مقدم الحلقة:

وضاح خنفر

ضيوف الحلقة:

د. كمال مظهر أحمد: كاتب كردي
د. قاسم حسين صالح: أستاذ علم النفس - جامعة بغداد

تاريخ الحلقة:

21/09/2003

- وصف المشهد النفسي العراقي
- تقييم عهد البعث من وجهة تاريخية

- وسائل استعادة العراقيين عافيتهم النفسية

- تزايد العبء النفسي على العراقيين من جراء الاحتلال

- دور الشخصية التاريخية للإنسان العراقي في إعادة تأهيله نفسياً

وضاح خنفر: السلام عليكم ورحمة الله، أحييكم من بغداد.

المقابر الجماعية، الإعدامات، المحاكمات الصورية، حلابشة، الأنفال، ملف الأسرى والمفقودين، كلمات حفرت في الذاكرة العراقية جروحاً غائرة، ولعَّل إعادة إعمار ما لحق بالعراق ومنشآته وبناه التحتية لا يكتمل بدون إعادة إعمار ما لحق بالنفس والمجتمع جرَّاء عقود من القسوة والاضطهاد.

المشهد النفسي وأساليب التعامل مع الجراحات التي خلَّفتها ممارسات النظام السابق هو مدار حلقتنا لهذا اليوم، حيث نستضيف كلاً من الأستاذ الدكتور كمال مظهر أحمد (أستاذ التاريخ بجامعة بغداد)، والأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح (أستاذ علم النفس الشخصية والصحة النفسية بجامعة بغداد)، بالإضافة إلى نخبة من المشاركين معنا في الأستوديو، مرحباً بكم جميعاً.

د.قاسم حسين صالح: أهلاً وسهلاً ومرحباً.

وضاح خنفر: وقبل أن نبدأ حوارنا نستمع معاً إلى هذا النموذج الذي قد يشكِّل نموذجاً لكثيرين ممن عانوا ويلات العهد الماضي.

مواطنة عراقية: ابني عسكري، ودوه (الجنود) وهو طفل ما يفتهم وبعد ما طب 18 سنة، بيخاف يطلع من باب الحوش، ودوه مثل ما راح هو مثل ما إجا، يا أمه أروح.. لا.. لا أخاف، يا أمه هناك يقتلوني يقول: يقتلون هون.. ممتازين وابتدا يروح قال (..) هنا أنا أحسن أموت، تعال هسه معدي.. من (..) المغربية طبوا علينا.. على (...)، جروه من هاي..، حسون هاي وقال لهم: أيوه، حطوا إيدهم بإيده وأخذوه، واللي أخذه أخذه، ما خلونا نشوف بس نجيب له أكل هاي مهجوم وها صار..، حطوه بيها ست شهور خمس شهور، والدور ودوه والدور جابوه، وبعدين عدموه وأنطونا إياه، علشان هرب من الجيش، صدام هو قال: كل اللي يهربوا من الجيش ما يشارك بالقتال اعدموه.. عدموه، هواي عدموهم بس..

وصف المشهد النفسي العراقي

وضاح خنفر: أهلاً وسهلاً بكم ثانية.. سؤالي لك سيدي الدكتور قاسم من خلال هذه الحالة ومن حالات كثيرة ممتدة في المجتمع العراقي كيف تصف لنا المشهد النفسي العراقي في الوقت الحاضر؟

د.قاسم حسين صالح: أستاذ وضاح، العراق في السنوات الثلاثة والعشرين الأخيرة كان مسرحاً والعالم هو المتفرج، أو المتفرجون لنقل، الأحداث التي عُرضت على هذا المسرح خليط من المعقول ومن اللامعقول وما وراء المعقول ومن العبث استعارة من مسرح العبث وما وراء العبث ومن الجنون وما بعد الجنون الذي هو الموت بأوجع وأفجع حالاته، تراجيديا أستاذ وضاح.. تراجيديا استمرت لثلاث وعشرين سنة متصلة باستثناء فترة استراحة لمدة سنة واحدة بدأت بحرب مجنونة، ثم الجنون الأكبر أنه ما من دولة في التاريخ -أستاذ التاريخ معانا- ما من دولة في التاريخ تخرج من حرب كارثية لتدخل حرباً كارثية أخرى تلاها حصار لثلاث عشرة سنة، جعل أساتذة الجامعة الذين هم النخبة المعتبرة اقتصادياً في كل مجتمعات العالم يأكلون خبز النخالة المعجون بفضلات الصراصير، ثمان سنوات من حرب مجنونة، ثم حرب كارثية، ثم حصار نخر في عظم الشعب العراقي ولم يمس لحم السلطة.

وضاح خنفر: كيف أثر كل ذلك على نفسية الإنسان العراقي؟

د.قاسم حسين صالح: طيب نأتي إلى الأسرة أولاً، على صعيد الأسرة وعلى صعيد المجتمع أيضاً بشكل عام حصلت زيادة كبيرة في الاضطرابات النفسية والعقلية وفي مقدمتها القلق والاكتئاب، حصل على مستوى الأطفال

(Nightmares) بكثرة والكوابيس والأحلام واضطرابات النوم وتبوُّل ليلي، إلى آخره.

حصل على صعيد الأسرة التفكك الأسري وحوادث الطلاق والمفارقات العجيبة الغريبة من حالات الأَسْر، يعني حتى عُرضت في مسرحيات أنه أسير يأتي ويجد أن زوجته قد تزوجت من أخيه، وحالات كثيرة، لكن أهمها وكي أتحدث (سيكولوجي) أهمها أن كل نظام ديكتاتوري شمولي في العالم، والنظام الديكتاتوري الشمولي الموجود في العراق الذي كان في العراق يشكِّل نموذجاً له، نحن في تحليلنا أقصد نحن المختصين بالاضطرابات النفسية يساوي لدينا المصاب باضطراب البارانويا، وحتى أوضح لحضرتك وللمشاهدين البارانويا اضطراب عقلي، الشخص الذي يصاب فيه يكون همه وشغله الشاغل الشك في الآخرين، ويشك أنهم يتآمرون عليه ويريدون قتله، ولذلك يكون شعاره الدائم كما نقوله في العراقي دعني أتغذى به قبل أن..

وضاح خنفر: يتعشَّى بي. نعم.

د.قاسم حسين صالح: فيكون هذا شغله الشاغل، تصوَّر هذا المريض العقلي موجود في -لا سمح الله- في أسرتك، في أسرتي، في.. في أسرة أي واحد، ماذا يكون وضع الأسرة؟ يكون الخوف، يعني أحد الأشخاص، وأنا أحدثك عن حالة عيانية في مستشفى الأمراض العقلية كان يشك في أن أمة سوف تقتله.. سوف تدس السم له في الطعام، قتلها رغم أنها أم حالها حال أي أم أخرى حبَّابة وحنونة وكذا، ولكن هنا الوهم الذي يكون، الآن لو أخذت هذا في الأسرة، ماذا يخلق في الأسرة؟ هل..

وضاح خنفر: حالة من الاضطراب والفزع والتوتر وعدم الثقة.

د.قاسم حسين صالح: والرعب..

وضاح خنفر: والرعب نعم.

د.قاسم حسين صالح: الخوف والرعب سوف ينتج، حلها هنا بسيط بالنسبة للأسرة، وممرضين من المستشفى يروحون للبيت يزرقوة إبرة وبالتالي يأخذوه ويزتوه في مصَّحة للأمراض العقلية، لكن ما بالك في نظام، نظام بأكمله هو مصاب بالبارانويا؟!

تقييم عهد البعث من وجهة تاريخية

وضاح خنفر: ولذلك أنا أريد الحقيقة أن أنتقل دكتور كمال مظهر أحمد حول هذا الموضوع، من وجهة نظر تاريخية كيف تقرأ تلك المرحلة التي مرت بالعراق هذا العهد الذي مر بالعراق، كيف هذه اللحظة كيف تجسدها في هذا الزمن السياسي الممتد؟

د.كمال مظهر أحمد: أستاذ وضَّاح، أولاً: شكراً للمقابلة، والبرنامج مطلوب لأن في الواقع لدى المشاهد العراقي قدر من العتب بالنسبة للقناة الفضائية (الجزيرة)، فكان منذ زمن بعيد عليكم أن تلقوا الضوء على هذا الجانب المهم الذي كان يعاني منه الشعب العراقي إلا قلة قليلة من هذا الشعب قلة من المنتفعين من الانتهازيين، وإلا البقية الباقية كلهم كانوا يعانون من هذا النظام، والدكتور أعطى نماذج مُعبرة بالنسبة للموضوع..

وضاح خنفر: الوضع النفسي.

د.كمال مظهر أحمد: نعم، بالنسبة للوضع النفسي، في لقاءاتنا مع الأساتذة ممن نثق بهم دائماً كنت أقول لم يظهر في التاريخ ولا يوجد في الوقت الحاضر، ولن يظهر في المستقبل أيضاً نظام يشبه هذا النظام الذي عانينا منه لا على مدى ثلاث وعشرين سنة، بل وعلى مدى خمس وثلاثين سنة، يعني طوال هذه.. هذه المدة لكل أسرة بأكثرية الشعب العراقي قصة مؤلمة مؤسفة تتجاوز هذه القصة المأساوية التي سمعناها الآن من خلال العرض، فبعض الزملاء كانوا يقولون لم يظهر مثل هذا النظام ولا يوجد مثله، ولكن بالإمكان أن يظهر مثله في المستقبل، دائماً كنت أقول: كلا، هذا غير ممكن.

وضاح خنفر: ما هي دواعي تمكُّن هذا النظام طوال هذه الفترة؟ برأيك تاريخياً كيف استطاع فعلاً إنه يثبت جذوره؟ هل هي حالة موجودة هنا عانيتم منها في أنظمة أخرى أم حالة فريدة؟

د.كمال مظهر أحمد: حالة فريدة في بابها.. حالة فريدة في بابها، وإنها كانت دولة المنظمة السرية، وهذا الوصف للأستاذ حسن العلوي، فعلاً دولة منظمة سرية يعني همَّ النظام كله كان منصباً على حماية الفرد الحاكم، وفي سياق المقارنة.. في سياق المقارنة لأن فيه حالات غير قليلة يقارنون بين (ستالين) وبين (هتلر) والرئيس السابق.. الرئيس السابق، أنا لا أريد أن أبرئ ساحة هتلر، ساحة ستالين، هؤلاء مُدانون في التاريخ دون أدنى شك.. دون أدنى شك، ولكن الحالة العراقية تجاوزت تلك الحالات إلى درجة كبيرة، باختصار شديد على سبيل المثال أن ستالين دخل.. صح إنه سبب في مقتل حوالي تسعة ملايين ونصف مليون من أفراد الشعب السوفيتي، ولكنه في نفس الوقت في نفس الوقت وفي سياق المقارنة إنه كان يعيش عيشة متواضعة.

وضاح خنفر: نعم طب يعني هذه دكتور حقيقة هذا سؤال أردت أن أسأل الدكتور قاسم، هذا الوصف الذي تحدث به الدكتور كمال، لماذا يرتكب مثل هذا النظام مثل هذه الجرائم؟

د.قاسم حسين صالح: هذه تعود إلى سلطة الفرد المطلقة، حينما تكون سلطة الفرد المطلقة بهذا، وحينما يكون الفرد الحاكم أتحدث من موقع اختصاصي أنا ليس من موقع الاختصاص التاريخي، ليس سليماً من الناحية النفسية ومن الناحية العقلية حين ذاك سوف يصطنع وهماً، يعني واحدة من الأسباب الأساسية، العوامل الأساسية للرئيس العراقي السابق أنه من الناحية العقلية خلق وهماً..

وضاح خنفر ]مقاطعاً[: خلق..

د.قاسم حسين صالح: خلق وهماً (delusion)، (delusion) وأمر الآخرين بأن يصدقوا بهذا الوهم..

وضاح خنفر: وأن يعيشوه..

د.قاسم حسين صالح: وأن يعيشوه، وصاحب البارانويا وصاحب الشخصية التي تكون متصفة بالسايكوباث (Psychopath)، وأرجو أن يكون واضح مفهوم السايكوباث، مضافاً إلى عوامل النرجسية، لابد أن تؤدي إلى هذا المسار، وأكرر قولي بأن شخص الحاكم -وطبعاً هذا ليست فقط مأساة للشعب العراقي- يعني أنا من موقع اختصاصي أريد أسبق الأحداث وأقول أرجو من الشعب العراقي عندما سوف يختارون رئيساً قادماً يحكم العراق أرجو أن يخضعوا أو يشترطوا عليه أو يشترطوا على السلطة القائمة بأن يخضع للفحص النفسي، لنتأكد من سلامته العقلية.

وضاح خنفر: اقتراح جيد دكتور، يعني.. لكن سؤالي كان هو هل ثقافة العنف هذه تولدت فقط عن هذه الحقبة الزمنية أم أنه كما يقال بأن هناك ثقافة عنف سياسي موجودة حتى قبل النظام السابق؟

د.كمال مظهر أحمد: أستاذ وضاح، قبل النظام السابق يعني في كل الأنظمة.. في كل الأنظمة هنالك حالات استبداد، حالات ديكتاتورية ولكن لم يبلغ مثل هذا المبلغ الذي وصله في العهد السابق، الرجل فعلاً لا أريد أن.. أن أنكر بأن الرئيس السابق كان ذكياً، كان مناوراً دون أدنى شك، والذكاء والمناورة من الشروط الأساسية للحاكم الناجح، ولكن أتصور عقده النفسية، عقده الذاتية، هذه الحالة التي وصفها الدكتور بالسايكوباث دائماً كان يرى نفسه على حق، هذه الأشياء هي التي دفعت النظام إلى سلوك هكذا اتجاه، بالإضافة إلى ذلك أستاذ وضاح.. بالإضافة إلى ذلك هو إنه دائماً كان يرى نفسه على حق وأحاط نفسه بأضعف الحكام.. بأضعف المساعدين يعني لاحظ هذه حالة فريدة، هذا النظام الذي.. الكل كانوا يتمشدقون قبل الحرب، لم نرَ واحداً منهم يتجرأ على أن ينتحر مثلاً.. بينما عندما سقط النظام (هتلر)، في اليابان حالات الانتحار، فهو أحاط نفسه بعدد غير قليل من المنافقين هذا كان له تأثير..

وضاح خنفر: قبل يعني بعد قليل سوف ننتقل إلى الإخوة هنا في الجمهور لنستمع منهم.

[فاصل إعلاني]

وضاح خنفر: نريد الحقيقة الآن أن نستمع إلى بعض الإخوة والأخوات هنا المشاركين معنا في.. من الجمهور، السيدة ندى أعتقد أنه لديك أنتِ قصة تتعلق بزوجك، إذا كان باختصار يمكن أن تشرحي لنا هذه القصة؟

ندى: زوجي مهندس خالد حسين خرج يوم 10/11/2002 بيسوي جواز مالته وبعده ما رجع، يعني دورنا عليه بوقتها عرفنا إنه هو بالحاكمية أحد سجون المخابرات العراقية، ووراء سقوط بغداد بدينا نبحث بالمقابر الجماعية، لقد كان مقابر من الشمال إلى الجنوب ما أكو ما اسمه ما أكو، التقيت بأكثر من سجين ما أكو هو يعني، بس أنا عرفت إنه لحد 5/4 كان موجود في سجن الحاكمية في بغداد، وبعد ذلك أُخلي إلى جهة مجهولة، وأنا التقيت بأكثر من سجين جايين من.. من سجن بالفاو، ذكر إنه أكو هناك سجناء المخابرات العراقية سجناء كانوا موجودين بالمخابرات موجودين الآن في سجون إما بالفاو أو أم القصر.

وضاح خنفر ]مقاطعاً[: لكن لم يصلك أي شيء..

ندى: أي خبر لا عن طريق..

وضاح خنفر: منذ اختفائه. هل كان متورط في عمل.. هل كان.. من أجل ميول سياسية، مطلوب..؟

ندى: لا إطلاقاً، يعني على قولة أحد الناس يقول لا يصلي ولا يصوم ولا يشرب بالعراق يعني ما أكو يعني أي اتجاه، من العمل إلى البيت يعني ممكن إنه.. يعني تسألون هم يعني مو هو كان زوجي؟ أحكي لك لا إنسان سوي، لا.. لم يقترف خطأ.

وضاح خنفر: أنت سيدتي لديك أطفال الآن؟

ندى: اثنين.. ولد وبنت.

وضاح خنفر: كيف كان انعكاس غياب الأب عن.. على الأسرة؟

ندى: هو طبعاً.. هو يعني أب مثالي جداً، بحيث ترك فاد فجوة كُلِّش عظيمة يعني، هو كان الأب والأم بالنسبة إلهم، حتى لهسه ما (..) لهم آني بس عبارة عن (هاوس كيبر) Housekeeper بالنسبة للبيت، لأنه هو كان يغدقهم بالحب والدلال، ما أقدر أعوضه.. ما أقدر أعوض عنه نهائياً، أتمنى لو كان شيعي، أتمنى لو كان سني، أتمنى لو كان كاثوليك.. أرثوذكس، أي شيء.. أي اتجاه سياسي ما أكو، هذا المفزع بالقضية خرج لأجل إنه ينقذ أولاده من الرزق مال دخولهم حرب، هو ما يدريها، قال نروح للعمة لحد نهاية الحرب، ورجع خرج بعد ما رجع، أخي لأطفالي إنه القنابل ما أكو قنابل أيش راح تكون ليش دا أخليهم إنهم تحت ضغط حرب نفسية، أنا ما أريد أن أبتعد عن العراق لحين انتهاء الحرب ويرجع، بعدين هو خرج وبعدين ما رجع.

وضاح خنفر: شكراً لكِ.. شكراً لكِ سيدة ندى، دكتور هذه حالة أعتقد أنها تمثل واقع مازال ممتد يعني هي ليست ذكريات، ليست ماضي فقط، بل هي ممتدة في الواقع، مازالت تبحث حتى الآن عن زوجها، ليست هناك جثة له فُتدفن، هناك حقوق مرتبطة أيضاً بهذا الواقع، كيف يمكن أن يكون هذه الحالة وغيرها من الحالات الشبيهة كيف تشكل في المستقبل تأثيراً وضغطاً نفسياً على الإنسان العراقي؟

د.قاسم حسين صالح: هو الحقيقة الذي أصاب الشعب العراقي من الحالات النفسية ومن الحالات العقلية ومن حالات التفكك الأسرى تعجز عن احتوائها الروايات والمسرحيات، الحالة التي تفضلت فيها أختنا السيدة الكريمة هي واحدة من الحالات التي لا يمكن أن.. أن نصفها بأنها أشد الحالات، وإنما هي من الحالات المؤثرة فبالتأكيد سوف ينعكس هذا على حالتها النفسية وأعتقد أنها يعني لديها أعراض اكتئاب ولديها أعراض من القلق النفسي، ثم أنها مغدورة يعني في.. كما تفضلت وقالت لو أنه ارتكب سبباً..

وضاح خنفر: لعرفنا.. لفهمنا، نعم لكن الآن لا نستطيع أن نفهم؟

د. قاسم حسين صالح: لا نستطيع.

وضاح خنفر: ما الذي يحدث..

د. قاسم حسين صالح: وهي أيضاً الآن عاجزة لا تستطيع أن تفعل شيئاً، الآن هي تنتظر أن يحال إلها أو أن يقدم أو حتى أن النظام الجديد فيما إذا صار إلنا نظام جديد أن يرثي حالها أو أن يعوضها أو شيء من هذا القبيل فهذه حالة أخ وضاح، يعني حالات كثيرة، باختصار تستطيع أن تقول إن في كل بيت مأساة كما قلت.. أن (التراجيديا) التي حصلت في العراق بطلها هو الشعب العراقي بأجمعه فمثل هذه الحالات.. يعني إحنا شفنا حالات الطلاق التي تأتينا، يعني نساء متزوجات تأتين إلى مراكز الاستشارات النفسية، حالات طلاق سببها.. سببها اقتصاد، قسم من عندهم من الآباء هجروا عوائلهم، قسم من عندهم.. أتعلم أن.. أن قسم منهم باعوا أطفالهم؟ أتدري أن امرأة وأكثر من امرأة رمت بأطفالها بالنهر؟!

وضاح خنفر: هذا ممكن؟ فعلاً حدث؟

د. قاسم حسين صالح: حدث.

وضاح خنفر: يعني هل سجلتم وقائع؟

د. قاسم حسين صالح: نعم حدث.

وضاح خنفر: إحنا سمعنا إشاعات، لكن هل فعلاً هناك وقائع؟

د. قاسم حسين صالح: حدث.. لا.. لا.. حدث هذا، هذا حدث.. حدث فعلاً.

وضاح خنفر: كيف تصنف هذا؟ كيف يعني.. كيف الأم يمكن أن ترمي بولدها بالنهر؟

د. قاسم حسين صالح: كيف.. الآن لابد أنه حصل خللاً.. خلل إما في وقت إذا يتناولها مسرحي أو روائي يقول لك هذه تمارس الاحتجاج ضد السماء أنه أنا الآن عاجزة لا أستطيع أن أطعم أطفالي، لا أستطيع أن أراهم يتضورون جوعاً، فماذا أفعل؟ فلربما كان هذا فاد نوع من الاحتجاج ولكنه بالتأكيد خللٌ نفسي أصابها لأن المؤثرات أو التأثيرات التي وقعت هي أكثر من أن تحتمل.

وضاح خنفر: طيب دكتور كمال مظهر أيضاً بالإضافة إلى الأحداث التي سمعناها الآن من غياب للزوج أو للأخ أو لرب الأسرة واختفائه أو إعدامه أو ما إلى بذلك، أيضاً حدثت هناك مآسي أكبر بحجم أكبر من قبل ما حدث مثلاً للأكراد في حلابشة من خلال استخدام الأسلحة الكيميائية أو ما حدث أيضا في حملة الأنفال وعندما قُتل عدد كبير جداً بالعشرات بل مئات آلاف من الناس وهجِّروا من ديارهم، أنت كردي السيكولوجية الكردية -على سبيل المثال- كمجموعة تعرضت أيضاً لضغط لكن جماعي هل تأثرت، هل أصبح هناك معالم جديدة للتعامل سواء الداخلي الكردي الكردي أو مع القوميات الأخرى في العراق؟

د. كمال مظهر أحمد: أستاذ وضاح، ما حدث للشعب الكردي أكبر بكثير ودون عاطفة أقول ذلك الكلام دون عاطفة حتماً وقع أشياء مأساوية جداً بالنسبة للشيعة ولكن عندما نناقش الموضوع من زاوية تاريخية واقعية يحس بأن الوجود القومي للكرد كان في خطر فلذلك مآسي الكرد.. مآسي الكرد تتجاوز هذه المآسي الآخرى التي هي مآسي بشرية لا نظير لها قطعاً، فمآسي الكرد كبيرة جداً، تصور عثرت على بعض الملفات بعد سقوط النظام، بعد سقوط النظام العديد من الكرد، الملف أقرأ في كامل الملف لا أجد شيئاً شائبة على هذا الإنسان ومراسلاتهم مع زوجته وأهله لا شائبة عليه التقارير الأمنية لا شائبة عليه أبداً مع ذلك إنه أُعدم وإنه وجدوا آثاره في القبور الجماعية.

الدكتور أشار إلى هذا المثل الذي لا يصدق بأن أم تلقي بابنها في النهر، هنالك حالة أخرى أيضاً عثرنا على الوثائق فتاة كردية فتاة كردية في المخابرات إنها تشكر الله لأن الله خلقها غير جميلة.. غير جميلة لأن رجال الأمن والمخابرات كانوا لا يقتربون منها بل يقتربون فقط من الجميلات إنها تقول -أنا سمعت منها هذا الكلام- إنها تقول بأنني كنت دائماً متأثراً بأنني لست جميلة، ولم.. ولم أكن أصلِّي قبلما أدخل إلى الأمن ولكن عندما وجدت هذه الحالة بدأت أصلي ليل نهار وأشكر الله لأنه خلقني غير جميلة.. هذه الحالة أنا قلت منذ أن خلق الله حواء هذه الحالة لم تحدث بأن امرأة تشكر الله لأنه خلقها غير جميلة، المآسي كبيرة جداً يا أستاذ وضاح.

وسائل استعادة العراقيين عافيتهم النفسية

وضاح خنفر: طيب، مرة ثانية يا دكتور قاسم يعني هذه الندوب النفسية الهائلة وهذه الجراحات الغائرة، هل تعتقد أنه مشهد بهذه السوداوية التي نعيشها الآن يمكن فعلاً أن ينفرج، ما هي الوسائل الكفيلة بأن يستعيد الناس العافية الصحية ويتعاملوا مع الماضي بواقعية بطريقة ربما تخلصهم من العيش في مثل هذه الجحيم؟

د. قاسم حسين صالح: أخ وضاح، ليست المسألة بهذه السهولة فيما يتعلق بالحالات النفسية والجروح العميقة وهنالك من يوجد الآن من يزيد هذه الجروح، المشهد السيكولوجي الآن هو أنه محمَّل بهذه الجروح، لثلاث وعشرين سنة، أنا لماذا قلت ثلاث وعشرين سنة؟ لأنه بدأتها ببداية الحرب وحين عمت الكارثة ثم أعقبتها حرب ثم أعقبها حصار، هذه.. هذه السنوات العجاف، هذه أحدثت.. أحدثت مآسي جدا كبيرة من بين الأمراض النفسية اللي راح أقولها لحضرتك يسمى اضطراب ما بعد الصدمة، أول ما اكتشفوا لدى الجنود الأميركان، الجنود الأميركان الذين حاربوا في فيتنام، الآن تظهر لديهم أيش؟ هذا الاضطراب يعني بعد عشرين سنة، بعد ثلاثين سنة الآن تأتينا حالات هي من الحرب العراقية الإيرانية أو من الغزو الأحمق للكويت، الحرب التي دارت في الكويت، فهذه ليست سهلة.

وضاح خنفر: كيف يُتعامل معها؟ أنت كمختص في.. في علم النفس؟

د. قاسم حسين صالح: نعم، لا نستطيع الآن أن نتعامل معها لسبب واحد يعني أقصد نتعامل معها.

وضاح خنفر: من حيث الحلول.

د. قاسم حسين صالح: من حيث الحلول ومن حيث الشفاء ونقول هذا راح يستقر حالته النفسية، إنما لسبب وهو أن الآن المشهد السيكولوجي هو الخوف من الحاضر والقلق من المستقبل، هذا الإنسان العراقي بالمناسبة إحنا راح نطلع الآن من هذا اللقاء.

وضاح خنفر: نعم.

د. قاسم حسين صالح: وعندما نصل إلى بيوتنا أنا والدكتور كمال نشعر بالخوف هل راح نوصل سالمين.. وإذا صار علينا شيء صار نأخذها من (الجزيرة).

وضاح خنفر: يسلمك.

د. قاسم حسين صالح: هذا الخوف حالة.. حالة عامة وتمتلئ بها نشرات الأخبار يعني مازالت.

وضاح خنفر: بسبب فقدان الأمن..

د. قاسم حسين صالح: مازالت التراجيديا.. مازالت التراجيديا هذه التي قلت إنها صبرت لثلاث وعشرين سنة، باستثناء فترة الاستراحة لسنة واحدة مازال المشهد التراجيدي مستمر ومازال العالم يتفرج علينا، ومنهم من يبكي ومنهم من يتشنج ومنهم..، والآن ليس بالمستطاع شفائها إنما الآن المستطاع مداراتها، الحاجة الأساسية عند الإنسان هي علماء النفس جميعاً وبخاصة العلماء الذين يدرسون تحليل الشخصية يقولون أن الإنسان منظومة من الحاجات.

وضاح خنفر: نعم.

د. قاسم حسين صالح: the first need الحاجة الأولى هي الحاجة إلى الأمن بعد الغذاء طبعاً الحاجة إلى الأمن عندما يستقر الإنسان نفسياً حين ذاك بتهون الأمور الأخرى، فهذا الأمن الآن الحاجة النفسية..

وضاح خنفر: مفقودة..

د. قاسم حسين صالح: مفقودة.. تأمن بها الحاجة النفسية حين ذاك يمكن أن..

وضاح خنفر: نعم دكتور كمال مظهر مرة أخرى يعني قد يكون كما قال الدكتور قاسم من الصعب ومن العسير أن تشفى هذه الأمراض الآن، لكن تاريخياً هل كانت هناك حالات مشابهة استطاعت أن تتعامل الشعوب معها في بناء منظومة نفسية أو قانونية أو اجتماعية لكي تتحرك نحو المستقبل ولا تبقى أسيرة اللحظة.

د. كمال مظهر أحمد: نعم أستاذ وضاح، الألمان أيضاً بصعوبة تجاوزوا بعد سقوط النظام.. النظام النازي بصعوبة احتاجوا إلى.. احتاجوا إلى وقت إلى وقت، ولكن جروحنا عميقة جداً.

وضاح خنفر: لكن هل في.. في الحالة الألمانية هل كانت هناك آليات للتعامل معها؟ يعني مثلاً الآن أنت تتكلم عن حقوق، هل يعني أن تفتح محاكمات لأولئك الذين ارتكبوا هذه الجرائم أو تدفع تعويضات أو.. أو ما الذي يمكن فعله الآن من أجل البدء بحل هذه المشكلة؟

د. كمال مظهر أحمد: تحديداً أريد أن أقول هذا من الضروري بسرعة دولة القانون دولة القانون ومن الضروري جداً أن يُقدَّم المسؤولون المباشرون عن مثل هذه الجرائم إلى المحاكم، لأن الشعب العراقي ينتظر.. ينتظر ذلك وهذا ضروري جداً مع الزمن.. مع الزمن وإمكانات البلد الإنسان يكون متفائلاً لأنه في المستقبل مثلاً الآن في البداية.. في البداية يومياً الحديث عن القبور الجماعية، الآن بدأ.. بدأ يخف الحديث إلى حدٍ ما فمن الضروري دولة القانون ومن الضروري تقديم المسؤولين عن هذه الجرائم بصورة مباشرة حتى تندمل على الأقل جانب من الجروحات.

وضاح خنفر: نعم، بعد الحديث عن مسألة دولة القانون أنا الحقيقة أريد أن أتكلم إلى السيد حيدر مُلاَّ وهو محامي موجود معنا هنا في وسط الجمهور، هل القوانين الموجودة حالياً في الدولة العراقية تسمح وتساعد على هذه النقلة وعلى محاولة حل المشكلات الكبيرة التي تحدثنا عنها؟

حيدر ملا: أستاذ وضاح، بالنسبة للقوانين حالياً قبل أن أتكلم عن هذا الموضوع أريد أن أتطرق إلى نقطة ممارسات النظام السابق، ممارسات النظام السابق بسلبياتها الكثيرة كانت مستندة على نصوص قانونية تُشرَّع من قِبَل نفس النظام، القانون العراقي لم يوجد بدخول البعثيين أو استلام البعثيين إلى السلطة، القانون العراقي موجود منذ تأسيس الدولة العراقية، المتغير الذي حدث باستلام البعثيين إلى السلطة وحسب تحليل الأساتذة الأفاضل لشخصية رأس السلطة في العراق المتمثلة وفق التحليلات السياسية أو الصور للسلطة السابقة بالنظام الثيوقراطي الذي ينصب من نفسه إلهاً ومجموع الشعب هم الرعية، استحدث حالة القرارات الصادرة من مجلس قيادة الثورة التي كانت حتى في حالة معارضتها لقاعدة دستورية أو لقاعدة قانونية للقانون المدني ..

وضاح خنفر: تأخذ الأولوية نعم.

حيدر ملا: تأخذ الأولوية على هذا الشيء، وحتى الممارسات الفردية للحلقة المغلقة من النظام عندما كانت تحدث سلبيات يجري بحث كبير لإيجاد غلاف قانوني عنه، وكلنا نذكر حالة كامل حنا وحالة ابن الرئيس المخلوع، عندما حدثت حاولوا أن يجدوا غلاف قانوني لمعالجة هذه الحالة، ما نعانيه الآن في الحقيقة استمرارية سريان تلك القوانين التي بموجبها اُرتكبت الكثير من الجرائم بحق الشعب العراقي، وما حدث مع الأسف وكنت قبل قليل تتكلم عن الحلول، الحلول هو ببناء دولة القانون، ولكن ما حدث أنه تغير رأس السلطة مع بقاء نفس السلوكية بالتعامل مع الشعب العراقي، كيف نجد الحلول مع بقاء حالة بصدور قوات التحالف لأمر إنه لا يجوز المساس قانوناً ولو من الناحية الشكلية بأي فرد من أفراد قوات التحالف من قبل أي جريمة أو أي فعل من وجهة الشعب العراقي أو من وجهة المواطن العراقي يعتبر فعل جرمي، استمرارية القوانين مازالت سارية، كل الذي تحدثوا عن التعويضات، وكل الذين تحدثوا عن ترجيع أو إرجاع الحقوق إلى الشعب العراقي، لا نستطيع الآن مجابهتها أو تنفيذها أو تطبيقها من الناحية الواقعية أو الناحية العملية، بسبب استمرارية القوانين، نحن نحتاج إلى تشريع جديد يعيد آثار بأثر رجعي للقاعدة القانونية التي كانت تُطبَّق في ظل النظام السابق، أما في ظل الوضع الحالي حقيقة بدون وجود تشريع جديد وبدون وجود لسلطة القانون لا نستطيع معالجة كل هذه السلبيات من الناحية القانونية.

وضاح خنفر: نعم، شكراً جزيلاً لك، دكتور قاسم أنا عايشت تجربة أيضاً شبيهة ربما أقل.. لا أدري يعني أقل قسوة ربما نقول في جنوب إفريقيا، عندما انتقل النظام من أيدي البيض إلى أيدي السود وكان أيضاً النظام العنصري في جنوب إفريقيا ارتكب مجازر ومشاكل كثيرة جداً ضد الغالبية السوداء، شُكلت هناك لجنة سُميت لجنة الحقيقة والمصالحة، بناء على نظرية تقول أنه لا يمكن أن يصل الناس إلى المصالحة وإلى العفو إذا لم تظهر الحقيقة ويعترف المجرم بتلك الحقيقة ويُعاقب، ثم بعد ذلك يُشفى المجتمع من هذه الجرائم ومن هذه الذكريات المريرة، هل مثل هذه الأمثلة يمكن أن تُطبق في المجتمع العراقي؟

د. قاسم حسين صالح: تقصد من الناحية النفسية؟

وضاح خنفر: نعم.

د. قاسم حسين صالح: والاجتماعية، نعم، الحقيقة هي جملة متطلبات، من وجهة نظري يجب أن تبدأ بالحاجة لتوفير الأمن. هذه الأساسية والأمن -كما تفضل الأخ- إلا بدولة القانون، بعدها يمكن هذه الإجراءات، ولكن لا تنسَ أخ وضاح أن الحالة النفسية للعراقيين مازالت غير مستقرة، أنا أضرب لحضرتك مثال واحد أجريت بحثاً حديثاً لم يُنشر بعد، استطلعت فيه عينة من آراء الأساتذة والذين هم يشكلون هم النخبة، مثلاً السؤال الأول كان: كيف تريد أن يكون الحكم في العراق؟ ثلاث اختيارات ملكي -جمهوري- لا أبالي. وراءه: هل تريد أن يكون.. كيف تريد أن يكون شكل توجه الحكم في العراق؟ إسلامي -علماني -لا أبالي؟ ما نتحدث عن النسب..

وضاح خنفر [مقاطعاً]: الإسلامي والعلماني وهكذا..

د. قاسم حسين صالح: التي.. الذي يلفت الانتباه هو اللا أبالي، أتعلم أن 15% أجابوا بأنهم لا يبالون.

وضاح خنفر: هؤلاء من النخب.

د. قاسم حسين صالح: من النخب، و12% على السؤال الثاني: بتريده إسلامي أم علماني أم لا أبالي؟ 12% يعني 15 % 950 بالمليون ويشكل.. ويشكل 150 ألف..

وضاح خنفر: بالألف نعم.

د. قاسم حسين صالح: 150 ألف بالمليون.

وضاح خنفر: بالمليون، نعم.

د. قاسم حسين صالح: يعني كل مليون تاخده بالشعب العراقي يطلع به، وطبعاً هذا مصايب، ما الذي يعنيه هذا؟ فيه مسألة أساسية تهمك أن يكون الحكم ملكي أو جمهوري، وفيه مسألة أساسية تهمك فيها أن يكون الحكم إسلامي، ما الذي يعني هذا؟ أن الشعب العراقي ضجر من السياسة، وأن هنالك حالة يأس، يللا خليها كيف ما (تصير) بس تكون ونخلص، بهذا المعنى العراقي، يعني بهذه المفردة العراقية.

وضاح خنفر: دكتور كمال، هل هذه الحالة مؤقتة برأيك؟ يعني حركة الشعوب والتاريخ عادة فيها محطات معينة، يخف فيه الاهتمام بهذه المسألة أو تلك، لكن بشكل عام، هل يمكن أن تستمر هذه اللحظة؟

د. كمال مظهر أحمد: أستاذ وضاح، إذا تسمح لي، أشير قبل ذلك، يعني قبل الإجابة عن السؤال، إلى أننا كتبنا أطروحة دكتوراه عن (نيلسون مانديلا) وكانت أطروحة دكتوراه ممتازة، ممتازة بكل معنى الكلمة، طالبة أنا أشرفت على أطروحتها، عفراء اسمها، لا وجه للمقارنة بين ما حدث في جنوب إفريقيا، وما حدث في العراق، ثم ينبغي أن يُؤخذ بنظر الاعتبار، أن ما حدث في جنوب إفريقيا بين.. بين الأجانب وبين أهل.. أهل جنوب إفريقيا، بينما هنا حدث من أبناء جلدتك مثل هذه.. مثل هذه المآسي، فبذلك يعني لا وجه للمقارنة بين.. بين الحالتين، مع ذلك.. مع ذلك نعم نحن بحاجة إلى شخصية أو شخصيات مثل نيلسون مانديلا، فلابد.. لابد من إفساح المجال للعراقيين أنفسهم، ليأخذوا الأمور على عاتقهم، وبإمكانهم أن يجدوا الحل، ولكن الأمر بحاجة إلى وقت غير قصير.

وضاح خنفر: هل تعتقد بأن ما هو عليه الحال الآن من احتلال للعراق، هذا الاحتلال جاء للتخلص من النظام، كثير من الناس شعروا بأن التخلص من النظام ضرورة حتى وإن تحالفوا مع الولايات المتحدة أو مع غيرها، هل تعتقد أن هذه الحالة قد سهلت المشهد؟ يعني أصبح الإنسان العراقي في حالة من الطمأنينة ومن السكينة، أو بدأ يستعيد عافيته، بالرغم من وجود الاحتلال، أم أن استعادة العافية مرتهن أيضاً ببدء حياة سياسية جديدة عراقية مستقلة؟

د. كمال مظهر أحمد: من خلال مراقبتي للأحداث، ومن خلال علاقاتي واتصالاتي، أحس بأن هنالك أيضاً مبالغة في تصوير الوجود الأميركي، وجود الاحتلال، يعني الحالة تتحسن من يوم.. من يوم إلى آخر، والاحتلال مرفوض بكل أشكاله دون.. دون أدنى شك.. دون أدنى شك، وأنا شخصياً كتبت عن طبيعة الاستعمار الأميركي، أو الرأسمالية الأميركية، ولكن علينا أن نقر.. أن نقر بسبب المآسي المتراكمة، أن الأميركان إذا اليوم يخرجون من العراق، ربما البلد يغرق في بحر من الدم، فعلينا أن نتعامل مع هذا الواقع بصورة عقلانية ومع.. نعم.

تزايد العبء النفسي على العراقيين جراء الاحتلال الأميركي

وضاح خنفر: طيب دكتور.. عفواً.. يعني عفواً على المقاطعة، هل الاحتلال الأميركي يضيف عبئا نفسياً على الإنسان العراقي؟

د. قاسم حسين صالح: جداً.. جداً، وخاصة بالنسبة للعراقي، العراقي لم يتعود، لم يعتد الخضوع للأجنبي، يعني الاستعمار الإنجليزي، والدكتور كمال أعرف منى في.. في التاريخ.. شو هي (الهوسات) اللي كانوا العرب.. العرب الفلاحين، الناس البسطاء، (..) أصلاً..

د. كمال مظهر أحمد: .. أحس إنهم بجواري.

د. قاسم حسين صالح: (..) اللي هو المدفع يقصد، وحاربوهم، هذا.. هذا تراث.. تراث نفسي، وقوة نفسية متشكلة عند الإنسان العراقي، والإنسان العراقي يمتاز بالأَنَفة، الأَنَفة يعني.

د. كمال مظهر أحمد: الكبرياء.

د. قاسم حسين صالح: الكبرياء.

وضاح خنفر: الكبرياء.

د. قاسم حسين صالح: لا يمكن أن يتحمل وأعطيتك مثلاً هنا بهذا الاستفتاء، حتى يكون كلامنا (concrete) كما يقولون بالإنجليزية، يعني سألناهم الأساتذة، هل تعيب الأعمال التي تستهدف قتل الجنود؟ تصور، الجنود أقصد الجنود الأميركان.

وضاح خنفر: الأميركيين نعم.

د. قاسم حسين صالح: والبريطانيين، تصوركم النسبة؟ 41% يؤيدونهم، 59% لا يؤيدونهم.. معني ذلك أن الرفض للاحتلال الأميركي هو رفض يعني رفض (..) ورفض، بل إنه واجب يعني لا يمكن أن يستجيب، سؤال آخر أيضاً.. أيضاً يعطيك مؤشر نفسي، سألناهم، هل تتوقع أن العراق مقبل على حرب أهلية؟ تدري كم أجابوا؟ 24% يقولون أن العراق مقبل على حرب أهلية، يعني.

وضاح خنفر: يعني تشاؤم كبير جداً لدى..

د. قاسم حسين صالح: يعني ربع سكان العراق يقول لك أيه، وطبعاً الآن موجودة، وهنالك يعني هو الذي نطلبه من.. من الشعب العراقي، بحكم.. برغم أنه على دراية وعلى وعي، ولكن ينبغي أن يتنبه أنه إذا نشبت حرب أهلية -لا سمح الله- فإن العراق سوف يتقسَّم إلى ثلاث دول، وهذا ما تسعى إليه الصهيونية، وما أعرف أيش لون هي (....) مع أميركاما أعرف.. السياسة ، هذا الذي ينبغي، يعني الآن مثل ما تفضلتم بقناة (الجزيرة) وأخذتم تخرجون الأحداث اللطيفة التي تؤكد على توحد الشعب العراقي، وآخرها يمكن الحدث الذي أظهرتوه في..

وضاح خنفر: الحكيم.

د. قاسم حسين صالح: حق الشعب في..، جامع الشعب وحسناً فعلتم، وهو هذا النفس الحقيقي للشعب العراقي، أنه..

وضاح خنفر: أن يلتف السنة والشيعة والأكراد والعرب والآشوريين وغيرهم، كلهم يلتقوا على موقف واحد، عندما يكون المسألة متعلقة برمز ديني، أو بمؤسسة أو بمسجد أو بأي...

د. قاسم حسين صالح: وهذا ما نرجوه منكم، لستم فقط أنتم قناة (الجزيرة) وإنما القنوات الفضائية العربية، أقول لهم رفقاً بالعراقيين، يعني العراقيين كانوا ضحية لكذا من السنين، وضحية عادة تذبح لتكفير عن ذنب، فما الذي جناه العراقيون؟

وضاح خنفر: هل.. يا دكتور هذه المسألة الحقيقة أنا حبيت أسأل عنها، هل بسبب الحالة النفسية التي يعيشها الإنسان العراقي؟ وكما وضَّحتها مسبقاً، تزيد من الحساسية اتجاه المواقف، يعني أحياناً بعض البرامج التي تذاع سواء كانت في قناة (الجزيرة) أو في غيرها، نعتبرها برامج طبيعية في أي مجتمع آخر، لكن تلقى ردود فعل مختلفة أحياناً عن.. فأحياناً مبالغ فيها من قِبَل المشاهد العراقي، هل هذا له تأثير؟ هل هذا له سبب في هذا التحليل النفسي؟

د. قاسم حسين صالح: جداً، دعني أقول.. أقولها بصراحة، إن أكثر الناس في إثارة الفتنة هم رجال الدين، وإن أفضل الناس في قمع الفتنة هم رجال الدين الأفاضل، يليهم بالدرجة الثانية هي القنوات الفضائية عندما تبث الخبر.. والعراقي ذكي صنعته الظروف، هو أصلاً ذكي، يعني في تقديري، حتى في رسالة وجهتها (لبريمر) قلت له تعامل مع العراقيين على..

د. كمال مظهر أحمد: بحكمة.

د. قاسم حسين صالح: على حقيقتهم، أنهم أذكياء، أنهم كذا.. أنهم كذا، أنهم كذا، فالعراقي ذكي، ويستطيع أن.. اللي أريده من حضراتكم مثل هذه المواقف النبيلة واللطيفة.. لأنه الآن يعزفون على وتر.

د. كمال مظهر أحمد: إثارة الفتن.

د. قاسم حسين صالح: إثارة الفتن، وإثارة الحرب الأهلية، التي تفضي بالنتيجة إلى خدمة المخطط الإسرائيلي، أو الصهيوني، وهو تقسيم العراق.

وضاح خنفر: طيب.. الحقيقة يعني إذا سمحتم لي أود أن أعود مرة ثانية إلى الجمهور، الأخ الكريم هناك، أعتقد أن أحد أشقائك قد اختفى، بعد ذلك علمتم أنه قد أُعدم في النظام السابق، أنا سؤالي لك، لو طلب منك وسُئلت ما الذي تريده الآن؟ ما الذي تريده؟ هل تريد أن يحاكم هؤلاء الناس؟ هل تريد تعويضاً؟ هل ستعفو وتصفح؟ ما الذي تريده من أجل أن تشعر بشيء من الطمأنينة والسكينة أنت وعائلتك؟

مداخل: بسم الله الرحمن الرحيم، هو ما نريده أن يحكم النظام السابق.

وضاح خنفر: أن يحاكم نعم.

مداخل: أن يحاكم.

وضاح خنفر: هل محاكمة الذي قتل مثلاً شقيقك يمكن أن.. أن تحل مشكلة نفسية بالنسبة لك؟ تشعر بالإرتياح؟

مداخل: نقطة (..) وهناك.. هنالك أكثر من الضحايا، أكثر بكثير، (..) الشعب العراقي (..) مقابر جماعية، فهذا لازم أن يحاكم النظام السابق.

وضاح خنفر: طيب سيد حيدر ملا، مرة ثانية حول هذا الموضوع القانوني بالذات، يعني أنت ذكرت أن.. أن هناك استحقاقات كثيرة، لا يمكن أن تعالج بالقوانين الحالية، هل يمكن أن تكون الأولوية.. ومثلاً على سبيل المثال ناس تحدثوا عن محاكمات، ناس تحدثوا عن عودة مسائل متعلقة بالجنسية، متعلقة بالجوازات، متعلقة بمن هو العراقي؟ وبتفاصيل كثيرة، ومصادرة أراضي وما إلى ذلك، برأيك لو أريد فعلاً أن تنص أو توضع قوانين جديدة، هل بالإمكان أن تكون هذه المسألة مسألة يسيرة؟ أم أنها تحتاج إلى سنوات من أجل تغيير كل هذه القوانين التي سنَّها النظام السابق؟

حيدر ملا: لا بطبيعة الحال العراق مُقْدم على بناء جديد، وهذا البناء يجب أن يؤسس على أسس صحيحة، الكثير من هذه المسائل يجب أن تعالج معالجة قانونية، لا تترك المسألة للثارات وأن تعالج بقضايا شخصية، بطبيعة الحال درب الألف ميل يبدأ بخطوة، والخطوة اللي نحتاجها الآن بـ..، وهذا يمكن يتزامن ويا التشكيل الوزاري اللي جديد، حقيقة المسألة تحل بسلطة القانون، وسلطة القانون حتى تستطيع أن تحصر أو تحتوي جميع العراقيين، يجب أن تتمتع بنوع من الاستقلالية، بل استقلالية تامة، حتى تستطيع بناء أسس قانونية صحيحة، تحتوي جميع العراقيين، وتستطيع أن تعالج جميع السلبيات الماضية، أما في ظل القوانين الحالية، حقيقة الأمر نحتاج إلى تشريع جديد، بعض هذه التشريعات يجب أن تكون بأثر رجعي، كما قلت سابقاً لتستطيع أن نعالج كل السلبيات السابقة، بسلطة القانون.

دور الشخصية التاريخية للإنسان العراقي في إعادة تأهيله نفسياً

وضاح خنفر: طيب شكراً لك سيدي، الآن دكتور كمال مظهر أحمد، الشخصية العراقية سمعنا بعض الجوانب التي ربما يعني نشأت من خلال هذا الظرف النفسي القاهر، لكن أيضاً هناك جوانب جداً مهمة في الشخصية العراقية، العمق التاريخي، هذا العراق بلد الحضارات، بلد الحضارة الإسلامية، بلد الثقافة، بلد.. هذه الشخصية.. هذه الشخصية التاريخية للإنسان العراقي ما هو دورها في إعادة تأهيل النفسية للإنسانية العراقية، لكي تواجه المشاكل الحقيقية، وتنطلق في المستقبل؟

د. كمال مظهر أحمد: أخ وضاح لا عاطفة، إنما على أساس الواقع، أن الفرد العراقي متميز، وأن كبار الفلاسفة والمفكرين منذ أقدم الأزمنة، تحدثوا عن الفرد العراقي، عن وطنيته، وحتى أتذكر حالة بأن (أرسطو) نصح القادة الإغريق الذين جاءوا إلى احتلال العراق.. نصحهم بأن عليكم أن تتعاملوا بالحكمة مع العراقيين، لأن هذا الشعب شعب متميز، شعب الحضارة.. شعب الحضارة، فلذلك.. لذلك دون أدنى شك.. دون أدنى شك، أن المهمة صعبة، وعلينا أن نخوض هذه التجربة، وأن نحاول، وأن نكون متفائلين بالنسبة لهذا الجانب من الموضوع، وأن نباشر وأن نعطي المجال للعراقيين أنفسهم لمعالجة مشاكلهم بأنفسهم، الشخصية العراقية شخصية متميزة، وشخصية له القابلية للتصدي لمشاكله.

وضاح خنفر: دكتور قاسم، هل من إجابة مختصرة في أقل من نصف دقيقة؟ تلخيص للمستقبل كيف تراه؟

د. قاسم حسين صالح: المستقبل أراه ينبغي أن يكون الإنسان متفائل، ولكن عليه على الأقل، يبدو لي أنه يجب على العراقيين أو فُرِضَ على العراقيين أن يدفعوا البقية من الضريبة، والبقية من الضريبة هي التعاون مع قوات الاحتلال.

وضاح خنفر: أعزائي المشاهدين كانت هذه هي حلقتنا حول الواقع النفسي العراقي، المشهد النفسي العراقي الحالي، وأعتقد أن التفاؤل الذي تحدث عنه الدكتور، والإمكانات التاريخية الكبيرة للشخصية العراقية قادرة -بإذن الله- على أن.. أن تتجاوز هذه المرحلة.

أشكر في نهاية هذا البرنامج الدكتور كمال مظهر أحمد (أستاذ التاريخ بجامعة بغداد)، وشكري الجزيل أيضاً للدكتور قاسم حسين صالح (أستاذ علم نفس الشخصية والصحة النفسية بجامعة بغداد).

د. كمال مظهر أحمد: شكراً..

وضاح خنفر: وأشكر أيضاً الإخوة والأخت الذين شاركوا معنا هنا في الأستوديو، وأنتم أعزائي المشاهدين أشكركم شكراً جزيلاً، وإلى اللقاء في حلقة قادمة، والسلام عليكم.