28/02/2002

- كتابة التاريخ والعقبات التي تواجهها في الحاضر
- العولمة وكيفية تأثيرها على التاريخ المجتمع

- علاقة الشرق بالغرب ومحاربة الإسلام

- الرحيل وما يمثله لنقولا زيادة عبر قرن

- تقييم نقولا للقرن العشرين واستشرافه للمستقبل

نقولا زيادة
كوثر البشراوي
كوثر البشراوي: أصدقاءنا المشاهدين في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ها أنا ذا أقف بين رفوف مكتبة تحتضن العديد من كتب التاريخ، والعبرة ليست في النظر أو مجرد تصفح ما أصفر من صفحات بعض هذه الكتب، بل العبرة الحقيقية في استنطاق التاريخ وهذا هو فعل المؤرخ، اليوم نستكمل وإياكم حديثنا مع (شيخ المؤرخين العرب) الدكتور نقولا زيادة، ذاك الفتى الذي أعطاه التاريخ حق التجوال الحر في شعابه ليشيب على ما شبَّ عليه من عشق لفك رموز ما لم يكتب ولقول ما يخشى العامة منا البوح به، والآن أفسح المجال لي ولكم للاستماع والاستفادة من ذاكرة ضيفنا وذكريات زمنه وزمننا.

أعتقد في منتصف الأربعينات طلبت من (جيروم فارل) تبديل..

د. نقولا زيادة: مين؟

كتابة التاريخ والعقبات التي تواجهها في الحاضر

كوثر البشراوي: (جيروم فارل) في القدس أن يبدل كتاب التاريخ المنهج القديم بكتاب كنت أنت صاحبه، وهنا سؤالي: كتب التاريخ عبر هذا القرن اللي أنت عشته كان معظمها بتوقيع الأجانب، أميركي، إنجليزي، فرنسي، ألماني إلى أن احتج أحد العرب وهو الدكتور نقولا زيادة وقال لابد أن نكتب أو نعيد صياغة هذا التاريخ حتى إن لم تكن آنذاك إضافة علمية كبيرة مقارنة مع ما سبقتك، كتب التاريخ اليوم حسب تقييمك أنت كرجل علم أكاديمياً هل وصل العرب أبناء هذه الخارطة إلى كتابة حقيقية حول هذه الخارطة؟

د. نقولا زيادة: أولاً اسمحي لي أن أقدم ملاحظة تتعلق بالكتاب الذي ذكرته، هذا كان في التاريخ القديم، وصحيح التاريخ القديم في ذلك الوقت لا أظن أنه كان هناك كتاب في اللغة العربية يمكن كتب واحد في العراق لطلابه، يمكن في مصر، لكن ما كان فيه كتاب صالح لنا، الآن نرجع للسؤال الأهم من هذا، السؤال الأهم: إذا كان المقصود كتابة التاريخ العربي ولنركز عليها بالنسبة للعرب المحاولة التي بدأت في أوائل القرن الماضي كانت لا تختلف كثيراً عما كتبه الطبري وابن الأثير إلا في أنهم حذفوا الـ.. عن.. عن.. عن، مثل كتاب الخضري، حتى المرحوم حسن إبراهيم حسن الذي شغل منصب أستاذ تاريخ وعميد ورئيس جامعة وإلى آخره مدة طويلة لم يخرج في كتابه تاريخ الإسلام السياسي، والاجتماعي، والديني، والعلمي، في أربعة مجلدات عن كونه إعادة صيغة للكتب القديمة، فيه سبب لهذا، السبب أن الناس كانوا يخافون من المستشرقين وأن عدد الذين كانوا يقرأون اللغات الأجنبية ولو أنهم تعلموا حتى في أوروبا، يا سيدتي عندما يذهب الواحد لأوروبا، لفرنسا أو إنجلترا أو أميركا لشهادة الدكتوراه لا يتعلم اللغة، يتعلم اللغة عندما يذهب لدراسة.. درجة البكالوريوس هؤلاء لم يعرفوا اللغة ولذلك كانوا يخشون من قراءة هذه الكتب، فكانت المحاولات الأولى إلى حول الأربعينات –إذا مش الخمسينات- هي هش ونش لهذا التاريخ القديم بكل ما فيه إلى حد أنهم كانوا يقبلون الأرقام التي يوردوها الناس عن الجنود أو الضرائب أو الهدايا كما هي، في الخمسينات بدأت نزعه فيها شيء كثير من العناية، الواقع بدأت قبل الخمسينات شوية في الأربعينات، أولاً: صار فيه اهتمام بالتاريخ غير السياسي تاريخ اقتصادي ومن أول من كتب عن التاريخ الاقتصادي العالم العربي (عبد العزيز الدوري) لما نشر كتابه "تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري"، كانت رسالة دكتوراه نقلها إلى العربية ونشرها، هذه من أولى المحاولات، ثم بدأت، لكنها كانت خجلة، حييَّة، عرجاء، عرجاء لا من حيث المادة، عرجاء من حيث الخوف لأنه هذا صار ثم دخلت في القضية في الخمسينات قضية الاتجاهات اليسارية في تفسير التاريخ، لكن لحد الآن نحن لم نكتب تاريخنا كتابة واضحة صحيحة أصولية، بمعنى أن.. نخرج الزوان والقش والحطب والخشب منه، وناخد المادة، ولذلك قلت أنا في أول الحديث -إذا كنتِ تذكرين- أننا لا نفهم تراثنا لأن تاريخنا لم يكتب كتابة صحيحة.

كوثر البشراوي: كيف يمكن أن يتحول جيل أولاً من الأمية إلى المعرفة ومن المعرفة السطحية إلى الأكاديمية؟ يعني لأنه كتابة التاريخ تحتاج إلى أدوات متعارف عليها اليوم بمصطلح علمي، إعادة قراءة التاريخ وإعادة صياغة التاريخ في عصر جبان وهو النصف الأخير من هذا القرن يحتاج إلى جُرأة أيضاً.

د. نقولا زيادة: القضية في الدرجة الأولى بحاجة إلى أن يكون الإنسان حراً في الكتابة فلا تنزل عليه السواطير إما الرسمية..

كوثر البشراوي: وغيرها..

د. نقولا زيادة: أو المجتمع، ولذلك الناس يخشون يخافون يريد أن يكتب ثم ينكص وعندما ينكص يغير العبارة، هو يقول الحقيقة لكن لا يقول كل.. كل الحقيقة هذه مشكلتنا إحنا، لأنه ما فيه حرية، مادام ما فيه حرية كتابة وتفكير لا يمكن أن يكتب لا تاريخنا ولا أي تاريخ.

كوثر البشراوي: دكتور، حسب رأيك وحسب إطلاعك الواسع على أكاديمية الوطن العربي كم عدد تقريباً كم عدد المؤرخين اللي أنت تعتقد أنهم فعلاً دخلوا في برواز الناحية اللي أنت تتطالب بها؟

د. نقولا زيادة: أنا لا أستطيع أن أجيب على سؤال من هذا النوع عامةً، لكن بأقدر أقول إنه في الجامعة اللبنانية فيه على ما يقال نحو 100 أو أكثر من الذين يدرسون التاريخ من رتبة أستاذ إلى رتبة مساعد أستاذ، 3 رتب عندهم، أنا اكتشفت –لا أقول بعد بحث، ولكن بعد قراءة مقال من هنا، كتاب من هنا، وغيره- أن نحو 10 أو 12% فقط أستطيع أن أعدهم مؤرخين، ومؤخراً حدث إن واحد من الذين أعرفهم من أصدقائي منيح قدم بحث لمؤتمر كان سخيفاً، قلت له راح أشطب اسمك من اللائحة، قال لأ، قلت له مرة تاني لا تعيدها ما بيجوز، اعتذر ولا تكتب بحثاً من هذا النوع، هادول أنا أصحابي قاسي عليهم.

كوثر البشراوي: الحق.. الحق..

د. نقولا زيادة: لكن.. لكن بيتحملوها مني..

كوثر البشراوي: نعم، دكتور بالنسبة لتأريخ النصف الأخير من القرن العشرين ألا تعتقد أن عدسة الكاميرا التي أمامك وأمامي هي المؤرخ الحقيقي لما يحدث؟

د. نقولا زيادة: من الأشياء التي يعتمد عليها المؤرخ الوثائق الرسمية، نحن في العالم العربي قد يكون عند بعض الحكومات وثائق رسمية، لكن هذه الوثائق الرسمية ليست ليطَّلع عليها الناس، لتبقى خمسين سنة ثم تتلف فهذه واحدة من المصادر الرئيسية التي يمكن أن تُكتب منها كتابة التاريخ مفقودة غير متيسرة، أنا أتساءل وأتساءل مخلصاً غير مغرض فيما إذا كانت هناك وثائق رسمية تتعلق بحرب 1967 بمعنى تبادل أوامر بين القيادات المختلفة أو تقارير رسمية قبل المعركة وأثنائها وبعدها..

كوثر البشراوي: كله اختفى..

د. نقولا زيادة: ما بأقول بالطبع يمكن موجود لكن لا ينشر.. تنشر منها وثيقة إذا كانت تناسب نقولا زيادة، إذا كان نقولا زيادة وهو صاحب السلطنة.. السلطة لا تعجبه هذه الوثيقة فييجي يقول لجميع الناس لا أهمية لها.. المهم إنه الكل يقولون لا أهمية لها، وإذا واحد طلع وقال لأ هي مهمة، هذا ما إله لزوم يعني بيترك الجامعة، بنديره..، بنعينه سفير في.. شو اسمه هذا في الكونجو حتى يبعد، هذه واحدة من الأشياء، الشيء الثاني: نحن لحد الآن لم نهتم بما فيه الكفاية بما يسمى التاريخ الشفهي، وأقصد بالتاريخ الشفهي الرواية التي تسمعينها من شخصٍ حضر الحادثة، وكم سعينا نحن في الجامعة الأميركية بدأنا بهذا العمل قبل 72 وبعدين استمر شوية، لكن لا أدري إذا هو مستمر الآن أما لأ، الحديث الشفهي الرواية.. القصة.. الآن قد تسمعين القصة بشكلين مختلفين أو بثلاثة أشكال، يمكن في النهاية إنك تلاقي من هُون قطعة ومن هُون قطعة تطلع معك شقفة صحيحة، التاريخ الشفهي عندنا مهمل.

كوثر البشراوي: دكتور.. أنا منذ قليل سألتك هل عدسة الكاميرا سحبت السجاد تحت أرجل المدونين أو المؤرخين لأنها تسجل.. تسجل بدون غربلة.. هكذا أعتقد لأنه تعود الأشرطة إلى أصحاب السلطة.. وأصحاب السلطة هم أحرار يمحوها.. يرموها بالزبالة.. هذا موضوع آخر.

د. نقولا زيادة: يعني بعض ما قلته قد.. قد يقطش.

كوثر البشراوي: لأ، أنا ما أحكي عن عملية المونتاج..

د. نقولا زيادة: مش منك أنتِ.. من أصحاب السلطة.

كوثر البشراوي: لأ، أنا أحكي مثلاً ثورة أو طلوع ناس في شارع وعدسة الكاميرا تسجل، فأعتقد أنها أصدق من صياغة مؤرخ.. لأنه المؤرخ مهما صار، يصيغ الجملة بطريقته.

د. نقولا زيادة: المؤرخ يستعمل المواد الموجودة عنده، أولاً.

ثانياً أي مؤرخ له ميول خاصة يجب أن تدخل لابد..

كوثر البشراوي: صحيح انتماؤه، رأيه.. صح

د. نقولا زيادة: ثالثا: المؤرخ له عقلية خاصة، واحد يفهم الأشياء الصغيرة وواحد لا يفهم إلا الخشبة الكبيرة، ولذلك التواريخ التي تكتب فيها أنواع مختلفة.

كوثر البشراوي: صحيح.

د. نقولا زيادة: وأنا يمكن بحد أنا نفسي في فترات مختلفة.. في أحيان رأيت الخشبة الكبيرة، وفي أحيان أخرى في نفس الحادثة رأيت الصغيرة وصححت ما ذكرته من قبل، لكن الناس لا يقرأون الكتابين ولذلك التصحيح راح هذا.

كوثر البشراوي: نعم.

د. نقولا زيادة: يعني أنا لا أبرئ نفسي من هذا، لأنه كلنا معرضين للخطأ.

كوثر البشراوي: صحيح.

د. نقولا زيادة: المهم أن تكون نسبة الخطأ أقل من..

كوثر البشراوي: مما سبق.

د. نقولا زيادة: هذا صحيح.. هذا.

العولمة وكيفية تأثيرها على التاريخ والمجتمع

كوثر البشراوي: نعم.. دكتور أنا الآن ذكري للكاميرا عنده مغزى آخر، في مطلع القرن كنت يعني.. في فلسطين وأعتقد معظم مناطق الدول العربية ما عدا المدن الكبيرة أو التجمعات الكبيرة.. كان هناك قنديل.. باللمبة اللي هي أبو عشرة اللي بتحكي عليها والأغنياء كان عندهم مجموعة كبيرة من اللمبات، ثم جاء المونوغراف، ثم جاء المذياع، ثم أنت عام 44 لما تزوجت ما كان عندك براد في البيت وبدأت تتوالى التقنيات الواحدة تلو الأخرى، هذه التقنيات التي شاهدتها من الصفر إلى الإنترنت، كيف.. كيف تقيمها؟ كيف تنظر إليها؟ أنتِ اللي عشتها، عشتها من اللاشيء إلى كل شيء.

د. نقولا زيادة: أنا أبعدي.. عن الإنترنت والكمبيوتر

كوثر البشراوي: طيب خلي الإنترنت.. خليها للـ..

د. نقولا زيادة: لكن أنا.. أنا عشت فعلاً.. عشت هذه الأشياء أنا عشت أنني سكنت، لما كنت (جنين) مرات كنا لا نجد الجاز الكافي في تبع رقم.. نمرة أربعة مش عشرة كنا نعيش على السراج بالزيت ما فيه غيره، هذا اقرأ عليه.. أدرس دروسي عليه.. ثم جاء الجاز تبع أربعة، ثم عشرة، ثم جاء اللوكس.. لوكس هذا كان بيحطوا له، ثم جاءت الكهرباء.. الكهرباء دخلت (عكا) لما كنت أنا فيها سنة 1932، يعني لما جاءت الكهرباء أنا كان عمري 25سنة، لما عرفت الكهرباء في بيتي عرفتها برة.. في القدس كانت موجودة.. ثم بعدين كانت نحنا كنا نقرأ الأخبار في عكا في جريدة "الأهرام" التي تصدر في القاهرة بعد صدورها في القاهرة بـ 31 ساعة حتى تصلنا بالقطار.. كان فيه صحف بفلسطين لكن صحف ليست فيها الأخبار العامة العالمية مثل "الأهرام" فكنا نقرأها بعدما تصدر في بالقاهرة بـ31 ساعة.. تأتي من القاهرة إلى حيفا من حيفا إلى عكا بالقطار ويوزعها البياع يجيب إلنا إياها، ثم طلع المذياع أول.. أنتِ ذكرتي بالمصادفة اليوم عن الأسطوانة.. الفونوغراف هذا تبع الـ..

كوثر البشراوي: الديسكات.

د. نقولا زيادة: اللي كان فيه صورة الكلب، بالدرجة الأولى عندنا هذا أنتم عندكم كان صورة ثانية لابد فرنساوية، هذا.. أنا اشتريت لما قالوا بدها تيجي كهرباء لـ..(عكا) اشتريت راديو، نطر 8 أشهر لما وصلت الكهرباء، بعد 8 شهور دورته، بهاي الشكل هذا التطور ما فيه شك إنه أثر على الناس، أثر تأثيراً حسناً وفي أحيان تأثيراً سيئاً، لكن هذه الدنيا، ونحن الآن سأستبق سؤالاً منك، نحن الآن قادمون على شيء أقوى بكثير من كل هذا، ما العولمة، وهناك ضد العولمة لا نقبل العولمة، العولمة لا تأتينا عن طريق الصينية، العولمة تأتينا عن طريق السماء، من كل وسائل الإعلام، ومهما حاولت الحكومات أو الدول إنها تمنعها يبدو عليها أنها تستطيع أن تخترق الجدران والسموات حتى. نحن نخاف من العولمة على ثقافتنا، نحن قتلنا ثقافتنا، خلال القرن الماضي أو بلاش قتلناها، أوقفناها فأصبحت لا تستطيع أن تقاوم، أنا لا أريدها أن تقاوم، أريدها أن تكون قوية بحيث تصبح جزءاً من هذه العولمة، لكن عندما تنعدم الحرية وعندما يصبح كل شيء مقنناً من قبل فئاتٍ مختلفة من الناس والبشر والحكومات والدول والمنظمات المختلفة لا يمكن لهذه الثقافة.. سألني واحد في الرياض مؤخراً.. قلت له نحنا في لبنان الناس بطلوا ياكلوا منقوشة وبطلوا ياكلوا العروس.. قال شو العروس؟ قلت له اللبن اللي شو اسمه، قال: شو؟ قلت له: ما بياكلوا غير هامبورجر مثل ما ايجي الهامبورجر وغلب هذه راح تيجي الثقافة هذه وتضيع ثقافتنا لأنه نحنا عم بنضيعها، نحن أضعفناها بحيث أنها لا كيان لها واضح.

كوثر البشراوي: مهتزة تماماً.. لكن أنا سؤالي مش عن المستقبل.

د. نقولا زيادة: معلش.

كوثر البشراوي: أنا سؤالي عبر هذا القرن، ألم يكن الفانوس، ألم تكن الكهرباء، ألم يكن البراد، ألم يكن المذياع عولمة؟ ألم تكن كل هذه الأدوات حداثة؟ التي ننظر إليها الآن ونشعر بأنها جزء من حياتنا العادية، أما العولمة فهي غداً، ألا.. ألا يعني تحتوي أيامنا الماضية حداثة عبر أجيال وأجيال؟ لماذا المبالغة في موضوع العولمة ونحن نعيشها ونمارسها بطواعية أو غير طواعية، بوعي أو بدون وعي؟!

د. نقولا زيادة: مع الاعتذار من الشعراء، ونقاد الأدب الذين يحسبون الحداثة تخص الشعر فقط، هكذا نقاد الأدب والشعراء، إنه لا يمكن التحدث عن الحداثة في الرواية لأن الحداثة شعر، هذا عدد كبير من النقاد أنا متابعهم هادول، أتابعهم لأتثقف، مرات كثيرة أتسلى وأضحك، المهم هذه نقطة مدهشة يا كوثر، أن تعتبري ما جاءنا من أول ما وصلت الكهرباء أو الفانوس أو الغاز إلى أن وصلنا إلى الكمبيوتر والإنترنت، إنه هذه كلها كانت عولمة، إنما كانت عولمة تأتي على دفعات.

كوثر البشراوي: بالتقسيط.

د. نقولا زيادة: وتأتي من جهات معينة، تأتي مرة على الطريقة الإنجليزية، نحن كان أول غاز يباع في جنين حتى في.. في أول.. يعني في أول القرن الماضي كان غاز يأتي من.. من (روسيا).. كان يأتي بسحاحير خشب كل خشب.. السحارة فيها تنكتين مكتوب عليها (مَنْتشوف) أنا باتذكر.. بعدين صار يأتي من العراق.. صار يأتي من هون.. كانت تأتي بالمفرق وعلى مهل.. الآن جاية بقوة وبعزيمة ومطبقة.. يعني لا تأتي.. يعني البراد يمكن أن يشتريه واحد ويشتريه الجار بعد سنتين، هذه اللي جاي العولمة، العولمة الفكرية، ما فيه فايدة تدخل للبيت، كل البيوت اللي فيها هذه الأشرطة أو عدم الأشرطة تدخل إليها مع بعض، ولذلك قوتها كثير أعنف.

كوثر البشراوي: ونحن على مهلنا.

د. نقولا زيادة: نحن على ما نحن، تغير الأسلوب، هذا كما ذكرتي أنتِ وأنا دخل على مهله، البراد دخل شوي شوي بعد مدة لوصل البراد إلى القرية، لكن اليوم عم بيوصل في نفس الوقت إلى جميع الناس.

كوثر البشراوي [مقاطعةً]: مين يوصله؟ مش التجار العرب. مين يشتري فيه؟ مش المستثمر العربي، البنايات اللي أنتِ تشوف فيها، مش وزاراتنا العربية ووزارات الإسكان هي اللي تبني فيها؟ أليس العربي هو مستعجل لتوزيع هذه البضاعة؟

د. نقولا زيادة: القضية.. القضية فيها إنه نسمح لأنفسنا رسمياً أو بالغضب أن نقرأ، الآن على الإنترنت بيقرأ.

نقرأ الكتب، لكن نمنع دخول الكتاب، كتاب معيَّن ممنوع دخوله.. قلت يا عمي خليه يدخل الكتاب، خليه يحكي عن النظام في لبنان، خليه يسيء شوي، يسب المسيحيين، أنا ما بأقدر أقول يسب المسلمين هذا تخوف الحكاية، خليه يسب المسيحيين ما خربت الدنيا، لكن مجرد ما يصير إنه فيه كبت معناها تنفس ضاق، معناها الرئة ما عادت تتنفس، معناها الدورة الدموية هبطت، معناها الحياة..

كوثر البشراوي: جلطة في الفكرة..

د. نقولا زيادة: الحياة بكاملها توقفت، ونحنا الآن يؤسفني أن أقول أشعر بأن نحتاج إلى غرفة عناية فائقة، مَنْ يقدمها لنا؟ أخشى أن ينتظر المسؤولون عندنا أن يقدِّم العناية الفائقة لهذا المرض الذي جاءنا على أيدي الذي جاءوا بالمرض نفسه.

كوثر البشراوي: دكتور، بعد إذنك أنا سأضيف كما يقولون "نزيد في الطين بله"، على ذكر الكتب إنه يقرءوها الناس على الإنترنت ويمنع في الدول العربية، أنا أعرف بعض المسؤولين من الوزارات اللي يسافروا إلى بريطانيا ويتوجهون إلى مكتبات بريطانيا ويشترون، وهم الأحرص على قراءة هذه الكتب التي يمنعونها بأنفسهم، في قراراتهم الوزارية، فيعني شيء محزن.

د. نقولا زيادة: طبعاً.. طبعاً، لكن.. لكن المهم في الموضوع إنه مش.. مش عم بتؤثر على عقولهم، لما بيرجعوا، بيرجعوا وزراء عاديين.

كوثر البشراوي: طيب، دكتور، على ذكر كنا نتحدث عن منع الكتب، تسمح لي بسؤال أرجو ألا يحرجك، كم عدد النسخ اللي ممكن توزعها من أي كتاب من كتبك؟ غير الهدايا.

د. نقولا زيادة: لأ، الهدايا كانت كتيرة، على العموم كتبي القديمة طُبع منها ما يعادل ألفين نسخة، وأعرف أنها بيعت كلها، الكتب الجديدة هذه التي يصدرها (رياض الريس) أولاً هي كبيرة، وسعرها بالنسبة إلى القارئ العادي كبير، ثم هي لا.. لا تهم القارئ العادي، هي تهم الطلاب والأساتذة والصحفيين اللي بيحبوا.. الذين يحبون أن يتثقفوا في سبيل تحسين أعمالهم، مؤخراً ذكر (رياض الريس) أن "مشرقيات"، وهو هذا آخر كتاب صدر لا يزال عنده منه ألفين وشوية نسخ من أصل 3000 نسخة طبعها، مع إنه هذا صار له سنتين صادر!! لكن هذا يُعتبر بيعاً جيداً لكتاب من هذا النوع، لا يعتبر، لأنه هو من الأصل يعرف أن هذا الكتاب سيحتاج إلى 5 أو 10 سنوات كي يُباع، طبعاً القصص أنا لا لم أكتب قصص، لكن القصص تباع بسرعة أكثر وإلى آخره.

كوثر البشراوي: طبعاً.. طبعاً..

د. نقولا زيادة: أنا شعرت بشيء كتير من الغبطة لما صدر "مشرقيات" السنة الماضية، وذهبت إلى دسكة أو تسكة (رياض الريس) للتوقيع وقعت على 50 نسخة، أنا اعتبرت هذا شيء مهم بالنسبة لكتب الطبيخ.

كوثر البشراوي: صحيح.. صحيح، نعم، هل هناك بديل اقتناء الكتاب؟ هل هناك مكتبات عامة تعج بالناس؟

د. نقولا زيادة: البديل الوحيد لاقتناء الكتاب شخصياً إنشاء مكاتب عامة في كل قرية في لبنان أو في أي وطن في العالم العربي مش في كل مدينة.

كوثر البشراوي: ما المانع؟ ما المانع؟

د. نقولا زيادة: مانع، أولاً: عدم رغبة الحكام في ذلك.

ثانياً: قلة الأموال، هذا مشروع كبير، أنا خطر في بالي أن أعرض هذا المشروع بالنسبة لبضعة قرى على أحد المتمولين في لبنان فتصورت إنه راح يكلفه حوالي 6 ملايين دولار قلت راح يضربني بالصرمة، في إنجلترا -كما تعرفين- لندن فيها ما يُسمى (Cities) اللي هي بلديات صغيرة، كل واحدة فيها (Public library) كل واحدة فيها مكتبة عامة، ومكتبة عامة يستعير الكاتب.. القارئ منها ويقرأ فيها الصحف، ويقرأ فيها الكتب، وفيها قسم للأطفال يذهبون ليقرأوا فيها، كيف يصل الكتاب إلى الناس إذا ما عندنا شيء من ها النوع نحن؟ ما فيه..

كوثر البشراوي: لكن لدينا.. معذرة..

د. نقولا زيادة: ما فيه في لبنان ولبنان كان يجب أن يكون السبَّاق في هذا.

كوثر البشراوي: دكتور، عندنا مقاهي في كل الحارات تقريباً مش في كل القرى.

د. نقولا زيادة: لأ، ما هو.. وين؟

كوثر البشراوي: عندنا مقاهي.. وأرجيله في كل شوارعنا، عندنا حانات في كل الأماكن في معظم الوطن العربي.

د. نقولا زيادة: هذه.. هذه الأرجيلة بيعملوها واحد صاحب.. صاحب كيف من جهة.

كوثر البشراوي: على راسه عيله..

د. نقولا زيادة: لأ، وبده.. بده يتنفع..

كوثر البشراوي: يعني إذا عملنا المقهى والحانة وسامحنا بذلك، لماذا لا نسمح بكتاب أن يتصدر زنقة من –كما نقولوا إحنا بالتونسي- زنقة يعني شويرع.. شويرع صغيرة.

د. نقولا زيادة: هاتي.. هاتي لنعمل ندوة عن هذا الموضوع حتى ينتهي أمر.. أثرها عندما تنتهي الندوة.

كوثر البشراوي: لأ، احكي في هذه، ميؤوس منه يعني الموضوع؟

د. نقولا زيادة: لأ.. لا في الوضع الحاضر ميؤوس منه بالمرة.

[فاصل إعلاني]

علاقة الشرق بالغرب ومحاربة الإسلام

كوثر البشراوي: دكتور، من المحاور المهمة جداً اللي قرأتها لك، وأريد أن الجمهور الكريم أيضاً أن يشاركني هذه المعرفة، موضوع الشرق، الغرب، الإسلام، وقد أنت من خلال تحليلك، أو كما اعتاد الجميع استخدام تاريخ 1798 دخول (نابليون) على مصر كنقطة انطلاق النهضة الثقافية في الوطن العربي، ولك وجهة نظر في هذا الموضوع، هذه العلاقة بين المشرق والغرب، وهذه العلاقة اللي تجعل الإسلام اليوم شيء يُحارب ويُتهم بالإرهاب.

د. نقولا زيادة: وصول (نابليون) واحتلاله مصر ما كان يمكن أن يكون سبباً للانطلاق الحضارة العربية، جماعة أجانب يختلفون في الدين احتلوا البلد، كيف يمكن أن يكون دخولهم؟ المهم الشيء الأثر الوحيد المباشر لحملة (نابليون) أن المماليك أدركوا أن البندقية لا تقاوم المدفع، هذا المشكل، المهم أن الذي جاء بعد نابليون، الآن يمكن نابليون هز المنطقة، لكن ليس بدء الـ.. – شو اسمه- بدء النهضة جاء بعد هذا الأمر، إنما الناس دائماً يحتاجون إلى نقطة يعلقوا عليها.

كوثر البشراوي: شماعة.. شماعة..

د. نقولا زيادة: فبيشبكوها بـ نابليون، الواقع إنه يمكن الواحد أن يبدأ بعصر محمد علي، هذه واحدة، بالنسبة لمصر، بالنسبة لبلاد الشام ولبنان خاصةً النهضة بدأت في أمرين:

واحد: إنشاء المدارس التبشيرية في هذه البلاد في القرن السابع عشر.

والثاني قبله بقليل: فتح مدرسة روما المارونية في روما لتثقيف رجال الدين الموارنة من (لبنان) و(قبرص) و(حلب) هذه المراكز، هؤلاء لما رجعوا إلى البلاد صاروا يعلموا في المدارس تعليم أحسن من السابقين، وأنشأوا مدارس مرتبة، وبدأت الحملة، يعني بدأت ما يمكن أن يُسمى "الفكر العلمي"، أنا سأذهب إلى القاهرة في الأسبوع.. بعد أسبوعين للمشاركة في شيء اسمه "ندوة لبنانية مصرية"، الشيء الذي سأتحدث عنه اللغة العربية في لبنان من (جرمانوس فرحات) فيما بعد (جرمانوس فرحات) كان مطراناً مارونياً، هذا الرجل وضع أول كتاب حديث في قواعد اللغة العربية في أوائل القرن السابع عشر، ما بأقول إنه حديث مثل القرن الواحد والعشرين أو العشرين، لكن كتاب حديث يختلف عن الكتب الصفراء، فالجماعة فيه عندهم كان شيء، الآن اللي حدث الظلم العثماني في سوريا ولبنان هرَّب عدد كبير إلى مصر، وكانت مصر فيها حرية، كان سبب الحرية ليس الحكم المصري -أنا متأسف أقول- لأنه كان الإنجليز دخلوا هناك، يمكن لو ظل حكم محمد علي باشا وأولاده الخديوي كان صارت الحكاية مثل أيام فاروق، لكن كان بالمصادفة في جو النهضة الحديثة بدأت على أيدي هؤلاء بهذا التكافل في العمل، الصحافة بدأت هناك، الصحافة المهمة، أدباء عاشوا في.. في مصر، كتبوا في مصر من سوريا ومن لبنان، بعدين جاءت مصر في.. أنا أعتقد إنه من السنوات المهمة في تاريخ مصر أنها أنشأت الجامعة الأهلية سنة 1908، هذه جامعة كانت أهلية تبرعات من الناس، وكان أول رئيس إلها الأمير (أحمد فؤاد) الذي أصبح فيما بعد (فؤاد الأول) ملك مصر، فالواقع إنه فيه عوامل كثيرة، فيه أشياء كثيرة أن تأتيها، بس أنا مثل ما قلت يعني كل واحد منا لما بده يعلق الجاكيت يدور على تعليقة، مضبوط أم لأ؟ وهذا نحنا بعض المؤرخين بدهم تعليقة فحطوا التعليقة (نابليون)، والذي وضعها والذين وضعوها لم نكن نحن، هذه قال بها الفرنسيون، ونحنا عدد كبير من جماعتنا ومن مثل الببغاوات فأخذوها وقبلوها، هذه فكرة فرنسية إنه نابليون أيقظ الشرق من عقاله.

الرحيل وما يمثله لنقولا زيادة عبر قرن

كوثر البشراوي: على كل، دكتور، أعود إلى نقولا زيادة عبر قرابة القرن، الرحيل ماذا يشكل لك التجوال على قدمين أو عبر الباخرة أو عبر الطائرة، أو الآن عبر الكتب أو عبر المعرفة؟ ماذا يمثل لك الرحيل؟

د. نقولا زيادة: إذا جاز لي أن أحكم على نفسي حتى وأنا صغير، فالرحيل بالنسبة لي هو تطلع إلى شيء جديد، والتطلع إلى شيء جديد مهما كان نوعه في رأيي أنا يكون فيه أمل، وعندما يكون الواحد عنده تطلع وأمل تكون الحياة نافعة، مفيدة وسعيدة.

كوثر البشراوي: سأعيد سؤال قلته، يعني كان شبه وشوشة بيني وبينك، سأعيد سؤال يعني طرحته قبل التسجيل بخجل، ومرة أخرى بخجل أعيد طرحه، كيف استطعت أن تتأقلم مع نكبات مزمنة؟ كيف استطعت أن تستمر مع هذا الرحيل المزمن؟ وفاة الأم، الأب، الأخ، الخال، الزوجة، كذا؟ كيف استطعت أن تكون شاهداً على أكبر مآسي القرن العشرين وعلى القرن الذي ذُبحت فيه هذه الأمة بأيديها العربية، وعلى عصر الخنوع والذل، كيف استطعت أن تبقى لغاية اللحظة هذه –يا رب يطول في عمرك- وقادر أنك تحكي، وقادر إنك تبتسم، وقادر –والغريبة في الموضوع- أن تحلم بوحدة وتحلم بفلسطين؟

د. نقولا زيادة: لا أظن أنني أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال، ولا أتهرب لأنني وأنني تسألينني جربت أن أستعرض رحيلي الأول من دمشق إلى الناصرة، كان عمري ثمان سنوات مؤكد ما أظن كانت لي آمال ومطامع، لكن أظن أنا السنوات الثلاث التي قضيتها في دار المعلمين، وهذا كان رحيل من البيت إلى المدرسة الداخلية، كان لها أثر كبير في نفسي، وخاصة لوجود 3 أساتذة أثروا في نفسي، ولأني صغير تأثرت فيهم، خليل طوطح (مدير الدار)، و(جورج خميس)، و(درويش المقدادي)، لثلاثة أمور مجموعة مش عند كل واحد، لكن عند الكل. أولاً: النظام. ثانياً: الوقت، أن الوقت له قيمة. ثالثاً: إنه ما فيه داعي لليأس.. ما فيه داعي لليأس. قد تكون كل الظروف ضدي أنا ومع هذا كله لا أيأس، أنا لما كنت في إنجلترا وكتبت لصاحبي إنه لا بيت لي، لا عمل لي، لا وطن لي، لم أكن يائساً لأنه كنت أؤمن إنه لابد ما ألاقي شيء أشتغل في مكان، أنا بها المناسبة لم أذكر لكِ إنه عُرض علي اتفاقية خمس سنوات أعلِّم بجامعة (كامبريدج) في ذلك الوقت، لكن زوجتي كان أصابها وجع ظهر، لأنه (كامبريدج) رطبة جداً ما قدرت تظل فيها، اضطريت أتركها، آدي واحد من الأشياء.

أنا اليأس ما أظن إنه دخل في نفسي، حتى لما كنت أدور على الشغل هذا، موزع بريد والتليفون، ما هو هذا عمل يأس، بده تترك شيء تأخذ شيء ما إلك علاقة فيه، مع هذا كله كنت أعتبر إذا حصلت عليه فأنا عم بأحقق شيء، يعني الرغبة في تحقيق الشيء هذا أنا أظن في مكان ما في الكتاب أقول: لما دخلت أول مدرسة في دمشق كان المعلم يحط نص قوس حوله، وكان كل ما واحد يحسن.. يجيد الدرس –معلم العربي- ينقلنا، فقلت أن وصلت إلى رأس الصف، وقلت يومها متعجرفاً طبعاً ولا أزال هناك، في سنة 1997 أقيمت لي حفلة تكريم هنا في بيروت بمناسبة بلوغي سن التسعين، تحدث الزملاء وبالغوا، لكن جاء دوري للرد، فقلت أنا أقبل هذه المبالغة لأنها محببة إلى قلبي، لكن أنا نجاحي كأستاذ، كمعلم من القرية إلى الجامعة يعود إلى أنني أنا ظللت تلميذاً مجتهداً في حياتي، فعلاً أنا كنت مجتهد، وبعدين هذه يمكن هذا النوع من التعلم والتعليم حملني على إنه يمكن الواحد أن يقوم بشيء، فأنا كنت أُعلِّم التاريخ القديم، التاريخ القديم كان فيه كتاب إنجليزي اسمه (برستيد) لمؤلفه (برستيد) الأزمنة القديمة أستعمله، ألخص منه، لكن بعدين وجدت إنه لأ، هذا لا يكفي، فأنا قرأت عدداً كبيراً من الكتب وتعمقت في تاريخ الشرق القديم وزرت كل الأماكن الأثرية في فلسطين، الخامد منها والعامل. (ماجدو) صرفت يومين عندهم أتحدث، في بيسان.. مؤسسة (بنسلفانيا) زرتهم يوم، اشتغلت 4 أيام بالقفة مع العمال، مع سير (فرندلس بتري) في جنوب فلسطين في (تل العجول) حتى أفهم كيف يفسرون هذا التاريخ القديم، ولذلك هذا دفعني، وهذه ظلت مستمرة عندي، يعني أنا على ما يبدو فيه عندي شيء اسمه عندما تبدأ لا تقف ولحد الآن أنا لا أقف أقرأ وأكتب و.. إلى آخره.

كوثر البشراوي: طيب، وكيف تأقلمت مع 48، 67، 91، عام 2000 ونحن على هامش الخارطة تواريخ كبيرة؟ كيف.. كيف تتعامل معاها يعني؟

د. نقولا زيادة: بأقول لك هذه.. هذه فعلاً لما بيكون الواحد فيه عنده عدم يأس، وعزيمة ما فيه شيء بيوقف في طريقه، أنا ما كان برنامجي إنه أفتح الهند، لكن كان برنامجي أن أكون –كما ذكرت- أن أكون شيئاً، وقد كنت شيئاً، كله لأنه فيه عزم، فيه إرادة، فيه تصميم، هذا الذي ينقص عدد كبير من الناس في بلادنا، بيقول لك شو بده يعمل الواحد؟ يا أخي أنت لا تروح تصلح الجامعة اللبنانية، إصلح نفسك؟

كوثر البشراوي: صح.. صح.

د. نقولا زيادة: الجامعة اللبنانية خربانة شو بدنا نعمل، علِّم دروسك منيح أنت، أكتب، اعمل بحث، حبب الطلاب بموضوعك، هذا العمل، لكنه إنه يا أنا بأكون رئيس جمهورية يا..

كوثر البشراوي: يا بلاش.

د. نقولا زيادة: ما بيصير، طيب ما هو رئيس جمهورية واحد، لكن إحنا بنقدر نحصل على، نقبل 200 معلم، 200 أستاذ في الجامعة منح عالية..

كوثر البشراوي: طموحك؟

د. نقولا زيادة: الطموح الأساسي الأول عندي أن أظل بصحةٍ جيدة إلى أن أسقط ميتاً.

كوثر البشراوي: الله يطول في عمرك.

د. نقولا زيادة: هذا.. شكراً.. هذا الطموح الأساسي، كل الباقي يأتي في السياق.

كوثر البشراوي: ثانوي، القرن العشرين لو وضعته مع سلسلة التاريخ العربي الإسلامي أين تضعه؟

تقييم نقولا للقرن العشرين واستشرافه للمستقبل

د. نقولا زيادة: أكثر سوءاً من عدد كبير من القرون بسبب الضغوط التي جاءت عليه، يعني فيه في التاريخ العربي الإسلامي قرون كانت ممزقة وسيئة بدون ضغوط من الخارج، لأن كانت الضغوط الخارجية قوية عليه، لكن فيه كانت قرون مثل القرن الحادي عشر، العاشر في بلاد الشام كان لا يقل عن ما نحن فيه، ألعن كان، لأنه كانوا يتقاتلوا مع بعض الأمراء.

كوثر البشراوي: أنت كنت دائماً تطالب من يتخصص في التاريخ العربي أن يلتفت أيضاً إلى ما قبل 14 قرن ويدرس تاريخ الجزيرة أو تاريخ العرب في الجاهلية أو ما قبلها، فبالتالي أنت أكاديمياً تستطيع أن تقرأ مسار التاريخ أو مجرى التاريخ، حسب توقعاتك ما هي ملامح القرن الحادي والعشرين لو حاولت أن ترسمها بمنطق التاريخ؟

د. نقولا زيادة: لم أسمح لنفسي في السنوات الماضية أن أفكر بالقرن الحادي والعشرين، لكن أنا كشخص متفائل دائماً أنظر إلى المستقبل بعين مؤمِّلة، طموحة، فيها شيء من السعادة الشخصية التي أرجو دائماً أن تنتقل إلى الآخرين بقدر ما يمكن، لا تريدين مني أن أكذب أقول لكِ بدي أعمل كذا وكذا.. لأ، هذا هو الواقع الذي أشعر به أنا نحو القرن الحادي والعشرين.

كوثر البشراوي: أنا أحكي باسم المنطق، يعني أعطيك على سبيل المثال، كنت تتحدث في الأربعينات عن مشكلة مثلاً الشيخ الحسيني وبعض الزعامات العربية الأخرى التي تتناحر من أجل المنصب، السلطة بجهل تام لشيء اسمه التنظيم أو المؤسسة لتشكيل شيء أو تحقيق شيء، اليوم نتحدث –دكتور- والأمور على حطة إيدك.

د. نقولا زيادة: بالنسبة للقرن الحادي والعشرين؟

كوثر البشراوي: لأ، على حطة إيدك يعني اليوم واحنا عم لنقل 2001، والأمور كما هي.. كما وصفتها إنت في كتابك عام 1943، إذا بعد 50 سنة بالطريقة هذه، إيش صاير في الـ 50 اللي بعد؟ هل تعتقد إنه فيه تحرك بيجي مؤسسة بيجي؟

د. نقولا زيادة: الـ 50 اللي جاي؟ إن شاء الله بنظل على ما نحن عليه، ما يكون أسوأ.

كوثر البشراوي: أصبح هذا هو الأمل؟

د. نقولا زيادة: لأ، إنتِ ما بدك الأمل، بدك يعني.. بدك يعني أقول إنه اللي جاي أسوأ، قلت لك: أنا متفائل، وآمل بالتطور، والتغير، والتبدل إلى الأحسن، وآمل في هذا، لكن هل يحدث هذا، أو لا؟ أنا وصلت إلى الأمل لكنني لم أصل إلى النبوة.

كوثر البشراوي: طيب، دكتور، الله يطول في عمرك ربما نلتقي مرة أخرى في مواضع أخرى، وما أحوجنا إلى أمثالك، ألف ألف مبروك على كل ما قدمته لجيلي والجيل اللي بعدي، وإن شاء الله يجازيك ربي كل الخير على هذه الأمانة التاريخية والعلمية.

د. نقولا زيادة: أنا أستطيع أن أقول شيئاً واحداً شكراً لك أن أتحتِ لي هذه الفرصة.

[من قصيدة (هذا أنا) للشاعر بلند الحيدري]

هذا أنا ملقى هنا حقيبتان

وخُطى تجوس على رصيفٍ

لا يعود إلى مكان

من ألف ميناءٍ أتيت

ولألف ميناء مسار

وبناظري ألف انتظار

لا ما انتهيت لا ما انتهيت

فلم تزل حُبلى كرومك يا طريق

ولم تزل

عطشى الجنان وأنا أخاف

أخاف أن تصحو لياليَّ الصامتات الحزان

فإذا الحياة كما تقول لنا الحياة

يدٌ تلوح في رصيف لا يعود إلى مكان

لا، ما انتهيتُ.

كوثر البشراوي: أصدقاءنا المشاهدين في ثلاث حلقات متتالية كنا مع ضيفنا الدكتور نقولا زيادة، والحقيقة أننا كنا مع بعض حلقات التاريخ، ذلك أن سيرة ضيفنا هي في سيرة وطنه العربي وتاريخه الحضاري، إنها بحق إشراقة من إشراقات الذات، وإشراقات التاريخ.

أيها الأصدقاء، حتى موعدنا المقبل مع موضوع آخر وضيف جديد أترككم في رعاية الله وأمانه، إلى اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.