أحمد السيد مواطن مصري مصاب بمرض مزمن، وبعد أن فقد عمله في مصنع نسيج اختار تحت ضغط الحاجة والفقر أن يكون حالة دراسية لكلية الطب، حيث يتجند لتعليم الأطباء الشباب حالته إلى أن صارت مهنته "عيان"، وطبعا يكون ذلك بمقابل مادي.

أما محمود عبد الله -متعهد حالات دراسة لطلاب كلية الطب- فيشتغل سمسارا وتخصصه تزويد الأطباء بالحالات الدراسية، فهو يعقد صفقات تجارية "وكل شيء بثمنه"، كما يكشف هو بنفسه لحلقة (17/2/2016) من برنامج "تحت المجهر".

المريض والسمسار هما عينتان تعكسان الواقع المزري الذي وصل إليه قطاع الصحة في مصر، فالمريض يعاني من الفقر والطبيب يعاني أيضا بسبب ظروف عمله وانخفاض مرتبه، مما يجعله -خاصة إن كان من أصحاب الضمائر الغائبة- يسعى للحصول على المال حتى ولو كان بابتزاز الناس والدوس على مهنة الطب الشريفة.

ويشتكي أطباء تحدثوا لحلقة "تحت المجهر" من غياب الإمكانيات التي تعين الطبيب في شغله، إضافة إلى ضعف الراتب الشهري الذي يتقاضاه، وأجمعوا على أن هناك معاناة فعلية، وطالبت الأستاذة في كلية الطب في جامعة عين شمس نادية الأنصاري السلطات المصرية بأن ترفع أجرة الأطباء كما فعلت مع القضاة.

ويلجأ أطباء مصريون لتحسين دخولهم بالعمل في مستشفيات حكومية خلال الفترة الصباحية، ثم يلتحقون بعياداتهم الخاصة بعد الظهيرة، وهو أمر غير معمول به في دول غربية مثل الولايات المتحدة الأميركية، حيث إن الطبيب هناك إما أن يتفرغ لعيادته أو للمستشفى الحكومي.

بينما يقوم أطباء آخرون في مصر برفع تكاليف الفحص وغيرها، رغم أن المريض الفقير لا يقدر على دفعها، وهو وضع انتقده الدكتور عبد الحميد أباظة مساعد وزير الصحة سابقا.

عضو حركة "أطباء بلا حقوق" الدكتور أحمد فتحي يؤكد أن بعض الأطباء يختارون دول الخليج من أجل تحسين دخلهم المادي، بينما يختار آخرون دولا غربية بها منظومة طبية محترمة، بغرض التعلم وكسب المزيد من المهارات في مجالهم.   

بينما تقول الأستاذة في كلية الطب في جامعة عين شمس إن أطباء هذا الزمن ليس لديهم الصبر والتحمل، ويريدون الوصول في أسرع وقت. ومن جهتها، قالت الدكتورة نهال مجدي -طبيبة باطنة- إنه "عندما يفقد الطبيب إنسانيته، فكيف تنتظر منه أن يؤدي خدمته بشكل إنساني؟"

 د. نهال مجدي تحدثت عن ظروف العمل الصعبة (الجزيرة)

أما المرضى فإن وضعهم لا يقل سوءا، فالمستشفيات الحكومية تفتقر للخدمات الملائمة، بينما الخاصة تفوق تكاليف العلاج فيها قدرتهم المادية، إضافة إلى مشكلة التأمين الصحي.  

وبحسب الدكتورة الأنصاري والدكتورة نهال، فإن بعض الفقراء يلجؤون إلى عرض أعضائهم مثل الكلى للبيع من أجل كسب المال.

لا مقارنة
ومقارنة مع وضع القطاع الصحي في مصر، تحدثت حلقة "تحت المجهر" مع طبيبين مصريين هاجرا إلى ألمانيا من أجل ممارسة مهنة الطب، حيث أبرزا الفارق الكبير بين واقع القطاع في البلدين، فمستوى الطب في ألمانيا -بحسب الطبيب المتدرب باسم الضوي- أفضل بكثير من نظيره المصري، والتأمين الصحي موجود بشكل قوي في هذه الدولة الأوروبية.

كما أنه لا فرق بين المستشفيات الخاصة والمستشفيات العامة في ألمانيا، فكلاهما يقدمان خدمات طبية رفيعة المستوى، إضافة إلى الراتب الذي يؤمن للطبيب حياة معقولة، كما يقول الطبيب في مستشفى ألماني باسم سلامة.

قبل عشرة أعوام، وعند إنهائي الدراسة في المرحلة الثانوية، رشحني مكتب التنسيق للالتحاق بكلية الطب جامعة المنصورة وفقاً للتوزيع الجغرافي، لكنّي أبديت الرغبة في الالتحاق بمعهد السينما، وقد بدت الرغبة غريبة للغاية! فهل يمكن لمن يحصد هذا المجموع الكبير في الثانوية أن يتخلى عن "كلية القمة" إلا أن يكون مجنوناً؟

وأعتقد أنه لولا حصولي على منحة دراسية للدراسة بإحدى الجامعات الأجنبية في مصر، لكنت الآن طبيباً يمارس هذه المهنة من دون شغف حقيقي، أو هجرتها بعد التخرج كما يفعل البعض.

طوال هذه الأعوام العشرة الأخيرة، كنت دائماً على مقربة من أصدقائي، زملاء الدراسة الثانوية الذين ذهبوا لدراسة الطب، أستمع إلى حكاياتهم بين أروقة محاضرات الدراسة في كليات الطب والمستشفيات الجامعية، ثم رحلة التخصص الطويلة بداية من الامتياز والتكليف والنيابة، وأحلام الماجستير والدكتوراه أو الهجرة لدول الخليج أو ألمانيا أو إنجلترا أو أستراليا.

وكانت قصصهم الصغيرة الدافع القوي كي أبدأ مع فريق العمل في البحث في قضية المنظومة الصحية في مصر، ومشاكلها المعقدة بين المسؤولين الحكوميين الذين يندهشون مرارا وتكرارا من الوضع المزري في القطاع الصحي، وكأنهم لا يعلمون السبب وراء هذه الحال.

ومطالب الأطباء بزيادة مرتباتهم الضعيفة للغاية، أو معاناتهم من ضعف الإمكانيات الطبية، وافتقادهم إلى أبسط أدوات تشخيص المرض كجهاز قياس الضغط مثلاً! والمرضى الذين لا يصلون المستشفيات إلا وقد استحكم بهم المرض بسبب العوز وارتفاع كلفة التداوي.

تجارة
كان أصدقائي من طلبة الطب يحكون لي عن المرضى المزمنين الذين اتخذوا من أمراضهم سبيلاً لكسب الرزق، هؤلاء البسطاء الذين يعانون أمراضاً بلا علاج، وقد حفظوا أعراض مرضهم باللغة الإنجليزية وبمصطلحات طبية دقيقة عن ظهر قلب، فراحوا يعلمون الشباب الأطباء مقابل المال، في دروس الخصوصية، وفي المحاضرات العملية، وفي الامتحانات أيضا! وعن المريض الذي يرفض أن يسمح للطالب بأن يكشف عليه قبل أن يمنحه مبلغاً من المال، وقد يزيد السعر أو ينخفض حسب شدة حاجة الطالب، إذ أضحى المرض مهنة مثل غيرها من المهن مع الوقت بعد أن يئس من علاجها ومن منظومة الطب في بلده.

كانت البداية البحث عن هؤلاء المرضى المزمنين، حاولنا اختراق عالمهم بين مستشفيات قصر العيني والدمرداش، ذهبنا إلى مقهاهم الشهير في حي المنيل الجامعي، ولكي نتعرف على عالمهم أكثر قبل التصوير، زعمنا أننا نعمل لصالح طبيب كبير يعطي دروساً خصوصية ويبحث عن "حالات دراسية مزمنة"، دلنا صاحب المقهى على السمسار.

وأخذنا السمسار ليعرض علينا ما في جعبته من حالات دراسية، بعد دقائق وجدنا في المقهى عدداً من البسطاء، عرضها علينا السمسار: "هذه حالة كبد، هذه حالة قلب، هذه حالة روماتيزم، هل تريد أطفالاً؟ أم تفضل مريضات من العجائز؟ كله موجود، وكل شيء بثمنه"! صفقة تجارية هي، لكل مريض حالة ثمن، وكلما ندرت الحالة وتعقدت زاد سعرها، وكلما تعلمت الحالة مواصفات مرضها غلا ثمنها!

بعد أن تعرفنا على أبعاد عالم المرضى المزمنين، اخترنا شخصياتنا بين سمسار متخصص في تزويد الأطباء بالحالات الدراسية، ومريض مزمن بسيط فقد عمله في مصنع للنسيج قبل ثلاثين عاماً بسبب مرضه، ووجد نفسه "مجنداً" لتعليم الأطباء الشباب حالته إلى أن صارت مهنته "عيان" (أي مريض باللهجة المصرية).

ومثلما صار المرض تجارة، صارت مهنة الطبيب تجارة أيضا، بين راتب هزيل تصرفه له الدولة وذكريات سنوات طويلة من الدراسة والكد والاجتهاد، يسأل الكثير من الأطباء أنفسهم: أليس من حق الطبيب بعد سنوات طويلة من الشقاء والمعاناة أن يفتتح عيادته الخاصة ليكسب المال؟ أليس من حقه أن يعمل في المستشفيات الخاصة ليأخذ مرتباً محترماً؟ أليس من حقه أن يبحث عن فرصة عمل أفضل في بلاد الخليج العربي أو الغرب؟

أثناء البحث أيضاً صدمتنا الأرقام التي ترفعها وزارة الصحة عن أعداد الخريجين من كليات الطب في البلاد، الذين لا يتوظف منهم سوى النزر اليسير داخل مصر، قررنا السفر لألمانيا للبحث عن الأطباء المصريين العاملين هناك، واكتشفنا الفارق الكبير بين المنظومة الطبية في مصر وألمانيا حيث قال لنا أحد الأطباء إنهم كانوا يعتبرون كلية الطب في مصر "ست سنوات دراسة وسنة دراسة لغة ألمانية"، في إشارة إلى أهمية اللغة الألمانية لهم سعياً للسفر للعمل في ألمانيا.

في مصر يقال لكي تعيش كريماً عليك أن تتجنب ثلاث مؤسسات رئيسية: المصالح الحكومية وأقسام الشرطة والمستشفيات الحكومية. ربما يكون من الشائع في الإعلام المصري أن نتحدث عن أخطاء الأطباء، لكن من يتحدث فعلاً عما يواجهه هؤلاء الأطباء من مشاكل وصعوبات وضعف الإمكانيات، وقوة الانتظار من ممارسين لمهنة هي رسالة قبل أي شيء؟

المخرج: علاء مصباح