قصص متشابهة لشباب عرب اضطرته الظروف الصعبة في بلدانهم إلى الهجرة إلى دول أخرى بحثا عن حياة أفضل وعن جنسية أخرى تشعرهم بقيمتهم بوصفهم بشرا.. حلقة (15/6/2016) من برنامج "تحت المجهر" دخلت عوالم شباب من مصر والعراق وسوريا ونقلت قصصهم مع الهجرة.  

أحمد الشيخ صحفي مصري، شارك في ثورة 25 يناير وتعرض لإصابة فقد على أثرها عينه، ولم تستطع الدولة علاجه على نفقتها رغم ما قدمه من تضحيات، يقول إنه لم يكن يفكر إطلاقا في الهجرة، لكنه اضطر إلى مغادرة بلده لأنه لم يعد يشعر بإنسانيته.

 سماح صادق لم تكن تفكر في الهجرة وترك مصر (الجزيرة)

مغني الراب المصري محمد الشريف غنى ضد النظام وممارساته، ليجد نفسه بين غياهب السجون لمدة ستة أشهر، تعرض خلالها لمختلف أنواع التنكيل.

من جهتها، الكاتبة المصرية الكندية سماح صادق لم تكن تفكر من قبل في الهجرة وترك بلدها مصر، لكنها غادرت إلى كندا، وأصبح لها جواز سفر كندي يشعرها بقيمتها الإنسانية، وتقول "جواز السفر المصري يقلل من قيمتي كإنسانة.. لا كرامة للمصري خارج بلده وعندما يقع في مشكلة لا تدافع عنه".

حجي فرزدق، عراقي صاحب مصنع ملابس، غادر إلى جورجيا وأصبح من أكبر رجال الأعمال فيها، يروي أن الظلم الذي تعرض له رفقة ابنته على أحد الحواجز بين بغداد والفلوجة جعله يقرر أن ينسى شيئا اسمه العراق، اسمه الوطن، ويبحث عن جنسية أخرى وبلد آخر يعيش فيه حياته بشكل طبيعي.

أما خلف جاسم، صاحب فندق ويملك الجنسيتين العراقية والجورجية، فيرى أنه بعد الربيع العربي وتغير الأنظمة صار كل الناس يريدون الهجرة بسبب مشاكل الطائفية والعرقية، فتحول الوطن العربي إلى طارد لأبنائه.

ويؤكد جاسم أنه في جورجيا لا يشعر بمضايقات مثل ما يحدث في العراق، فلا أحد يتكلم بلغة طائفية أو دينية.   

  حجي فرزدق الظلم جعله يترك العراق (الجزيرة)

رانيا أيوبي وزوجها محمد الكردي قررا ترك سوريا إلى إسطنبول التركية بسبب ظروف بلدهما، حيث القتل والقصف المستمر. وتتحدث رانيا بحسرة عن معاناة السوريين بعد الثورة وأنهم أصبحوا من دون وطن.   

ولا يختلف عبد الله هلال، سوري صاحب معمل حلويات عربية في تبليسي الجورجية، عن البقية، فقد اختار -كما يقول هو نفسه- السفر لبلد يشعر فيه بالأمن وعندما يستيقظ صباحا ويخرج من بيته يتأكد أنه سيعود إليه في المساء. في جورجيا رزق هذا المواطن السوري ببنت وأصبح يملك حقوقها بعد أن سجل في وزارة الهجرة.

دوافع الهجرة
وعن أسباب لجوء الشباب العرب إلى الهجرة، يقول خبير السكان ودراسات الهجرة أيمن زهري إن الهجرة تحولت من وسيلة لعلاج المشاكل الاجتماعية إلى رغبة في الهجرة الدائمة والإقامة في الخارج، ويرجع ذلك لإحباط الناس وتغير مفهوم الوطن لديهم، زد على ذلك أن الحراك السياسي الذي عرفته المنطقة العربية أثّر على الهجرة.

أما الباحث ياسر شعباني فيرجع أسباب الهجرة إلى انعدام العدالة الاجتماعية في الدول العربية ولكن بوجوه مختلفة، وقال إنه بعد الربيع العربي زادت ظاهرة الهجرة في مصر والعراق وغيرهما، وقال إن الهدف هو تفريغ المجتمعات العربية من شبابها.

ويجمع من تحدثوا لحلقة "تحت المجهر" على أن جواز السفر البديل أصبح يوفر لهم الحرية والكرامة والمعاملة الحسنة حتى وهم على أرض وطنهم الأصلي.

وعبر بعضهم عن رغبتهم في العيش في وطنهم الأصلي ولكن بجنسية ثانية، لأنها تعطيه القيمة التي يفتقدها وهو بجنسيته الأصلية. 

تغير نمط تفكير المواطن العربي وتغيرت دوافعه للهجرة، حيث استبدل حلم الهجرة المؤقتة مع هاجس العودة للوطن بحلم الحصول على جواز بديل أملا في الاستقرار خارجه، فكان هذا العمل الوثائقي عن دوافع المواطن العربي في رغبته في الحصول على جواز بديل، وإن كان المقابل التنازل عن جواز الوطن الأم.

بدأ فريق العمل بعد اعتماد فريق "تحت المجهر" للمعالجة وشبكة الجزيرة الإعلامية للتعاقد، البحث عن شخصيات محورية تساعدنا على فهم الظاهرة، وبعد بحث مفصل بناء على مجموعة من معايير وشروط، تم التواصل مع مجموعة من المهاجرين العرب لا يفصلهم عن الحلم غير خطوات.

تمت المعايشات من واقع أربعة بلدان هي مصر وجورجيا وكندا وتركيا، مما حقق للحلقة نوعا من  التنوع في جماليات الصورة، وأتاح لنا معايشة ضيوف الفيلم عن كثب في سبيل التعرف على دوافع الهجرة لديهم، ورصد ظروفهم المعيشية الحالية، مما يتيح الاطلاع على تقييمهم الشخصي للتجربة.

دوافع
تباينت ظروف الحالات ودوافعها ما بين الدوافع المادية، والظروف السياسية التي مرت بها المنطقة العربية، والظروف الاجتماعية المهيمنة في الوطن العربي.

أسباب البحث عن جواز بديل، قبل أن نسترسل في الخطوات الفعلية لتحقيق هذا الهدف بين تكلفته ونسب النجاح في تحقيقه، فهناك مجموعة نجحت بالفعل في الخروج والهجرة ومنهم من لا يزال متحينا الفرصة، قبل أن ينتهي الحديث عن مفهوم الوطن والانتماء.

للظاهرة إطار علمي لا يمكن إغفاله، حددته مجموعة من ضيوف الحلقة من الباحثين والمتخصصين الذين كان لهم دور في تقديم قراءات علمية تفند التجارب الإنسانية السابقة، حيث رصدنا من خلالهم أهم الدراسات والإحصائيات الخاصة بتفاوت أعداد المهاجرين العرب وفق دوافعهم، وحجم التأثير المباشر لثورات الربيع العربي على تلك الأعداد.

وكان التساؤل الأهم عن وضع الجواز العربي مقابل جوازات السفر الأوروبية، خاصة في ظل الشعور السائد بعدم احترام الدول العربية جوازات سفر بعضها بعضا.

حلقة "تحت المجهر- الجواز البديل" محاولة لدق جرس إنذار في وطن عربي وصفه ضيوف الحلقة بأنه أصبح طاردا لأبنائه، وهي أيضا فرصة لتذكير الإعلام العربي بخطورة ترسيخ فكرة النجاح بالخارج في الوقت الذي أصبح فيه الحديث عن الانتماء في خلفية الأحداث.

مونتاج وإخراج: هاني فريد